Online English Summarizer tool, free and accurate!
تتناول المقالة تمثلات الماء في الثقافة الشعبية المغربية خلال العصر الوسيط، مركزاً على طقوس طلب المطر في أوقات الجفاف، كطقس "تاغنجا" الذي يبرز دور المرأة رمزياً. وتُبرز المقالة دور المتصوفة في الاستسقاء، ممزوجاً بالخرافات والمعتقدات، مع تحليل أمثال شعبية تعكس أهمية الماء ودلالاته الرمزية المقدسة، مرتبطة بالخصوبة، الحياة، والشفاء، بالإضافة إلى ارتباطه بالأساطير والخرافات، وكيف استُخدم في الكرامات الصوفية وتوظيفه سياسياً. كما تبرز المقالة أهمية الماء في الأمثال الشعبية المغربية، وكيف يعكس ارتباطه العميق بالحياة اليومية، والنظافة، والصحة، وحفظ الأسرار.
يعتبر التاريخ الذهني وجه من وجوه التاريخ الاجتماعي الذي يبحث في الظواهر الرمزية والثقافية. ومن بين المواضيع التي حظيت بالاهتمام أو نالت ببعضه في أحسن الأحوال، قضايا الماء وتمثلاته في مخيال المجتمع المغربي خلال العصر الوسيط.وبما أن الماء مادة الحياة، ومورد الخصوبة، وأصل الكون، فقد اعتبر ملتقى المعتقدات الشعبية والعادات والأفكار والقناعات التي تضفي عليه أبعادا مختلفة ودلالات ثقافية وشعبية واجتماعية وعقدية، فينتج عن ذلك ثقافة شعبية معينة ترتبط به حسب اعتقادها كما هو الحال في جميع المجتمعات الإنسانية. غير أن حضوره في الوعي والتفكير الشعبي المغربي، تطبعه بعض الخصوصيات المحلية التي وجدت لها أساسا من الثقافة الشعبية، ومن المتخيل الشعبي والاستغلال الديني، والتفسير الغيبي، والاعتقاد الخرافي، ما شكل لنا معالم ذهنية مغربية زاوجت بين الحقيقة والواقع، وبين المتخيل والمنشود، وبين المقدس الطاهر والمادي الزائل، احتفظت به الذاكرة الشعبية المغربية في عدد كبير من الأمثال والأقوال المأثورة، والتي كثيرا ما جاءت تتفق في كثير من جوانبها مع ما جاء في النصوص الدينية والطقوسية.ملــــــــــــــف العـــــــددفاطمة بوزادتمثلات الماء في الثقافة الشعبية المغربية نماذج من العصر الوسيطمن بين المواضيع التي حظيت بالاهتمام أو نالت ببعضه في أحسن الأحوال، قضايا الماء وتمثلاته في مخيال المجتمع المغربي خلال العصر الوسيط.رصد تيمة الماء في الثقافة الشعبية المغربية، من خلال نماذج مستقاة من العصر الوسيط، للحديث عن بعض الطقوس التي كانت تمارس في زمن الندرة، والكشف عن بعض جوانب حضوره في الفعل الكراماتي لمتصوفة المغرب الوسيط175ومن هذا المنطلق، تروم هذه المقالة رصد تيمة الماء في الثقافة الشعبية المغربية، من خلال نماذج مستقاة من العصر الوسيط، للحديث عن بعض الطقوس التي كانت تمارس في زمن الندرة، والكشف عن بعض جوانب حضوره في الفعل الكراماتي لمتصوفة المغرب الوسيط، وفي المعتقدات والأفكار التي تمزج بين المعقول والجانب السحري والخرافي، وكذا الوقوف على بعض الأمثال الشعبية المأثورة وتحليلها وفق سياقات توظيفها.طقوس الماء في زمن الندرةتكاد تجمع العديد من الدراسات ،1عن كون الطقس هو مجموع الممارسات التي تعبر بها جماعة معينة عن موضوع ممارساتها الطقوسية بمختلف أنواعها، تحت وقع الاحتفالات الضخمة .2وهي بهذا تكون أقرب إلى كونها عبارة عن نسق من القواعد والمعايير المنظمة لسلوكيات الأفــراد داخـل بنية الجماعة، سـواء على مستوى أداء الأنشطة الاجتماعية والثقافية والزراعية، أو أثناء ممارسة الشعائر ذات الدلالة الرمزية المرتبطة بعناصر الطبيعة . وسياقاتها3وعليه، يعد الطقس عملا وممارسة سواء كانت فردية أو جماعية حسب جاك كزانوف 4والتي ينظر إليها في الغالب كونها «فعالة،» وخصوصا ما تعلق بطقوس واحتفالات طلب الغيث ،5والتي استمرت إلى فترات متأخرة.تعد احتفالات «تسليت» أو «أنزار» أو «عروس المطر،» من أهم الطقوس المرتبطة بطلب النو، في فترات الجفاف والخصاص المائي .6وقد تناول الاثنولوجي إميل لاووست7Mots et choses Berbères في مؤلفهEmile Laoustالدلالات الرمزية التي تربط بين الأداة «تاغنجا» (المغرفة) والفتاة العروس «تاسيليت،» التي يتم الطواف بها في موكب نسائي طمعا في نزول الغيث من لدن إله المطر، حسب الأسطورة المؤسسة لهذا الطقس الاستمطاري.معللا أن الاعتماد على المـرأة في القيام بهذا الطقس الاستمطاري، هو الرغبة في إثارة قوة إله المطر الإخصابية حيث يتضمن الغناء وبعض الابتهالات المستعطفة لأنزار، والتي تدعوه فيها عروسة المطر إلى النزول، أي العروس ، 8 التي يتم وضعها على رأس «العلام» أي « لعلام نتلا-غنجا» وهي عبارة عن دمية من خشب مغطاة بقطع من قماش في صورة عروس ويداها عبارة عن مغرفة موجهة لاستقبال المطر بشكل رمزي .9إذ تجري في الطقس فعاليات مختلفة، كالرقص، وتقديم القرابين، ونحر الأضاحي، وأداء الصلوات، . وترديد التراتيل10وبقدر ما يحمله هذا الطقس من ممارسات خرافية واعتقادات غيبية، فإنه على ما يبدو حمل بعضا من الآثار الإسلامية الواضحة المعالم خلال العصر الوسيط، فبمراكش كان الصبية مثلا في زمن الجفاف يمرون بأزقة المدينة ، يستغيثون ويسألون المطر ،11خاصة أبناء الشفاء منهم12 إلى جانب المتصوفة الذين يخرجون أيضا للاستسقاء بالناس، فقد كان أبو العباس السبتي يخرج برفقة بعضيعد الطقس عملا وممارسة سواء كانت فردية أو جماعية حسب جاك كزانوف 1والتي ينظر إليها في الغالب كونها «فعالة،» وخصوصا ما تعلق بطقوس واحتفالات طلب الغيث، والتي استمرت إلى فترات متأخرة.