Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (50%)
لعل سورة يوسف هي خريُ ٍ مثال للفكرة التي نحاول أن نُ ِصارح بأنه يقُص القَ ُّ ْح ُن نَقُ ﴿نَ فالقرآن إذن يقص القصص ليصحو الغافل. َي رأ بَ ِت إِنِّ ﴿إِذْ قَ ٍ من القواعد القصصية املعروفة أن القصة يجب ألا تفاجئ القارئ؛ فلا بد لكل حدث ٍ من تمهيد ُ يسبقه. بل إن الآيات لا تكتفي بهذا، ً تمضي قدما. ُم َك ِم ْن تَ َر ِ اه َيم َوإِ ْس َح َ اق إِ َّن َربَّ َك َعِل ٌيم َحِك ٌيم ﴾ (يوسف، بََويْ َك ِم ْن قَ َوب َكَما أ وأن يوسف من ُ آل يعقوب. عرفنا معنى الح ُ لم وما سيصري إليه أمر َ يوسف ُ من بعد. ُ ستأتي فيما بعد؛ َ التشويق، وإن كنت َ عرفت حقيقةً السرد القصصي في القرآن الكريم وصل يوسف إلى معرفة تأويل الأحلام والحكمة. َّ ولو كان القارئ يقرأ لقص ٍ اص عادي لقرأ ليعرف إن كان هذا التنبُّؤ قد تم أم لا. ِّ املتحدثني في الغرب أن يُلغوا فكرة التشويق فانهارت القصة، ٍ كعنصر أساسي من عناصر العرض الآتي: ومورافيا ً ق نجاحا عامليٍّا منقطع النظري، ْوًم َ ا ص ِال ِح َني * تُ اقْ ْم إِ ْن ُكنْ َ ارِة ُج ِّب ُوه ِفي َغيَابَِة الْ لْقُ لُوا يُ ُوس َف َوأ َ ال قَ ِاعِل َني﴾ (سورة يوسف: من آية ٨–١٠). فَ ولكنك مع ذلك مشوق أنت بطبيعة الحال تعرف القصة، أتستطيع أن تتصو َ ر نفسك من املسلمني الأوائل متحلقً َ أنك ً ستظل ساهر ُ ا الليل والليالي حتى يصل الوحي ما انقطع من القصة، وأنت َ يومذاك ُ لم تسمع به قبل، ُ تسمع هذه الآيات يصبح يوسف جزءًا من حياتك، وتريد أن تعرف ماذا فعل به إخوته . تعرفُها وتُناجيها وتسألُها لعلها تُجيبك. الهيكل الفني في قصة يوسف إلا أن واحدا منهم هو ولكننا نُ هذه املؤامرة؟ ْرتَ ْرِسلْ بَانَ تُ نْ ُه الذِّ َويَلْ ُب َونَ ُه الذِّ َكلَ ُه َغ ِافلُ َون * قَالُوا لَ َعنْ ويُحذِّرهم الأب، ولكنه مع يِْه لَ ُوه ِفي َغيَابَِة الْ َهبُ ولكن الله اللطيف بمن يجتبيهم يوحي ليوسف أنك ستُنبِّئهم َّ بأمرهم هذا. فلا خوف إذن ولا هلع، ً ا رائعا لنرى إلى الإخوة ماذا صنعوا مع أبيهم. َد َر ْكنَا يُ ُوس َف ِعنْ ٍم َكِذ ٍب نَ ئْ ِاعنَا فَ َع ُ ان َعَلى َما تَ ُم ْستَ َصْبرٌ َجِم ٌيل َواللهُ الْ َمٍن بَ سورة يوسف: من آية ١٩–٢٠). في هذه الآيات نرى قاعدةً من أ إنهم نكرات َ كان د ُور َ هم أن يصلوا بيوسف إلى مصر. لا تؤثِّر شخصياتهم فيه من الزاهدين. شأن الجاهل إذا وجد جوهرةً من املاس، تَّ َعنَا أ َعَسى أ َو ُ اه4 ِتِه أ ِذ ْ ي اشَترَ ُ اه ِم ْن ِم ْ َصر ِلاْم َرأ َو َكذَ ُم َون﴾ (سورة يوسف: آية ٢١). النَّ يريد أن يعرف. إنه الفن في قمة روعته. َ أستغفر الله. أو بالنقلة القصصية الحديثة. ويستقي لهم. 3 واردهم: الذي يَ الهيكل الفني في قصة يوسف ْجِزي الْ ِت ْالأَ ِل ُح َّ الظ ِالُم َون﴾. ٍ وفي انتقالة ٍ سريعة وامضة أخرى ذهبنا إلى قصة جديدة. ِل َك ِلنَ ْرَه َ ان َربِِّه َكذَ ْن َرأ ِص َني﴾. إِنَّ ُ إن العرض القصصي هنا في قمته . فأروع َّ ما في العرض القصصي السرد الفني. وقد لعباده إن يوسف كان إنسانً في هذه الجملة روعةٌ ٌ فنية وكشف نفسي عميق؛ ُّ يقعوا فيه، ِغرينا أن نتشبه وأين نحن من امللائكة؟ أما قصص الناس فإنها تُ بَ َ اب َوقَ َ﴿و ْ استَ ْو َعذَ ْن يُ ْس َج َن أ َ هيت ِ لك: أقب ِ ل وبادر، ُلقيَ َ ت عن غري عمد. هذا هو التمهيد الفني للحد َّصوْر َ ها إذا كنت تقرأ هذه القصة دون أن تكون َ ثم أرأيت إلى املفاجأة الواقفة عند الباب؟ تَ تُ زوجةٌ َّ ل القرآن فك َرت ماذا تفعل، أو حاولَ ٍر قَ َ أرأيت محاكمةً ْعتَ َّم َ ا رأ لَ إِ ْن َهذَا إِ ُ يوسف جميل . 20 ُو ْ ا الآيَ ِ ات لَ َّم بََدا لَ ِسي ُخبْ ًزا تَ ُم ْحِسِن َني﴾. َ ت به الآية . ألست الآن مشوقًا أن بْ َل أ ِانِه إِ ْرَزقَ ِت ُ يكَم َ ا طَع ٌ ام تُ ﴿قَ ْؤِمنُ َون ِباهللِ َوُه ْم ِب ْالآ ِخَرِة ُه ْم َك ِافُر َون﴾. ْوٍم َربِّي إِنِّي تَ ِذ َ ي ظ َّن أ ِ ان َ* وقَ لَ َس ُ اه َّ الشيْ نْ تُونِي َمَلأُ َُّها الْ ِاب َس ٍ ات يَا أ بَُلاٍت ُخ ْضرٍ َوأ َر ٍ ات ِسَم ٍ ان يَأ ْعُبرُ َون﴾. ْم ِل ُّلرْؤيَا تَ تُ َ أرأيت َّ كيف إذن مه ِ د السبيل أن يرجع يوسف إلى امللك؟ لقد نسي ُ من نجا أن يذكره ِّ حني نجا، يَأ ِل َك َسبٌْع ِشَد ٌ اد10 ِت ِي م ْن بَ ْعِد ذَ لقد أفتى يوسف، فقد دخل لْ َن َح َ اش هلل ِ ِ َم َ ا عِل ْمنَ َر َ اوْدتُ َّن يُ ُوس َف َع ْن نَفْ َ ال َم َ ا خ ْطبُ ُك َّن إِذْ ﴿قَ ُه َع ْن نَفْ َ ا ر َ اوْدتُ ق أ يَ ْوَم لَ ِسي فَ َمِل ُك ائْ بَ َّوأ
- قَ ِمنْ ُلقيَ َ ت إليك هذه ٍ في كلمات ُ قلائل أصبح يوسف َ على خزائن الأرض . ٌ الآيات؟ طلب يوسف أن يكون على الخزائن، وأبدى السبب القوي . ٍّ إنه يريد الخري لهذه الخزائن وللناس . ِّ عن الخزائن نفسها إنه يريد أن يقدم الحكمة من كل ما كان من شأنهم وشأن أبيهم؟ ِك ُر َون َ* ولَ َد َخلُ يُ ُوس َف فَ َ﴿و َجاءَ إِ تُونِي َلا تَ َ ال ائْ قَ ِون﴾. َربُ َ ا ونَ يُ ُوس ُف َوأ يَ ِانِه ْ اجَعلُ َ ال ِلِفتْ بَ ُ اه15 َر ِاوُد َعنْ ﴿قَالُ بَانَ َّم َ ا ر َجُعوا إِ لَ َلى أ َعلَّ َخانَا نَ ْكتَ ْل َوإِنَّا لَ ُمِن َع ِمنَّا الْ َكيْ ُل فَ بْ ُل فَاهللُ ِمنْ انظر إلى يوسف الذي يعرف إخوتَه ويعرف أباه . وهو يعلم أنهم مع ذلك سيعودون، ولكنهم سيجدون وسيلةً َ﴿ولَ َخانَا . َ ا ونَ نَ ِن ِي بِه إِ ِون َم ْوثِقً ُ نميز: نجلب ما يُ َؤكل. يُحاط به: يهلك. 17 السرد القصصي في القرآن الكريم يَّتُ َّم أ َس ِارقُ مفاجأةٌ قصصية عجيبة، وجديدةٌ على مسار القصة . ُم ْحِسِن َني إِ ْن نَ َ ال َم َعاذَ ويتشاور الإخوة فيما يفعلون، َ ال بَ ْل َسَّولَ ْت لَ ُك ْم أ َك ِظ ٌيم19﴾. َّ غ القصة قمتَها وتكتمل املأساة . وهكذا تبلُ
Original text
لعل سورة يوسف هي خريُ ٍ مثال للفكرة التي نحاول أن نُ
َصص.
