Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (82%)
فما دام الإنسان يقر بالعبودية لله وحده، فهو يرفض بطبيعة الحال كل صنم وكل تأليه مزور لأي إنسان وكائن، ويرفع رأسه حرًا أبيّا، ولا يستشعر ذلْ العبودية والهوان أمام أي قوة من قوى الأرض أو صنم من أصنامها؛ لأن ظاهرة الصنمية في حياة الإنسان نشأت عن سببين: أحدهما: عبوديته للشهوة التي تجعله يتنازل عن حريته إلى الصنم الإنساني، الذي يقدر على إشباع تلك الشهوة وضمانها له. والأخر: جهله بما وراء تلك الأقنعة الصنمية المتألهة من نقاط الضعف والعجز. والإسلام حرر الإنسان من عبودية الشهوة كما عرفنا آنفًا، وزيف تلك الأقنعة الصنمية الخادعة ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) [الأعراف / ١٩٤]. ويمحو من عقول المسلمين عبودية الأصنام بمختلف أشكالها وألوانها. وعلى ضوء الأسس التي يقوم عليها تحرير الإنسان من عبوديات الشهوة في النطاق الشخصي، وتحريره من عبودية الأصنام في النطاق الاجتماعي - سواء كان الصنم أمة أم فئة أم فردًا - نستطيع أن نعرف مجال السلوك العملي للفرد في الإسلام ؛ ١٢٠ : الحرية العملية للفرد حدًّا إلا حريات الأفراد الآخرين؛ لأن الإسلام يهتم قبل كل شيء -كما عرفنا- بتحرير الفرد من عبودية الشهوات والأصنام، ويسمح له بالتصرف كما يشاء على أن لا يخرج عن حدود الله؛ فالقرآن يقول : (هُوَ الَّذِى خَلَفَ لَكُم مَا فِي ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ) [البقرة / ٣٩]. ( وَسَخَّرَلَكُم مَا فِى السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلْأَرْضِ جَميعًا مِنْهُ ) [الجاثية / ١٣]. وبذلك يضع الكون بأسره تحت تصرف الإنسان وحريته، ولكنها حرية محدودة بالحدود التي تجعلها تتفق مع تحرره الداخلي من عبودية الشهوة، وتحرره الخارجي من عبودية الأصنام. وأما الحرية العملية في عبادة الشهوة والالتصاق بالأرض ومعانيها، والتخلي عن الحرية الإنسانية بمعناها الحقيقي، وأما الحرية العملية في السكوت عن الظلم والتنازل عن الحق، والانسياق وراء مصالحها، والتخلي عن الرسالة الحقيقية الكبرى للإنسان في الحياة، فهذا ما لا يأذن به الإسلام؛ لأنه تحطيم لأعمق معاني الحرية في الإنسان؛ ولأن الإسلام لا يفهم من الحرية إيجاد منطلق للمعاني الحيوانية في الإنسان، وإنما يفهمها بوصفها جزءًا من برنامج فكري وروحي كامل يجب أن تقوم على أساسه الإنسانية. المدلول الغربي للحرية السياسية ونحن حين نبرز هذا الوجه التحريري الثوري للإسلام في النطاق الاجتماعي، إطارها الغربي الخاص؛ فإن الإسلام كما يختلف عن الحضارة الغربية في مفهومه عن الحرية الشخصية - كما عرفنا قبل لحظة- كذلك يختلف عنها في مفهومه عن الحرية السياسية والاقتصادية والفكرية. وليس لأحد التحكم فيه. فإن الحرية السياسية كانت نتيجة لتطبيق تلك الفكرة الأساسية على الحقل السياسي، فما دام شكل الحياة الاجتماعية ولونها وقوانينها يمس جميع أفراد المجتمع مباشرة فلابد للجميع أن يشتركوا في عملية البناء الاجتماعي بالشكل الذي يحلو لهم، وليس لفرد أن يفرض على آخر ما لا يرتضيه، ويخضعه بالقوة لنظام لا يقبله. وتبدأ الحرية السياسية تتناقض مع الفكرة الأساسية منذ تواجه واقع الحياة؛ لأن من طبيعة المجتمع أن تتعدد فيه وجهات