Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (100%)
II – علي عبد الرازق ومسألة الخلافة:
إذا كنا قد استنتجنا من جدال محمد عبده وفرح أنطون، أن جوهر هذا الجدال يكمن وينحصر في طبيعة الدولة كما يراها مفكرو النهضة الأوائل. فإن جوهر كتاب "الإسلام وأصول الحكم"() يسير كذلك في نفس النهج، من خلال الإشكالية الرئيسية المتمثلة في مسألة دينية أو عدم دينية منصب الخلافة. لا بد لنا من الاعتماد على نقطتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالملابسات السياسية التي صاحبت ظهور الكتاب، والثانية تتعلق بأطروحات الكتاب نفسه، كوجهة نظر حول طبيعة الدولة، وكمفهوم يشكل مركز اهتمام الفكر السياسي العربي في أواخر القرن الماضي وبداية هذا القرن. والنقطتان معا تشكلان في العمق نقطة واحدة لارتباطهما وتداخلهما بالنظر إلى الظروف التاريخية التي عاشها العالم العربي على المستوى السوسيو-سياسي والاقتصادي والثقافي. وتصبان معا في خانة البحث عن حل لمعضلة التأخر الذي يعانيه العالم العربي والإسلامي.فيما يخص الملابسات السياسية التي أدت وصاحبت ظهور الكتاب، فيمكن حصرها في وجهين: وجه يتمثل في ظهور دولة مصطفى كما أتاتورك العلمانية، وإلغاء منصب الخلافة سنة 1924، وما نتج عن هذا الإلغاء من نقاشات وجدالات حول وجوب أو عدم وجوب منصب الخليفة في الإسلام.والوجه الثاني يتمثل في الظروف السياسية الداخلية لمصر، وعلاقة الملك أحمد فؤاد بالأحزاب السياسية من جهة، والاستعمار البريطاني من جهة ثانية، وكل هؤلاء بمسألة منصب الخلافة.فظهور دولة كمال أتاتورك يستدعي أولا الحديث عن أحوال الدولة العثمانية غداة الحرب العالمية الأولى، والوضع الاقتصادي المتفكك اللذين أصبحت تعيش عليهما الدولة العثمانية المنهزمة في الحرب بجانب ألمانيا. حيث لم تعد السلطة المركزية قادرة على التحكم في أطراف الإمبراطورية، مما جعل أطماع الاستعمار الغربي عامة والبريطاني خاصة تتقوى للهيمنة على بعض الأقطار العربية وعلى رأسها مصر.ففي ظل هذه الظروف ستظهر على الساحة السياسية بتركيا شخصية تكونت معرفيا وعسكريا بفرنسا وبالضبط بالأكاديمية العسكرية بتولوز في نهاية القرن 19. وتشعبت بالثقافة الغربية الحديثة، وبالضبط بالإيديولوجيا الوضعية التي كانت تسود الفكر الفرنسي آنذاك. وبهذا التكوين العسكري الحديث والمعرفي والإيديولوجي عاد مصطفى كمال إلى تركيا حيث استولى على السلطة، وبدأ في تطبيق إيديولوجية الحداثة بنوع من "التطرف" أحيانا كما يصفها بعض الباحثين[5]. وذلك من أجل وضع أسس للدولة الحديثة في تركيا. وإعلان الجمهورية سنة 1923، وإلغاء منصب الخلافة ومنصب شيخ الإسلام، ثم حل الفرق الصوفية وقفل الأضرحة ووضع الألبسة الدينية سنة 1924. وألغي الطربوش والزي التقليدي وفرض القبعة الأوروبية والبنطلون سنة 1925، كما أصدر قانونا جديدا للأحوال المدنية مؤسسا على القانون السويسري سنة 1926. ثم منع إرخاء اللحي والشوارب وحذف التقويم الإسلامي والحروف العربية في الكتابة، كما منع التعليم الديني في المدارس سنة 1928[6].ما يهمنا من هذا الجرد التاريخي هو الوقوف على هذه الإصلاحات التحديثية التي قام بها أتاتورك، سياسية واجتماعية وقانونية، ستكون لها انعكاسات بالسلب أو بالإيجاب، ليس فقط على مستوى الواقع التركي ولكن على مجموع العالم العربي والإسلامي.