Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

التعايش ومبدأ حرية المعتقد: أكثر من مرة، لأهميته كمنطلق للتعايش بين الناس على ظهر هَذِهِ البسيطة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، في كتابه العزيز؛ حيث ينهى عن الإكراه في الدين؛ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، والمولى القادر على كل شيء، ومن أمره بين الكاف والنون يعطي للناس حرية الاختيار فيقول : ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (2)، فيقول سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) ، وهذا المبدأ من ثوابت الإسلام الأساسية، فمن أوائل ما أُنزِل عَلَى رَسُولِ اللَّهِ من القرآن في مكة قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ، ينهى الإسلام عن سب غير المسلمين، يقول الله تَعَالَى : ﴿وَلَا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُوا اللَّهَ عَدْوا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَرْجِعُهُمْ فَيُتَيْتُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) . التعايش ومبدأ الاعتراف بالآخر والتحاور: حَتَّى لو كنا لا نرى صحة اعتقاده، قال تعالى: (لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ) ، وَهَذِهِ السورة في القرآن تسمى سورة الكافرون»، وابتدأها المولى سبحانه بقول قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ، فقال تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . حيث يدعو القرآن إلى الإحسان في الحوار، وإن أساء الآخر، والآية ليست دعوة للحوار البناء فحسب بل يفهم منها دعوة من لا يحسن الحوار، ولا يجد في نفسه الكفاءة العلمية، والصبر على خوض غمار التحاور، فالمولى سبحانه يأمر باتباع أفضل السبل، وأجمل الحديث، وأتم الأخلاق في الحوار؛ حيث جاءت الدعوة إلى الحوار بصيغة أفعل تفضيل أحسن وهي المبالغة في الحسن وبذل الجهد في إيصال المعلومة، وتقريبها للمُحاور بحيث لا يملك من جمال أسلوبك إلا الاستمتاع بحديثك سمعاً وبصراً حَتَّى تدخل من هذا الباب إلى قلبه فتنتج المحبة. الإحسان إلى المخالف وبره، ما لم يقاتل ويعلن الحرب؛ حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ تُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، من جميع أصناف الملل والأديان، أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم ؛ لأن الله عز وجل ، عم بقوله تعالى : ﴿ لَا يَنْهَنَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ تُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾ جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض، لأن بر المؤمن أحداً من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينهما ولا نسب غير محرم، إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، علو قدر الجنس البشري عند الباري سبحانه، أو لونه، أو عرقه، أو جنسه فهو مكرَّم من عند الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ، ومن تكريم الله تعالى للإنسان بأن جعله خليفة في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ ) . ولقد ورد في القرآن الكريم نداء الله للناس بقوله يا بني آدم» في سورة الأعراف، خمس مرات، قال تعالى: ﴿ يَنبَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ﴾ (1)، وقال تَعَالَى: ﴿يَنبَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ) ، العدالة في التعامل مع الناس. وإن اختلفوا في المعتقد: بل وإن اختصموا مع من يدينون بديننا، حيث قال المولى جلت قدرته: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وقال تعالى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) من أسس التعايش الدعوة إلى البحث في المبادئ والقيم المشتركة وتعزيزها: إن من أهم الأسس البانية لمفهوم التعايش ، تعميق البحث في المبادئ والقيم المشتركة، وتعزيزها، ونأكل الميتة، ونقطع الأرحام، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواح، وأكل مال اليتيم، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، ورجونا ألا تظلم عندك أيها الملك) فقد ركز جعفر بن أبي طالب الله على القيم المشتركة من صدق الحديث، وحسن الجوار، ولقد عاش المسلمون في الحبشة، وثقافة مختلفة وفق القيم التي تجمعهم، وعدم التركيز على ما يفرق بينهم. التعايش وتعزيز قيم العدالة ودفع الظلم: فرسول الله بعد أن مَنَّ الله عليه بالرسالة، وجمع قلوب الناس عليه إماماً متبعاً، قال ، بعد أن أكرمه الله بالنبوة والرسالة: «لَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي حِلْفاً فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ، والنبي يتحدث. هنا عن. قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل، فوقف عند الكعبة واستغاث بآل فهر وأهل المروءة، فقام الزبير بن عبد المطلب فقال: ما لهذا مترك، فدفعوها إليه، لأنَّ مَن قام به كان في أسمائه