الاعتماد على المرأة في القيام بهذا الطقس الاستمطاري، هو الرغبة في إثارة قوة إله المطر الإخصابية حيث يتضمن الغناء وبعض الابتهالات المستعطفة لأنزار، والتي تدعوه فيها عروسة المطر إلى النزول، أي العروس التي يتم وضعها على رأس «العلام» أي « لعلام نتلا-غنجا»176شيوخ المتصوفة مثل يعقوب المبتلى وأبي الحسن البلنسي وأبي يعقوب الحكيم، والمريدين إلى خارج أبواب مراكش، طالبا من الناس التصدق بما معهم طبق مذهبه المعروف في الصدقة ،13إلى جانب مشاركة أهل الذمة في أداء هذا . الطقس 14إن خروج النساء والأطفال دليل على تقديمهم للاستشفاع بهم من الله عز وجل للنظر إلى حالهم، كما أن عملية جمع التبرعات المصاحبة لعملية طلب «النو» يوازيها عملية التصدق في سبيل الله، فهي بذلك طقس خرافي بغطاء شعبي وتأويل ديني.وتشهد الدراسات التي تناولت موضوع ممارسة طقوس الاستمطار بشمال افريقيا على أنها عادة موغلة في القدم، وجدت لها صدى كبيرا لدى كثير من الشعوب، حيث تحولتإلى ابتهالات ودعــوات مع دخول الاسلام .15ولهذا فهي ليست طقوساً احتفالية وحسب، وإنما هي طقوس تعبدية، تقع بين الخوف والرجاء أي بين اتقاء غضب الاله وطلب القبول عبر الابتهال والاستعطاف .16لذلك كان العامة من الناس يسارعون إلى طلب الغفران من الله ويبالغون في صلوات الاستسقاء، مكثين من الصيام والتضرع، معتقدين بدورهم في انحباس الأمطار لكثة المناكر والابتعاد عن الدين، فيلجؤون إلى الصلحاء والأولـيـاء، الأحياء منهم . والأموات كوسيط بينهم وبين الله 17وإلى جانب العامة وأهـل الصلاح مارس السلاطين طقوس الاستسقاء،بل كانت من الشعائر الرسمية التي يقومون بها، فلا تكاد تخلو أي إشارة من مشاركة السلاطين المغاربة في أداء سنة الاستسقاء. إذ يصور لنا ابن أبي زرع مشهدا عن قيام أبي السعيد المريني بأداء صلاة الاستسقاء بعد موجة القحط التي عرفتها البلاد سنة 711هـ، بخروجه ماشيا على قدميه، متقدمة أمامه جموع الصلحاء والفقهاء والقراء يدعون الله تعالى ويقدم الصدقات، بل الأكث من ذلك نجده يستعين بكرامة الموتى في استنزال المطر بعدما خرج إلى قبر الشيخ أبي يعقوب الأشقر بجبل الكندوسين، حيث سيجاب . دعاءه وستغاث البلاد18يزخر طقسا تاغنجا والاستسقاء، بترسانة من الدلالات الرمزية التي يحملها الماء في كنهه كعنصر للبناء الاجتماعيمن جهة، ومن جهة ثانية تعتبر الطقوس المائية خزانا للذاكرة الجماعية المحلية تحمل في طياتها تراثاً ثقافياً لا مادياً. كما شكلت هذه الطقوس آلية للتضامن والتلاحم بين المجموعات الاجتماعية خاصة في زمن الندرة.الماء ونسج الأساطيرأثبت الفكر الأسـطـوري ،19علاقته بالفكر الفلسفي على مستوى ولادة التصور الفكري الذي ينهل من الواقع الموضوعي المعيش، والذي يتصل بما هو مجتمعي وتاريخي واجتماعي، وبما هو حضاري وثقافي وتراثي. والماء كأحد العناصر المكونة للطبيعة، وأحد الإشكاليات الوجودية المتعلقة بحقيقة الـوجـود، ارتبط وجـودهتشهد الدراسات التي تناولت موضوع ممارسة طقوس الاستمطار بشمال افريقيا على أنها عادة موغلة في القدم، وجدت لها صدى كبيرا لدى كثير من الشعوب، حيث تحولت إلى ابتهالات ودعوات مع دخول الاسلاميزخر طقسا تاغنجا والاستسقاء، بترسانة من الدلالات الرمزية التي يحملها الماء في كنهه كعنصر للبناء الاجتماعي من جهة، ومن جهة ثانية تعتبر الطقوس المائية خزانا للذاكرة الجماعية المحلية تحمل في طياتها تراث ثقافي لا مادي177وندرته بمصادر أسطورية وأخرى خرافية وواقعية في بعض الأحيان.لم يقتصر الدين وحده على مسألة رمزية الماء في خلق الكون، بل تكاد ترجع أغلب أساطير المجتمعات البشية القديمة أصل الكون والحياة وجميع أصناف المخلوقات إلى الماء، والتي تعبر عنها داخل قوالب معرفية أسطورية شائعة الصدى منذ القدم، كأشكال من المعتقد والموروث الشعبي المتصل بالماء، وتترجمه كمضامين دالـة على موضوع المقدس والخصوبة والحياة والموت ،20وخصوصا أنه كان موضوعا للعبادة، عبر طقوس تبجيل وتقديس آلهة الماء، التي تتعدد ما بين آلهة البحار وآلهة الأودية، وآلهة الآبار والمغارات المائية، إلى غير ذلك من المجالات المائية المقدسة، التي مازالت تحظى بنفس التمثل المقدس لهذا . المورد، ولمنابعه ورموزه الأسطورية القديمة عند المغاربة21ولعل في هذه الأهمية البالغة للماء وأسراره الدفينة، ما دفع الإنسان منذ الأزل إلى ربطه بهالة من القدسية والخرافة وتصويره على خلفية الخيال والإكبار، فكان أن ألهه البعض، وربطه البعض بقوى الغيب من آلهة المطر والخصب، كما رأى فيه آخرون وجها لغضب الآلهة وأداة للعقاب.وعلى ضوء ذلك، فسر أحد المتخصصين 22على أن الأسطورة هي نتاج التفسير الساذج للشعوب البدائية لظواهر الطبيعة المختلفة التي كانت تصادفهم في حياتهم اليومية، بحيث كانوا يضعون لكل ظاهرة بل لكل نشاط يقومون به إلها خاصا، وكانوا ينسجون حوله قصصا خيالية خارقة، وقد تكون الأسطورة في هيئة حكاية خرافية للعظة.