فهذه الإصلاحات تمثل من جهة صدمة للواقع العربي والإسلامي، طبقت بقرارات فوقية –وفي ظرف زمن قصير لم يتعد عقدا من الزمن- لم تكن تعتمد على أسس وقواعد تحتية من خلالها تجد هذه الإصلاحات دعما وطريقا نحو التأسيس[7]. لكن هذا لا يعني أنها كانت تفتقد إلى الوجه الإيجابي، والذي يمكن حصره في خلخلة بنيات المجتمع التقليدية، وتحديث بعض مظاهر المجتمع، والتخلي عن الحجاب وطرح مسألة تحررها، وبروز فكر جديد مع مثقفين جدد متشبعين بثقافة حديثة، أحدث شرخا كبيرا في الثقافة التقليدية في مجموع العالم العربي والإسلامي، وخاصة في مصر التي كانت تعرف نهضة فكرية في تلك الحقبة().هذا بشكل عام ما خلفته الثورة الكمالية. هو ما قام به أتاتورك من إلغاء لمنصب الخليفة كإجراء يهدف إلى فصل الدين عن الدولة،هذا الإجراء سيخلف ردود فعل متباينة حول وجوب أو عدم وجوب منصب الخليفة. وقد طرح الأمر بإلحاح بمصر حيث كان ملك مصر أحمد فؤاد يطمح إلى شغله من خلال جمعيات كانت تدعو إلى مؤتمر للخلافة، أبرزها "جمعية الخلافة". بالإضافة إلى سعي بريطانيا إلى أن يكون خليفة المسلمين من نصيب إحدى الأقطار التابعة لها. مسألة سياسية تواجه فيها المناهضون للقصر المصري والاستعمار البريطاني، والمناصرون له وللتواجد الإنجليزي في المنطقة. ويظهر هذا الصراع بوضوح بعد طبع كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وما خلفه من ردود فعل سياسية متباينة واضحة، كصراع الأحزاب التي كانت تدافع عن الكتاب وصاحبه من جهة، كحزب الأحرار الدستوريين الذي كان ينتمي إليه علي عبد الرازق، رغم مشاركته في الحكومة الموالية للقصر، رغم موقف زعيمه السلبي سعد زغلول من الكتاب. ومن جهة أخرى ردود فعل سياسية مغلفة بالدين من بعض الأحزاب والجهات التي وقفت ضد الكتاب وصاحبه، داعية إلى محاكمته، كحزب الاتحاد والقصر الملكي والأزهر.لهذا كانت ردود الفعل حول الكتاب في جوهرها سياسة واضحة في أحيان ومستترة وراء الدين في أحيان أخرى، كما وقع في المحاكمة التي جاءت نتائجها كما أراد لها القصر وأتباعه[8].في ظل هذه الملابسات إذن يأتي كتاب علي عبد الرازق كطرف في صراع حول مسألة الخلافة كشكل من أشكال الحكم في العالم العربي والإسلامي. وكوجهة نظر حول مفهوم الدولة والحداثة بصفة عامة.إن كتاب الإسلام وأصول الحكم عبارة عن جدال حول مسألة السلطة في الإسلام، يناقش فيه علي عبد الرازق مجموع الآراء والمواقف من مسألة الخلافة في الإسلام، انطلاقا من السؤال الرئيسي حول دينية أو عدم دينية منصب الخلافة.فإذا كان البعض يعتبرها منصبا دينيا، فإن علي عبد الرازق في رده على هذا القول ومن أجل تفنيده، يعود إلى المصادر الأساسية للإسلام: الكتاب والسنة والإجماع، ليخرج بنتيجة مفادها أن لا الكتاب ولا السنة ولا الإجماع يعطيه الشرعية.وبرجوعه إلى الأصول الإسلامية للاعتماد عليها كسند لموقفه الرافض لدينية منصب الخلافة، يهدف عبد الرازق بالأساس إلى مناقشة مسألة دينية وسياسية في نفس الوقت من داخل الإسلام، باعتماده على الأصول من جهة، وعلى التاريخ الإسلامي منذ ظهور الدعوة، وهو في هذين الاعتمادين يستعمل المنقول وفي نفس الوقت التأويل الذي يعتمد على الاستدلال والعقل.