Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (49%)

كان ســيد مكة وزعيمها . ليجمع الله تعالى للحبيــب ﷺ شرف النَّسَــب كله. من عبد المطلب إلى هاشــم إلى عدنان إلى اسماعيل ولد ابراهيم عليهما السلام . وكذلك الرسل تُبُعث في نَسََب قومها. فقد افتداه بمائة ناقة لنذرٍ نذره سابقاً. وقد شاءت الأقدار أن يموت والده عبد الله وهو لا يزال في بطن أمه. في ذلك العام )عام الفيل( شــاءت إرادة الله أن يخرج الحبيب ﷺ من بطن أمه ، التي حدثتــه أنها رأت نورا انبعث منها في الآفــاق حينذاك. لقد حظي يوم كما حاز شــهر ربيع الأول تلك الميزة عن باقي الشهور. فالكعبة على موعد قريب مع النبي الًحبيب. )محمد( . ومــا أدراكم ما محمد؛ محمود الصفات في الأرض والسموات. ﷺ. وكأني ببعض الاختلاف في حياته بشكل مبكّر كان لحكمة أرادها الله تعالى لاحقاً. فقد لقي حفاوة وترحيبــا كبيرا من جده وأعمامه بولادته. 5. كفالة وحضانة وشق الصدر: وكانت ثويبة خادمة عمه أبو لهب حاضنته ومرضعته الأولى. حتى جاءت أمه في الرضاعة )حليمة( السعدية. وكان يلمح الســعادة الغامرة في وجهها؛ ويســتطبُّ بحصانتها ومناعتهــا، تحت سمع وعين أمه حليمة . أدرك لاحقاً أنهما ملَكان مبعوثان من الله تعًالى لتهيئته لشيء عرفه لاحقاً. هذا الموقف أفزع إخوانه في الرضاعة. 6. يتُم الأم بعد الأب: عاش الحبيب ﷺ في كنَف جده سنتين أخريين، يثربِ تلك التي سيكون له معها شأن كبير في قابل السنين. وعند وصولهما إلى منطقة الأبواء؛ شاءت إرادة الله تعالى أن تقُبض روح أمه الحبيبة. إذ بترتيب الله تعالى يحُيله عليه إلى منحة وفرََجْ. 7. يتم الجد وكفالة العم: تــرك الحبيب ﷺ أمه في قبرها، وقفل راجعــاً إلى بيت جده مع القافلة التي كان فيها. جده الذي زادت رِقتَّه وعنايته به لســنتين أخريــين. حتى كان موعد الجد وجده لأبيه. إنه عمه أبو طالب. كثير العيال، قليل المال كما قيل. وقد تحركت قيمة الشعور بالمسؤولية في نفس الحبيب ﷺ؛ فوجد في رعايتها الأنُْسَْ. وتعلم شيئاً من فنون الإدارة والسياسة بشكل مبكّّر. ﷺ. 9. شهادة الصدق في السوق: واســتمر الحال على ما هو عليه، حتى بلغ الحبيب ﷺ من العمر اثني عشر عاما. وقد وجد من عمه هرمَا وتعَبا وكثرة عيال. فاستأذنه أن يشاركه في أعمال التجاًرة. ونوع مشــاركة له في إعالة أولاده . وهكذا دخل السوق. وكم في الســوق من إرهاق وتعب جسدي ونفسي . وقد وجد نفســه تسبح في بحر من الغش والكذب والاحتيال والاحتكار والربا . غــير أنه وجد معية الله تعالى لــه في وقت مبكّر ، تلك المعيــة التي جعلت منه دوًن أن يصــاب بلوثاتها وجراحاتها ودون أن يغرق بمائها وعُبابها . لكنّ ما كان يراه من بركة كانت تشــجعه وتغُريه بمزيد من الشفافية والابتعاد عن الغش بصوره المتعددة. رحلة ولقاء عابر: ويذُكر أن الحبيب ﷺ ارتحل مع عمه في طلب السوق والتجارة إلى الشام . وكانت زيارات سريعة عابرة. يذُكر أنه التقى على الطريق وفيِ عجالة وكان شاباً يافعا براهب نصراني اســمه )بحيرى( . وقد علم لاحقا أن هذا الراهب حذّر عمه من الًيهود خوفاً عليه، لا كما يزعم الزاعمون أنه قعد عنده زمناً أخذ عنه الرسالة والدين، 11. نقلة نوعية: وفيِ السوق شاءت إرادة الله تعالى أن تتعرف به سيدة شريفة اسمها )خديجة بنــت خويلد(. ونزلت البركة، ورجل آخر طلقها. فهي امرأة ذات خبرة اقتصادية واجتماعية وًمكانة رفيعة في قومها. 12. زواج ميمون: وذات يوم جاءته جارية من قِبلَ خديجــة تعرض أن يكون زوجا لخديجة . خديجة بنت خويلد رضي الله عنها . ورزقه الله تعالى منها الأولاد الذكور، والبنات وقد عشن حتى شهدن الرسالة، ومتن على التوحيد والإيمان. ليبحث عن حلول لأزمة بل كارثة كانت مكة والعالم كله يتيه فيها. ألا وهي أزمة الجفاف الروحي والوثنية السائدة وغياب التوحيد العريق. ﷺ. 13. لقد كتب الله تعالى للحبيب ﷺ القبول في قومه قبل أن يبُعث رسولاً فيهم . فكان ذات يوم عند بوابة من بوابات الحرم أوشك على دخولها إذ سمع أهل مكة يقولــون: أتاكم الأمين. إذ بهم يطلبونه لحّلّ نزاع دام بينهم قرابة أربعة أيام حول ترتيب وضع الحجر الأســود في مكانه، بعد تمام بنــاء الكعبة، وقد شاركهم قبل ذلك في البناء. وأن تأخذ كل قبيلة بطرفَ من الثوب ويرفعوه ، بأنه سيكون له دَور طليعي لاحقٌ في حل أزمتهم، 14. جعل له حضورا في قومه. وهم يعرفونــه جيدا في رعاية أغنامهم، وحل مشــكلاتًهم، كل ذلك في مرحلة الشباب الفوَّار، ﷺ. فالبيئة القبلية لا تفتح أفقا واســعا لأبنائها خارج الصندوق المقفل. ذاك الغار الكائن في جبل شاهق الارتفاع ، كان يمــي فيه الليالي ذوات العدد، ثــم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها ويتزود ثانية ليعود. لقد حملــت خديجة رضي الله عنها عنه عبء التجارة ورعاية الأبناء. وهي تشــعر أنه يبحث عن حلول ويفكر في أمر كبــير. لقــد زاد الظلم ووأد البنات والزنا والربا، وأنهم رعاع لا قيمة لهم بين الًأمم وغوغاء. 16. منطلق البعثة الشريفة: لقد نزل عليه وهو في الغار أمين الوحي جِبرِْيُلُ عليه السلام. وقد كان لقاؤه الأول بــه مرعبا؛ ثمً قال له: )لم لى لي ما ويصحًبهم في بعض مراحل تبليغها. لقد كان موقفا مرعبا. ولا يدري كيف نزل، وقد خشي على نفسه منً الهلًاك أو البلاء. استراتيجيات إدارة الموقف الملُتَِبِس: ثم استدعت تاريخ علاقته بها، لتثبت أن ما حصل معه ليس شراً بل هو الخير المطلق. لقــد ذكرته بأنه كان؛ لكنها بعدُ تريد الاطمئنان أكثر والكشــف عن لغــزِ ما حصل معه. فأخذته إلى )ورقة بن نوفل( وكان من أبناء عمومتها. ثم طلبــت منه أن يحكيً له ما جرى معه ، فأخبر ورقة بكًل شيء. ﷺ. 18. تشريف وتكليف: فما كان من ورقة إلا أن بشرَّه وخوَّفه في الوقت نفســه. بشرَّه بأنه ســيكون النبي الخاتم للبشرية. لا رغبة في الزعامة التي لم يكن يتوقعها مطلقا، فوجد في فكرة ومبدأ النبوة )طالما أًنها جاءته كهبة من الله تعالى( فرصة لذلك. وقد تذكّّر كلامه بعد) 1٣( عاماً، يوم الهجرة من مكة إلى المدينة. ﷺ. ذاك الرجل الأصيل النبيل الذي تمنى لو كان شــابا لينصره. حال جديد: رجع ﷺ بمعيّة خديجة الحبيبة. تكليف في ثوب تشريف. وقــد بلغ من العمر أربعين عاما. نظر حينها خلفه وأدرك كيف أن الله تعالى صنعــه على عينه وهيَّأه بالمنــع ثم باًلمنح؛ ووجده ضالاً فهداه، ووجده فقيرافقيراً فأغناه؛ ليكون مؤهلاً لحمل أمانته ورسًالته إلى خلقه. 20. وتذكر حادثة شــقِّ الصــدر. تذكر عصمــة الله له من مجرد مســاس الأصنام، 21. وتحولَ الخوف إلى شوق: بدأت آيات الرسالة تتنزل على قلبه. والوحي يلُهمه ويرشده ويكلفه ويوجهه. لكن انقطاعه عنه فترة قصيرة سُميت بمرحلة فتور الوحي زاد من شــوقه له، فكان كلــما لقيه طلب منه أن لا يغيب عنه طويلاً ، حتى فهم أنه لا يتنزل إلا بأمر الله الكريم العظيم. مقصد الرسالة: فقد وقع قوله تعالى: به تج( المدثر: 3، موقعه من قلبه ووجدانه ، فأدرك أنه بشرٌ مؤيدَّ بالوحي . لقــد كان القرآن العظيم ثروتــه وزاده وعدته. لقد منحه الله تعالى بالحكمة التي ألهمه إياها تفويضا بشرح وبيان كتابه العظيم ، فضلاً عن نقله بأمانة من أمين الوحي جِبِْيل عليه السلام إًلى العالمين. ﷺ. من تلك اللحظة. لقد كان التوحيدُ المنطلِقُ من الشهادتين هو عنوان الرسالة الأول: فلا شرك ولا أصنام ولا وثنية. وأشــهد أن محمدامحمداً رسول الله. 24. وآمن معها بناتها الطيبــات. وقد كان في حجره مكفولاً عنده. وآمــن صاحبه أبو بكر رضي الله عنهم كلهًم . كان إيمان الأوائل معتمدا على أمرين اثنين: وهذا من فضل الله تعالى عليه. ثم بدأت حلقات الإيمان تتســع. فقد فهم كل مؤمن دوره في نقل الإيمان لغيره. على يدي صاحبه ورفيق دربه أبو بكر أو غيره من الأصحاب رضي الله عنهم. فهــذا عثمان بن عفان وأبو ذَر الغفاري وســعد بــن أبي وقاّص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم وغيرهم كلهم نالوا شرف الســبق في الاسلام. ومع اتســاع حلقات الإيمان كانت تتســع حلقات السور والآيات التي تتنزل تعليماً وتطميناً له ﷺ ولأصحابه الكرام. 