ومن المؤكد أن مغاربة المغرب الأقصى خلال العصر الوسيط لم يخرجوا عن هذا الإطار وعن هذا النمط من التفكير، فكان أن وجد الماء طريقا إلى تفكيرهم في الكون وفي تصورهم للطبيعة والخلق. ونسجوا مجموعة من الأساطير لتقدسيه خاصة تلك المرتبطة به في زمن الندرة. إذ يرجع عدد من الباحثين من بينهم عبد العزيز بل الفايدة، تاريخ هذه المعتقدات والطقوس إلى مرحلة ما قبل التاريخ .23حيث تم دمج وخلط العديد من تعاليم الإسلام بمجموعة من الطقوس القديمة، وبالتالي قاموا بما يمكن تسميته بأسلمة جملة من الممارسات الطقوسية القديمة التي كانت تدور في جانب منها حول المجالات الطبيعية المقدسة كالعيون ومنابيع المياه .24هذه الأخيرة التي تعد قوى خفية مؤثرة تمنح مياه تلك المواضع قدسية خاصة، وقد أدت قدرة الماء على تنظيف الأجسام البشية، والأشياء المادية منذ أقدم العصور إلى جعله رمزا عاما ووسيلة شائعة للتطهير، وللطقوس الدينية الخاصة بغسل الذنوب .25فنحن إذن حيال مجتمع يرتهن إلى نسج الأسطورة لحماية موارده من الضياع والانتفاء، ذلك أن قوة المعتقد تقوي السلوك وتوجهه نحو ما تقتضيه ضرورة العيش.وتـقـدم النصوص التاريخية نمــاذج عـن بعض هذه الاعتقادات التي سادت خلال العصر الوسيط، إذ يذكر صاحب الاستبصار تأثير شرب ماء عين برقال بطنجة على عقل شاربيه وإصابته بالحمق، فيعير بعبارة « شربت ماء برقال، لا جناح عليك» .26ويقول الشاعر فيه:بـطـنـجـة عـــين مــــاء وســــط رمــل لــــذيــــذ مـــــــاؤه كــالــســلــســبــيــلخــفــيــف وزنــــــه عـــــذب ولــكــن يـــطـــير بـــشـــاربـــه ألـــــف مـــيـــل27لم يقتصر الدين وحده على مسألة رمزية الماء في خلق الكون، بل تكاد ترجع أغلب أساطير المجتمعات البشرية القديمة أصل الكون والحياة وجميع أصناف المخلوقات إلى الماءولعل في هذه الأهمية البالغة للماء وأسراره الدفينة، ما دفع الإنسان منذ الأزل إلى ربطه بهالة من القدسية والخرافة وتصويره على خلفية الخيال والإكبار178وهي نفس الإشـارة التي أوردهـا عن نهر بجردة، على الطريق إلى المغرب من تونس، أن من شرب من مائه قسى قلبه .28كما اعتقد الناس أن ارتفاع حرارة حامة مولاي يعقوب هي من عمل عفريتين، أمرهما الخليفة الموحدي يعقوب المنصور (580هـ-595هـ/ 1184م-1198م) بإيقاد النار تحت الحامة وأن الله يشفي المستحمين المرضى « . ببركة يعقوب المنصور»29كما يدل اعتقاد الناس، بأن جبروت ملوك الإنس للاستئثار بتملك الثوة المائية العامة، ينتهي مستسلما أمام القوة القاهرة لملوك الجن؛ وهو ما يبدو من الرواية الخرافية التي ارتبطت بشوع أحد ملوك المغاربة في بناء قصره على ، عين ماء ثرة بالقرب من مدينة فاس، تسمى «رأس الماء»30 التي كان يتزود بمائها وادي الجوهر الذي يشق المدينة، حيث كان ملوك الجن الذين يسكنون فيها يقومون بقتل كل من شرع في أشغال البناء من العمال والصناع، لدرجة دفعت البنائين إلى الفرار خوفا على حياتهم وخوفا على من حملهم على العمل فيها قهرا. وأمام إصرار السلطان على التمادي في مشوعه، «هدده الجن على تصفيته فورا إذا لم . ينسحب هو ومشوعه من المكان إلى الأبد!31لم يتوقف اعتقاد المغاربة عند هذا الحد، بل جعلوا للماء قدرات غيبية في التعرف على شفاء المريض من موته،حيث كان لبربر بني وارثين المجاورين لموضع وادي فاس تجارب في ذلك، إذ كانوا يحملون المريض إلى رأس العين «بذلك الموضع المهول [بئر غامضة يهاب الدخول فيها، وهي دهسة عظيمة لا يدرك لها قعر،] فيغطسونه فيه حتى يقرب أن يطفئ، ثم يخرجونه، فإذا خرج على فمه دم يبشونه بحياته، وإن لم يخرج من فمه دم، أيقنوا بهلاكه» .32حضور الماء بهذه الرواية هو أمر مرتبط باعتقاد خرافي سائد، يتمثل في قدرة مياه بئر رأس العين في تحديد مصير المريض، هل يواصل الحياة أم أنه ميت من مرضه ذاك، وهو ما أدركه صاحب المؤلف الذي أبدى استغرابه من عدم إنكار الأمر، بقوله: «وهو عندهم متعارف لا . ينكر»33واستعمال المـاء في الاستشفاء تجاوز من المنبع إلى المستعمل منه، فمن الأساطير الخرافية التي سادت خلال الفترة المرينية، ما جاء عند ابن الأحمر في أن بقية ماء وضوء عبد الحق المريني، كان يحمله الناس للتبرك به ويستبشون به شفاء مرضاهم .34فارتباط الماء هنا بكرامة الأشخاص يجعل منه مقدسا خاصة إذا كانوا ذووا سلطة، فيصبح بذلك مـزارا من طرف العامة من أجل التبرك والتداوي في بعض الأحيان.ومن زاوية أخرى، فإن هاجس المحافظة على الماء ظل يؤرق الانسان المغربي خاصة في زمن الندرة، لهذا نجده يربطه بمعتقدات شعبية مشمولة بمعاني التطير والبركة ودرء المخاطر التي قد تهدده بالضياع والثلوث، لهذا كان المغاربة يتطيرون من إقامة الارحاء على الأنهار ومنابعها. ففيما يورده البكري في وصف مدينة إيجل في السوس بأنها «مدينة كبيرة سهلية بغربها نهر كبير جار من القبلة إلى الجوف، عليه بساتين كثيرة متصلة ولم يتخذوا قط عليها رحى، فإذا سئلوا عن المانع لهم من ذلك قالوا: كيف يسخر . مثل هذا الماء العذب في إدارة الأرحاء»35لم يتوقف اعتقاد المغاربة عند هذا الحد، بل جعلوا للماء قدرات غيبية في التعرف على شفاء المريض من موته، حيث كان لبربر بني وارثين المجاورين لموضع وادي فاس