وإذا كانت الخلافة بالنسبة لعبد الرازق لا تستند لا على الكتاب ولا على السنة ولا على الإجماع. فإنها لا تستند في رأيه إلا على القوة والقهر والعنف بحد السيف من أجل فرض نفسها على المسلمين(). وفي هذا الإطار يستعين المؤلف بالتاريخ الإسلامي من خلال بعض اللحظات التاريخية، ومن بعض الذين مارسوا الحكم للاستدلال على القوة والقهر.وانطلاقا من هذا الموقف العام من مسألة الخلافة، يلجأ علي عبد الرازق إلى البحث عن العلاقة بين الديني والسياسي في النبوة بشكل عام، وفي سلوكات النبي بشكل خاص، من خلال علاقة الملك بالرسالة. إن المؤلف ينطلق للخوض في هذه العلاقة من واقع تاريخي وديني لا يرى فيهما تلازما بين الملك والرسالة. معللا موقفه في أن هناك ملوكا لم يكونوا أنبياء أو رسلا وأنبياء لم يكونوا ملوكا أو حكاما. يتساءل المؤلف حول وضعية النبي، هل هي دينية (الرسالة) ومدنية (الملك) أم دينية فقط (الرسالة)؟
يعود المؤلف كذلك إلى الأصول الإسلامية وخاصة الكتاب والسنة ليخرج بالقول أن النبي لم يكن دوره إلا دينيا فقط من غير أن يكون سياسيا. لكن ما لاحظناه أنه في مناقشته لهذه المسألة يريد في بعض الأحيان أن يصل إلى مسألة الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي في النبوة دون أن يرتكز على أسس منطقية واضحة تقنعنا بموقفه. وربما يعود ذلك إلى قلة المصادر التي تؤرخ لحياة النبي كما يعترف هو نفسه بذلك. مما جعل بحثه في علاقة الديني بالسياسي في حياة النبي يكتنفه نوع من الغموض، وخاصة عندما يتحدث عن الجهاد في حياة النبي[9]. وغموضه في هذه المسألة يعود إلى نظام الحكم في عهد النبي –كما يعترف كذلك هو نفسه بذلك- مما جعلها تهمة أساسية من بين التهم السبع التي وجهتها إليه هيئة العلماء في المحاكمة[10] والتي مفادها:"أن نظام الحكم في عهد النبي (ص) كان موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقص، كما أنها كانت في نفس الوقت نقطة رئيسية وقف عليها منتقدو كتاب "الإسلام وأصول الحكم"[11].وهذا الموقف من العلاقة بين الديني والسياسي في النبوة، والتركيز على أن دور النبي دور ديني لا سياسي()، جعل المؤلف يرى من خلاله صورة الجزيرة العربية بعد ظهور الرسالة. حيث في نظره أصبحت وحدة القبائل تشكل وحدة دينية لا سياسية. ذلك لأن النبي لم يقم بدور الوحدة السياسية، بل اكتفى بالقيام بدور الوحدة الدينية. هذه الأخيرة هي ما توارثه المسلمون بعد وفاة النبي، أي أن وضعية الجزيرة العربية لم تكن تضبطها بعد وفاة النبي إلا مبادئ الوحدة الدينية ومن تحتها دول تامة التباين والاختلاف، مما يفسر الصراع بين القبائل الذي لم يكن إلا صراعا سياسيا حول السلطة السياسية.وانطلاقا من هذه المعطيات التي وقف عندها المؤلف، استنتج أن دور الرسالة انتهى بوفاة الرسول وبالتالي الزعامة الدينية، وانطلق دور الزعامة السياسية أو المدنية، وبهذا فإن الخلافة كمركز ديني انتهت كذلك مع وفاة الرسول, وهو بهذا يريد أن يصل إلى ما وقع من نزاعات وصراعات، لم تكن إلا نزاعات وصراعات سياسية، أنجبت زعماء سياسيين وليسوا دينيين، مما يؤكد قوله أو أطروحته أن الخلافة مسألة سياسية ليست لها قواعد لا في النص ولا في السنة ولا في التاريخ.