ِصارح بأنه يقُص القَ
القصص القرآنية؛ فالقرآن في هذه السورة يُ
بِْلِه
ْر َ آن َوإِ ْن ُكنْ َت ِم ْن قَ
يْ َك َهذَا الْقُ
ْو َحيْنَا إِلَ
َ
َص ِص ِبَما أ
ْح َس َن الْقَ
َ
يْ َك أ
ص َعلَ
ُّ
ْح ُن نَقُ
﴿نَ
ِمَن الْ َغ ِافِل َني﴾ (من سورة يوسف: آية ٣).
لَ
فالقرآن إذن يقص القصص ليصحو الغافل. وما أعظم النقلة بعد هذه الآية:
ُه ْم ِلي
يْتُ
َ
َمَر َرأ
َحَد َعَشرَ َك ْوَكبً َ ا و َّ الشْم َس َوالْقَ
َ
يْ ُت أ
َ
َي رأ
بَ ِت إِنِّ
َ
ِب ِيه يَا أ
َ ال يُ ُوس ُف ِلأَ
﴿إِذْ قَ
َس ِ اجِد َين﴾ (من سورة يوسف: آية ٤).
ٍ من القواعد القصصية املعروفة أن القصة يجب ألا تفاجئ القارئ؛ فلا بد لكل حدث
ٍ من تمهيد ُ يسبقه. وأحسن ما يكون التمهيد إذا كان غريَ واضح. إذا التأم في نسيج القصة
بحيث لا يُنبئُ ِّ عما يمهد له. حتى إذا وقع الحدث تنبَّ َّ ه القارئ إلى هذا التمهيد فتذكره.
والحلم هنا خريُ ٍ تمهيد للأحداث التي جرت بعد ذلك، بل إن الآيات لا تكتفي بهذا، وإنما
ً تمضي قدما.
َس ِ ان
َط َ ان ِلْلإِنْ
يَ ِك ُيدوا لَ َك َكيًْدا إِ َّن َّ الشيْ
ْخَوتِ َك فَ
ُص ْص ُر ْؤيَ َ اك َعَلى إِ
َّي َلا تَقْ
َ ال يَا بُنَ
﴿قَ
يْ َك َوَعَلى ِ آل
ُه َعلَ
م ِن ْعَمتَ
َح ِاد ِيث َويُتِ ُّ
ِو ِيل ْالأَ
ْ
أ
ُم َك ِم ْن تَ
ُّ َك َويَُعلِّ
ِب َيك َرب
ِل َك يَ ْجتَ
و ُمِب ٌني َ* و َكذَ
ٌّ
َعُد
َر ِ اه َيم َوإِ ْس َح َ اق إِ َّن َربَّ َك َعِل ٌيم َحِك ٌيم ﴾ (يوسف، آيتا
بْ ُل إِبْ
بََويْ َك ِم ْن قَ
َ
َّمَه َ ا عَلى أ
تَ
َ
َوب َكَما أ
يَ ْعقُ
.(٦ ،٥
في هذه الآيات القليلة عرفنا أن إخوة يوسف على استعداد أن يكيدوا، وأن يوسف من
ُ آل يعقوب. عرفنا معنى الح ُ لم وما سيصري إليه أمر َ يوسف ُ من بعد. وفي هذه اللمحة قمة
ُ ستأتي فيما بعد؛ ذلك أن القارئ سيقرأ ليعرف كيف
َ التشويق، وإن كنت َ عرفت حقيقةً
السرد القصصي في القرآن الكريم
وصل يوسف إلى معرفة تأويل الأحلام والحكمة. كما سيقرأ ليعرف كيف انتفع بعلمه هذا.
َّ ولو كان القارئ يقرأ لقص ٍ اص عادي لقرأ ليعرف إن كان هذا التنبُّؤ قد تم أم لا. كل
ِّ هذا يشو ٌ ق القارئ فيمضي في قراءة القصة في لهفة. وقد حاول بعض ُ من كتَّاب القصة
ِّ املتحدثني في الغرب أن يُلغوا فكرة التشويق فانهارت القصة، وفرض عليهم التشويق نفسه
ٍ كعنصر أساسي من عناصر العرض الآتي:
َ ولعل ألبرتو مورافيا هو أه َّ م قص ٍ اص ٍ حاول تحطيم التشويق في رواية له، ومورافيا
ً ق نجاحا عامليٍّا منقطع النظري، ولكنه في هذه الرواية بالذات
ٌ كاتب عاملي، وكل أعماله تحقِّ
ِّ التي حاول أن يحط ٍ م فكرة التشويق باءَ بفشل َّ لم يصادفه في كل أعماله التي قدمها وهو
ُ في قمته، فالتشويق إذن كان وما زال من أهم عوامل القصة، وهو أروع ما يكون إذا سيطر
ٍ على الرواية أو القصة دون افتعال من املؤلِّف أو من الأحداث.
َّ انظر معي إذن هذا التشويق في قمته حني اجتمع إخوة يوسف:
ِف َ ي ضَلا ٍل ُمِب ٍني *
بَانَا لَ
َ
إِ َّن أ
ْح ُن ُع ْصبَةٌ
َ ا ونَ
ِ ا منَّ
ِبينَ
َ
َلى أ
ب إِ
َح ُّ
َ
ُخ ُوه أ
َ
يُ ُوس ُف َوأ
﴿إِذْ قَالُوا لَ
ْوًم َ ا ص ِال ِح َني *
ِوا م ْن بَ ْعِدِه قَ
ِب ُ يك ْم َوتَ ُكونُ
َ
ْخ ُل لَ ُك ْم َو ْجُه أ
ْر ًضا يَ
َ
ِو ْ اطَر ُح ُوه أ
َ
لُوا يُ ُوس َف أ
تُ
اقْ
ْم
تُ
إِ ْن ُكنْ
2
َ ارِة
ِق ْطُه بَ ْع ُض َّ السيَّ
تَ
يَلْ
1
ُج ِّب
ُوه ِفي َغيَابَِة الْ
لْقُ
َ
لُوا يُ ُوس َف َوأ
تُ
ُه ْم َلا تَقْ
ِائٌل ِمنْ
َ ال قَ
قَ
ِاعِل َني﴾ (سورة يوسف: من آية ٨–١٠).
فَ
َ أرأيت ُ املؤامرة كيف دبِّ َر َ ت. أنت ٌ بطبيعة الحال تعرف القصة، ولكنك مع ذلك مشوق
َ أن تعرف كيف سارت الأمور بعد ذلك. أنت بطبيعة الحال تعرف القصة، ولكنك لا شك
ا
ٌ واجف ٌ على يوسف، مشفق َّ عليه. أتستطيع أن تتصو َ ر نفسك من املسلمني الأوائل متحلقً
ٌ مع صحبك حول النبي تستمع. ماذا أنت فاعل حني يسكت النبي عند هذه الآيات؟ لا شك
َ أنك ً ستظل ساهر ُ ا الليل والليالي حتى يصل الوحي ما انقطع من القصة، لتعرف ماذا تم
َ بشأن يوسف. وأنت َ يومذاك َ لا تعرف يوسف. وأنت َ يومذاك ُ لم تسمع به قبل، ولكنك حني
ُ تسمع هذه الآيات يصبح يوسف جزءًا من حياتك، تذك ُ ره في م َضط َ رب يومك. وفي ه ْدأة
ُ وه في غيابة الجب؟ هل
ليلك، وتريد أن تعرف ماذا فعل به إخوته .. هل قتلوه؟ هل ألقَ
التقَ َطه السيارة؟ هل نجا؟ هل مات؟ لقد أصبحت شخصية يوسف شخصيةً حية في محيط
حياتك، تعرفُها وتُناجيها وتسألُها لعلها تُجيبك.