النظر وتختلف، والأخذ بوجهة نظر البعض يعني سلب الأخرين حقهم في امتلاك إرادتهم والسيطرة على مصيرهم . ومن هنا جاء مبدأ الأخذ برأي الأكثرية، ولكنه توفيق ناقص؛ لأن الأقلية تتمتع بحقها في الحرية وامتلاك إرادتها كالأكثرية تمامًا، ومبدأ الأكثرية يحرمها من استعمال هذا الحق، فلا يعدو مبدأ الأكثرية أن يكون نظامًا تستبد فيه فئة بمقدرات فئة أخرى، المدرسة الإسلامية ولا ننكر أن مبدأ الأكثرية قد يكون بنفسه من المبادئ التي يتفق عليها الجميع، فتحرص الأقلية على تنفيذ رأي الأكثرية باعتباره الرأي الأكثر أنصارًا، وإن كانت في نفس الوقت تؤمن بوجهة رأي أخرى، وتعمل لكسب الأكثرية إلى جانبه. ولكن هذا فرض لا يمكن الاعتراف بصحته في كل المجتمعات؛ الأكثرية. ونستخلص من ذلك: أن الفكرة الأساسية في الحضارة الغربية لا تأخذ مجراها في الحقل السياسي، حتى تبدأ تتناقض وتصطدم بالواقع، وتتجه إلى لون من ألوان الاستبداد والفردية في الحكم، الأكثرية للأقلية. والإسلام لا يؤمن بهذه الفكرة الأساسية في الحضارة الغربية؛ وأن اللّه وحده هو رب الإنسان ومربّيه، وصاحب الحق في تنظيم منهاج حياته: (ءأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ . ١٢٣ وينعى على الأفراد الذين يسلمون زمام قيادهم للآخرين، ويمنحونهم حق الإمامة في الحياة والتربية والربوبية ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُحْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوَا إِلَىٰهًا وَحِدَّالَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة/ ٣١]. وتوجيه الحياة الاجتماعية ووضع مناهجها ودساتيرها. وفي هذا الضوء نعرف أن تحرير الإسلام للإنسان في المجال السياسي، إنما يقوم على أساس الإيمان بمساواة أفراد المجتمع في تحمل أعباء الأمانة الإلهية، وتضامنهم في تطبيق أحكام اللّٰه تعالى: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)). وليست مساواة في الحكم. ومن نتائج هذه المساواة تحرير الإنسان في الحقل السياسي من سيطرة الأخرين، ١٢٤ ولذلك نجد أن القرآن الكريم شجب حكم فرعون والمجتمع الذي كان يحكمه؛ لأنه يمثل سيطرة الفرد في الحكم، وسيطرة طبقة على سائر الطبقات، ( إِنَّ مِرْعَوْنَ عَلَا فِي ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِمَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَعْىِء فِسَآءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفّسِدِينَ ) [القصص / ٤]، فكل تركيب سياسي يسمح لفرد أو لطبقة باستضعاف الأفراد أو الطبقات الأخرى والتحكم فيها لا يقره الإسلام؛ لأنه ينافي المساواة بين أفراد المجتمع في تحمل الأمانة على صعيد العبودية المخلصة لله تعالى. الحرية الاقتصادية بمفهومها الرأسمالي وأما الحرية الاقتصادية فهي - بمفهومها الرأسمالي - حرية شكلية، تتلخص في فسح المجال أمام كل فرد ليتصرف في الحقل الاقتصادي كما يريد، دون أن يجد من الجهاز الحاكم أي لون من ألوان الإكراه والتدخل. وبتعبير آخر: لا يهمها أن تتيح له أن يريد شيئًا ولهذا نجد أن الحرية الاقتصادية في مفهومها الرأسمالي خاوية، لا تحمل معنى بالنسبة إلى من لم تسمح له الفرص بالعيش، ولم تهيئ له ظروف التنافس والسباق الاقتصادي مجالاً للعمل والإنتاج. وهكذا تعود الحرية الرأسمالية شكلاً ظاهريًا فحسب، لا تحقق لهؤلاء شيئًا من معناها إلا بقدر الحرية التي تمنحها للأفراد الذين يعجزون عن السباحة، أينما تريدون. 