وما يهمنا نحن من هذا الكتاب الذي تناول مسألة الفصل بين الديني والسياسي في الإسلام من خلال مسألة الخلافة، ليس هل أصاب المؤلف أم أخطأ –يمكن الرجوع هنا إلى الكتب الكثيرة التي ردت عليه-[12]. بل ما يهمنا هو أن هذا الكتاب كمحطة ثانية هو امتداد واستمرار للمحطة الأولى، محطة محمد عبده وفرح أنطون، ليس فقط على مستوى طرح إشكالية علاقة الديني بالسياسي، بل كذلك في جوهر هذا الجدال المتمثل في إشكالية الدولة في المجتمع العربي والإسلامي.حيث إن الطرح لم يكن في جوهره حول الفصل أو عدم الفصل بين الدين والسياسة فقط، بقدر ما كان حول كيفية تحديث الدولة وعصرنتها كشكل من أشكال الخروج من التخلف وتحقيق التقدم. من هنا يمكن اعتبار علي عبد الرازق كامتداد لهذا الجدال بصفة عامة، ومن منظور الإصلاحيين الإسلاميين بصفة خاصة، أي مناقشة مسألة الدولة من داخل الإسلام نفسه وليس من خارجه، مما يجعلنا نعتبر امتدادا لفكر محمد عبد الإصلاحي ومحاولة تطويره، وليس امتدادا للتيار الليبرالي وخاصة فرح أنطون كما اعتبره بعض الباحثين[13].من هنا يمكن أن نستنتج من خلال هذا المقال ومن خلال هاتين المحطتين، أن جوهر الإشكال في مسألة العلاقة بين الدين والسياسية، لم يكن هو إشكالية الفصل أو الوصل فقط، بل في العمق هو إشكالية التقدم من خلال تحديث الدولة. استعملت فيها عدة مفاهيم في جوهرها لبيرالية (كالحرية،الخ) انطلق فيها البعض من مرجعية غربية لم تستطع الخروج عنها، وحاول البعض الآخر تكييفها أو إعطاءها شرعية إسلامية.هذا يدفعنا أيضا إلى الوقوف على إشكالية التقدم عند المفكرين الأوائل من حيث نظرتهم أو الزاوية التي ينظرون منها إلى تحقيق هذا الهدف. فما لاحظناه أن الزاوية المنظور منها لم تكن إلا زاوية الدولة فقط، بينما أهملت الزوايا الأخرى أو لم يعط لها نصيبها من البحث والتقصي، كزاوية الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والحقوقي.الخ. مما دفع ببعض المفكرين إلى ملء هذا الفراغ في بعض الميادين، على المستويين السياسي والاجتماعي،
Original text
II – علي عبد الرازق ومسألة الخلافة:
إذا كنا قد استنتجنا من جدال محمد عبده وفرح أنطون، أن جوهر هذا الجدال يكمن وينحصر في طبيعة الدولة كما يراها مفكرو النهضة الأوائل. فإن جوهر كتاب "الإسلام وأصول الحكم"() يسير كذلك في نفس النهج، من خلال الإشكالية الرئيسية المتمثلة في مسألة دينية أو عدم دينية منصب الخلافة.
ولتوضيح هذا الأمر، لا بد لنا من الاعتماد على نقطتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالملابسات السياسية التي صاحبت ظهور الكتاب، والثانية تتعلق بأطروحات الكتاب نفسه، كوجهة نظر حول طبيعة الدولة، وكمفهوم يشكل مركز اهتمام الفكر السياسي العربي في أواخر القرن الماضي وبداية هذا القرن. والنقطتان معا تشكلان في العمق نقطة واحدة لارتباطهما وتداخلهما بالنظر إلى الظروف التاريخية التي عاشها العالم العربي على المستوى السوسيو-سياسي والاقتصادي والثقافي. وتصبان معا في خانة البحث عن حل لمعضلة التأخر الذي يعانيه العالم العربي والإسلامي.