1 غيابة الجب: قاعه.
2 السيارة: الذين يسريون في الأرض.
16
الهيكل الفني في قصة يوسف
َ ثم أرأيت َ الأسلوب الفني في العرض؟ أبونا يُحب يوسف .. اقتلوا يوسف .. مقدمة
ً أخرى .. قال الإخوة جميعا الجملةَ الأولى. أما الثانية
ٍ حوار أعقبَتْها جملةٌ
ونتيجة .. جملةُ
ِح ً س أنها رغبة الإخوة جميع ً ا .. إلا أن واحدا منهم هو
ُ فلم تذك ً ر الآية قائلا لها. ولكننا نُ
أكثرهم تعقُّ ًلا ٌ .. لا تقتلوا يوسف .. إنه حوار قصصي في قمة الحوار القصصي. ماذا بعد
هذه املؤامرة؟
ْع
ْرتَ
ُه َم َعنَ َ ا غًدا يَ
ْرِسلْ
َ
ِ اص ُح َون * أ
نَ
ُه لَ
َ ا عَلى يُ ُوس َف َوإِنَّا لَ
َمنَّ
ْ
أ
َ ا ما لَ َك َلا تَ
بَانَ
َ
﴿قَالُوا يَا أ
ْم
تُ
نْ
َ
ُب َوأ
ئْ
ُه الذِّ
ُكلَ
ْ
ْن يَأ
َ
َخ ُ اف أ
َ
ِ وا بِه َوأ
َهبُ
ْن تَذْ
َ
ِني أ
يَ ْحُزنُ
َ ال إِنِّي لَ
َح ِاف ُظ َون * قَ
ُه لَ
َع ْب َوإِنَّا لَ
َويَلْ
إِنَّا إِذًا لَ َخ ِ ُ اسر َون﴾ (سورة يوسف: من
ْح ُن ُع ْصبَةٌ
ُب َونَ
ئْ
ُه الذِّ
َكلَ
َ
ِ ْئن أ
ُه َغ ِافلُ َون * قَالُوا لَ
َعنْ
آية ١١–١٤).
انتقلَت القصة نقلةً سينمائية مباشرة من تدبري املؤامرة إلى تنفيذها، وانتقل السر دون
ِظه ُ رون الحب لأخيهم.
ٍ أي إطالة إلى الأب، ويُحذِّرهم الأب، ولكنهم خبثاءُ يمكرون، فهم يُ
ِراوده الهواجس، ولكنه مع
يُ ٌ ريدون أن يرتع ويلعب وهم له لحافظون. والأب أب للجميع، تُ
ن ُ له الحب
َ ى أن تكون هواجس كاذبة، ويتمنَّى أن يُحب الإخوة أخاهم الذي يُ ِك ُّ
ذلك يتمنَّ
ٍ رة، وهكذا تنتقل الآية في نقلة سينمائية أخرى.
والأثَ
ْمِرِه ْم
َ
ُه ْم ِبأ
نَّ
بِّئَ
نَ
تُ
يِْه لَ
ْو َحيْنَا إِلَ
َ
ُج ِّب َوأ
ُوه ِفي َغيَابَِة الْ
ْن يَ ْجَعلُ
َ
ْجَمُعوا أ
َ
ِ وا بِه َوأ
َهبُ
َّما ذَ
لَ
﴿فَ
ْشُع ُر َون﴾ (سورة يوسف: آية ١٥).
َ ا وُه ْم َلا يَ
َهذَ
َّتم َ ت املؤامرة إذن، ولكن الله اللطيف بمن يجتبيهم يوحي ليوسف أنك ستُنبِّئهم
َّ بأمرهم هذا. إذن فقد اطمأن يوسف أنه سيعيش، فلا خوف إذن ولا هلع، بل لقد بشره
ربه أنه سيُنبئ إخوته بهذا الذي صنعوا دون أن يتوقَّعوا.
ً ا رائعا لنرى إلى الإخوة ماذا صنعوا مع أبيهم.
ُ ونترك ً يوسف تركا فنيٍّا شائقً
َد
َر ْكنَا يُ ُوس َف ِعنْ
ِبُق َوتَ
ْستَ
َهبْنَا نَ
بَانَا إِنَّا ذَ
َ
بَ ُ اه ْم ِع َشاءً يَبْ ُك َون * قَالُوا يَا أ
َ
َ﴿و َجاءُوا أ
ٍم َكِذ ٍب
ِم ِيصِه ِبَد
َ ا ص ِادِق َني َ* و َج َ اءُوا عَلى قَ
ْو ُكنَّ
َ ا ولَ
نَ
نْ َت ِبُمْؤِمٍن لَ
َ
ُب َوَما أ
ئْ
ُه الذِّ
َكلَ
َ
أ
ِاعنَا فَ
َمتَ
َون﴾ (سورة
ِصفُ
َع ُ ان َعَلى َما تَ
ُم ْستَ
َصْبرٌ َجِم ٌيل َواللهُ الْ
ْم ًرا فَ
َ
ُس ُك ْم أ
نْفُ
َ
َ ال بَ ْل َسَّولَ ْت لَ ُك ْم أ
قَ
يوسف: آية ١٦–١٨).
ً ا إلى عدل ربه، واله ِ ا على بعاد ابنه الأثري، ونرجع مرةً أخرى
وتترك القصة الأب مطمئنٍّ
ُ إلى يوسف في غيابة الجب.
17
السرد القصصي في القرآن الكريم
سر ُوه ِب َض َ اعةً
َ ُّ
َ
ْشرَ َى هذَ ُ ا غَلاٌم َوأ
َ ال يَا بُ
َوُه قَ
ْدَلى َدلْ
َ
أ
فَ
3
َ وا و ِارَدُه ْم
ْر َسلُ
َ
أ
َ ارةٌ فَ
َ﴿و َج ْ اءَت َسيَّ
ِ وا ف ِيه ِم َن َّ الز ِ اهِد َين﴾
ْخٍس َدَر ِ اه َم َم ْع ُد َودٍة َو َكانُ
َمٍن بَ
َواللهُ َعِل ٌيم ِبَما يَ ْعَملُ َون َ* وَشرَ ْوُه ِبثَ
(سورة يوسف: من آية ١٩–٢٠).
ُم القواعد القصصية، فهؤلاء الأشخاص الذين التقطوا
في هذه الآيات نرى قاعدةً من أ
ٌ يوسف وباعوه نكرات َّ مسرحية؛ ولذلك لم تهتم القصة بذكر شأنهم؛ من هم، وماذا كانوا
ٌ ا. إنهم نكرات
َ يفعلون ولم ُّ ذهبوا إلى مصر. كل هذا لا يهم ُ القصة، فهي لا تذكر عنه حرفً
َ كان د ُور َ هم أن يصلوا بيوسف إلى مصر. وقد فعلوا. إنهم أداة للحدث .. لا تؤثِّر شخصياتهم
َ في الحد َ ث ذاته .. فالقصة إذن تهملهم وتمر بأمرهم عر ًض ٍ ا دون إطالة أو بحث، وكانوا
فيه من الزاهدين. في هذه الكلمات القلائل قمةٌ من القمم الفنية. إنهم زاهدون فيه لأنهم لا
يعرفون قيمته، شأن الجاهل إذا وجد جوهرةً من املاس، وظن أنها من الزجاج، فهو فيها
ْخس. مفارقةٌ فنية بارعة؛ فلو كان هؤلاء السيَّارة يعرفون قيمةَ
ٍ زاهد وهو يبيعها بثمن بَ
يوسف وما سيصري إليه أمره ملا اكتملَت القصة. لو كانوا يعرفون مكانة يوسف هذا عند
أبيه لرجعوا به إليه، وملا اكتملَت القصة، وإنما هم فيه زاهدون.