125 حرية السباحة ونعطيهم فرصة التمتع بهذه الرياضة كما يتمتع القادرون على السباحة لكفلنا لهم حياتهم خلالها، لئلا يغرقوا، فنكون بذلك قد وفرنا الحرية الحقيقية، والقدرة على السباحة للجميع، وإن حددنا شيئًا من نشاط الماهرين لضمان حياة الآخرين. وهذا تمامًا ما فعله الإسلام في الحقل الاقتصادي، فنادى بالحرية الاقتصادية وبالضمان معًا، ومزج بينهما في تصميم موحد، فالكل أحرار في المجال الاقتصادي ولكن في حدود خاصة، فليس الفرد حرًّا حين يتطلب ضمان الأفراد الآخرين، والحفاظ على الرفاه العام التنازل عن شيء من حريته. وهكذا تآلفت فكرتا الحرية والضمان في الإسلام. الحرية الفكرية بمفهومها الرأسمالي وأما الحرية الفكرية فهي تعني في الحضارة الغربية؛ السماح لأي فرد أن يفكر ويعلن أفكاره ويدعو إليها كما يشاء، على أن لا يمس فكرة الحرية والأسس التي ترتكز عليها بالذات؛ ولهذا تسعى المجتمعات الديمقراطية إلى مناوأة الأفكار الفاشستية، والتحديد من حريتها أو القضاء عليها بالذات؛
Original text
119
الحرية في الرأسمالية والإسلام
- ١١٩
داخليًّا من الشهوات)، وتستعمل دائمًا في كل ملاحم الإسلام، وهي: التوحيد.
فما دام الإنسان يقر بالعبودية لله وحده، فهو يرفض بطبيعة الحال كل صنم وكل تأليه مزور لأي إنسان وكائن، ويرفع رأسه حرًا أبيّا، ولا يستشعر ذلْ العبودية والهوان أمام أي قوة من قوى الأرض أو صنم من أصنامها؛ لأن ظاهرة الصنمية في حياة الإنسان نشأت عن سببين:
أحدهما: عبوديته للشهوة التي تجعله يتنازل عن حريته إلى الصنم
الإنساني، الذي يقدر على إشباع تلك الشهوة وضمانها له.
والأخر: جهله بما وراء تلك الأقنعة الصنمية المتألهة من نقاط الضعف والعجز.
والإسلام حرر الإنسان من عبودية الشهوة كما عرفنا آنفًا، وزيف تلك الأقنعة الصنمية الخادعة ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) [الأعراف / ١٩٤]. فكان طبيعيًا أن ينتصر على الصنمية، ويمحو
من عقول المسلمين عبودية الأصنام بمختلف أشكالها وألوانها.
وعلى ضوء الأسس التي يقوم عليها تحرير الإنسان من عبوديات الشهوة في النطاق الشخصي، وتحريره من عبودية الأصنام في النطاق الاجتماعي - سواء
كان الصنم أمة أم فئة أم فردًا - نستطيع أن نعرف مجال السلوك العملي للفرد في الإسلام ؛ فإن الإسلام يختلف عن الحضارات الغربية الحديثة التي لا تضع لهذه
121
المدرسة الإسلامية
120
١٢٠ :
الحرية العملية للفرد حدًّا إلا حريات الأفراد الآخرين؛ لأن الإسلام يهتم قبل كل شيء -كما عرفنا- بتحرير الفرد من عبودية الشهوات والأصنام، ويسمح له بالتصرف كما يشاء على أن لا يخرج عن حدود الله؛ فالقرآن يقول : (هُوَ الَّذِى خَلَفَ لَكُم مَا فِي ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ) [البقرة / ٣٩]. ( وَسَخَّرَلَكُم مَا فِى السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلْأَرْضِ جَميعًا مِنْهُ ) [الجاثية / ١٣]. وبذلك يضع الكون بأسره تحت تصرف الإنسان وحريته، ولكنها حرية محدودة بالحدود التي تجعلها تتفق مع تحرره الداخلي من عبودية الشهوة، وتحرره الخارجي من عبودية الأصنام.