تجارب في ذلكهاجس المحافظة على الماء ظل يؤرق الانسان المغربي خاصة في زمن الندرة، لهذا نجده يربطه بمعتقدات شعبية مشمولة بمعاني التطير والبركة ودرء المخاطر التي قد تهدده بالضياع والثلوث179والأمر نفسه يؤكده الحميري عند حديثه عن وادي ماست في بلاد السوس الأقـصى، الذي تميز بصبيبه القوي، إلا أن الساكنة لم يتخذوا على هذا الوادي قط رحى، فإذا سئلوا عن ذلـك قالوا: نتخذ الماء المبارك في إدارة الأرحاء!! وهم . يتطيرون بها36إن البعد القداسي للماء، جعله يقتحم مجال الرمز والأسطورة، حيث تعددت أوجهه حسب الخاصية التي ارتبطت به. فمنابع الماء في المتخيل الشعبي المـغـربي تمثل مـواقـع لانبثاق الأرواح الشيرة التي تقطن عادة بباطن الأرض لحراسة الكنوز الدفينة، وكلما أتيحت لها الفرصة للخروج إلا وتسربت إلى السطح عبر المنافذ المائية .37وهذا الرأي رغم ما ينطوي عليه من علات إلا أنه يمكن من تتبع الخرافات والأساطير التي نسجها المغاربة والمرتبطة بالشبكة المائية، وفي الاستشفاء من بعض الامراض كالعقم والحمى والخصوبة وغيرها من الأمراض التي اختصت بعض منابع المياه والحامات في الشفاء منها.حضور الماء في الخرافة والسحرتجدر الإشـارة إلى أن تقديس الماء تواصل وتقوى عن طريق المتون الشعبية التي أحاطته بهالة من القدسية من خلال الخرافات والأعمال السحرية، وذلك للمحافظة عليه من الضياع أو استعماله لتثبيت المشوع السياسي كما سنرى ذلك، وتحضر في هذا الجانب العديد من الحكايات المصدرية التي تؤسس للقداسة التي حضي بها الماء وتؤتت للمأثورات الشعبية وبناء التمثلات والمواقف الفردية والجماعية.ومن القصص والـروايـات الخرافية التي دونها بعض المؤرخون المغاربة والتي ترتبط بالذهنية المغربية فيعلاقتها بالماء، نجد تقديس منابع المياه. ومنها ما تشير إليه إحدى الروايات المصدرية إلى الحادث المفتعل الذي عمد إلية محمد بن تومرت، حتى لا يشكك أحـد في عقيدته بعد هزيمته أمام المرابطين بتوظيفه للبئر لتثبيت مشوعه السياسي مدعيا أنه أتـاه ملك من السماء فغسل قلبه ونوره بنور يميز به أهـل الجنة وأهــل النار، حيث تقول الرواية:» إن الله أنزل الملائكة إلى إحدى الآبار يشهدون بصدق ابن تومرت « فسار المهدي والناس معه وهم يبكون إلى تلك البئر، ووقف على رأسها وصلى، وقال يا ملائكة الله إن أبا عبد الله قد زعم كيت وكيت، فسمع من أسفل البئر صدق صدق. وكان قد رتب بها رجال يفعلون ذلك، قال المهدي، إن هذه البئر مطهرة مقدسة قد نزل إليها الملائكة، والمصلحة أن تطم لئلا يقع . فيها نجاسة، فألقوا فيها من الحجارة والتراب ما طماها»38وفي المقابل، نجد لهذه الرواية الخرافية التي عمد إليها ابن تومرت صداها في الطقوس العربية القديمة؛ حيث كان العرب قديما يستقصون أخبار الغائب من بئر قديمة أو حفر قديم، بالمناداة عليه ثلاث مرات في داخل البئر أو الحفرة، «فإن سمعوا صوتا علموا أنه حي معافى، وإن لم يسمعوا شيئا علموا أنه قد مات» .39وهو ما يدل على تأثر ابن تومرت بالأفكار التي جاء بها من المشق.رغم ما تنطوي عليه هذه الرواية من حيلة محكمة استعملها ابن تومرت لتثبيت مشوعه السياسي بعد هزيمته أمام المرابطين، إلا أنها تصور لنا جانبا من الذهنية التي سادت خلال العصر الوسيط لاعتقادهم الراسخ بوجود أرواح وقوى خفية متواجدة دائما بنظرهم على منابع المياه وفي أعماق الآبار منذ القدم .40ويعزى توظيف البئر من طرف محمد بن تومرت إلى القدسية التي حضي بها بئر زمزم، حيث جسدت رؤيا عبد المطلب لحفر بئر زمزم جدلية الاجتماعي والقدسي، فالبئر نعتت في الحلم بطيبة، لأنها من سلالة إبراهيم «وبره» لأنها تفيض على180. الأبرار وتغيض على الفجار41وفي ذلـك إشــارة إلى استمرار الرمزية وتــوظــيــفــه لإضـــــفـــــاء المــــــقــــــدس عــلى المــمارســات الاجتماعية.وتكث في هذا الجانب الروايات الخرافية التي تقر بوجود جماعة لا مرئية من الجن لها قدرات خارقة وجب توقير أماكن تواجدها مثل السراديب المظلمة ومجاري الانهار والمياه الراكدة . التي تبررها عبادة المغارات، وتقديس الينابيع والحامات والارحاء المائية منذ القدم.ومن هذه الروايات الخرافية، ما ذكره الوزان عن الطلاسم التي وضعها المرابطون في القنوات الجالبة للماء بمدينة مراكش بقوله: « أن ماء نهر أغمات يصل إلى مراكش، يؤخذ بالقرب من أغمات ويتابع جريانه في قنوات تحت الأرض، وقد أمر عدد من الملوك بالبحث لمعرفة من أين يأتي هذا الماء إلى مراكش، فدخل بعض الأشخاص إلى القناة من النقطة التي يصل إليها الماء وفي أيديهم مشاعل يستضيئون بها، ولما قطعوا بعض المسافة في القناة أحسوا بهبوب ريح شديدة أطفأت مشاعلهم وهلا من القوة ما خيل إليهم أنه لا عهد لهم بمثلها، وتعرضوا أكث من مرة لخطر عدم إمكان الرجوع إلى الوراء، لأنه بالإضافة إلى ذلك كان مجرى الماء مسدودا بكثل حجرية ضخمة ينكسر عليها الماء ليمر من هذه الجهة وتلك، وأخيرا وجدوا حفرا عميقة جدا حتى إنهم اضطروا إلى ترك محاولتهم، ولميجسر أحد بعد ذلك على استئناف هذا العمل».42لحدود هذه النقطة يقدم الوزان لنا وصفا لمحاولة من بعض الملوك لغاية معرفية قد تفيد البحث عن مصدر مياه المدينة، وربمـا