أين استقر املقام بيوسف .. ما مصريه؟
ًدا
ُه َولَ
ِخذَ
تَّ
ْو نَ
َ
َعنَا أ
ْن يَنْفَ
َ
َعَسى أ
َو ُ اه4
ْكِرِم َي مثْ
َ
ِتِه أ
َ
ِذ ْ ي اشَترَ ُ اه ِم ْن ِم ْ َصر ِلاْم َرأ
َ ال الَّ
َ﴿وقَ
َر
ْكثَ
َ
ِك َّن أ
ْمِرِه َولَ
َ
َغ ِال ٌب َعَلى أ
َح ِاد ِيث َواللهُ
ِو ِيل ْالأَ
ْ
أ
َمُه ِم ْن تَ
َعلِّ
ْر ِض َولِنُ
ِ ا ليُ ُوس َف ِفي ْالأَ
ِل َك َم َّكنَّ
َو َكذَ
ُم َون﴾ (سورة يوسف: آية ٢١).
ِ اس َلا يَ ْعلَ
النَّ
َك أن تعرف كيف انتفع يوسف بتأويل الأحاديث، وماذا
أترى هذا الإجمال؟ ألا يشوقُ
سيكون من أمره في هذه البلاد؟ أنت تعرف القصة، وأنا أعرفها، ولكن لا شك أن كلَينا
يريد أن يعرف. إنه الفن في قمة روعته.
َ أستغفر الله. إنما الفن قد يكون عمل البشر، إنما هذا هو الإعجاز. وم ُ ن أعظم ً إعجازا
من الله العلي الكبري؟
ٍ في انتقالة ٍ سريعة وامضة تنتقل قصة يوسف إلى فترة زمنية أخرى، انتقالة أشبه ما تكون
بالنقلة الفيلمية، أو بالنقلة القصصية الحديثة.
ِرد املاء، ويستقي لهم.
3 واردهم: الذي يَ
ً أكرمي مثواه: اجعلي مقامه عندنا كريما.
4
18
الهيكل الفني في قصة يوسف
ِت ُي هَو ِفي
ُه الَّ
ُم ْحِسِن َني َ* و َر َ اوَدتْ
ْجِزي الْ
ِل َك نَ
ًم َ ا و َكذَ
ُ اه ُح ْكًم َ ا وِعلْ
يْنَ
ُشَّدُه آتَ
َ
َّما بَلَ َغ أ
َ﴿ولَ
ُه َلا
َو َ اي إِنَّ
ْح َس َن َمثْ
َ
ُه َربِّي أ
ِالله إِنَّ
َ ال َم َعاذَ
قَ
بْ َو َ اب َوقَالَ ْت َهيْ َت لَ َك5
ِت ْالأَ
ِسِه َوَغلَّقَ
بَيْتَِه َ ا ع ْن نَفْ
ِل ُح َّ الظ ِالُم َون﴾.
يُفْ
ٍ وفي انتقالة ٍ سريعة وامضة أخرى ذهبنا إلى قصة جديدة. إنها حياةٌ عريضة مليئة
ٍ مها لنا قصته القرآنية في تشويق َّ أخاذ. لو أن
ِّ باملغامرات يخوضها سيدنا يوسف وتقد
قصصيٍّا اقتبس هذه القصة لاستطاع أن يُ ِّسميَ ٍ ها مغامرات يوسف، ولاستطاع دون جهد
يُ َذك ً ر أن يجعل منها فيلما سينمائيٍّ ً ا رائعا .. ماذا فعل يوسف؟ انظر معي:
ْح َشاءَ
ُّ الس َ وءَ والْفَ
ُه
َف َعنْ
ْصرِ
ِل َك ِلنَ
ْرَه َ ان َربِِّه َكذَ
ى بُ
َ
ْن َرأ
َ
ْوَلا أ
ْد َهَّم ْت ِبِه َوَه َّم ِبَها لَ
َ﴿ولَقَ
ِص َني﴾.
ُم ْخلَ
ُه ِم ْن ِعبَ ِادنَا الْ
إِنَّ
ُ إن العرض القصصي هنا في قمته .. فأروع َّ ما في العرض القصصي السرد الفني. وقد
كانت السورة خليقةً ُ أن تستر على يوسف أنه هم بها، ولكن الله سبحانه يريد أن يقول
ُّ ا مثلكم، يهم بالخطيئة شأن الإنسان .. ثم يرجع عنها شأن
لعباده إن يوسف كان إنسانً
الصالحني. في هذه الجملة روعةٌ ٌ فنية وكشف نفسي عميق؛ فهي تجعل القارئ يطمئن أنه
ٍ أمام شخصيات ُّ تحيا وتعيش مثل حياة الناس وعيشهم، يهمون بالخطأ، ويُ ِوشكون أن
ُّ يقعوا فيه، ثم يرتدون عنه. إن لم يفعلوا ذلك كانوا ملائكة. والله سبحانه وتعالى لا يريد
ٍ ص علينا قصص امللائكة، إنما يريد أن يروي لنا قصص ناس مثلنا يجري عليهم ما
أن يقُ
يجري علينا من مشاعر ومن أخطاء ومن رغبات. إن قصص امللائكة لن تُجديَنا في شيء.
ِغرينا أن نتشبه
فإننا سنقول في أنفسنا. وأين نحن من امللائكة؟ أما قصص الناس فإنها تُ
ِمض إذن مع قصة هذا الإنسان.
بهم حتى وإن كانوا أنبياء. لنَ
ِ اب قَالَ ْت َم َ ا جَز َ اءُ م ْن
بَ
َدى الْ
َسيَِّدَها لَ
7
َلفَيا
َوأ
6
ٍر
ِم َ يصُه ِم ْن ُدبُ
َّد ْت قَ
بَ َ اب َوقَ
بَقَ ا الْ
َ﴿و ْ استَ
ِل ٌيم﴾.
َ
ٌ اب أ
ْو َعذَ
َ
ْن يُ ْس َج َن أ
َ
َّلا أ
ْهِل َك ُسوءًا إِ
َ
َر َ اد ِبأ
َ
أ
َّد َ ت قميصه من
ِّ قصصية يقد ٍ مها القرآن في روعة َّ فنية أخاذة. وقَ
في هذه الآية قاعدةٌ
َ ا ببقية القصة ما ألقيت أدنى اهتمام، إنها
ُدبُ َ ر إذا قرأت هذه الجملة دون أن تكون عارفً
َ هيت ِ لك: أقب ِ ل وبادر، وهو اسم فعل.
5
َ ت قميصه من الخلف.
َّقد َ ت قميص ُ ه من دبُر: أي شقَّ
6
َ يا: وجدا.
7 ألفَ
19
السرد القصصي في القرآن الكريم
ِ ث في أروع صوره.
ُلقيَ َ ت عن غري عمد. هذا هو التمهيد الفني للحد
لْقيَت، وكأنما أ
ُ
ٌ كلمات أ
َّصوْر َ ها إذا كنت تقرأ هذه القصة دون أن تكون
َ ثم أرأيت إلى املفاجأة الواقفة عند الباب؟ تَ
ِراو ً د رجلا عن نفسه .. ثم تُ ُ فاجأ بزوجها عند باب الغرفة املغلَقة.
تُ
عارفًا ببقيتها .. زوجةٌ
مفاجأةٌ آخذة لا تكاد تُ ُ فيق منها. حتى تشَّدك مفاجأةٌ أخرى أقسى وأنكى .. ما جزاءُ من
َ جميعها على يوسف
أراد بأهلك سوءًا إلا أن يُ َسج ٌ ن أو عذاب أليم. إذن فقد ألقت التهمةَ
ِ ت في أمر ِ ها وأمر ذلك الرجل
َّ ل القرآن فك َرت ماذا تفعل، أو حاولَ
ٍ في سرعة خاطفة؛ فلم يقُ
معها. لم يقُ ل شيئً َّ ا من هذا، وإنما صك َ النفوس ٍ بالتهمة في مفاجأة فنية مذهلة. وتمضي
ٍ القصة بعد ذلك في فنية ٍ بارعة، وفي إيجاز أعجب.