وأما الحرية العملية في عبادة الشهوة والالتصاق بالأرض ومعانيها، والتخلي عن الحرية الإنسانية بمعناها الحقيقي، وأما الحرية العملية في السكوت عن الظلم والتنازل عن الحق، وعبادة الأصنام البشرية والتقرب إليها، والانسياق وراء مصالحها، والتخلي عن الرسالة الحقيقية الكبرى للإنسان في الحياة، فهذا ما لا يأذن به الإسلام؛ لأنه تحطيم لأعمق معاني الحرية في الإنسان؛ ولأن الإسلام لا يفهم من الحرية إيجاد منطلق للمعاني الحيوانية في الإنسان، وإنما يفهمها بوصفها جزءًا من برنامج فكري وروحي كامل يجب أن تقوم على أساسه الإنسانية.
المدلول الغربي للحرية السياسية
ونحن حين نبرز هذا الوجه التحريري الثوري للإسلام في النطاق الاجتماعي، لا نعني بذلك أنه على وفاق مع الحريات الاجتماعية الديمقراطية في
الحرية في الرأسمالية والإسلام
121 - ١٢١
إطارها الغربي الخاص؛ فإن الإسلام كما يختلف عن الحضارة الغربية في مفهومه عن الحرية الشخصية - كما عرفنا قبل لحظة- كذلك يختلف عنها في مفهومه عن الحرية السياسية والاقتصادية والفكرية.
فالمدلول الغربي للحرية السياسية يعبر عن الفكرة الأساسية في الحضارة الغربية القائلة: إن الإنسان يملك نفسه، وليس لأحد التحكم فيه. فإن الحرية السياسية كانت نتيجة لتطبيق تلك الفكرة الأساسية على الحقل السياسي، فما دام شكل الحياة الاجتماعية ولونها وقوانينها يمس جميع أفراد المجتمع مباشرة فلابد للجميع أن يشتركوا في عملية البناء الاجتماعي بالشكل الذي يحلو لهم، وليس لفرد أن يفرض على آخر ما لا يرتضيه، ويخضعه بالقوة لنظام لا يقبله.
وتبدأ الحرية السياسية تتناقض مع الفكرة الأساسية منذ تواجه واقع الحياة؛ لأن من طبيعة المجتمع أن تتعدد فيه وجهات النظر وتختلف، والأخذ بوجهة نظر البعض يعني سلب الأخرين حقهم في امتلاك إرادتهم والسيطرة على مصيرهم . ومن هنا جاء مبدأ الأخذ برأي الأكثرية، بوصفه توقيقًا بين الفكرة الأساسية والحرية السياسية، ولكنه توفيق ناقص؛ لأن الأقلية تتمتع بحقها في الحرية وامتلاك إرادتها كالأكثرية تمامًا، ومبدأ الأكثرية يحرمها من استعمال هذا الحق، فلا يعدو مبدأ الأكثرية أن يكون نظامًا تستبد فيه فئة بمقدرات فئة أخرى، مع فارق كمي بين الفئتين.
123
122
١٣٢
المدرسة الإسلامية
ولا ننكر أن مبدأ الأكثرية قد يكون بنفسه من المبادئ التي يتفق عليها الجميع، فتحرص الأقلية على تنفيذ رأي الأكثرية باعتباره الرأي الأكثر أنصارًا، وإن كانت في نفس الوقت تؤمن بوجهة رأي أخرى، وتعمل لكسب الأكثرية إلى جانبه. ولكن هذا فرض لا يمكن الاعتراف بصحته في كل المجتمعات؛ فهناك توجد كثيرًا الأقليات التي لا ترضى عن رأيها بديلاً، ولو تعارض ذلك مع رأي
الأكثرية.