كـان ذلك لأسباب أمنية تهدفإلى توظيف الماء في الضغط على ساكنتها في حالات التمرد أو الحرب، غير أن الجانب الخرافي للرواية سيبتدئ من خلال الآتي من كلام الوزان حين أراد أن يقدم تبريرا للحادث فكتب «يقول المؤرخون أن الملك الذي أسس مراكش توقع بفضل معطيات بعض المنجمين أنه سيخوض معارككثيرة، فأنجز بواسطة الفن السحري جميع هذه العوائق الطارئة في تلك القناة، حتى لا يعرف أي عدو من . أين يأتي الماء إلى المدينة فلا يستطيع أن يقطعه عنها»43ارتبط إذن إنشاء قنوات جلب المـاء لمدينة مراكش (الخطارات،) حسب الوزان ببعض الإجراءات والطقوس السحرية 44التي تضمن أمن مياهها في حالة الحرب، وهو ارتباط يتعلق بخوف ساكنتها من استغلال الماء في الضغط عليهم وإخضاع إرادتهم في حالات الحرب، وهذا ربما يبرر نش أو اختلاق مثل هذه القصص لإرهاب الأعداء من التعرض لمياه المدينة. فهو هاجس أمني حولته ساكنة المدينة على ما يبدو إلى خرافة تربط أمن قنوات مياه مراكش بالطلاسم السحرية.لم يتوان صاحب وصف إفريقيا في اطلاعنا عن بعض الممارسات السحرية المرتبطة بالماء، إذ يشير مرة أخرى فيارتبط إذن إنشاء قنوات جلب الماء لمدينة مراكش (الخطارات،) حسب الوزان ببعض الإجراءات والطقوس السحرية 44التي تضمن أمن مياهها في حالة الحرب، وهو ارتباط يتعلق بخوف ساكنتها من استغلال الماء في الضغط عليهم181معرض حديثه عن بعض العرافين من أهل فاس وكيفية استخدامهم للماء في إيهام الناس بالتبصر وكشف الغيب، بقوله: « ويضم الصنف الثاني العرافين الذين يجعلون الماء في قدر لَ َّ ـماع، ويرمون فيه قطرة زيت فيصير شفافا، ويزعم العرافون أنهم يرون فيه كما يرون في المرآة جماعة من الشياطين القادمين بعضهم خلف بعض، كأنهم كتائب جيش تعسكر وتضرب الخيام، ويسلك بعض هؤلاء الشياطين طريق البحر وبعضهم طريق البر، وعندما يرى العراف أنهم قد استراحوا يطلب منهم ما يود معرفته فيجيبونه بإشارات باليد أو العين».45وإذا كانت مثل هذه الحيل تنطل على عدد ممن يعتقدون في السحر والسحرة، فإن ذلك على ما يبدو لم يكن ليقنع الوزان وإلا فما كان ليكشف الأمر ويصفه بالزعم «ويزعم العرافون،» غير أن إيراده ضمن وصفه للمدينة دليل على تفشيه واعتقاد البعض فيه.يحضر الماء في هذه الرواية كمادة نقية صافية، تزداد صفاء بإضافة قطرة زيت بها مما يشكل بقعة صافية، توهم بانفتاح بصيرة العراف على عوالم الغيب ورؤية الجن، فيبلغونه بأمور الغيب، مستغلين سذاجة عقول بعص أهل زمانهم.الماء والكرامةإذا كانت معجزات الأنبياء تعود إلى أمر إلهي لا يدعو إلى الشك، فإن التسليم العقل بالكرامات المائية تتجاوز قانون الطبيعة وتنفيه، لكن المؤكد هو اقتفاء أصحاب الكرامات سلوك النبي صلى الله عليه وسلم. لذا جاء كثير منها مستوحى من معجزاته بروايات مختلفة، كالقدرة التي أظهرها عقبة بن نافع، حينما مر مرة في طريق صحراء افريقية بنواحي قصر خاوارا، حيث لم يكن هناك ماء،«فصلى ركعتين ودعا الله» ،46فأخذ فرسه يبحث في الأرض، فانفجر الماء، ولما حفروا وجدوا ماء طيبا. وفي رواية مماثلة للفقيه عبد الله بن ياسين الجازولي (451هـ/ 1060م،) زعيم الحركة المرابطية أنه خلال سفره في الصحراء اشتد بأصحابه العطش ولم يجدوا ماء اشتكوا له، فأجابهم قائلا: « احفروا بين يدي، فحفروا فوجدوا الماء بأدنى حفر، فشبوا وسقوا، واستقوا أعذب ماء وأطيبه» .47وهو فعل مماثل لمعجزة نبوع الماء من بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: « رأيت رسول الله (ص) وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوا الماء فوضع الرسول (ص) يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع تحت أصابعه، . فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم»48يحضر الماء في هذه الرواية كمادة نقية صافية، تزداد صفاء بإضافة قطرة زيت بها مما يشكل بقعة صافية، توهم بانفتاح بصيرة العراف على عوالم الغيب ورؤية الجن182وإذا كان القادة العسكريون والزعماء السياسيون قد سعوا وراء إظهار كراماتهم المائية إلى كسب ثقة أتباعهم، وتوسيع قاعدة أعدادهم ليضمنوا تحقيق مشوعهم السياسي والدنيوي .49فالماء لدى المتصوفة المغاربة يذهب في بعده الرمزي ليصبح عونا للاتصال بالعالم المقدس، يتخذ معاني كما توحي بذلك الآيات الكريمة «وكان عرشه على المـاء»« ،50وينزل من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان» .51وفي آية أخرى «وأنزلنا من السماء . ماء طهورا»52فالماء هنا يتحول بفعل مصدره السماوي، أو عند تدخل أحد الأنبياء أو الأولياء، من ماء طبيعي، إلى كائن قدسي مطلق، فتحصل منه البركة ويرتقي بالمتصوف في معارج . الوجود، منسلخا بفضله من المدنس الدنيوي53تتعدد الكرامات المرتبطة بالماء بالكتب المناقبية، ومنها كرامة للشيخ أبو زكرياء يحيى بن موسى المليجي، أوردها التادلي في تشوفه ،54بقوله: « وحدثوا عنه، أنه أوصى أن يدفن برباط شاكر، فلما مات حملوه على جمل، فلما وصلوا وادي تانسيفت وجدوه كثير الماء من شدة السيول، لا يدخله أحد، فانفلق الوادي وجــاوزوه، ثم عاد كما كـان.» تدخل هذه الكرامة في كرامات الولي التي تسبق الدفن، في تسخير الحكي لإبطال مفعول المــوت، من خـلال التماهي بشخصية الأنبياء واستحضار معجزة موسى عليه السلام. كمحاولة لترسيخ مبدأ في ذهنية المتلقي على أن كرامات وبركات الأولياء لا تنقطع بموتهم، وهو ما يفسر الزيارات والمراسم التي نراهااليوم لقبور الأولياء ورجال الصلاح، بغرض الشفاء بتربة المكان أو مائه.