25. لكنه فهمَ أن النزول كان يناسب زمانه. كيف لا وهو يعلم أنه لا نبي بعده. كان القرآن في مكة يحكي قضايا الإيمان ويرُكِِّّز على إجابة شبهات المشركين ، ويرغّب ويرهّب المهتدين. كتمان للإيمان: بدأت قريش تشــكّ في حركة غريبة تدور في الأفــق على الرغم من حرصه الشــديد على الإسرار والكتمان. حتى لا يســتفز عصبية قريش. لدرجــة أن الحبيــب ﷺ كان يطلب من المســلمين الجــدد الكتمان حتى عن إخوانهم. وكان يطلب ممن يسلمون من خارج مكة أن يكتموا إيمانهم ويرجعوا لأقوامهم إلى حين ظهوره لاحقاً. الأذى المبكر: والآباء متوكلون بتعذيب أبنائهم. ولكن قريشــا كانت حريصة على سُوقها وتجارتها؛ بل قبلت أنً يشتري أبو بكر رضي الله عنه عددا من العبيد المهتدين ليطلق سراحهم ويخلصهم من إيذاء أسيادهم. وكان هذا منً أحب المواقف إلى قلبه. ﷺ. إلى عبادة رب العباد. 28. في دار الفتى الشجاع؛ صحيح أنه كان غلاما صغيرا، لكن صغر سنه كان مموهاً لمشركي مكة. وكلهم يملك من الحماســة ليفتدي الإسلام بكل ما يملك على اختلاف طبقاته. 29. بقيت الدعوة بالتهامس. وأن التهامس لا يناسب غاية تلك الدعوة وطموحها الفتية. فكانت مرحلةً. لكنها لم تكن كل مرحلة. ونادى القوم وجهر بدعوته ومِن حوله عشــيرته وعموم المهتدين . لقــد كان الحبيب يعلم أن درء المفاســد أولى من جلــب المصالح. ثم لإدراكه أنه ليس كل مفســدة درؤها أولى من جلب كل مصلحة. فكان الصدع والجهر وكان ما تبعه من إيذاء. 30. ثم ثن ثى ثي فى( المسد: 1. ثم تصدى لمحاربة دعوته كبراء القوم كأبي جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم. ثم اتهموه بالسحر والكهانةً والشــعر والجنون. وهم يجمعون بذلك الأذى المعنوي والمادي. عليهم من الله ما يستحقون. 31. وكانت معجزته ﷺ وهم أهل لغــة وفصاحة وبيان. أو أن يصبر عليهم. ﷺ. ولا يُذكر سوى أنه دعا عليهم بالهلاك أو على بعضهم مرة واحدة أو مرتين. مساومات: وكان من كيدهم ومكرهم أنهم ســاوموه أكثر من مرة على ترك دعوته مقابل أن يعطوه أموالاً ونســاءً ومناصب. ولكن الله تعالى كان يثُبته، وقال له بأنه يوف يعطيه فيرضيه؛ فأعطاهً وأرضاه. وليتهم اكتفوا بإيذائهم له دون أصحابه وأحبابه الذين وجدوا العنت والمشقة والحرمان والتعذيب كذلك بسبب ثباتهم على العقيدة. كانت ســنوات الدعــوة الأولى ثقيلة ثقيلة. لقد كانــت حصيلة المؤمنين بمكة قليلة لكنهم هــم الذين حموا الدين في نفوسهم الزكية وحملوه إلى العالمين. ولا يملك إلا أن يقول لهم: صبااً آل ياسر فإن موعدكم الجنة. ﷺ. 33. تنفيس وتخفيف: ولقد ألهمه الله تعالى لأسلوب حكيم في استقطاب حتى الخصوم ممن كان يأمل هدايتهم. يترك يهًوديته. وضماد الأزدي يترك خصومته . ويموتون في سبيله رضي الله عنهم. ثم حِمية للإيمان بعد أن لمسه وأدركه. رضي الله عنهما. وكذلــك كان يوم إســلام عمر بن الخطــاب رضي الله عنــه رافعة معنوية لأصحابه. لكنه كان يعلم أن النصرة والرزق كذلك إنما تأتي ببكة الضعفاء. ولقد تعرض لعتاب ربه في صاحبه الأعمى )ابن أم مكتوم( حين أشــاح بوجهه عنه رغبة في إسلام بعض كبراء قريش. وقد جاء يسأله وكان في حوار معهم. ﷺ. ويعترضون على القرآن والصحابة بمثل اعتراضهم على شــخصية الرسول ﷺ. وتضاعف الأذى فكانت فكرة الهجــرة مخرجا للمهتدين من جهة. وكاًنت خيــارات مكان الهجرة متعددة. فهاجروا في الســنة الخامسة للبعثة . الوحي له وبحرصه على معرفة التوازنات السياســية مِن حوله أن فيها ملكاً عادلاً لا يُظلم عنده أحد، 36. وقد أقاموا في الحبشة فترة وجيزة. قرأ سورًةً فيها سجدة، فسجد مَن كان حول الكعبة معه سجود رهبة لا إرادي. لا سجود إيمان حقيقي. وقــد زعم بعض من ســيخاصمهم الحبيب ﷺ أمام الله تعــالى بأنه داهن المشركين وقَِبَ الســجود لأصنامهم كي يســجدوا لله تعالى. وهذا ما كان ولن يكون. المهم هنا أن أصحابه بلغهم إشاعة وخبا مكذوبا يقول بإسلام قريش فرجعوا من الحبشة. فعرف كفار مكة برجوعهم فتعرًضوا لإيًذاء مضاعف. 37. موقف قريش من هجرة الحبشة: عندئذ قرر كبراء مكة أن يبعثوا بهدايا مع رجلين من رجالهم إلى الحبشة ليأتوا بأصحابه مكبلين مقيدين بالسلاســل إلى مكة. وكان أن تم رشوة من كان حول النجاشي من الرهبان قبل الدخول إلى مجلســه بالهدايا. فوفَّــق الله الصحابــة وحبيب النبــي ﷺ وابن عمه )جعفر بــن أبي طالب( رضي اللــه عنه ليرد هــذه الفرية. 38. وطرد عمرو بــن العاص ومن معه. وله هو وأمه مريمً مكانة رًفيعة عند الله وعند المسلمين. فطــرد النجاشي عمرو ومن معه من مجلســه. وأصدر تعميمه بأن أصحاب الحبيب ﷺ آمنون عنده. وأن من سبهم سيُغرمَّ. إقامة ناجحة وأهداف رابحة: مكــث أصحابه ﷺ في دار النصارى مع قوم متعصبين لنصرانيتهم، مختلفين في لغتهــم وطباعهم؛ لم يغــيروا ولم يبدلوا وحافظوا على ثقافتهم ودينهم وهويتهم بتوفيق الله وحفظه لهم. وكان من أعظم ثمار دعوتهم؛ إســلام ملك الحبشة )النجاشي(، الذي أسلم على يديه عمرو بن العاص رضي الله عنه لاحقاً. 40. عودة ميمونة: ولو أنه ﷺ وصله أن هويتهم وعقيدتهم قد تأثرت في الحبشة لطلب رجوعهم إلى المدينــة المنورة فور دخوله وهجرته لها لاحقــا. لكنه أذن لهم بالعودة في السنة السابعة للهجرة بعد أن تخلص من آخر حصن مًن حصون يهود في المدينة وذلك عند فتح خَيْبرَ. وكان مما يقال بأنه قال حينهــا: لا أدري بأيهما أسرِّ أكثر. بفتح خَيْبَ. أم بقدوم جعفر. وأيدهم بســلطة النجاشي . وحماهم من الذوبان والانصهار في مجتمع الأغيار. 41. نظــر ﷺ حوله فوجــد عددا قد لا يزيد على خمســين مــن أصحابه حوله فحسب. سوى عمه أبو لهبٍ. منهم )المطعِم بن عدي( وغيره فوقفوا في وجه أبي جهل. وتمردوا على حصاره الجائر. ويقال بأنهم ذهبوا لتمزيق بنود الحصار فوجدوا أن حشرات صغيرة قد أكلت تلك الورقة التي كتبوا البنود عليها وعلقوها في الكعبة. وهكذا طويت صفحة من العناء شكلتْ له ﷺ حرجا كبيرا مع أصحابه الذين اعتادوا المشــقة والعنت. ولكن الله سلمّ. 42. تلك التي هي من سيدات أهل الجنة. تلك التي أخبرنا عنها أنها من كاملات النساء. ثم مات في العام نفســه عمه أبو طالب. ذاك الذي وقف متحديا قريش كل قريش في سبيل حمايته وإيوائه. بل ويهدي من يشاء سبحانه أن يهديه. رحلة الطائف: ووقع اختياره على الطائف لقربها من المدينة ومناسبة أجوائها. فظن أنه لعل في ذلك ما يدعو ثقيف إلى الاهتداء أو أن يقبلوه لاجئاً يتحرك في تبليغ الدعوة دون مضايقة من أحد. ذهــب في تلك الرحلة الشريفة بصحبة خادمه )زيد بن حارثة( رضي الله عنه في مشهد فيه من التكتم عن قريش، عرض ورفض: ولما وصل ﷺ الطائف وعرض رســالة ربه لزعمائهــا بهدوء. رده الزعماء بسخرية، بل حرضوا غلمانهم ومجانينهم ضده. وتكبر بعضهم عن مجرد سماعه ومحاورته. وكان قــد طلب منهم أن يكتموا خب مجيئــه إليهم عن قريش طالما أنهم لم يُســلموا. غير أنهم لم يســلموا ولَم يكتموا. فخرج مِــن عندهم وقد نجح في تبليغهــم. عودة حزينة وقلب كبير: خرج ﷺ من الطائف حزينا، لأنهم تسببوا فيما هو فيه من عنت. لكنــه ﷺ طلب منه ألا يفعل، وهذا ما حصل فعلاً. لقد رفع ســهام دعائه لربه شــاكياً ضعفه وقلة حيلته، وكان همه الأكب أن لا يكون في اجتهاداته ما يخالف أمر ربه. عند خروجه من الطائف: أكــرم الله تعالى الحبيب ﷺ عند رجوعه مــن الطائف وكان ذلك في العام العاشر من البعثة، وحاور فيه خادمهم عداس النصراني، وأنه على معرفة بنبي الله يونس عليه السلام. وقد نزل تحت شــجرة فلقيه عندها نفرٌ من الجن سمعوا القرآن فاهتدوا، ثم رجعوا إلى قومهم منذرين. في مشهد من مشاهد المواســاة له من الله تعالى على ما أصابه من ثقيف. وكان يحســب أن المشكلة ستنتهي بمجرد وصوله مكة. لكنها في الحقيقة بدأت هناك. عند عودته لمكة: فعزموا على منعه من دخولها؛ فوقف على بوابات مكة يفكر. فالخيارات أمامه محصورة. هل يخبر أصحابه ليحضروا لمســاعدته. وهذا ما قــد يؤدي إلى مزيد من المشكلات لهم. لكنه لم يستنفدبعدُ كامل الجهد في مكة. وله فيها أصحاب يخشى عليهم من فتنة قريش. وللضرورة أحكامها.