ونستخلص من ذلك: أن الفكرة الأساسية في الحضارة الغربية لا تأخذ مجراها في الحقل السياسي، حتى تبدأ تتناقض وتصطدم بالواقع، وتتجه إلى لون من ألوان الاستبداد والفردية في الحكم، يتمثل على - أفضل تقدير - في حكم
الأكثرية للأقلية.
والإسلام لا يؤمن بهذه الفكرة الأساسية في الحضارة الغربية؛ لأنه يقوم على العقيدة بعبودية الإنسان لله، وأن اللّه وحده هو رب الإنسان ومربّيه، وصاحب الحق في تنظيم منهاج حياته: (ءأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ . مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنْ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلّهِ أَمَرَ أَلَّا تَقْبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ القَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) [يوسف / ٤٠ -٣٩].
الحرية في الرأسمالية والإسلام
123
١٢٣
وينعى على الأفراد الذين يسلمون زمام قيادهم للآخرين، ويمنحونهم حق الإمامة في الحياة والتربية والربوبية ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُحْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوَا إِلَىٰهًا وَحِدَّالَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة/ ٣١].
فليس لفردٍ ولا لجموعِ أن يستأثر من دون اللّٰه بالحكم، وتوجيه الحياة
الاجتماعية ووضع مناهجها ودساتيرها.
وفي هذا الضوء نعرف أن تحرير الإسلام للإنسان في المجال السياسي، إنما يقوم على أساس الإيمان بمساواة أفراد المجتمع في تحمل أعباء الأمانة الإلهية، وتضامنهم في تطبيق أحكام اللّٰه تعالى: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)).
فالمساواة السياسية في الإسلام تتخذ شكلاً يختلف عن شكلها الغربي، فهي مساواة في تحمل الأمانة، وليست مساواة في الحكم.
ومن نتائج هذه المساواة تحرير الإنسان في الحقل السياسي من سيطرة الأخرين، والقضاء على ألوان الاستغلال السياسي وأشكال الحكم الفردي
والطبقي.
المدرسة الإسلامية
124
١٢٤
ولذلك نجد أن القرآن الكريم شجب حكم فرعون والمجتمع الذي كان يحكمه؛ لأنه يمثل سيطرة الفرد في الحكم، وسيطرة طبقة على سائر الطبقات، ( إِنَّ مِرْعَوْنَ عَلَا فِي ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِمَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَعْىِء فِسَآءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفّسِدِينَ ) [القصص / ٤]، فكل تركيب سياسي يسمح لفرد أو لطبقة باستضعاف الأفراد أو الطبقات الأخرى والتحكم فيها لا يقره الإسلام؛ لأنه ينافي المساواة بين أفراد المجتمع في تحمل الأمانة على صعيد العبودية المخلصة لله تعالى.
الحرية الاقتصادية بمفهومها الرأسمالي
وأما الحرية الاقتصادية فهي - بمفهومها الرأسمالي - حرية شكلية، تتلخص في فسح المجال أمام كل فرد ليتصرف في الحقل الاقتصادي كما يريد، دون أن يجد من الجهاز الحاكم أي لون من ألوان الإكراه والتدخل. ولا يهم الرأسمالية بعد أن تسمح للفرد بالتصرف كما يريد أن تخمن له شيئًا مما يريد. وبتعبير آخر:
لا يهمها أن تتيح له أن يريد شيئًا ولهذا نجد أن الحرية الاقتصادية في مفهومها الرأسمالي خاوية، لا تحمل معنى بالنسبة إلى من لم تسمح له الفرص بالعيش، ولم تهيئ له ظروف التنافس والسباق الاقتصادي مجالاً للعمل والإنتاج. وهكذا تعود الحرية الرأسمالية شكلاً ظاهريًا فحسب، لا تحقق لهؤلاء شيئًا من معناها إلا بقدر الحرية التي تمنحها للأفراد الذين يعجزون عن السباحة، إذ قلنا لهم: أنتم أحرار فاسبحوا كما يحلو لكم، أينما تريدون. ولو كنا نريد حقًّا أن نوفّر لهؤلاء
الحرية في الرأسمالية والإسلام
١٢٥
125
حرية السباحة ونعطيهم فرصة التمتع بهذه الرياضة كما يتمتع القادرون على السباحة لكفلنا لهم حياتهم خلالها، وطلبنا من الماهرين فيها الحفاظ عليهم ومراقبتهم، وعدم الابتعاد عنهم في مجال السباحة؛ لئلا يغرقوا، فنكون بذلك قد وفرنا الحرية الحقيقية، والقدرة على السباحة للجميع، وإن حددنا شيئًا من نشاط الماهرين لضمان حياة الآخرين.