بٍُل
َّد ِم ْن قُ
ِم ُ يصُه قُ
ْهِلَها إِ ْن َك َ ان قَ
َ
ِسي َو َشِهَد َش ِاهٌد ِم ْن أ
ِن َي ع ْن نَفْ
َ ال ِه َي َر َ اوَدتْ
﴿قَ
بَ ْت َوُهَو ِم َن َّ الص ِادِق َني *
َكذَ
ٍر فَ
َّد ِم ْن ُدبُ
ِم ُ يصُه قُ
ْت َوُهَو ِم َن الْ َك ِاذِب َني َ* وإِ ْن َك َ ان قَ
َصَدقَ
فَ
ُه ِم ْن َكيِْد ُك َّن إِ َّن َكيَْد ُك َّن َع ِظ ٌيم﴾.
َ ال إِنَّ
ٍر قَ
َّد ِم ْن ُدبُ
ِم َ يصُه قُ
َى قَ
َّم َ ا رأ
لَ
فَ
ُلقيَت إلقاءً وكأنها
ُ الدليل ٌ فيها قاطع مثل هذا .. ثم أرأيت الكلمة التي أ
َ أرأيت محاكمةً
ُ يوسف مما و ِّج َ ه إليه من اتهام. ثم أرأيت الحكم
ُ غري م َّ تعم َ دة ماذا أصبحت الآن؟ إنها براءةُ
ِطلق في وجه النساء
ُ
ً الذي أصدره الزوج كيف كان مانع ً ا جامع َ ا؟ إن ك ُ يدك ُ ن عظيم .. ح ٌكم أ
ً جميع ُ ا .. غري م َّخصص للزوجة الخائنة.
وحني تثري نسوة املدينة حديث زوجة العزيز ويوسف تدعوهن:
ُه َّن
َوآتَ ْت ُك َّل َو ِ احَدٍة ِمنْ
8
ا
ُه َّن ُمتَّ َكئً
َد ْت لَ
ْعتَ
َ
ِه َّن َوأ
يْ
ْر َسلَ ْت إِلَ
َ
َّم َ ا سِمَع ْت ِبَم ْكِرِه َّن أ
لَ
﴿فَ
َشرًا
لْ َن َح َ اش هلل ِ ِ َم َ ا هذَا بَ
يِْديَ ُه َّن َوقُ
َ
ُه َوقَ َّط ْع َن أ
ْكَبرْنَ
َ
ُه أ
يْنَ
َ
َّم َ ا رأ
لَ
ِه َّن فَ
يْ
ِت ْ اخُر ْج َعلَ
َ ا وقَالَ
ِس ِّكينً
َّلا َملَ ٌك َكِر ٌيم﴾.
إِ ْن َهذَا إِ
ُ في السرد م ِعج َ زة .. هل سمعت َ في السورة من أولها إلى أن بلغت هذه الآيات أن
براعةٌ
َّ ا. ولكن كيف قدَمت لك
ُ يوسف جميل .. أو على شيء من الوسامة؟ لم تذكر السورة شيئً
َّ السورة هذه الحقيقة قدَمتها صورةً َّ مرئية متحركة أخاذة تحمل الدليل الذي لا يستطيع
ٍ أي كلام أن يصفَ َّ ه .. لقد قطَعت النسوةُ أيديَ ُه ٍ ن؛ فهن إذن في ذهول ٍ عن أنفسهن وفي ذهول
ٌ عما حولهن .. فالجمال الذي أمامهن إذن جمال ٌ لا يحيط به وصف .. وهل هناك وصف
ُ أروع من هذا أو أصدق؟
ِكئن عليه من الوسائد.
َّ كأ: أعدت لهن ما يتَّ
َ اعتدت لهن متَّ
8
20
الهيكل الفني في قصة يوسف
ٍ وننتقل بعد ذلك إلى مغامرة أخرى من مغامرات يوسف:
ِ ان
يَ
تَ
ِ ى ح ٍني َ* وَد َخ َل َم َعُه ِّ الس ْج َن فَ
ُه َحتَّ
نَّ
يَ ْس ُجنُ
ُو ْ ا الآيَ ِ ات لَ
َ
ُه ْم ِم ْن بَ ْعِد َم َ ا رأ
َّم بََدا لَ
﴿ثُ
ُك ُل
ْ
أ
ِسي ُخبْ ًزا تَ
ْ
ْوَق َرأ
ْحِم ُل فَ
َ
َر ِاني أ
َ
َ ال ْالآ َخُر إِنِّي أ
ْع ِ ُصر َخْمًر َ ا وقَ
َ
َر ِاني أ
َ
َحُد ُهَما إِنِّي أ
َ
َ ال أ
قَ
ُم ْحِسِن َني﴾.
َر َ اك ِم َن الْ
ِويلِِه إِنَّا نَ
ْ
أ
ِ ا بتَ
نَ
بِّئْ
ُه نَ
َّ الطْريُ ِمنْ
َ ت به الآية .. ألست الآن مشوقًا أن
َ
إذن فقد عدنا إلى تأويل الحديث، ذلك الذي بدأ
تعرف كيف انتفع يوسف بهذا العلم؟
َمِني
ِل ُكَم ِ ا مَّم َ ا علَّ
ِتيَ ُكَما ذَ
ْ
ْن يَأ
َ
بْ َل أ
ِويلِِه قَ
ْ
أ
تُ ُكَم ِ ا بتَ
ْ
بَّأ
َّلا نَ
ِانِه إِ
ْرَزقَ
ِت ُ يكَم َ ا طَع ٌ ام تُ
ْ
َ ال َلا يَأ
﴿قَ
ْؤِمنُ َون ِباهللِ َوُه ْم ِب ْالآ ِخَرِة ُه ْم َك ِافُر َون﴾.
9 َلا يُ
ْوٍم
قَ
َر ْك ُت ِملَّةَ
َربِّي إِنِّي تَ
وتمضي الآيات حتى يقول سبحانه عن لسان يوسف:
ُك ُل َّ الطْريُ
ْ
أ
تَ
ُب فَ
يُ ْصلَ
َّم ْ ا الآ َخُر فَ
َ
يَ ْسِق َي ربَُّه َخْمًر َ ا وأ
َحُد ُكَما فَ
َ
َّما أ
َ
ِّ الس ْجِن أ
ِ
﴿يَ َ ا ص ِ احبَي
َد
ُهَما اذْ ُك ْرنِ ِي عنْ
ٍ اج ِمنْ
ُه نَ
نَّ
َ
ِذ َ ي ظ َّن أ
َ ال ِللَّ
ِ ان َ* وقَ
ِتيَ
ْستَفْ
ِذ ِي ف ِيه تَ
ْم ُر الَّ
ِ َضي ْالأَ
ِسِه قُ
ْ
ِم ْن َرأ
َر َى سبْ َع
َ
َمِل ُك إِنِّي أ
َ ال الْ
ِب َث ِفي ِّ الس ْجِن ِب ْض َع ِسِن َني َ* وقَ
لَ
َط ُ ان ِذ ْك َر َربِِّه فَ
َس ُ اه َّ الشيْ
نْ
َ
أ
َربِّ َك فَ
تُونِي
فْ
َ
أ
َمَلأُ
َُّها الْ
ي
َ
ِاب َس ٍ ات يَا أ
َخَر يَ
ُ
بَُلاٍت ُخ ْضرٍ َوأ
ُه َّن َسبٌْع ِع َج ٌ اف َو َسبْ َع ُسنْ
ُكلُ
ْ
َر ٍ ات ِسَم ٍ ان يَأ
بَقَ
ْعُبرُ َون﴾.
ْم ِل ُّلرْؤيَا تَ
تُ
ِفي ُر ْؤيَ َ اي إِ ْن ُكنْ
َ أرأيت َّ كيف إذن مه ِ د السبيل أن يرجع يوسف إلى امللك؟ لقد نسي ُ من نجا أن يذكره
ِّ حني نجا، ولكن الرؤيا تذكره، ويسأل يوسف، ويُجيب يوسف الصديق:
ُكلُ َون *
ْ
أ
ِل ًيلا ِمَّما تَ
َّلا قَ
بُِلِه إِ
ُر ُوه ِفي ُسنْ
ذَ
ْم فَ
َم َ ا ح َصْدتُ
بًا فَ
َ
َ ال تَ ْزَر ُع َون َسبْ َع ِسِن َني َدأ
﴿قَ
َّم
ْح ِصنُ َون11* ثُ
ِل ًيلا ِمَّما تُ
َّلا قَ
ُه َّن إِ
ْم لَ
َّد ْمتُ
ُكلْ َن َما قَ
ْ
يَأ
ِل َك َسبٌْع ِشَد ٌ اد10
ِت ِي م ْن بَ ْعِد ذَ
ْ
َّم يَأ
ثُ
ُ اس َوِف ِيه يَ ْع ِ ُصر َون﴾.