Original text

كان جده يعيش في مكة.. وله عشرة من الأولاد.. كان ســيد مكة وزعيمها ..وكان قد فرح بعقد قِران ولده عبد الله.. على آمنة بنت وهب.. ليجمع الله تعالى للحبيــب ﷺ شرف النَّسَــب كله.. من عبد المطلب إلى هاشــم إلى عدنان إلى اسماعيل ولد ابراهيم عليهما السلام ..وكذلك الرسل تُبُعث في نَسََب قومها.
أما والده الذي كان له مكانة كبــيرة في نفس جده، فقد افتداه بمائة ناقة لنذرٍ نذره سابقاً.. وقد شاءت الأقدار أن يموت والده عبد الله وهو لا يزال في بطن أمه.
3. ميلادُ النور:
في ذلك العام )عام الفيل( شــاءت إرادة الله أن يخرج الحبيب ﷺ من بطن
أمه ،التي حدثتــه أنها رأت نورا انبعث منها في الآفــاق حينذاك.. لقد حظي يوم
الاثنــين بالبركة لميلاد النبي ﷺً فيه، كما حاز شــهر ربيع الأول تلك الميزة عن باقي الشهور.. وكانت تلك الحادثة )حادثة الفيل( تهديدا مباشراً لكل من تسُوِّل له نفسه غزو الكعبة، فالكعبة على موعد قريب مع النبي الًحبيب.
4. اختلافُ تميُّز:
لقد كان اســمه مختلفاً عــما تعارفت عليه قريش من الأســماء؛ )محمد( ..ومــا أدراكم ما محمد؛ فقد جعله الله نموذجاً بشريــاً كامل الحمد لربه، محمود الصفات في الأرض والسموات.. ﷺ.
وكأني ببعض الاختلاف في حياته بشكل مبكّر كان لحكمة أرادها الله تعالى لاحقاً.. فقد لقي حفاوة وترحيبــا كبيرا من جده وأعمامه بولادته.. كيف لا وهو اليتيم ابن ابن عبد المطلب.. وابنً أخيهًم الذي تجرعوا مرارة وفاته في شبابه.
5. كفالة وحضانة وشق الصدر:
لقد تعهد جده بكفالته، وكانت ثويبة خادمة عمه أبو لهب حاضنته ومرضعته الأولى.. حتى جاءت أمه في الرضاعة )حليمة( السعدية.. تلك المرأة التي سعد بها وســعدتْ به.. وكان يلمح الســعادة الغامرة في وجهها؛ وهي ترى بركة الله تعالى في حياتها.
أربع سنوات قضاها الحبيب ﷺ في مضارب البادية يتعلم فصاحتها، وينعم بجمال فضائها، ويســتطبُّ بحصانتها ومناعتهــا، تحت سمع وعين أمه حليمة ..
ووالده )زوجها( أبو كبشة.
حتى جاء يومٌ كان ﷺ يلعب فيه مع إخوانه في الرضاعة، إذ برجلين يطرحانه أرضا، ويَُشَُان صدره، ويخرجان منه شيئاً.. أدرك لاحقاً أنهما ملَكان مبعوثان من الله تعًالى لتهيئته لشيء عرفه لاحقاً.
هذا الموقف أفزع إخوانه في الرضاعة.. وسبقاه إلى أمه حليمة وأخبراها بما حصل.
ارتبكت أمه حليمة وقررت أن ترُجعه إلى بيت جده، وحضن أمه ووالدته آمنة.
6. يتُم الأم بعد الأب:
عاش الحبيب ﷺ في كنَف جده سنتين أخريين، حتى استأذنتْ أمه جده بأن تأخذه لزيارة إخوانها في يثربِ )المدينة.(
يثربِ تلك التي سيكون له معها شأن كبير في قابل السنين.
وفيِ طريق عودته من يثربِ، وعند وصولهما إلى منطقة الأبواء؛ شاءت إرادة الله تعالى أن تقُبض روح أمه الحبيبة.. ليجمع الله تعالى عليه يتُم الأب والأم في موقــف ظن للوهلة الأولى أنه محنة وحَرَجٌ، إذ بترتيب الله تعالى يحُيله عليه إلى منحة وفرََجْ.
ولئن كانت العناية الربانية تأتيه بواسطة أمه.. فاليوم تأتيه مباشرة وبلا واسطة.. ﷺ.
7. يتم الجد وكفالة العم:
تــرك الحبيب ﷺ أمه في قبرها، وقفل راجعــاً إلى بيت جده مع القافلة التي كان فيها.
جده الذي زادت رِقتَّه وعنايته به لســنتين أخريــين.. حتى كان موعد الجد
الحــاني مع مَلك الموت ..وقد بلــغ الحبيب حينذاك ثمانية أعــوام من عمره ..
ليذوق مرارة وفاة كبير العائلة، وزعيم مكة، وجده لأبيه.. عبد المطلب.
وفيِ تلــك اللحظة كان موعده مع قدَرٍ جديــد رتبَّه الله تعالى له.. مع كفيل آخر سيكون له معه حكايات وحكايات.. إنه عمه أبو طالب.. كثير العيال، قليل المال كما قيل.
8. قيمة الشعور بالمسؤولية:
وقد تحركت قيمة الشعور بالمسؤولية في نفس الحبيب ﷺ؛ فطلب من عمه أن يرعى الغنم لأهل مكة بأجرة ينفق بها على نفسه.. فامتهن رعاية الغنم.. وكم كانت شاقة ومتعبة تلك المهنة على ابن الثماني سنين ..لكنَّ الله تعالى أعانه.. فوجد في رعايتها الأنُْسَْ.. وتعلم شيئاً من فنون الإدارة والسياسة بشكل مبكّّر.. ﷺ.
9. شهادة الصدق في السوق:
واســتمر الحال على ما هو عليه، حتى بلغ الحبيب ﷺ من العمر اثني عشر عاما.. وقد وجد من عمه هرمَا وتعَبا وكثرة عيال.. فاستأذنه أن يشاركه في أعمال التجاًرة.. لعل فيما يجنيه من ربًح مزيًد تخفيف على عمه.. ونوع مشــاركة له في إعالة أولاده ..وكأن المكفول يريد أن يتحول إلى كافل.
وهكذا دخل السوق.. وكم في الســوق من إرهاق وتعب جسدي ونفسي ..
وقد وجد نفســه تسبح في بحر من الغش والكذب والاحتيال والاحتكار والربا ..غــير أنه وجد معية الله تعالى لــه في وقت مبكّر ،تلك المعيــة التي جعلت منه
غواصــا ماهرا يدخل أعماق البحار، ويحصل على ما فيها من لؤلؤ ومحار وربح طيب وفيًر.. دوًن أن يصــاب بلوثاتها وجراحاتها ودون أن يغرق بمائها وعُبابها ..
حتى أجرى الله تعالى على ألسنة الناس وصفَهُ بالصادق الأمين.. ﷺ.
لقد وجد مشــقة بالغة من أعباء الصدق والأمانة في بيئة كلها غش وخيانة ..لكنّ ما كان يراه من بركة كانت تشــجعه وتغُريه بمزيد من الشفافية والابتعاد عن الغش بصوره المتعددة.. ﷺ.
10. رحلة ولقاء عابر:
ويذُكر أن الحبيب ﷺ ارتحل مع عمه في طلب السوق والتجارة إلى الشام ..وكانت زيارات سريعة عابرة.. يذُكر أنه التقى على الطريق وفيِ عجالة وكان شاباً يافعا براهب نصراني اســمه )بحيرى( ..وقد علم لاحقا أن هذا الراهب حذّر عمه من الًيهود خوفاً عليه، لأنه بحسب ما يعلم سيكون له شًأن عظيم.
ولكــن لقاءه بهذا الراهب كان سريعا جــداً.. لا كما يزعم الزاعمون أنه قعد عنده زمناً أخذ عنه الرسالة والدين، فهذا مًحض افتراء سيحُاسبهم الله عليه.
11. نقلة نوعية:
وفيِ السوق شاءت إرادة الله تعالى أن تتعرف به سيدة شريفة اسمها )خديجة بنــت خويلد(.. وكانت صاحبة مال وتجربة، وقــد طلبت إليه من خلال غلامها )ميسرة( أن يعمل لها في مالها بمساعدته، وكان يبلغ حينها عشرين عاماً تقريباً.
فكان البيع والشراء والأخذ والعطاء.. ونزلت البركة، وشهدت خديجة أمانته وصدقه.. وكانت قد تزوجت ســابقا برجل توفي عنها، ورجل آخر طلقها.. فهي امرأة ذات خبرة اقتصادية واجتماعية وًمكانة رفيعة في قومها.
12. زواج ميمون:
وذات يوم جاءته جارية من قِبلَ خديجــة تعرض أن يكون زوجا لخديجة ..
فعرض الأمر على عمه )حمزة( الذي طلبها من عمها لتكون زوجة وشًريكة حياة كريمة له.. وكان يبلغ حينها خمسة وعشرين عاماً، في حين كانت خديجة رضي الله عنها في الأربعين من عمرها.
خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ..تلك الكريمة التي واسته بنفسها ومالها، ورزقه الله تعالى منها الأولاد الذكور، وإن ماتوا في صغرهم، والبنات وقد عشن حتى شهدن الرسالة، ومتن على التوحيد والإيمان.
لقــد هيَّأ اللــه تعالى للحبيب ﷺ زوجــة كريمة أعانته عــلى التفرغ للتدبر ،ومنحته من الصفاء الذهني بعيدابعيداً عن الشــتات، ليبحث عن حلول لأزمة بل كارثة كانت مكة والعالم كله يتيه فيها.. ألا وهي أزمة الجفاف الروحي والوثنية السائدة وغياب التوحيد العريق.. ﷺ.
13. إدارة مبكرة للأزمات:
لقد كتب الله تعالى للحبيب ﷺ القبول في قومه قبل أن يبُعث رسولاً فيهم ..
فكان ذات يوم عند بوابة من بوابات الحرم أوشك على دخولها إذ سمع أهل مكة يقولــون: أتاكم الأمين.. إذ بهم يطلبونه لحّلّ نزاع دام بينهم قرابة أربعة أيام حول ترتيب وضع الحجر الأســود في مكانه، بعد تمام بنــاء الكعبة، على إثر انجراف وهدم كثير تعرضتْ له.. وقد شاركهم قبل ذلك في البناء.
فألهمه الله تعالى حســن إدارة تلك الأزمة؛ بأن طلب منهم أن يضعوا الحجر الأســود على عباءة أو ثوب كبير، وأن تأخذ كل قبيلة بطرفَ من الثوب ويرفعوه ،ليقوم هو بحركة سريعة خاطفة بأخــذ الحجر بيده الشريفة وإعادته إلى مكانه ..تلك المشاركة في إدارة أزمة دينية أو سياسية أو عشائرية ساهمت في زيادة رصيده
في نفوس القرشيين ..وكأنها رسالة من الله تعالى لهم؛ بأنه سيكون له دَور طليعي لاحقٌ في حل أزمتهم، بل وأزمة البشرية كلها.. ﷺ.
14. تفاعٌلٌ ومشاركات متنوعة:
هذا المشــهد مع مشهد آخر كان قد شهده مع عمومته وهو ما يسمى بحلف الفضول وقبله حرب الفِجار، جعل له حضورا في قومه.. فهو ليس غريبا عليهم ،وهم يعرفونــه جيدا في رعاية أغنامهم، وبيعهمً وشرائهم، وحل مشــكلاتًهم، بل وفيِ بعض اجتماعاتًهم وأحلافهم ومعاهداتهم وبعض حروبهم.
فقد شــارك الحبيب ﷺ ولو من بعيد بعضَ مشــاركة في حرب الفِجار ضد قبائل ارتكبت محظورات في الحرم، وشارك في حلف الفضول وقد تعاقدت عدة قبائل على نصرة المظلوم، فســعد بذلك وتحمس له كثيراً.. كل ذلك في مرحلة الشباب الفوَّار، وهو لا يزال دون الثلاثين من عمره.. ﷺ.
15. خلوة وتدبر:
وهكذا تمــي به الأيام وهو يراقب ما يجري من حولــه.. فالبيئة القبلية لا تفتح أفقا واســعا لأبنائها خارج الصندوق المقفل.. ولكن الله تعالى ألهمه إلى فكرة الاعًتزال النسًــبيّ في غار حراء.. ذاك الغار الكائن في جبل شاهق الارتفاع ،يطُُّلُّ على الكعبة من بعيد.
كان يمــي فيه الليالي ذوات العدد، ثــم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها ويتزود ثانية ليعود.
لقد حملــت خديجة رضي الله عنها عنه عبء التجارة ورعاية الأبناء.. وهي تشــعر أنه يبحث عن حلول ويفكر في أمر كبــير.. لكنه لا يدري تحديدا من أين
يبدأ.. لقــد زاد الظلم ووأد البنات والزنا والربا، وصار عدد الأصنام حولً الكعبة
كثيرا.. والخمر يُسكِرُ الناس فينسيهم ما هم فيه من بلاء، وأنهم رعاع لا قيمة لهم بين الًأمم وغوغاء.