ومن المصادر المائية التي كانت موضع كرامات المتصوفة البحر، فقد أورد التميمي في كتابه المستفاد 55كرامة للشيخ محمد بن سالم الشلبي بما نصه: « أخبرت عنه أنه خرج مع جماعة في السياحة على ساحل البحر فأصابهم عطش شديد، ولم يجدوا ماء. فقال لهم الشيخ أبو عبد الله: تسترون عل؟ فقالوا: نعم. فدخل البحر حتى بلغ الماء إلى صدره، ثم أخذ يغرف بكفيه، وسقاهم ماء عذبا حتى رووا جميعهم.»يدخل مجال الكرامة المقدمة في تثبيت الهيبة والمكانة للولي، بهدف تأمين الولاية وصدقها، واتخذت من الستر وسيلة للإقناع، حيث أنه من عادة الصوفية التكتم عن الناس والإبـقـاء على كراماتهم سرا، امتثالا لقول الرسول (ص) « استعينوا عـلى قضاء حوائجكم بالكتمان».ولتحليل مستوى الخطاب في هذا النص الكراماتي المائي، يمكن التقاط مجموعة من الإشارات أهمها: أن البحر باعتباره مكمن العلوم والأسرار، فإن الشيخ يغترف منه ما يشب منه وأصحابه، أو أتباعه، في الطريق الصوفي، وعذوبة الماء دليل على صدق ولاية الولي، وصلاح حله، وحسن طريقة عمله.وبالمثل اعتبر المشي على الماء من أعلى المقامات الذي لا يحصل إلا لخاصة الأولياء .56فالكتاني يذكر في مستفاده « أن أبو يعزى يلنور بن ميمون (ت 572هـ/ 1177م) [كان يقول] ما لهؤلاءيدخل مجال الكرامة المقدمة في تثبيت الهيبة والمكانة للولي، بهدف تأمين الولاية وصدقها، واتخذت من الستر وسيلة للإقناع، حيث أنه من عادة الصوفية التكتم عن الناس والإبقاء على كراماتهم سرا، امتثالا لقول الرسول (ص) « استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»فالماء هنا يتحول بفعل مصدره السماوي، أو عند تدخل أحد الأنبياء أو الأولياء، من ماء طبيعي، إلى كائن قدسي مطلق، فتحصل منه البركة ويرتقي بالمتصوف في معارج الوجود183المنكرين كرامات الأولياء، والله لو كنت قريبا من البحر لأريتهم المشي على الماء عيانا» .57معللا بذلك البادسي إلى أن المنكر للكرامات، منكر لها عن طريق الأسباب فيستحيل عند الطيران في الهواء من غير حامل، والمشي على الماء من غير حائل وغير ذلك من الكرامات، وقد يفيض الله للولي من لطفه ويسبب له ما أراد من الأسباب . الحاملة له .58وهو حق ولا يمس الماء من القدم إلا باطنه59 ويبدو من قول أبو يعزى أن المتصوفة جوبهوا بالإنكار في خوارقهم، حيث عملوا على تأسيس مبحث الدفاع عن الكرامة الصوفية وجوازها شرعا ونقلا، وهو ما يفهم من قوله إن ظهور الكرامات جائز، بل واقع، فهي عون للولي على طاعته، وحاصلة على حسن استقامته، ودالة على . صدق دعواه للولاية، وشهدت له بها الشيعة60ويعدد البادسي صور المشي على الماء بين المتصوفة حسب درجات توكلهم، فمنهم من «أحس الماء تحت قدميه مثل الرصاص،» ومنهم من « رمى برجله على الماء، وهو يخط بعصاه الماء،» ومنهم من بلغ إلى إشراك نعليه، ومنهم من . «لا يزيل لمشيه على متن البحر نعلا»61وبذلك، تعد كرامة المشي فوق الماء إحدى أبرز الوسائل المؤثرة لدى المتصوفة لإثبات قدرتهم وامتيازهم الروحي الذي لا يداهيه إلا الرسل والأنبياء، وهو بهذا يحاول محاكاة المعجزات التي خص بها الله سبحانه وتعالى الأنبياء، والجنوح إلى مكانتهم بفعل غير مقدور عليه من طرف الأشخاص العاديين. وهو نفاذ السالك إلى سر الحياة الحسية والعلمية، وطريقه إلى الله» .62فالماء في الخطاب الصوفي هو رمز ل « العلم الذي يطهر النفس من دنس . الطباع ونجس الرذائل»63أما الكرامة المتعلقة باستنزال المطر فيورد صاحب المستفاد، كرامة للشيخ أبي يعزى يقول عنه: « وكان لا يحسن العربية ففهمت من كلامه أنه قال: يا سيدي هؤلاء الموالي يسألون هذا العبد أن يسألك الغيث، ومثل يسألك في ذلك، وأجرى دموعه من عينيه، ويتضرع ويبكي. فما رجعنا إلى موضعه، ولا برحنا من ذلك الموضع حتى نزل الغيث، ونزعنا ما كان بأرجلنا من النعال والأقراق بجري الماء.»إن الحكاية الكرامية هذه تحمل بين ثناياها الكثير من الرموز، فإنزال الغيث يبين صدق الولاية، وظهور البركة والخير على يد الولي، وذلك في حضور جماعة من الناس.وتكمن دلالتها في أن المطر يمثل رمز الحياة، وفي الكرامة استنباط لمعجزة نبوية بغرض تأكيد صلاح الولي، كما أن الغيث هو من الغوث أي الإعانة والنصرة، فتواجد الولي بين أصحابه هو نصرة لهم في الدنيا والآخرة.وبالرجوع إلى كتب المناقب، نجدها تزخر بالعديد من الكرامات المائية ذات الدلالة التربوية ومنها ما جاء في كتب التشوف حيث يروي قصة عن الشيخ أبي الحسن عل ، بن أحمد الصنهاجي متحدثا فيها عن أبي العباس السبتي64 حيث يحكي أنه بينما كان جالسا مع جماعة من مريدي هذا المتصوف إذ بجماعة من الصبيان يمـرون عليهم مستغيثين طالبين المطر، وهي إحالة على ما يبدو إلى طقس «تاغنجا» أو ما شابهها إذ لو تعلق الأمر بصلاة الاستسقاء لنعتها بذلك لكونها لا تتعارض مع الشع، خلافا لممارسة طقس «تاغنجا» التي قد تثير الراوي، ودون الغوص كثيرا في هذا التحليل نعود إلى رواية الصنهاجي، الذي يصيف أنه بعد مرور هؤلاء الصبية طلب من أبي العباس الاستسقاء للناس بعدما أصابهم من القحط والجفاف الضرر الكبير.