فيما يخص الملابسات السياسية التي أدت وصاحبت ظهور الكتاب، فيمكن حصرها في وجهين: وجه يتمثل في ظهور دولة مصطفى كما أتاتورك العلمانية، وإلغاء منصب الخلافة سنة 1924، وما نتج عن هذا الإلغاء من نقاشات وجدالات حول وجوب أو عدم وجوب منصب الخليفة في الإسلام.
والوجه الثاني يتمثل في الظروف السياسية الداخلية لمصر، وعلاقة الملك أحمد فؤاد بالأحزاب السياسية من جهة، والاستعمار البريطاني من جهة ثانية، وكل هؤلاء بمسألة منصب الخلافة.
فظهور دولة كمال أتاتورك يستدعي أولا الحديث عن أحوال الدولة العثمانية غداة الحرب العالمية الأولى، والوضع السياسي المتردي، والوضع الاقتصادي المتفكك اللذين أصبحت تعيش عليهما الدولة العثمانية المنهزمة في الحرب بجانب ألمانيا. حيث لم تعد السلطة المركزية قادرة على التحكم في أطراف الإمبراطورية، مما جعل أطماع الاستعمار الغربي عامة والبريطاني خاصة تتقوى للهيمنة على بعض الأقطار العربية وعلى رأسها مصر.
ففي ظل هذه الظروف ستظهر على الساحة السياسية بتركيا شخصية تكونت معرفيا وعسكريا بفرنسا وبالضبط بالأكاديمية العسكرية بتولوز في نهاية القرن 19. وتشعبت بالثقافة الغربية الحديثة، وبالضبط بالإيديولوجيا الوضعية التي كانت تسود الفكر الفرنسي آنذاك. وبهذا التكوين العسكري الحديث والمعرفي والإيديولوجي عاد مصطفى كمال إلى تركيا حيث استولى على السلطة، وبدأ في تطبيق إيديولوجية الحداثة بنوع من "التطرف" أحيانا كما يصفها بعض الباحثين[5]. وذلك من أجل وضع أسس للدولة الحديثة في تركيا. كإلغاء السلطنة سنة 1922، وإعلان الجمهورية سنة 1923، وإلغاء منصب الخلافة ومنصب شيخ الإسلام، ووزارة الشريعة، والمدارس الدينية، وإلغاء المحاكم الشرعية، ثم حل الفرق الصوفية وقفل الأضرحة ووضع الألبسة الدينية سنة 1924. وألغي الطربوش والزي التقليدي وفرض القبعة الأوروبية والبنطلون سنة 1925، كما أصدر قانونا جديدا للأحوال المدنية مؤسسا على القانون السويسري سنة 1926. ثم منع إرخاء اللحي والشوارب وحذف التقويم الإسلامي والحروف العربية في الكتابة، كما منع التعليم الديني في المدارس سنة 1928[6].
ما يهمنا من هذا الجرد التاريخي هو الوقوف على هذه الإصلاحات التحديثية التي قام بها أتاتورك، والتي شملت مجالات متعددة، سياسية واجتماعية وقانونية، ستكون لها انعكاسات بالسلب أو بالإيجاب، ليس فقط على مستوى الواقع التركي ولكن على مجموع العالم العربي والإسلامي.
فهذه الإصلاحات تمثل من جهة صدمة للواقع العربي والإسلامي، بكونها ثورة من فوق، طبقت بقرارات فوقية –وفي ظرف زمن قصير لم يتعد عقدا من الزمن- لم تكن تعتمد على أسس وقواعد تحتية من خلالها تجد هذه الإصلاحات دعما وطريقا نحو التأسيس[7]. لكن هذا لا يعني أنها كانت تفتقد إلى الوجه الإيجابي، والذي يمكن حصره في خلخلة بنيات المجتمع التقليدية، وتحديث بعض مظاهر المجتمع، كخروج المرأة من البيت، والتخلي عن الحجاب وطرح مسألة تحررها، وبروز فكر جديد مع مثقفين جدد متشبعين بثقافة حديثة، أحدث شرخا كبيرا في الثقافة التقليدية في مجموع العالم العربي والإسلامي، وخاصة في مصر التي كانت تعرف نهضة فكرية في تلك الحقبة().