  1. منطلق البعثة الشريفة:
    حتى حصل مع الحبيب ﷺ ما لا يملك وصُفُه من شدته وثقله ومفاجأته.
    لقد نزل عليه وهو في الغار أمين الوحي جِبرِْيُلُ عليه السلام.. وقد كان لقاؤه الأول بــه مرعبا؛ً لأنه لم يتوقع لقاء أحد في الغــار مطلقا.. لم يكن يعلم مَن هو جِبرِْيل عليه الســلام.. أخذه وضمَّه إليه ضمَّة شديدة تأكدً من خلالها أنه لم يكن يحلم بل كان مستيقظا منتبهاً.. كرر ذلك مرارا وهو يقول له: اقرأ.. والحبيب يرَدّ: ما أنا بقارئ.. حيث لمً يكن قارئا ولا كاتباً.. ثمً قال له: )لم لى لي ما
    مم نر نز نم نن نى نيً( العلــق2-1 :.. ثــم أدرك لاحقا أن جِبِْيل عليه السلام رســولٌ من الله تعالى لأنبيائه.. يحمل لهم الرسالة، ويصحًبهم في بعض مراحل تبليغها.
    لقد كان موقفا مرعبا.. فنزل عــن الجبل مسرعاً.. ولا يدري كيف نزل، وقد خشي على نفسه منً الهلًاك أو البلاء.. ﷺ.

  2. استراتيجيات إدارة الموقف الملُتَِبِس:
    وما إن وصل ﷺ بيته حتى اســتقبلته خديجة الحبيبة رضي الله عنها، فطلب منهــا غطاءً وقلبه يرتجــف.. ثم أخبرها بمــا حصل معه.. فكانــت نعِمَ المرأة الحكيمة.. وهي تحسن إدارة الموقف الملتبس.. حيث أجابت طلبه فغطته.. ثم ســألته.. ثم استدعت تاريخ علاقته بها، لتثبت أن ما حصل معه ليس شراً بل هو الخير المطلق.
    لقــد ذكرته بأنه كان؛ واصلاً للرحم، ناصرا للمظلــوم، مُكرما للضيف، معيناً للضعفاء.. وكأنها تقول له: لن يخيب ولن يضيًع من كان هذا شأنًه.
    لكنها بعدُ تريد الاطمئنان أكثر والكشــف عن لغــزِ ما حصل معه.. فأخذته إلى )ورقة بن نوفل( وكان من أبناء عمومتها.. وكان رجلاً قريبا من عالمَ النبوات وقارئاً مطلعا على تاريخ الرســالات.. ثم طلبــت منه أن يحكيً له ما جرى معه ،فأخبر ورقة بكًل شيء.. ﷺ.

  3. تشريف وتكليف:
    فما كان من ورقة إلا أن بشرَّه وخوَّفه في الوقت نفســه.. بشرَّه بأنه ســيكون النبي الخاتم للبشرية.. وقد ســعد بادئ الأمر؛ لا رغبة في الزعامة التي لم يكن يتوقعها مطلقا، وإنما لأنه كان يبحث عن حل لأزمة الناس، فوجد في فكرة ومبدأ النبوة )طالما أًنها جاءته كهبة من الله تعالى( فرصة لذلك.
    لكنه خوَّفه من تبعات تلك الرســالة والنبوة.. حتى إنه قال بأن خصومة القوم له ســتبلغ حدها بإخراجه من بلده التي أحب.. وقد تذكّّر كلامه بعد) 1٣( عاماً، يوم الهجرة من مكة إلى المدينة.. ﷺ.
    ذاك الرجل الأصيل النبيل الذي تمنى لو كان شــابا لينصره.. لكنه مات بعد فترة وجيزة.. وقد أعلمه الله تعالى أن لورقة بن نوفل جنةً أو جنتين.

  4. حال جديد:
    رجع ﷺ بمعيّة خديجة الحبيبة.. بصورة غير الصورة التي ذهبا بها إلى ورقة بن نوفل.. فقد أدرك أنه نبي مرسَل.. ثم فهم لاحقا أنه خاتم الأنبياء والمرسلين.. تكليف في ثوب تشريف.. وتشريف في ثوب تكليفً.. مســؤولية كبى شــاءت إرادة الله تعالى أن تُلُقى على عاتقه.
    وقــد بلغ من العمر أربعين عاما.. نظر حينها خلفه وأدرك كيف أن الله تعالى صنعــه على عينه وهيَّأه بالمنــع ثم باًلمنح؛ فقد وجده يتيما فــآواه، ووجده ضالاً فهداه، ووجده فقيرافقيراً فأغناه؛ ليكون مؤهلاً لحمل أمانته ورسًالته إلى خلقه.. ﷺ.

  5. ارهاصات )مقدمات( ما قبل النبوة:
    لقــد تذكر ﷺ أن حجرا كان يُســلِّمُ عليه قبل أن يُبعث.. وتذكر حادثة شــقِّ الصــدر.. والبكة التي عاينهًا في بيــت حليمة.. تذكر عصمــة الله له من مجرد مســاس الأصنام، فضلاً عن الطواف حولها.. وبدأ يسمع عن ورود اسمه وحكاية بعثته في كتب أصحاب الرسالات السابقة، باعتبار أنهم كلهم بشرََّّ وا أقوامهم به.

  6. وتحولَ الخوف إلى شوق:
    استشــعر الحبيــب ﷺ أن رحلته ســتكون ممتدة طويلــة؛ لأجل ذلك كان التحضير الإلهي لها طويلاً.
    بدأت آيات الرسالة تتنزل على قلبه.. والوحي يلُهمه ويرشده ويكلفه ويوجهه.
    صحيح أنه خافه للوهلة الأولى، لكن انقطاعه عنه فترة قصيرة سُميت بمرحلة فتور الوحي زاد من شــوقه له، فكان كلــما لقيه طلب منه أن لا يغيب عنه طويلاً ،حتى فهم أنه لا يتنزل إلا بأمر الله الكريم العظيم.

  7. مقصد الرسالة:
    لقد وعى ﷺ حقيقة وقيمة التكليف والرســالة تماماً.. فقد وقع قوله تعالى:
    )به تج( المدثر: 3، موقعه من قلبه ووجدانه ،فعرف أن تعظيم الله في نفسه وأهله وعشيرته والعالم كله هو أصل رسالته وعنوان دعوته.
    لقد امتنّ الله تعالى عليه وامتنّ به على الناس.. فأدرك أنه بشرٌ مؤيدَّ بالوحي ..معصــوم محفوظ محــروس.. في الوقت الذي كان يخشى فيه على نفســه من التقصير أو التفريط في جنب الله تعالى.
    لقــد كان القرآن العظيم ثروتــه وزاده وعدته.. فبالقــرآن وجد الإجابة على سؤالات سألها وسُئلها.
    لقد منحه الله تعالى بالحكمة التي ألهمه إياها تفويضا بشرح وبيان كتابه العظيم ،فضلاً عن نقله بأمانة من أمين الوحي جِبِْيل عليه السلام إًلى العالمين.. ﷺ.

  8. منطلق الرسالة وروحها:
    من تلك اللحظة.. بدأ العمل.. لقد كان التوحيدُ المنطلِقُ من الشهادتين هو عنوان الرسالة الأول:
    أشــهد أن لا إله إلا الله.. فلا شرك ولا أصنام ولا وثنية.. وأشــهد أن محمدامحمداً رسول الله.. فلا زعامة ولا قيادة ولا إدارة لصلاح البشرية سوى إدارة الحبيب ﷺ بتفويض من الله مُلهمه وخالقه.

  9. الخير فيمن سبق وصدق:
    لم تتردد خديجة الحبيبة رضي الله عنها في سلوك درب الإيمان.. وآمن معها بناتها الطيبــات.. وآمن عليٌّ ابن عمه أبو طالب وكان فتــىً يافعا.. وقد كان في حجره مكفولاً عنده.. وآمــن صاحبه أبو بكر رضي الله عنهم كلهًم ..كان إيمان الأوائل معتمدا على أمرين اثنين:
    ثقتهم بصدًقه ﷺ وأمانته التــي لم يعهدوا غيرها في حياته ومنطقه، وهذا من فضل الله تعالى عليه.
    انسجام ما جاءهم به مع فطرتهم النظيفة، وهذا من فضل الله تعالى عليهم.
    ثم بدأت حلقات الإيمان تتســع.. فقد فهم كل مؤمن دوره في نقل الإيمان لغيره.. وكان يســعد ويبتهج كلما جاءه خبر إسلام فرد جديد، على يدي صاحبه ورفيق دربه أبو بكر أو غيره من الأصحاب رضي الله عنهم.
    فهــذا عثمان بن عفان وأبو ذَر الغفاري وســعد بــن أبي وقاّص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم وغيرهم كلهم نالوا شرف الســبق في الاسلام.
    ومع اتســاع حلقات الإيمان كانت تتســع حلقات السور والآيات التي تتنزل تعليماً وتطميناً له ﷺ ولأصحابه الكرام.

  10. القرآن رفيق الطريق:
    لقد كان لكل ســورة حكايتها وظروفها.. ولعل الحبيب ﷺ عجب لجبريل عليه الســلام وهو يطلب منه ترتيب الآيات والســور بطريقة تختلف عن طريقة نزولها.. لكنه فهمَ أن النزول كان يناسب زمانه.. أما الترتيب النهائي )المصحفي( فيناسب كل الأزمنة بعده.. كيف لا وهو يعلم أنه لا نبي بعده.
    كان القرآن في مكة يحكي قضايا الإيمان ويرُكِِّّز على إجابة شبهات المشركين ،ويرغّب ويرهّب المهتدين.. ويبني ســلوكاً متينا رفيعا.. وكم كان يواسيه ويثبت قلبه آياتٍ كشف له ربه فيها بعض حكايات إخواًنه الأنًبياء.. ﷺ.