سيستجيب حسب الصنهاجي الشيخ للطلب فدعا جلساءه للخروج لباب الدباغين، واليوم شديد الحرارة، بعد ذلك سيطلب منهم التصدق بما يحملون معهم، فكان له ذلك غير أنهم التقوا في طريقهم بأبي عبد الله محمد بن يوسف بن جذع الجذامي، الذي استهزأ وضحك الشيخ وتابعيه قائلا: «صدقتم هذا الشيخ الأحمق ارجعوا» ،65غير أن أحدا لم يكترث لكلام هذا الأخير وهو دليل ربما على شدة التعلق بالشيخ والاعتقاد في قدراته وولايته.يستمر الموكب في المسير وأبو العباس « ينظر إلى السماءإن الحكاية الكرامية هذه تحمل بين ثناياها الكثير من الرموز، فإنزال الغيث يبين صدق الولاية، وظهور البركة والخير على يد الولي، وذلك في حضور جماعة من الناس184ويحرك شفتيه ويطلب منهم ترديد سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم،» وبعد فــترة مـن المـسـير سيبش أبو العباس رفاقه بقرب هطول المطر قائلا: « بـــادروا، المطر . وخذوا نعالكم بأيديكم»66وهنا إشــارة إلى قـوى الشيخ أبي العباس في الكشف عن قــرب المـطـر، وهــو مـا تتبدد معه كرامته وخوارقه في طلب الغيث وسرعة الاستجابة لولايته وصلاحه، لم يرغب ابن الجذع تصديق قـول الشيخ واستمر حسب الصنهاجي في استهزائه من أبي العباس وأتباعه، متعجبا من تصديقهم له، غير أن تغييم السماء ونزول الأمطار، سيجعل ابن الجذع يغير موقفه ويسلم ببركة الشيخ ويطلب العفو منه والسماح والتوبة، وقد ربط الشيخ أبو العباس هذه الأخيرة بتصدقة ابن الجذع لقبول توبته.تحمل القصة بين ثناياها بعضا لتجليات كرامة الولي في استنزال المطر، واتخاذها كحجة للإقناع وإثبات الولاية، لكن الجزء الأخير من الرواية الكرامية وما أتبثه العلم اليوم من ميكانيزمات تكون الأمطار ونزولها، يجعل الحقيقة تقف أمام هذا الادعاء، يقول الصنهاجي» فقال ابن الجذع لأبي العباس، عسى أن تعلمني بأي شيء علمت نزول المطر حين أخبرتنا بذلك، فقال: مرت ريح باردة في خدي فلما وجدت بردها رفعت بصري إلى السماء فرأيت سحابة بطرف جبل درن» ،67فهي إذن معرفة وخبرة اكتسبها أبو العباس السبتي، جعلت منه بطلا وكاشفا للغيب في نظرأتباعه، وصاحب حجة وبركة أذهلت المستهزئين والذين يمثلهم هنا ابن الجذع.وفي رواية أخرى نقلها ابن الزيات عن الشيخ وجاج بن زلو اللمطي ،68مما رواه عنه أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي، يقول فيها: « أصاب الناس جذب بنفيس فذهبوا إلى وجاج بن زلو اللمطي وهو بالسوس، فلما وصلوه، قال لهم: ما جاء بكم؟ فقالوا له: قحطنا وجئناك لتدعوا الله لنا أن يسقينا، فقال لهم: إنما أنا مثلكم كمثل قوم أبصروا جبح نحل فظنوا أن فيه عسلا. ولكن انزلوا عندي فإنكم أضياف، فأضافهم ثلاثة أيام، فلما عزموا على الانصراف وجاءوه لوداعه ليرجعوا إلى بلادهم قال لهم: إياكم أن ترجعوا من طريقكم الأولى التي أتيتم فيها فارجعوا من طريق أخرى لتسكنوا في الغيران والكهوف من الأمطار، فلما انصرفوا عنه أرسلالله عليهم السحائب بالأمطار ودامت عليهم الأمطار فلم . يصلوا إلى بلادهم إلا بعد ستة أشهر»69يختص النص إذن بالإشارة إلى ما يمكن وصفه بسنة طلب الغيث ببركة أولياء الله، وهي سنة شرعية حيث استقينا الناس بالعباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم ،70وتكرر هذا الفعل في فترات تاريخية مختلفة من تاريخ المغرب. كما يكشف هذا النص إبصار الشيخ وجاج بن زلو اللمطي، عن موجة أمطاء مستمرة تنتظر الوفد القادم إليه من بلاد نفيس، وهو أمر خارق يصعب إدراجه في إطار المعرفة الطبيعية بأمور المناخ، كما كان عليه الحال في الرواية السابقة مع أبي العباس السبتي.وهنا إشارة إلى قوى الشيخ أبي العباس في الكشف عن قرب المطر، وهو ما تتبدد معه كرامته وخوارقه في طلب الغيث وسرعة الاستجابة لولايته وصلاحه، لم يرغب ابن الجذع تصديق قول الشيخ واستمر حسب الصنهاجي في استهزائه من أبي العباس وأتباعه، متعجبا من تصديقهم له185وعلى ضوء ما تقدم، يتبين أن الماء عنصر طبيعي نسبي، حظي بوضع رمزي من لدن أصحاب الكرامات لإظهار خوارقهم الخاصة بهم وتصوراتهم؛ إذ بذلك يصبح الولي والطبيعة شيئا واحدا كما يبدو ذلك من خلال إنزال المطر أو المشي على البحر. وتبعا لذلك يمكن أن نتساءل عن أهم الثملات الرمزية للماء داخل أنساق الثقافة الشعبية المغربية.الماء في الأمثال الشعبيةيشكل الماء ملتقى المعتقدات الشعبية والعادات والأفكار والقناعات التي تضفي عليه أبعادا مختلفة ودلالات ثقافية وشعبية واجتماعية وعقدية، فينتج عن ذلك ثقافة شعبية معينة ترتبط به حسب اعتقادها. والذاكرة الشعبية المغربية تحفل بعدد كبير من الأمثال والأقوال عن الماء والتي كثيرا ما تتفق في كثير من جوانبها مع جاء في النصوص الدينية والطقوسية.إذ يعد حضور المـاء في مناسبة الطعام من أكث الأنشطة اليومية التصاقا بالإنسان، وضرورة لازمة لــه، فنجد مثلا الـقـول المأثور َّ «الط َع ْ ام ْب َلا َم ِ ا، م ْن ِّ قل ْة ْ الف َه َ امة،»وهــي دعـــوة صريـحـة لــضرورة تواجده صحبة مائدة الطعام، بل إنه ارتبط باللباقة وأدب الضيافة.