هذا بشكل عام ما خلفته الثورة الكمالية. ولكن ما يهمنا في هذا المقال، هو ما قام به أتاتورك من إلغاء لمنصب الخليفة كإجراء يهدف إلى فصل الدين عن الدولة، أو علمنة الدولة.
هذا الإجراء سيخلف ردود فعل متباينة حول وجوب أو عدم وجوب منصب الخليفة. وقد طرح الأمر بإلحاح بمصر حيث كان ملك مصر أحمد فؤاد يطمح إلى شغله من خلال جمعيات كانت تدعو إلى مؤتمر للخلافة، أبرزها "جمعية الخلافة". بالإضافة إلى سعي بريطانيا إلى أن يكون خليفة المسلمين من نصيب إحدى الأقطار التابعة لها.
فكانت مسألة الخلافة، مسألة سياسية تواجه فيها المناهضون للقصر المصري والاستعمار البريطاني، والمناصرون له وللتواجد الإنجليزي في المنطقة. ويظهر هذا الصراع بوضوح بعد طبع كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وما خلفه من ردود فعل سياسية متباينة واضحة، كصراع الأحزاب التي كانت تدافع عن الكتاب وصاحبه من جهة، كحزب الأحرار الدستوريين الذي كان ينتمي إليه علي عبد الرازق، رغم مشاركته في الحكومة الموالية للقصر، بجانب حزب الاتحاد، وحزب الوفد المعارض، رغم موقف زعيمه السلبي سعد زغلول من الكتاب. ومن جهة أخرى ردود فعل سياسية مغلفة بالدين من بعض الأحزاب والجهات التي وقفت ضد الكتاب وصاحبه، داعية إلى محاكمته، كحزب الاتحاد والقصر الملكي والأزهر.
لهذا كانت ردود الفعل حول الكتاب في جوهرها سياسة واضحة في أحيان ومستترة وراء الدين في أحيان أخرى، كما وقع في المحاكمة التي جاءت نتائجها كما أراد لها القصر وأتباعه[8].
في ظل هذه الملابسات إذن يأتي كتاب علي عبد الرازق كطرف في صراع حول مسألة الخلافة كشكل من أشكال الحكم في العالم العربي والإسلامي. وكوجهة نظر حول مفهوم الدولة والحداثة بصفة عامة.
إن كتاب الإسلام وأصول الحكم عبارة عن جدال حول مسألة السلطة في الإسلام، يناقش فيه علي عبد الرازق مجموع الآراء والمواقف من مسألة الخلافة في الإسلام، انطلاقا من السؤال الرئيسي حول دينية أو عدم دينية منصب الخلافة.
فإذا كان البعض يعتبرها منصبا دينيا، وضرورة دينية، فإن علي عبد الرازق في رده على هذا القول ومن أجل تفنيده، يعود إلى المصادر الأساسية للإسلام: الكتاب والسنة والإجماع، يبحث عن شرعية أو عدم شرعية هذا القول. ليخرج بنتيجة مفادها أن لا الكتاب ولا السنة ولا الإجماع يعطيه الشرعية.
وبرجوعه إلى الأصول الإسلامية للاعتماد عليها كسند لموقفه الرافض لدينية منصب الخلافة، يهدف عبد الرازق بالأساس إلى مناقشة مسألة دينية وسياسية في نفس الوقت من داخل الإسلام، نفسه، باعتماده على الأصول من جهة، وعلى التاريخ الإسلامي منذ ظهور الدعوة، من جهة ثانية. وهو في هذين الاعتمادين يستعمل المنقول وفي نفس الوقت التأويل الذي يعتمد على الاستدلال والعقل.