  11. كتمان للإيمان:
    بدأت قريش تشــكّ في حركة غريبة تدور في الأفــق على الرغم من حرصه الشــديد على الإسرار والكتمان.. حتى لا يســتفز عصبية قريش.. ولأنه حريص على الســلم المجتمعي الذي يعينه على تبليغ الرســالة دون إزعاج من قريش ..لدرجــة أن الحبيــب ﷺ كان يطلب من المســلمين الجــدد الكتمان حتى عن إخوانهم.. وكان يطلب ممن يسلمون من خارج مكة أن يكتموا إيمانهم ويرجعوا لأقوامهم إلى حين ظهوره لاحقاً.

  12. الأذى المبكر:
    بدأت حملات الإيذاء للمهتدين الجدد.. ولكن في حدود ضيقة.. فالســادة متوكلــون بتعذيب العبيد من المهتدين، والآباء متوكلون بتعذيب أبنائهم.. ولكن قريشــا كانت حريصة على سُوقها وتجارتها؛ لأجل ذلك ما أرادت التصعيد ..بل قبلت أنً يشتري أبو بكر رضي الله عنه عددا من العبيد المهتدين ليطلق سراحهم ويخلصهم من إيذاء أسيادهم.. وكان هذا منً أحب المواقف إلى قلبه.. ﷺ.
    فلقد حقق أبو بكر رضي الله عنه فكرة الإســلام الذي جاء ليحرر العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

  13. في دار الفتى الشجاع؛ الأرقم بن أبي الأرقم:
    ولمــا رأى ﷺ أن عــدد المهتدين بدأ يكبر كان لابد مــن جمعهم في مكان واحد معروف لهم، وفي وقت محدد لتعليمهم، ونقلِ ما يأتي به الوحي من قرآن لهــم، فوقع اختياره بتوفيق من الله وإلهــامٍ على دار الأرقم بن أبي الأرقم ليكون فيها الملتقى.. صحيح أنه كان غلاما صغيرا، لكن صغر سنه كان مموهاً لمشركي مكة.. فضلاً عن كون داره بالقرب منً الصفًا بعيداً عن وسط مكة.
    لقــد أتى الله تعالى ببلال بن رباح كما أتى بعثمان بن عفان وَعَبَد الرحمن بن عوف وغيرهــم من الكرام رضي الله عنهم، وكلهم يملك من الحماســة ليفتدي الإسلام بكل ما يملك على اختلاف طبقاته.
    الجهر بالدعوة وما تبعه من صعوبات

  14. نقلة نوعية.. من الكتمان للجهر:
    بقيت الدعوة بالتهامس.. وهو ﷺ أعلم بتعليم الله له أن رسالته عالمية.. وأن التهامس لا يناسب غاية تلك الدعوة وطموحها الفتية.. فكانت مرحلةً.. لكنها لم تكن كل مرحلة.. وقد جاء الوحي بتكليفه بالصدع بالحق وإنذار العشيرة.. فخرج إلى الصفــا، ونادى القوم وجهر بدعوته ومِن حوله عشــيرته وعموم المهتدين ..
    فأبرأ ذمته وعرض أمانته ورسالته.. ﷺ.
    لقــد كان الحبيب يعلم أن درء المفاســد أولى من جلــب المصالح.. لكنه الانصياع لأمــر الله أولاً، ثم لإدراكه أنه ليس كل مفســدة درؤها أولى من جلب كل مصلحة.. وأنه لابد من تضحية ومبادرة لتمكين قيمةِ عالمية الرســالة.. فكان الصدع والجهر وكان ما تبعه من إيذاء.

  15. إيذاء مبكر ومتنوع:
    لقد بدأ الإيذاء من رجل لم يتوقع منه ﷺ ســوى نصرته وإعانته، لكنه تعمَّد إيذاءه وإهانته.. إنه عمه )أبو لهب(.. وقد نزلت فيه وفيِ زوجه )أم جميل( سورة المسد ..)ثم ثن ثى ثي فى( المسد: 1.
    ثم تصدى لمحاربة دعوته كبراء القوم كأبي جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم.. وقد تعرض شخصيا لضربهم وشتائمهم وأوساخهم ومحاولات خنقهم.. ثم اتهموه بالسحر والكهانةً والشــعر والجنون.. وهم يجمعون بذلك الأذى المعنوي والمادي.. عليهم من الله ما يستحقون.

  16. طلب الخوارق والمعجزات:
    ثم طلبوا معجزات وخوارق، فشقّ الله تعالى لهم القمر ..وكانت معجزته ﷺ
    الكبى معجزة بيانية؛ تناســب ذاك الزمان وكل زمان )القرآن العظيم(.. وهم أهل لغــة وفصاحة وبيان.. فكانوا يعترفون بجمالها وكمالها واختلافها عما عهدوه من شعر ونثر وسجع وغيرها.
    وطلبوا منه ذات يوم إزالة جبــال مكة وتحويلها إلى أرض زراعية، لكن الله تعالى أخبر الحبيب ﷺ بأنه إما أن يجيب طلبهم، )فإن لم يؤمنوا فإنه يعذبهم كما عذب مَن قبلهم(.. أو أن يصبر عليهم.. فكان يصبر ويحتسب ويدعو لهم.. ﷺ.
    ولا يُذكر سوى أنه دعا عليهم بالهلاك أو على بعضهم مرة واحدة أو مرتين.

  17. مساومات:
    وكان من كيدهم ومكرهم أنهم ســاوموه أكثر من مرة على ترك دعوته مقابل أن يعطوه أموالاً ونســاءً ومناصب.. ولكن الله تعالى كان يثُبته، ويعَِدُه بالعِوض ،فقد وجده يتيما وضالاً تائهاً وفقيراً.. فآواه وهداه وأغناه.. وقال له بأنه يوف يعطيه فيرضيه؛ فأعطاهً وأرضاه.
    وليتهم اكتفوا بإيذائهم له دون أصحابه وأحبابه الذين وجدوا العنت والمشقة والحرمان والتعذيب كذلك بسبب ثباتهم على العقيدة.
    كانت ســنوات الدعــوة الأولى ثقيلة ثقيلة.. لكنها خرجّــت قُرصاً صلباً من رجال ونساء حصلوا على الإيمان بصعوبة فلم يفرطوا فيه بسهولة.
    لقد كانــت حصيلة المؤمنين بمكة قليلة لكنهم هــم الذين حموا الدين في نفوسهم الزكية وحملوه إلى العالمين.
    لقد كان يؤلم الحبيب ﷺ أن يأتي على بعض أصحابه يعُذَّبون حتى الموت ،ولا يملك إلا أن يقول لهم: صبااً آل ياسر فإن موعدكم الجنة.. ﷺ.

  18. تنفيس وتخفيف:
    وفيِ الوقت الذي كان الحبيب ﷺ يجد حرجا وعنتا كان الله تعالى يبعث له ما يبُرد قلبه ونفســه.. فكان لقاؤه المتجدد بالوحيً الكريًم يكفيه ويشفيه ويشبعه ويرويه.. وكان كل مهتدٍ جديد يبعث في نفسه أملاً كبيراً.
    ولقد ألهمه الله تعالى لأسلوب حكيم في استقطاب حتى الخصوم ممن كان يأمل هدايتهم.. في حين أن الناس كانوا يفقدون الأمل بذلك.. فكان الرجل يأتيه حاقدا وما يخرج من عنده إلا وهو الحبيب القريب إلى قلبه ..فعبد الله بن سلام
    يترك يهًوديته.. وصهيب الرومي يترك نصرانيته.. وضماد الأزدي يترك خصومته ..وعمــر بن الخطاب يترك عُنجهيته؛ وكلهم يعتنقون الإســلام وينشرونه ويدافعون عنه، ويموتون في سبيله رضي الله عنهم.

  19. إسلام الكبار)1(:
    لقد كان يوم إســلام عمه حمزة رضي الله عنه يوماً مختلفاً فقد أســلم ِحمية له.. ثم حِمية للإيمان بعد أن لمسه وأدركه.