ومن الأقـوال المتداولة في علاقة بالماء كذلك، نذكر قول المغاربة ْ «وك ْسر ِتي َ وم َ ايا ولاَ ْح ِد ْ يث ْق َف َ ايا»71 أي أن الطعام والمــاء خير من حديث غير مفيد. ومن الأمثلة الدالة على ذلك أيضا» فحال اللكينفخ في كربة يابسة مثقوبة» ».72فحال الل كيصب الما في الرملة» .73كما يمثل المثال: «حرك الما يبان العطشان» رغبة الجميع في الحصول على الشيء وقت ظهوره.ولا سبيل في عدم ارتباط الماء بالنظافة والصحة كأكث المسائل ارتباطا به، فنجد من القول المأثور « الما تيغسل الجذام» .74أو للتشبيه به للأشخاص الذين يستعملون الحيلة والخداع في اغتصاب الناس أموالهم وأمتعتهم كالقول « تيحسن بلا ما» .75كما يوظف الماء في الدلالة على إبعاد من لا يرغب في رؤيته مثل « الما والشطابة حتى لقاع البير، لا أنت لا أنا بخير» .76ويقال على الشخص الذي يلحقه أذى وهو غافل عن أمره، « عايم عليه الما، وهو ما سايق أخبار» .77أو للدلالة على اليأس من تحقيق شيء « غسل عليه بالما والصابون».78كما يضرب به المثل للدلالة على طلب الشيء من صاحبه دون اتخاذ وسيط «الل بغا يشب الما يقصد رأس العين.»لا يتوقف ارتباط الأقوال المغربية بالماء عند هذا الحد، بل نجده حــاضرا كذلك ضمن أدعيتهم بالخير للغير، فنجد مثلا قولهم ْ « الله ي َج ْع ْ لك ِكي المَــا تخرج َّ من ْك ُك ْل ْ نع َمة» ،79وهذا دعاء يبرز مدى إدراك الإنسان المغربي للماء وضرورته في الحياة. كذلك استعمل في الدلالة على البحث في حل المشاكل بالخير بالقول « تشوف الما منين يدوز .»80ورجوع الأمور إلى صوابها بالقول « ارجع الما لمجراه، والعبد المولاه» .81كما شبه حضور الماء بالأمان للتغلب على الـش» المـا أمـان والـش ما يبان» .82ومن الأمثال الدالة كذلكيعد حضور الماء في مناسبة الطعام من أكثر الأنشطة اليومية التصاقا بالإنسان، وضرورة لازمة له، فنجد مثلا القول المأثورَّ «الط َع ْ ام ْب َلا َم ِ ا، م ْن ِّ قل ْة ْ الف َه َ امة»186على حفظ السر وكتمانه قول» سرنا في السما ما يمحيه . ما»83وفي الأقوال المأثورة عن أهمية ماء المطر في السنة الفلاحية الذي ينزل ما بين 25أبريل و 5نذكر « الشتاء نيسان كترفد في الكيسان» .84حيث كان كثيرا من الناس يحتفظون به في قوارير صغيرة للتبرك به، ويعتبرونه ذا بركة إلهية .85كما كانت الأمطار قوية تحدث هلعا في صفوف الناس حيث يتم الدعاء في القول المأثور «الله يعطينا قد النفع» خوفا من الفيضانات التي تؤدي بأرواحه. وفي حالة تأخرها عن موعدها يقال: «الري الل ما ينفع البكري ينفع المازوزي.» وفي هذا المثال ما يبين إدراك الانسان المغربي لأهمية الماء في الحياة، بل يصل أحيانا إلى تبيان العلاقة الوطيدة بين الانسان المغربي بالأرض والماء وتشبته بهذين باعتبارهما أساس الاقتصاد، وهو ما يبدو واضحا من خلا ل القول المأثورة «لاَ َت ْط َم ْع ْف ْز َر ْع ْ ال ُب ْ ور َح ّت ُ ى ي َو ِّلي ُف ْ وق َ الك ْس َك ْ اس ِي ُف ْ ور» والبور هو الفلاحة البعلية التي تعتمد فقط على التساقطات المطرية دون اللجوء إلى موارد المياه المخزنة السطحية والجوفية منها. وهذا يدل على أن الذهنية المغربية في تماهي مستمر مع الماء.ِ لم تكتف الثقافة الشعبية عند هذا الحد، بل اشتغلت على توكيد قداسة الماء عن طريق المثل الشعبي، كعنصر بناء لتحقيق المرامي والغايات التي لا تبتعد عن حمايته من الضياع والتلوث، وتصبح بذلك الحكاية الشعبية أو المثل الشعبي حليفا للتنمية المستدامة إن صح القول، من خلال ْ الق
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Aim: To understand the importance of insulin adherence and factors affecting patients’ use of insuli...
* كيف اسوي route لل domain بحيث افعل تحديثات ثم احوله على موقعي وهكذا * لتحقيق ذلك، أفضل طريقة هي ا...
تــعلّق الــشعب الــجزائري بالحرية : إذا كان الأحرار في كل الشعوب المستعمرة قد تغنوا بالحرية ...
The competition section of the business plan aims to show who you are competing with, and why the be...
قُتل شاب، الثلاثاء، برصاص مجهولين في مدينة إب، وسط اليمن، في حادثة جديدة تعكس تصاعد حالة الانفلات ال...
إن معنى الحياة الأبدية، هذا يظهر جليا في الفصل الذي يتحدث عن قيامة لعازر من آمن بي وإن مات، فسيحيا، ...
استناداً إلى كتاب السيد محافظ حمص رقم 4128/ط تاريخ 31/12/2025 وحاشيتكم المسطرة عليه بتكليفي بإجراء ا...
Side panel Saylor University History of Psychology Back to '1.2: History of Psychology\' Completion...
شهدت الأبحاث الطبية والنفسية في السنوات الأخيرة زيادة في الاهتمام بالأمراض المزمنة، بسبب ما تسببه من...
محادثة مع Gemini اريد الاجابة المنطقية والواقعية لديوان المحاسبة الاردني الوحدة 3: كيف يمكن لمدقق في...
الفصل بين السلطات والتعاون فيما بينهما . نظام الحكم في دولة الكويت ، يعمل في ظل هيكل دستوري فريد ، ي...
السيادة في الدولة الفدرالية لا يمكن أن يتوافق مفهوم السيادة في الدولة الدستورية مع الفصل بين السلطات...