َغ ُ اث12 النَّ
ِل َك َع ٌ ام ِف ِيه يُ
ِت ِي م ْن بَ ْعِد ذَ
ْ
يَأ
لقد أفتى يوسف، ولكن يوسف يُ ِصر أن يعرف امللك الحقيقةَ من أمره؛ فقد دخل
َهًما من زوجته ومن النساء الأخريات.
ُ السجن متَّ
9 ملة: دين.
ٌسبع شداد: أي سنون من القحط.
10
ِحرزون لبذور الزراعة.
ِحصنون: تُ
تُ
11
يُغاث الناس: أي يُ َمطرون من الغيث وهو املطر.
12
21
السرد القصصي في القرآن الكريم
يِْه ِم ْن ُسوءٍ
َ ا علَ
لْ َن َح َ اش هلل ِ ِ َم َ ا عِل ْمنَ
ِسِه قُ
َر َ اوْدتُ َّن يُ ُوس َف َع ْن نَفْ
َ ال َم َ ا خ ْطبُ ُك َّن إِذْ
﴿قَ
ِمَن َّ الص ِادِق َني﴾.
ُه لَ
ِسِه َوإِنَّ
ُه َع ْن نَفْ
َ ا ر َ اوْدتُ
نَ
َ
ق أ
َحُّ
13 الْ
َعِز ِيز ْالآ َن َح ْص َح َص
ةُ الْ
َ
ِت ْ ام َرأ
قَالَ
د َ ا لا هزل فيه، وأن الشعب كلَّه
ِ لقد رأت النسوة، ورأت امرأة العزيز أن الأمر أصبح جٍّ
ُم َّهد ٍ د بمجاعة ُ إذا لم يأخذ امللك َ قول ِ يوسف أخذ ص ْد َ ق .. فلا بد إذن تصيح: الآن ح َصحص
الحق.
ٍ وترفع عن يوسف تهمة الخيانة .. ويمضي يوسف إلى عهد جديد من حياته، ونسري
َّ معه في هذه القصة الأخاذة املعجزة في عرضها. وإن لم يكن القرآن معجزة، فما املعجزة؟
ِ ماذا فعل املل َ ك حني عِل َّ م الحق من أمر يوسف؟
ِم ٌني
َ
أ
َ ا م ِك ٌني14
َديْنَ
يَ ْوَم لَ
َ ال إِنَّ َك الْ
َمُه قَ
َّم َ ا كلَّ
لَ
ِسي فَ
ْستَ ْخِل ْصُه ِلنَفْ
َ
ِي بِه أ
تُونِ
َمِل ُك ائْ
َ ال الْ
َ﴿وقَ
ُ
بَ َّوأ
ْر ِض يَتَ
ِ ا ليُ ُوس َف ِفي ْالأَ
ِل َك َم َّكنَّ
َ ي حِف ٌ يظ َعِل ٌيم َ* و َكذَ
ْر ِض إِنِّ
ِن َي عَلى َخَز ِائِن ْالأَ
َ ال ْ اجَعلْ
- قَ
ُم ْحِسِن َني﴾.
ْجَر الْ
َ
ِض ُيع أ
َ ا م ْن نَ َش َ اءُ وَلا نُ
ِص ُ يب ِبَر ْحَمِتنَ
َشاءُ نُ
ُث يَ
َه َ ا حيْ
ِمنْ
ُلقيَ َ ت إليك هذه
ٍ في كلمات ُ قلائل أصبح يوسف َ على خزائن الأرض .. ولكن أرأيت كيف أ
ٌ الآيات؟ طلب يوسف أن يكون على الخزائن، وأبدى السبب القوي .. إنه حفيظ عليم؛ أي
ٍّ إنه يريد الخري لهذه الخزائن وللناس .. ثم لا نسمع رد ِ ا من املل َّ ك، وإنما يقول جل وعلا في
ِّ عن الخزائن نفسها إنه يريد أن يقدم الحكمة من كل ما
ٍ جملة إخبارية تبدو كأنها بعيدةٌ
ِ ا ليُ ُوس َف .. أعطيناه ما يستحقه من تكريم .. ومن
ِل َك َّمكنَّ
ٍ مضى من أحداث َ ليوسف .. و َكذَ
هذه الجملة تعرف أنه أصبح على خزائن الأرض دون أن يذكر ذلك صراحة.
ٍ إلى أمر كنا أوشكنا أن ننساه .. ماذا فعل إخوة يوسف؟ ماذا
وتنتقل السورة فجأةً
كان من شأنهم وشأن أبيهم؟
َّم َ ا جَّه َزُه ْم ِب َجَه ِازِه ْم
ِك ُر َون َ* ولَ
ُه ُمنْ
ُه ْم َوُه ْم لَ
َع َرفَ
يِْه فَ
َ وا علَ
َد َخلُ
يُ ُوس َف فَ
ْخَوةُ
َ﴿و َجاءَ إِ
تُونِي
ْ
أ
ْم تَ
ِإ ْن لَ
َني * فَ
ِزلِ
ُمنْ
نَ َ ا خْريُ الْ
َ
ِوفي الْ َكيْ َل َوأ
ُ
نِّي أ
َ
َرْو َن أ
َلا تَ
َ
ِب ُ يك ْم أ
َ
ٍخ لَ ُك ْم ِم ْن أ
َ
ِي بأ
تُونِ
َ ال ائْ
قَ
ِون﴾.
َربُ
ِد َي وَلا تَقْ
ِبِه فَ َلا َكيْ َل لَ ُك ْم ِعنْ
أتُ َ راك َ ترى الإعجاز الفني في هذه الآيات؟ لقد ذك َر ً ت السورة في أولها أن هناك أخا
ُ ا ليوسف لم تذك ً ره السورة بعد ذلك أبدا. حتى لتعجب ما الداعي إلى تخصيص
شقيقً
َح َصحص: ثبت واستقر.
13
14 مكني: ذو مكانة.
22
الهيكل الفني في قصة يوسف
ُ ذكره. ولا يلبث عجبك أن يزول حني تجد يوسف يسأل إخوته عن أخيه هذا الشقيق ..
َرها
أتُ ُ راك تذك َّ ر هذا الأخ؟ وما لنا لا نقرأ السورة من أوائلها، ونتذكر تلك املؤامرة التي دبَّ
هؤلاء الإخوة؟ ألم يقولوا آنذاك:
ِف َ ي ضَلا ٍل ُمِب ٍني﴾.
بَانَا لَ
َ
إِ َّن أ
ْح ُن ُع ْصبَةٌ
َ ا ونَ
ِ ا منَّ
ِبينَ
َ
َلى أ
ب إِ
َح ُّ
َ
ُخ ُوه أ
َ
يُ ُوس ُف َوأ
﴿إِذْ قَالُوا لَ
َ أذكرت ٍ الآن ذلك الأخ؟ وفي إعجاز رائع وذكاءٍ قصصي فريد يريد يوسف أن يرى أباه
وأخاه، ويريد إخوته هؤلاء املؤتمرون أن يعرفوا حقيقته. فهو لا يطالعهم بهذه الحقيقة
ٍ في جملة ِّ إخبارية ساذجة .. وإنما يسألهم عن أخيهم من أبيهم، ويهددهم إن لم يأتوا به
فلا كيل لهم عنده، ولا هو يسمح لهم بأن يقتربوا منه .. ويعرف الإخوة أنهم أصبحوا في
ِمأز ً ق؛ فإن أباهم لن يسمح لهم أن يأخذوا الأخ الثاني أيضا .. ماذا يفعلون؟
ُه ْمِفي ِر َح ِالِه ْم
ِ وا ب َض َ اعتَ
يَ ِانِه ْ اجَعلُ
َ ال ِلِفتْ
ِاعلُ َون َ* وقَ
َوإِنَّا لَفَ
بَ ُ اه15
َ
ُه أ
َر ِاوُد َعنْ
َ وا سنُ
﴿قَالُ
ا
بَانَ
َ
ِب ِيه ْم قَالُوا يَا أ
َ
َلى أ
َّم َ ا ر َجُعوا إِ
لَ
ْرِجُع َون * فَ
ُه ْم يَ
َعلَّ
ِه ْم لَ
ْهِل
َ
َلى أ
بُوا إِ
لَ
َها إِذَا انْقَ
ُه ْم يَ ْعِرفُونَ
َعلَّ
لَ
َّلا َكَما
يِْه إِ
َ ال َه ْل َ آمنُ ُك ْم َعلَ
َح ِاف ُظ َون * قَ
ُه لَ
َخانَا نَ ْكتَ ْل َوإِنَّا لَ
َ
ْرِس ْل َم َعنَا أ
َ
أ
ُمِن َع ِمنَّا الْ َكيْ ُل فَ
ْر َح ُم َّ الر ِ احِم َني﴾.