)1( الراجح أن إسلامهما كان في السنة السادسة للبعثة وليس قبل ذلك.. رضي الله عنهما.
وكذلــك كان يوم إســلام عمر بن الخطــاب رضي الله عنــه رافعة معنوية لأصحابه.. وحتى هؤلاء لم يسَلموا من الإيذاء.
لقد كان يطمح بإسلام الأقوياء.. لكنه كان يعلم أن النصرة والرزق كذلك إنما تأتي ببكة الضعفاء.
ولقد تعرض لعتاب ربه في صاحبه الأعمى )ابن أم مكتوم( حين أشــاح بوجهه عنه رغبة في إسلام بعض كبراء قريش.. وقد جاء يسأله وكان في حوار معهم.. ﷺ.
35. اعتراض وأذى ثم هجرة للحبشة:
لقد اعترضت قريش على الدعوة جُملة وتفصيلاً فهم يشركون بالله، وينكرون اليــوم الآخر، ويعترضون على القرآن والصحابة بمثل اعتراضهم على شــخصية الرسول ﷺ.
وتضاعف الأذى فكانت فكرة الهجــرة مخرجا للمهتدين من جهة.. ولفتح أفق جديد مــن آفاق الدعوة من جهــة أخرى.. وكاًنت خيــارات مكان الهجرة متعددة.. لكن توفيق الله تعــالى وإلهامه له ﷺ جعله يطلب من بعض أصحابه الهجرة إلى الحبشة.. فهاجروا في الســنة الخامسة للبعثة ..وكان قد علم بتعليم
الوحي له وبحرصه على معرفة التوازنات السياســية مِن حوله أن فيها ملكاً عادلاً لا يُظلم عنده أحد، وهذا الترتيب أشبه بما يسميه الناس باللجوء السياسي اليوم.
36. عودة ورجعة:
وقد أقاموا في الحبشة فترة وجيزة.. حتى أشيع أن قريشاً قد أسلمت، لأنه ﷺ
قرأ سورًةً فيها سجدة، فسجد مَن كان حول الكعبة معه سجود رهبة لا إرادي.. لا سجود إيمان حقيقي.
وقــد زعم بعض من ســيخاصمهم الحبيب ﷺ أمام الله تعــالى بأنه داهن المشركين وقَِبَ الســجود لأصنامهم كي يســجدوا لله تعالى.. وهذا ما كان ولن يكون.
المهم هنا أن أصحابه بلغهم إشاعة وخبا مكذوبا يقول بإسلام قريش فرجعوا من الحبشة.. فعرف كفار مكة برجوعهم فتعرًضوا لإيًذاء مضاعف.
لأجل ذلك سمح لهم النبي ﷺ في الســنة السابعة للبعثة بهجرة أخرى إلى الحبشــة.. ولكنهم كانوا في هذه المرة قرابة المائة؛ بين كبير وصغير وذكر وأنثى وتاجر وسياسي وسيد وخادم، ومن مختلف القبائل.. مما شكَّل ذلك خطراً على النسيج الاجتماعي في مكة.
37. موقف قريش من هجرة الحبشة:
عندئذ قرر كبراء مكة أن يبعثوا بهدايا مع رجلين من رجالهم إلى الحبشة ليأتوا بأصحابه مكبلين مقيدين بالسلاســل إلى مكة.. وكان أن تم رشوة من كان حول النجاشي من الرهبان قبل الدخول إلى مجلســه بالهدايا.. ثم لما دخلوا مجلس النجاشي طلبوا تســليم أصحاب الحبيب ﷺ لهم باعتبار أن أصحابه خرجوا من دين قريش ولمَ يدخلوا دين النجاشي.
فوفَّــق الله الصحابــة وحبيب النبــي ﷺ وابن عمه )جعفر بــن أبي طالب( رضي اللــه عنه ليرد هــذه الفرية.. ويحكي للنجاشي في حــوار دافئ كيف كانوا قبل الاســلام وكيف صاروا بعده.. وكيــف أن قومهم أهانوهــم وضيقوا عليهم وعذبوهم، فاختاروا الهجرة إلى بلده دون ســواها من البلدان، لأنهم علموا أنهم عنده لن يُظلموا أبداأبداً.
38. توفيق الله الكبير:
أعُجب النجــاشي بمنطق جعفر.. وطرد عمرو بــن العاص ومن معه.. غير أنهما عادا وطلبا من النجاشي أن يســأل أصحــاب النبي ﷺ عن رأيهم في أخيه عيسى عليه الســلام.. فكانت هذه ثقيلة عليهم كــما حدثتنا المهاجرة الحبيبة أم سلمة )زوجة النبي ﷺ لاحقاً(.
غــير أن اللــه تعالى وفّق جعفر رضي الله وردّ ردا حســنا أقنــع النجاشي بأن عيسى عليه الســلام نبي وعَبْدٌ مثله، وله هو وأمه مريمً مكانة رًفيعة عند الله وعند المسلمين.
فطــرد النجاشي عمرو ومن معه من مجلســه.. وأصدر تعميمه بأن أصحاب الحبيب ﷺ آمنون عنده.. وأن من سبهم سيُغرمَّ.. فانقلب سحر قريش ومكديتها عليها.
39. إقامة ناجحة وأهداف رابحة:
مكــث أصحابه ﷺ في دار النصارى مع قوم متعصبين لنصرانيتهم، مختلفين في لغتهــم وطباعهم؛ قرابة ال) 1٣( عاماً.. لم يغــيروا ولم يبدلوا وحافظوا على ثقافتهم ودينهم وهويتهم بتوفيق الله وحفظه لهم.. لا بل وساهموا في نشر الدين هناك.. لأن هدف هجرة الحبشة نشر الدعوة فضلاً عن حماية الدعاة.
وكان من أعظم ثمار دعوتهم؛ إســلام ملك الحبشة )النجاشي(، الذي أسلم على يديه عمرو بن العاص رضي الله عنه لاحقاً.
وقد صــلى الحبيب ﷺ على النجاشي صلاة الغائب لما مات.. وكان يبعث من يســأل عن أصحابه في الحبشة ويعلمهم مســتجدات الوحي والرسالة بين الحين والآخر.
40. عودة ميمونة:
ولو أنه ﷺ وصله أن هويتهم وعقيدتهم قد تأثرت في الحبشة لطلب رجوعهم إلى المدينــة المنورة فور دخوله وهجرته لها لاحقــا.. لكنه أذن لهم بالعودة في السنة السابعة للهجرة بعد أن تخلص من آخر حصن مًن حصون يهود في المدينة وذلك عند فتح خَيْبرَ.
وَياَ لسعادته عندما جاءه المسلمون العائدون من الحبشة.. وقد أعطاهم من غنائم خَيْــبرَ.. وكان مما يقال بأنه قال حينهــا: لا أدري بأيهما أسرِّ أكثر.. بفتح خَيْبَ.. أم بقدوم جعفر.
لقــد ثبّت الله تعالى قلوب مهاجري الحبشــة.. وأيدهم بســلطة النجاشي ..
وحماهم من الذوبان والانصهار في مجتمع الأغيار.
41. في الِّشِّعب:
نظــر ﷺ حوله فوجــد عددا قد لا يزيد على خمســين مــن أصحابه حوله فحسب.. وقد اشتدّ أذَى المشركينً حتى وصل بهم الأمر إلى عقد حلف مشؤوم يقي بمقاطعته هو وأهله وعشيرته وأصحابه؛ مقاطعة اقتصادية اجتماعية شاملة في شِعب أبي طالب.
أوذي فيها كل من له علاقة صحبة أو نســب مباشر معه؛ مسلما كان أو غير مســلم، سوى عمه أبو لهبٍ.. فقد كان ممن دعم الحصار وشارك فيهً وخرج عن طوق عشيرته.
لقد كان حصارا جائرا يشــبه أي حصار جائــر تديره دول كبى في كل زمان ضد أي بلد أو مجموًعة تخًرج عن طوقها كذاك المفروض على غزة في فلسطين من قبل اليهود الملاعين وأعوانهم المنافقين.