الفضل، كالفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، مبدأ التراحم والحفاظ على كرامة الإنسان وآدميته: في ظل إهمال جزء كبير منه يعيش حالة البؤس، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يُعد احترام الرأي العام واعتباره أحد أهم مبادئ التعايش السلمي بين المجتمعات، بأعماله وأقواله حماية المجتمع من الريبة والشك، أو إصلاح ما فسد لما قد ينتج عن ذلك من عواقب قد تؤدي إلى فساد أعظم، نرى ذلك جلياً في قصة بناء الكعبة وهدمها، سألت عائشة، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُم أَنْ أُدْخِلَ الْجُدُرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ أَلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ». أما الجانب العملي للتعايش في تاريخ المسلمين، فالمعول في ذلك هو النظر في سيرة النبي؛ وطاعة أوامره، وإذا كان الأمر كذلك، وفيما يلي نعرض بعض هَذِهِ النماذج في التعامل مع المخالف: كان في مواجهة أنواع ثلاثة من الأعداء؛ وهم الوثنيون، واليهود، الذي آمن به أغلب أهل المدينة، فظلوا في حيرة وتردد وخوف، ليس هذا مجالها، ولكن ما يهمنا هو كيف تعامل معهم رسول الله ، مع أن الله سبحانه وتعالى قال في حقهم : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾، وآيات القرآن تتحدث عن صفاتهم الذميمة، أو يعاقبهم، بل ظل يدعو إلى قيم الدين الحنيف، ويحذر بشكل عام من صفات النفاق، وحفظ لهم دماءهم وأموالهم، وعاملهم في الظاهر بالإحسان، حَتَّى أنه لم يفضحهم بين أصحابه، حَتَّى لا يتهور أحدهم، يخبر أسماءهم إلا حذيفة بن اليمان أمين سره حَتَّى بلغ فيتعرض لهم بالسوء، ولم من إحسانه أنا ابن زعيم هذه الفئة؛ وهو عبد الله بن أبي بن سلول، ولم يعامله المسلمون بجريرة والده. ويذكر لنا القرآن في غير آية، ما كانت تشكله هَذِهِ الفئة من الناس، فقد حكى القرآن الكريم من حالهم وشأنهم ما جاء في قول الله تَعَالَى: ﴿ يَقُولُونَ لَيْن رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَ الْأَعْزُ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، إن تعامل النبي مع اليهود يمثل قمة التسامح وإنصاف المخالف. وهنا لا بد من سرد بعض النماذج الثابتة التي تعامل بها النبي مع اليهود: فعندما قدم النبي الله المدينة، إذ إن رسالة الأنبياء واحدة. وعندما تزوج النبي بأم المؤمنين صفية بنت حيي، وكانت يهودية قبل إسلامها، وتعيير بعض نسائه بيهوديتها، قال لها: «إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٌّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيُّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيَّ». . وفي هَذَا دلالة على أن تعيير الناس بانتمائهم ليس من الدين في شيء؛ إذ إن رسول الله يأمر زوجته بأن تباهي بأصلها وانتمائها. وعندما مرت جنازة يهودي، ومن ذلك أيضًا افتقاده لغلام يهودي كان يخدمه، وهو يفارق الحياة، فنظر الشاب إلى أبيه، فقال له والده: «أطع أبا القاسم، فنطق بالشهادتين، وهذا دليل آخر على التعامل الحضاري مع الناس والتعايش معهم، ومن أمثلة ذلك ، صبر النبي الله وسعة صدره مع زيد بن سعنة: «قال زيد بن سعنة: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرتُ إليه إِلَّا اثنتين، يَسْبِقُ حلمه جهله، قال زيد بن سعْنَةَ : فخَرَجَ رسولُ اللَّهِ يومًا مِنَ الحُجُرَاتِ، ومعه علي بن أبي طالب فأتاه رجُلٌ على راحلة كالبَدَوِيُّ ، فقال : يا رسولَ اللَّهِ ، وقد أصابَتْهُم سَنَةٌ وشدَّةٌ وقحط من الغيث، فأنا أَخْشَى يا رسولَ اللَّهِ أن يخرجوا من الإسلام جزعاً، فَإِنْ رَأَيْتَ أَن تُرْسِلَ إليهم بشيء تُغيثهم به فعلْتَ، فنظَرَ إِلَى رجل إلى جانبِهِ أُرَاهُ علياً، فقال: «يا رسولَ اللَّهِ ما بقي منه شيء». فقلتُ : يا محمد، هل لَّكَ أَنْ تَبِيعَنِي تمراً معلوماً في حائِطِ بني فلان إِلَى أَجَلٍ معلوم، لَا تُسَمِّي حائِطَ بني فلان»، قُلْتُ: «نعم. وقال: اعْدِلْ عَلَيْهِم وَأغثهُمْ بِهَا»، ودنا إلى الجدارِ لِيَجْلِسَ إليه، فأخذتُ بمجامع قميصه وردائه، فَوَاللَّهِ ما علمتم بني عبد المطلبِ إِلَّا مُطلاً، ونظرْتُ إِلَى عمر، فقال: «يا عدو الله أتقول الرسول الله له ما أسمَعُ، فوالذي نفسي بيده، ورسولُ اللهِ ﷺ ينظرُ إِليَّ في سكون وتُؤَدَةٍ، اِذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَأَعْطِهِ حَقَّهُ، قال : وتعرفني يا عمر . قال : لا. قال: فما دعاك إلى أن فعَلْتَ برسولِ اللهِ ﷺ ما فعلت، وقلت له ما قلت. ولا تزيده شدَّةُ الجَهْلِ عليهِ إلَّا حلماً. وقد اختبرتهما، فأُشْهِدُكَ يا عمر أني قد رضيت بالله رباً، فرجع عمر وزيد إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقال زيدٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَّا إلهَ إِلَّا اللهُ، وآمَنَ بَهِ وصَدَّقَهُ، فأراد الناس منعهم، فَاسْتَقْبَلُوا المَشْرِقَ، ولا يتصور نموذج أعظم في التسامح، من أن يقيم النصارى صلاتهم في مسجد رسول الله ﷺ مستقبلين قبلتهم. ومِلَّتِهِم، وأَرْضِهِم، وغَائِبِهِم،