وهذا تمامًا ما فعله الإسلام في الحقل الاقتصادي، فنادى بالحرية الاقتصادية وبالضمان معًا، ومزج بينهما في تصميم موحد، فالكل أحرار في المجال الاقتصادي ولكن في حدود خاصة، فليس الفرد حرًّا حين يتطلب ضمان الأفراد الآخرين، والحفاظ على الرفاه العام التنازل عن شيء من حريته.
وهكذا تآلفت فكرتا الحرية والضمان في الإسلام.
الحرية الفكرية بمفهومها الرأسمالي
وأما الحرية الفكرية فهي تعني في الحضارة الغربية؛ السماح لأي فرد أن يفكر ويعلن أفكاره ويدعو إليها كما يشاء، على أن لا يمس فكرة الحرية والأسس التي ترتكز عليها بالذات؛ ولهذا تسعى المجتمعات الديمقراطية إلى مناوأة الأفكار الفاشستية، والتحديد من حريتها أو القضاء عليها بالذات؛ لأن هذه الأفكار تحارب نفس الأفكار الأساسية والقاعدة الفكرية التي تقوم عليها فكرة الحرية والأسس الديمقراطية.
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
Intentsint motivation Intrinsic motivation is the desire to do something because you enjoy it or f...
لو رجعنا إلى تا...لو رجعنا إلى تاريخ الأدب العربي في العصر الجاهلي لوجدنا كثيره شعرا ويسيره نثرا ميز بندرته، وكان العر...
كتاب الحجاج في ...كتاب الحجاج في الخطاب وابغي تلخيص موضوعين منه الحجاج في الخطبة والحجاج في المحاورة تلخيص بحث علمي ...
الملاحظة وسيلة ...الملاحظة وسيلة هامة في جمع البيانات فى كثير من البحوث العلمية خاصة عندما تنصب على ملاحظة بعض الظواهر...
يؤكد هذا أن من ...يؤكد هذا أن من طبيعة الشريعة التسوية بين المتماثلات، والمغايرة بين المختلفات، ف: «التسوية بين المتما...
ثالثاً: ما تعلم...ثالثاً: ما تعلمته كباحث من هذه التجربة (التقييم الذاتي) أتاحت لي هذه التجربة البحثية فرصة عميقة لفهم...
أولاً: المراجعة...أولاً: المراجعة النظرية (الأدبيات) يعتبر إدارة وتطوير الموارد البشرية الركيزة الأساسية لتحسين أداء ا...
Scientific Appr...Scientific Approach of Behavior أولاً: المدخل العلمي للسلوك في أي منهج علمي توجد علاقة واضحة بين الم...
يقدم المشروع حا...يقدم المشروع حاجز فيضان ذكيًا منخفض التكلفة يهدف إلى حماية مداخل المنازل من تسرب مياه الأمطار والفيض...
5. Research Obj...5. Research Objectives and Questions5.1. Primary ObjectiveTo design, implement, and rigorously evalu...
عندما توفي والد...عندما توفي والدي، كنت غاضبة جدًّا منه. لعدة أشهر، شعرتُ ... بأنني لستُ على ما يرام، لأنني في نصف الأ...
أصدرت قيادة شرط...أصدرت قيادة شرطة محافظة الضالع، الثلاثاء، بياناً توضيحياً بشأن جريمة مقتل شخصين وإصابة ثالث من أبناء...