َ
َخْريٌ َح ِاف ًظ َ ا وُهَو أ
بْ ُل فَاهللُ
ِخ ِيه ِم ْن قَ
َ
تُ ُك ْم َعَلى أ
ِمنْ
َ
أ
انظر إلى يوسف الذي يعرف إخوتَه ويعرف أباه .. لقد وضع لهم كيلَهم في رحالهم،
وهو يعلم أنهم مع ذلك سيعودون، ويعرف أن أباه سيمنع أخاه، ولكنهم سيجدون وسيلةً
لإقناعه .. انظر معي:
ا
نَ
بِْغ َي هِذِه ِب َض َ اعتُ
َ ا ما نَ
بَانَ
َ
ِه ْم قَالُوا يَا أ
يْ
ُه ْم ُرَّد ْت إِلَ
َ اعُه ْم َو َجُد ِ وا ب َض َ اعتَ
ُح َ وا متَ
تَ
َّما فَ
َ﴿ولَ
َخانَا ..﴾
َ
ْحفَ ُظ أ
َ ا ونَ
نَ
ْهلَ
َ
أ
16
ِمريُ
َ ا ونَ
يْنَ
ُرَّد ْت إِلَ
ٌ إنها شخصيات بشرية تمور بالحياة. تلك هي الشخصية القصصية املكتملة لا تجد
فيها اضطرابًا فنيٍّ ً ا .. أو تناقضا في السلوك .. إن الإخوة الطامعني الذين تخلَّصوا من أخيهم
َو لهم وجه أبيهم هم أنفسهم الذين يحاولون أن يصحبوا أخاهم الثاني ليزداد
حتى يخلُ
ُ لهم الكيل؛ فهم غري راضني عما أصابوا، ولكن ما رأي الأب؟
َّما
لَ
فَ
17
ْن يُ َح َ اط ِب ُك ْم
َ
َّلا أ
ِن ِي بِه إِ
نَّ
تُ
ْ
أ
تَ
ِ ا م َن ِالله لَ
ِون َم ْوثِقً
ُه َم َع ُك ْم َحتَّى تُ ْؤتُ
ْرِسلَ
ُ
َ ال لَ ْن أ
﴿قَ
ُول َوِك ٌيل﴾.
َ ال اللهُ َعَلى َما نَقُ
ُه ْم قَ
ْوُه َم ْوثِقَ
آتَ
ِراو ُ د عنه أباه: سنجتهد في طلَبه من أبيه.
15 سنُ
ُ نميز: نجلب ما يُ َؤكل.
16
يُحاط به: يهلك.
17
23
السرد القصصي في القرآن الكريم
ِّقر ِّ ب يوسف أخاه ويؤمنه ويُخبره أنه أخوه.
ويعود الإخوة كما توقَّع يوسف .. ويُ
وفجأةً يواجه الإخوةَ ٌ حدث َّ جديد .. مهَد له العزيز يوسف بطمأنة أخيه .. دون أن يُ َطْمِئن
إخوته.
إِنَّ ُك ْم
18
ِعريُ
َها الْ
يَّتُ
َ
َن ُمَؤذِّ ٌن أ
ذَّ
َ
َّم أ
ِخ ِيه ثُ
َ
ِفي َر ْحِل أ
َّم َ ا جَّه َزُه ْم ِب َجَه ِازِه ْم َجَع َل ِّ السقَ ايَةَ
لَ
﴿فَ
َون﴾.
َس ِارقُ
لَ
مفاجأةٌ قصصية عجيبة، وجديدةٌ على مسار القصة .. ويفتِّشهم العمال باحثني عن
ُص ُّ واع امللك الضائع .. فإذا بالصواع في رحل أخي يوسف .. ويُسقَط في يد الإخوة.
ُم ْحِسِن َني
َر َ اك ِم َن الْ
ُه إِنَّا نَ
َ ا م َكانَ
َحَدنَ
َ
أ
ًخ َ ا كِبريًا فَ ُخذْ
َ ا شيْ
بً
َ
ُه أ
َعِز ُيز إِ َّن لَ
َُّها الْ
ي
َ
﴿قَالُوا يَا أ
َدُه إِنَّا إِذًا لَ َظ ِالُم َون﴾.
ِ ا عنْ
َ اعنَ
َ ا متَ
َّلا َم ْن َو َجْدنَ
إِ
ُخذَ
ْ
أ
ْن نَ
َ
ِالله أ
َ ال َم َعاذَ - قَ
َّ ت الطامة. ويتشاور الإخوة فيما يفعلون، فيقول كبريهم إنه سيبقى إلى
إذن فقد نزلَ
ِخبر َ وا أباهم أن ابنه قد سرق، وأن هذا لم يكن في حسبانهم،
جانب أخيه. وعليهم هم أن يُ
ولكن هيهات.
ُه
ِي بِه ْم َجِم ًيعا إِنَّ
ِتيَنِ
ْ
ْن يَأ
َ
َصْبرٌ َجِم ٌيل َعَسى اللهُ أ
ْم ًرا فَ
َ
ُس ُك ْم أ
نْفُ
َ
َ ال بَ ْل َسَّولَ ْت لَ ُك ْم أ
﴿قَ
ُهَو
ُح ْزِن فَ
ُ اه ِم َن الْ
َّض ْت َعيْنَ
َى عَلى يُ ُوس َف َوابْيَ
َسفَ
َ
َ ال يَا أ
ُه ْم َوقَ
َوَّلى َعنْ
َح ِك ُيم َ* وتَ
َعِل ُيم الْ
ُهَو الْ
َك ِظ ٌيم19﴾.
َّ غ القصة قمتَها وتكتمل املأساة .. وأسهل شيءٍ في القصة أو الرواية عند
وهكذا تبلُ
السرد هي القمة أو املأساة، وأصعب شيءٍ هو بلوغ هذه القمة. كيف يستطيع الراوي أن
ٍ يصل إليها في فنية وبراعة دون قفزات متكلَّفة لا تمهيد فيها ولا معقولية. إن البلوغ إلى
ُ القمة هو أصعب ً شيءٍ في القصة وفي الحياة جميعا.
وحني يصل الروائي إلى القمة تواجهه صعوبةٌ أخرى. كيف يصل من هذه القمة إلى
ا
الحل؟ هذا هو إعجاز القرآن. أما في القصة الكاملة فلا بد أن يكون الكاتب روائيٍّا متمكنً
ٍ يه الشخصيات لتضرب في ظلام دامس من
ِفل َ ت منه الخيوط، ولا تنساب من بني يد
لا تُ
اللامعقولية والتخبُّط.
ًى عن هذه القصص القرآنية.
ِّكر ُ ر أنني أشك كثريًا أن يكون الغرب بمنأ
ُ
أعود فأ
ِرجم إلا في
ُ لعل التاريخ قد أهمل .. وكم أهمل التاريخ .. فلم يذكر لنا أن القرآن قد تُ
ِ العري: القافلة.
18
19 كظيم: مملوء من الغيظ.
24
الهيكل الفني في قصة يوسف
َ العصر الأخري. وإلا فكيف استطاع أولئك الروائيون الذين أنشئوا فن القصة أن يضعوا
هذه القواعد، فإذن هي منقولةٌ ً عن القرآن وقصصه نقلا يُ ِوشك أن يكون حرفيٍّا. نعرف
ِرجم
ِرجم وأفاد منه تولستوي الذي كان يعرف العربية، ولكني أعتقد أنه تُ
أن القرآن قد تُ
قبل أن يُ ً عرف فن الرواية جميعا.
ُ ت قواعد القصة من العرض الفني
ُخذَ
سريوا بنا مع خاتمة قصة يوسف لنرى كيف أ
لقصص القرآن.