واستمر الحصار ثلاث ســنين.. حتى جاء مجموعة من كفار مكة فيهم بقية من شــهامة؛ منهم )المطعِم بن عدي( وغيره فوقفوا في وجه أبي جهل.. وتمردوا على حصاره الجائر.. ويقال بأنهم ذهبوا لتمزيق بنود الحصار فوجدوا أن حشرات صغيرة قد أكلت تلك الورقة التي كتبوا البنود عليها وعلقوها في الكعبة.. ولمَ يبق عليها سوى التسمية )باسمك اللهم.(
وهكذا طويت صفحة من العناء شكلتْ له ﷺ حرجا كبيرا مع أصحابه الذين اعتادوا المشــقة والعنت.. ومع أهله وعشيرته الذين كانتً خطًة المحاصِين أن يتبرأوا منه.. ولكن الله سلمّ.
42. عام الحزن:
وشــاءت إرادة الله تعالى أن تموت رفيقة دربه ﷺ وحبيبة قلبه وأم بناته وقرة عينه وسنده وظهره؛ خديجة رضي الله عنها، تلك التي بشرها جِبرِْيل عليه السلام ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب )لا إزعاج ولا تعب(، تلك التي هي من سيدات أهل الجنة.. تلك التي أخبرنا عنها أنها من كاملات النساء.
ثم مات في العام نفســه عمه أبو طالب.. ذاك الذي وقف متحديا قريش كل
قريش في سبيل حمايته وإيوائه.. لقد كان محزناً ومؤلما لقلبه أن يموتً عمه على ما مات عليه جده عبد المطلب.. وكان يرجو لو أنه أســًلم.. لكن صاحب السوء أبو جهل لم يزل عند رأســه حتى تأكد له أنه مات مــشركا بالله تعالى.. لقد كاد قلــب الحبيب يتفتت من الحزن في هذا العــام )العاشر للبًعثة(.. حزنا على وفاة الحبيبة.. وحزناً على التمســك بالكفر لرجل طالما أحب له الهداية ..وًلكن الله يهدي من يشاء الهداية.. بل ويهدي من يشاء سبحانه أن يهديه.
43. رحلة الطائف:
وبعد خروج الحبيب ﷺ من الحصار بدأ يفكر بشــكل جاد في البحث عن أفقٍ جديد.. ووقع اختياره على الطائف لقربها من المدينة ومناسبة أجوائها.
ولأنه يعلم بوجود تنافس قديم بين قريش وثقيف.. فظن أنه لعل في ذلك ما يدعو ثقيف إلى الاهتداء أو أن يقبلوه لاجئاً يتحرك في تبليغ الدعوة دون مضايقة من أحد.
ذهــب في تلك الرحلة الشريفة بصحبة خادمه )زيد بن حارثة( رضي الله عنه في مشهد فيه من التكتم عن قريش، بل حتى عن المهتدين الجدد ما فيه.
44. عرض ورفض:
ولما وصل ﷺ الطائف وعرض رســالة ربه لزعمائهــا بهدوء.. رده الزعماء بسخرية، ووجد منهم أعنف الكلمات وأســوأ الإشارات.. بل حرضوا غلمانهم ومجانينهم ضده.. وتكبر بعضهم عن مجرد سماعه ومحاورته.. واتبعوه بالضرب والحجارة فأدموه هو وزيد رضي الله عنه.
وكان قــد طلب منهم أن يكتموا خب مجيئــه إليهم عن قريش طالما أنهم لم يُســلموا.. غير أنهم لم يســلموا ولَم يكتموا.. فخرج مِــن عندهم وقد نجح في تبليغهــم.. في حين أنهم فشــلوا في احتضــان دعوته؛ ليحوز هــذا الشرف أهل المدينة لاحقاً.
أما أهل الطائف فقد كان له معهم موقف يوم حنين بعد فتح مكة وقد شاركوا مع قبيلة هوازن في محاربته.
45. عودة حزينة وقلب كبير:
خرج ﷺ من الطائف حزينا، فأرســل الله تعالى جِبرِْيل بصحبة ملك الجبال عليهما الســلام.. وقد عرض علًيه أن يطُبق على أهــل مكة الجبال المحيطة بها )الأخشبين(، لأنهم تسببوا فيما هو فيه من عنت.
لكنــه ﷺ طلب منه ألا يفعل، برجاء أن يخُرج الله تعالى منهم ومن أولادهم وذراريهم مؤمنين.. وهذا ما حصل فعلاً.
لقد رفع ســهام دعائه لربه شــاكياً ضعفه وقلة حيلته، وكان همه الأكب أن لا
يكون في اجتهاداته ما يخالف أمر ربه.. وبعد ذلك فإنه لا يبالي.. وهو يرجو عفو ربه الواسع.. ﷺ.
46. عند خروجه من الطائف:
أكــرم الله تعالى الحبيب ﷺ عند رجوعه مــن الطائف وكان ذلك في العام العاشر من البعثة، وقد قيل بأنه نزل بســتاناً لبعض أهل مكة بالقرب من الطائف ،وحاور فيه خادمهم عداس النصراني، الذي وجد عنده رغبة في متابعته، وقد تأكد له أن الحبيب هو المتمم لرســالة إخوانه الأنبياء، وأنه على معرفة بنبي الله يونس عليه السلام.
ثم اســتمر ﷺ في طريق عودته ،وقد نزل تحت شــجرة فلقيه عندها نفرٌ من الجن سمعوا القرآن فاهتدوا، ثم رجعوا إلى قومهم منذرين.. في مشهد من مشاهد المواســاة له من الله تعالى على ما أصابه من ثقيف.. وكان يحســب أن المشكلة ستنتهي بمجرد وصوله مكة.. لكنها في الحقيقة بدأت هناك.. ﷺ.
47. عند عودته لمكة:
وصل خبر ذهاب الحبيب ﷺ إلى الطائف لأهل مكة.. فعزموا على منعه من دخولها؛ لأنهم اعتبروا خروجه للطائف شكلاً من أشكال التمرد عليهم.. فوقف على بوابات مكة يفكر.. فالخيارات أمامه محصورة.. ولكل خيار ما له وما عليه.
هل يخبر أصحابه ليحضروا لمســاعدته.. وهذا ما قــد يؤدي إلى مزيد من المشكلات لهم.
أم يطلب من الوحي أن يأتيه مســاعدا له على الدخــول رغم أنف قريش ..
ولكنه قبل ساعات رفض خدمة ومساعدة مًلك الجبال.
أم يترك مكة لقريش ويذهب إلى الحبشــة أو أي مكان آخر.. لكنه لم يستنفدبعدُ كامل الجهد في مكة.. وله فيها أصحاب يخشى عليهم من فتنة قريش.
48. عنق الزجاجة:
فألهمــه الله تعالى أن يســتعين ببعض قريش على قريــش لما في الأمر من ضرورة.. وللضرورة أحكامها.
فــكان أن طلب من أحد زعماء قريش أن يدخل مكة بحمايته فرفض، فطلب من آخــر فأبى.. ثم طلب من المطعِم بن عدي؛ ذاك الشــهم الأصيل فخرج مع أولاده مدججين بأسلحتهم حتى أدخلوه مكة بحمايتهم.
لم يُســلم ابن عدي هذا.. لكنه ﷺ حفظ له صنيعه الطيب هذا فقال لأسرى بدر لاحقا: «لو كان المطعِم بن عدي حياً وكلمني فيكم لأطلاق سراحكم لأجبته إلى ما يطلًب.»
لقــد طويتْ رحلة الطائف لكنها كشــفتْ لقريش عن نيتــه في البحث عن مَخرَج.. فزاد الأذى.