وإذا كانت الخلافة بالنسبة لعبد الرازق لا تستند لا على الكتاب ولا على السنة ولا على الإجماع. فإنها لا تستند في رأيه إلا على القوة والقهر والعنف بحد السيف من أجل فرض نفسها على المسلمين(). وفي هذا الإطار يستعين المؤلف بالتاريخ الإسلامي من خلال بعض اللحظات التاريخية، ومن بعض الذين مارسوا الحكم للاستدلال على القوة والقهر.
وانطلاقا من هذا الموقف العام من مسألة الخلافة، يلجأ علي عبد الرازق إلى البحث عن العلاقة بين الديني والسياسي في النبوة بشكل عام، وفي سلوكات النبي بشكل خاص، من خلال علاقة الملك بالرسالة. إن المؤلف ينطلق للخوض في هذه العلاقة من واقع تاريخي وديني لا يرى فيهما تلازما بين الملك والرسالة. معللا موقفه في أن هناك ملوكا لم يكونوا أنبياء أو رسلا وأنبياء لم يكونوا ملوكا أو حكاما.
وعلى ضوء هذا الطرح، يتساءل المؤلف حول وضعية النبي، هل هي دينية (الرسالة) ومدنية (الملك) أم دينية فقط (الرسالة)؟
وللرد على هذا التساؤل، يعود المؤلف كذلك إلى الأصول الإسلامية وخاصة الكتاب والسنة ليخرج بالقول أن النبي لم يكن دوره إلا دينيا فقط من غير أن يكون سياسيا. لكن ما لاحظناه أنه في مناقشته لهذه المسألة يريد في بعض الأحيان أن يصل إلى مسألة الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي في النبوة دون أن يرتكز على أسس منطقية واضحة تقنعنا بموقفه. وربما يعود ذلك إلى قلة المصادر التي تؤرخ لحياة النبي كما يعترف هو نفسه بذلك. مما جعل بحثه في علاقة الديني بالسياسي في حياة النبي يكتنفه نوع من الغموض، وخاصة عندما يتحدث عن الجهاد في حياة النبي[9]. وغموضه في هذه المسألة يعود إلى نظام الحكم في عهد النبي –كما يعترف كذلك هو نفسه بذلك- مما جعلها تهمة أساسية من بين التهم السبع التي وجهتها إليه هيئة العلماء في المحاكمة[10] والتي مفادها:"أن نظام الحكم في عهد النبي (ص) كان موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقص، وموجبا للحيرة". كما أنها كانت في نفس الوقت نقطة رئيسية وقف عليها منتقدو كتاب "الإسلام وأصول الحكم"[11].
وهذا الموقف من العلاقة بين الديني والسياسي في النبوة، والتركيز على أن دور النبي دور ديني لا سياسي()، جعل المؤلف يرى من خلاله صورة الجزيرة العربية بعد ظهور الرسالة. حيث في نظره أصبحت وحدة القبائل تشكل وحدة دينية لا سياسية. ذلك لأن النبي لم يقم بدور الوحدة السياسية، بل اكتفى بالقيام بدور الوحدة الدينية. هذه الأخيرة هي ما توارثه المسلمون بعد وفاة النبي، أي أن وضعية الجزيرة العربية لم تكن تضبطها بعد وفاة النبي إلا مبادئ الوحدة الدينية ومن تحتها دول تامة التباين والاختلاف، مما يفسر الصراع بين القبائل الذي لم يكن إلا صراعا سياسيا حول السلطة السياسية.
وانطلاقا من هذه المعطيات التي وقف عندها المؤلف، استنتج أن دور الرسالة انتهى بوفاة الرسول وبالتالي الزعامة الدينية، وانطلق دور الزعامة السياسية أو المدنية، وبهذا فإن الخلافة كمركز ديني انتهت كذلك مع وفاة الرسول, وهو بهذا يريد أن يصل إلى ما وقع من نزاعات وصراعات، بعد وفاة النبي، لم تكن إلا نزاعات وصراعات سياسية، أنجبت زعماء سياسيين وليسوا دينيين، مما يؤكد قوله أو أطروحته أن الخلافة مسألة سياسية ليست لها قواعد لا في النص ولا في السنة ولا في التاريخ.