َ في غمرة من يأس الأب على فقد ولديه يقول لبنيه:
ُس ِم ْن
َ
ُه َلا يَيْأ
ِح ِالله إِنَّ
ُس ِوا م ْن َر ْو
َ
يْأ
ِخ ِيه َوَلا تَ
َ
َح َّس ُس ِوا م ْن يُ ُوس َف َوأ
تَ
َهبُوا فَ
َّي اذْ
﴿يَا بَنِ
ْوُم الْ َك ِافُر َون﴾.
َّلا الْقَ
ِح ِالله إِ
َر ْو
إذن فالأب لم يَيئَس أن يلقى يوسف؛ فإنه لا يَيئَس من روح الله إلا الكافرون. والآية
التالية مباشرة تنفيذٌ لرغبة الأب.
ِ ا بِب َض َ اعٍة ُم ْز َج ٍاة20
نَ
ا الضرُّ َو ِجئْ
نَ ُّ
ْهلَ
َ
َ ا وأ
َعِز ُيز َم َّسنَ
َُّها الْ
ي
َ
يِْه قَالُوا يَا أ
َ وا علَ
َّم َ ا د َخلُ
لَ
﴿فَ
ْم ِبيُ ُوس َف
تُ
َعلْ
ْم َما فَ
َ ال َه ْل َعِل ْمتُ
َصِّدِق َني * قَ
ُمتَ
يْنَا إِ َّن اللهَيَ ْجِزي الْ
َصَّد ْق َعلَ
نَا الْ َكيْ َل َوتَ
ْو ِف لَ
َ
أ
فَ
ا
يْنَ
ْد َم َّن اللهُ َعلَ
ِخي قَ
َ
نَا يُ ُوس ُف َوَهذَا أ
َ
َ ال أ
نْ َت يُ ُوس ُف قَ
ِئنَّ َك َلأَ
َ
ْم َج ِاهلُ َون * قَالُوا أ
تُ
نْ
َ
أ
ِخ ِيه إِذْ
َ
َوأ
َ ا وإِ ْن
يْنَ
َر َك اللهُ َعلَ
ْد آثَ
ُم ْحِسِن َني * قَالُوا تَاهللِ لَقَ
ْجَر الْ
َ
َلا يُ ِض ُيع أ
ِإ َّن اللهَ
ِق َويَ ْصِبرْ فَ
ُه َم ْن يَتَّ
إِنَّ
ْر َح ُم َّ الر ِ احِم َني﴾.
َ
ْغِفُر اللهُ لَ ُك ْم َوُهَو أ
يَ ْوَم يَ
يْ ُك ُم الْ
ِر َيب َعلَ
ثْ
َ ال َلا تَ
ُكنَّا لَ َخ ِ اطِئ َني * قَ
ِفلت منها شيئًا. لقد غفر الأخ لإخوته عن
أرأيتم كيف تجمع القصة الخيوط لا تُ
َبق إلا الأب. هيا بنا لنرى ماذا يكون من شأنه.
خطئهم، ولم يَ
ْجَمِع َني *
َ
ْهِل ُك ْم أ
َ
ِي بأ
تُونِ
ْ
ِت بَ ِصريً َ ا وأ
ْ
ِبي يَأ
َ
ُوه َعَلى َو ْجِه أ
لْقُ
َ
أ
ِم ِيصي َهذَا فَ
ِ وا بقَ
َهبُ
﴿اذْ
ِفي
ِون * قَالُوا تَاهللِ إِنَّ َك لَ
ُد
نِّ
ْن تُفَ
َ
ْوَلا أ
ِجُد ِر َيح يُ ُوس َف لَ
بُ ُوه ْم إِنِّ َي لأَ
َ
َ ال أ
قَ
21
ِعريُ
ِت الْ
َصلَ
َّما فَ
َولَ
.﴾ِ
ِديم
َضَلاِل َك الْقَ
َ راك ترى مثلي هذا التمهيد الرائع للحدث عند الأب. وترى معي هذه السخرية التي
أتُ
تجعلُ َّ ك تتشك َ ك في وقوع الحد ُ ث. ولا تنتظر السورة بعد ذلك .. بل تصك املستقبل باملعجزة
ٍ في قوة فنية فائقة.
ٍ ببضاعة مزجاة: رديئة.
20
ِ ت العري: انفصلَت الإبل عن أرض مصر.
21 فصلَ
25
السرد القصصي في القرآن الكريم
ُم ِم َن ِالله
ْعلَ
َ
ْل لَ ُك ْم إِنِّي أ
قُ
َ
ْم أ
لَ
َ
َ ال أ
َّد بَ ِصريًا قَ
ْ ارتَ
ُ اه َعَلى َو ْجِهِه فَ
لْقَ
َ
بَِشريُ أ
ْن َجاءَ الْ
َ
َّما أ
لَ
﴿فَ
ُم َون﴾.
ْعلَ
َم َ ا لا تَ
َ لقد وقع ُ ت املعجزة .. وآن للأب أن يقول لقد كنت أعلم ما لا تعلمون .. وتمضي الآيات
َّم الأسرة التي ظلَّت متفرقةً حينًا من الدهر.
بعد لتلُ
َع
ِوا م ْ َصر إِ ْن َشاءَ اللهُ ِآمِن َني َ* و َرفَ
َ ال ْ اد ُخلُ
بَ َويِْه َوقَ
َ
يِْه أ
َ وا عَلى يُ ُوس َف َ آوى إِلَ
َّم َ ا د َخلُ
لَ
﴿فَ
َه َ ا ربِّي
ْد َجَعلَ
بْ ُل قَ
ِو ُيل ُر ْؤيَ َ اي ِم ْن قَ
ْ
أ
بَ ِت َهذَا تَ
َ
َ ال يَا أ
ُه ُس َّجًد َ ا وقَ
روا لَ
َع ْرِش َو َخُّ
بَ َويِْه َعَلى الْ
َ
أ
َط ُ ان
ْن نََز َغ22 َّ الشيْ
َ
بَ ْدِو ِم ْن بَ ْعِد أ
ْخَر َجِن ِي م َن ِّ الس ْجِن َو َج ِ اءَ ب ُك ْم ِم َن الْ
َ
أ
ْح َس َن ِبي إِذْ
َ
ْد أ
َ ا وقَ
ٍّ
َحق
َح ِك ُيم﴾.
َعِل ُيم الْ
ُه ُهَو الْ
َشاءُ إِنَّ
ِط ٌ يف ِلَما يَ
ْخَوتِي إِ َّن َربِّي لَ
بَيْنِ َي وبَْ َني إِ
وهكذا تستدير القصة .. وتعود نهايتُها إلى أولها، إذ قال يوسف لأبيه:
ُه ْم ِلي َس ِ اجِد َين﴾ صدق الله
يْتُ
َ
َمَر َرأ
َحَد َعَشرَ َك ْوَكبً َ ا و َّ الشْم َس َوالْقَ
َ
يْ ُت أ
َ
َي رأ
بَ ِت إِنِّ
َ
﴿يَا أ
العظيم.
َنز َ غ: أفسد.
22
2
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
قائمة المراجع مقدمة: تبدأ الوظائف التي تتيح للإنسان الحركة وممارسة النشاط البدني من تفاعلات دقيقة ...
# الترجمة الكام...# الترجمة الكاملة للبحث: نظام التكاليف على أساس الأنشطة (ABC) عنوان البحث: نظام التكاليف على أساس ا...
لبُزُق (أو الغل...لبُزُق (أو الغلما) هي آلة موسيقية وترية خشبية تشبه العود ذات عنق طويل وجسم أصغر من العود. وكانت تسمى...
تطوير لوحة مؤشر...تطوير لوحة مؤشرات تشمل إجمالي العقود والكميات المتعاقد عليها، ونسب التعاقد بحسب الجهات والدول، إضافة...
في عصر الضعف لم...في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...
مقدمة يُعتبر ا...مقدمة يُعتبر القانون الدولي العام الهيكل القواعدي والنظمي الذي يحكم العلاقات بين ذوات الشخصية الدول...
ב. דיסגרפיה (Dy...ב. דיסגרפיה (Dysgraphia) דיסגרפיה היא הפרעה שבה עיבוד חזותי-מוטורי וארגון שפתי משפיעים על ההבעה בכתב...
0:22 okay today...0:22 okay today we're going to talk about 0:24 carb cycling 0:25 what it is how it works why it work...
في عصر الضعف لم...في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...
يستدعي استشراف ...يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...
حذر مركز التنبؤ...حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...
الاجابة علي تسا...الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...