  1. رحلة الإسراء والمعراج:
    ومــا أن دخل العام الحادي عشر للبعثــة إذ بالحبيب ﷺ مع قدٍرٍ رباني كريم وجد فيه عوضا وتكريما وأنســا وســياحة ورعاية وحفاوة؛ منحه مواساة على ما فــات من التضحًيات.. وًجرعة تًحضير وتحفيــز لما هو آت من التحديات.. لقد كان على موعد مع رحلة الإسراء والمعراج.
    فقــد جاءه ملائكة وشــقوا صدره ثم أخرجوا قلبه وغســلوه بمــاء زمزم ثم أعادوه.. وكان ذلك )حادثة شــق الصدر الثانية( بمثابة إعداد نفسي ومادي لتلك الرحلة الكبيرة.. حيث جاءه في الليلة نفسها جِبرِْيل عليه السلام ومعه دابة البراق العجيبة.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

كان جده يعيش في...

كان جده يعيش في مكة.. وله عشرة من الأولاد.. كان ســيد مكة وزعيمها ..وكان قد فرح بعقد قِران ولده عبد ...

٤٤ / ٤٦٤ ٤٤ ك...

٤٤ / ٤٦٤ ٤٤ كتاب الإمتاع والمؤانسة الجزء الأول 44 وقد طَمِعتُ بالنفاق (۱) وانقلبت بالخيبة، وقد ع...

المقدمة: يشهد ا...

المقدمة: يشهد القطاع العام في المملكة العربية السعودية تحولات متسارعة تتطلب رفع كفاءة الأداء الحكومي...

أهمية الدراسة ت...

أهمية الدراسة تستمد هذه الدراسة أهميتها من عدة اعتبارات علمية ومهنية وأكاديمية، ويمكن توضيحها فيما ي...

My friend Micha...

My friend Michael is a person who always wants to know and learn about life and enjoys spending time...

لفصل الأول: الت...

لفصل الأول: التأصيل المفاهيمي للحق الدستوري في حماية المعطيات الشخصية أفرزت التحولات التكنولوجية الم...

مقدمة يشهد العا...

مقدمة يشهد العالم المعاصر تحولات تكنولوجية متسارعة وعميقة أعادت تشكيل البنى الاقتصادية والمهنية بصور...

تواصل جماعة الح...

تواصل جماعة الحوثي الإرهابية، احتجاز الناشط رجب بن خماش في مديرية حوث شمال محافظة عمران، لليوم الراب...

القوة: هي مؤثر ...

القوة: هي مؤثر خارجي يغير من حالة الجسم (من السكون إلى الحركة أو العكس). أنواع القوى: قوى دفع، وقوى...

يتميز نظام الحك...

يتميز نظام الحكم الملكي بعدة مزايا هيكلية واستراتيجية، أبرزها توفير الاستقرار السياسي طويل الأمد، وت...

تستند هذه الدرا...

تستند هذه الدراسة إلى تحليل التأثيرات المختلفة لتغير المناخ، وخاصة الزيادة في درجات الحرارة وتغير نم...

تعتبر التربية ا...

تعتبر التربية البدنية والرياضية علما لها أصولها ومبادئها التي تعزز من خلالها عملية التعلم وكسب المها...