وما يهمنا نحن من هذا الكتاب الذي تناول مسألة الفصل بين الديني والسياسي في الإسلام من خلال مسألة الخلافة، ليس هل أصاب المؤلف أم أخطأ –يمكن الرجوع هنا إلى الكتب الكثيرة التي ردت عليه-[12]. بل ما يهمنا هو أن هذا الكتاب كمحطة ثانية هو امتداد واستمرار للمحطة الأولى، محطة محمد عبده وفرح أنطون، ليس فقط على مستوى طرح إشكالية علاقة الديني بالسياسي، بل كذلك في جوهر هذا الجدال المتمثل في إشكالية الدولة في المجتمع العربي والإسلامي.
حيث إن الطرح لم يكن في جوهره حول الفصل أو عدم الفصل بين الدين والسياسة فقط، بقدر ما كان حول كيفية تحديث الدولة وعصرنتها كشكل من أشكال الخروج من التخلف وتحقيق التقدم. من هنا يمكن اعتبار علي عبد الرازق كامتداد لهذا الجدال بصفة عامة، ومن منظور الإصلاحيين الإسلاميين بصفة خاصة، أي مناقشة مسألة الدولة من داخل الإسلام نفسه وليس من خارجه، مما يجعلنا نعتبر امتدادا لفكر محمد عبد الإصلاحي ومحاولة تطويره، وليس امتدادا للتيار الليبرالي وخاصة فرح أنطون كما اعتبره بعض الباحثين[13].
من هنا يمكن أن نستنتج من خلال هذا المقال ومن خلال هاتين المحطتين، أن جوهر الإشكال في مسألة العلاقة بين الدين والسياسية، لم يكن هو إشكالية الفصل أو الوصل فقط، بل في العمق هو إشكالية التقدم من خلال تحديث الدولة. استعملت فيها عدة مفاهيم في جوهرها لبيرالية (كالحرية، الديمقراطية، التسامح، فصل الدين عن الدولة..الخ) انطلق فيها البعض من مرجعية غربية لم تستطع الخروج عنها، وحاول البعض الآخر تكييفها أو إعطاءها شرعية إسلامية.
هذا يدفعنا أيضا إلى الوقوف على إشكالية التقدم عند المفكرين الأوائل من حيث نظرتهم أو الزاوية التي ينظرون منها إلى تحقيق هذا الهدف. فما لاحظناه أن الزاوية المنظور منها لم تكن إلا زاوية الدولة فقط، أي زاوية السياسية، بينما أهملت الزوايا الأخرى أو لم يعط لها نصيبها من البحث والتقصي، كزاوية الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والحقوقي..الخ. مما دفع ببعض المفكرين إلى ملء هذا الفراغ في بعض الميادين، كسلامة موسى على سبيل المثال لا الحصر، على المستويين السياسي والاجتماعي، أو طه حسين على المستوى الثقافي[14] .
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...
يستدعي استشراف ...يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...
حذر مركز التنبؤ...حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...
الاجابة علي تسا...الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...
مقدمة التعريف ب...مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...
دروس في المال: ...دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...
درك الإمام أن ط...درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...
2 - بداية عصر ا...2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...
بالقرب من مدينة...بالقرب من مدينة أور الأثرية. كان من المقرر أن يمتد موسم التنقيب لهذا العام من منتصف شهر سبتمبر/أيلول...
This is my Engl...This is my English timetable. I have three English classes every week. My classes are on Sunday, Tue...
ينتسب المعنيون ...ينتسب المعنيون الى الأمير معن بن ايوب الملقب بابي ربيعة، وهم عرب يمنيون نزحوا من شمالي بلاد الشام وم...
زار وفد شركة «م...زار وفد شركة «موف وان» (Move One) العالمية للخدمات اللوجستية، البريطانية الأمريكية، برئاسة السيد جيس...