Original text

التعايش ومبدأ حرية المعتقد:


أكد القرآن الكريم على مبدأ حرية المعتقد، أكثر من مرة، لأهميته كمنطلق للتعايش بين الناس على ظهر هَذِهِ البسيطة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ننظر إلى توجيهات المولى سبحانه وتعالى، في كتابه العزيز؛ حيث ينهى عن الإكراه في الدين؛ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، والمولى القادر على كل شيء، ومن أمره بين الكاف والنون يعطي للناس حرية الاختيار فيقول : ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (2)، ويؤكد على أنه من مقتضيات السنن الكونية ألا يكون الناس أمة واحدة؛ فيقول سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) ، وهذا المبدأ من ثوابت الإسلام الأساسية، فمن أوائل ما أُنزِل عَلَى رَسُولِ اللَّهِ من القرآن في مكة قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ، وحَتَّى بعد أن صارت القوة للمسلمين في المدينة أكد الله هذا المعنى في قوله عز وجل : (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ )


ومن حرية الناس في معتقداتهم، احترام أديانهم وشعائرهم، حَتَّى يكون ذلك أدعى إلى احترامهم للإسلام والمسلمين، ولذلك، ينهى الإسلام عن سب غير المسلمين، أو سب آلهتهم ، يقول الله تَعَالَى : ﴿وَلَا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُوا اللَّهَ عَدْوا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَرْجِعُهُمْ فَيُتَيْتُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .
التعايش ومبدأ الاعتراف بالآخر والتحاور: حَتَّى لو كنا لا نرى صحة اعتقاده، قال تعالى: (لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ) ، وَهَذِهِ السورة في القرآن تسمى سورة الكافرون»، وابتدأها المولى سبحانه بقول قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ، ومع هذا أقر لهم بأن لهم دينهم ، فقال تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .
وهذا تجده في أبهى صوره وأفضل نماذجه، حيث يدعو القرآن إلى الإحسان في الحوار، وإن أساء الآخر، فيقول جل شأنه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ، والآية ليست دعوة للحوار البناء فحسب بل يفهم منها دعوة من لا يحسن الحوار، ولا يجد في نفسه الكفاءة العلمية، والصبر على خوض غمار التحاور، والمنصف يجد في هذا التوجيه القرآني إحساناً عظيماً إلى المخالف لا يوجد له مثيل، فالمولى سبحانه يأمر باتباع أفضل السبل، وأجمل الحديث، وأتم الأخلاق في الحوار؛ حيث جاءت الدعوة إلى الحوار بصيغة أفعل تفضيل أحسن وهي المبالغة في الحسن وبذل الجهد في إيصال المعلومة، وتقريبها للمُحاور بحيث لا يملك من جمال أسلوبك إلا الاستمتاع بحديثك سمعاً وبصراً حَتَّى تدخل من هذا الباب إلى قلبه فتنتج المحبة.


التعايش ومبدأ الإحسان إلى المخالف وبره:


من الأمور التي دعا لها الإسلام، الإحسان إلى المخالف وبره، ما لم يقاتل ويعلن الحرب؛ حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ تُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، قال ابن جرير الطبري، مرجحاً: «والأولى في ذلك بالصواب، قول من قال: عني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان، أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم ؛ لأن الله عز وجل ، عم بقوله تعالى : ﴿ لَا يَنْهَنَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ تُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾ جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال : ذلك منسوخ ؛ لأن بر المؤمن أحداً من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينهما ولا نسب غير محرم، ولا منهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح ) .


التعايش ومبدأ علو قدر الجنس البشري عند الله:


من مبادئ الإسلام، علو قدر الجنس البشري عند الباري سبحانه، مهما كان انتماؤه، أو لونه، أو عرقه، أو جنسه فهو مكرَّم من عند الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ، ومَن كرَّمه الله تَعَالَى مَنْ ذا الذي يجرؤ على امتهانه، ومن تكريم الله تعالى للإنسان بأن جعله خليفة في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ ) .
ولقد ورد في القرآن الكريم نداء الله للناس بقوله يا بني آدم» في سورة الأعراف، خمس مرات، قال تعالى: ﴿ يَنبَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ﴾ (1)، وقال سُبْحانَهُ : ﴿ يَبَنِي ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ )، وقال تَعَالَى: ﴿يَنبَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ) ، وقال سُبْحانَهُ : يَبَنِي ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ مَا يَتِي ) ، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ )، وفي هَذا إشارات، يظهر من إحلالها أن كرامة الإنسان مرتبطة بمكانة آدم ، وكرامة إنسانيته بفضل من الله سبحانه وتعالى، ويمكن قراءة ذلك من التلطف في النداء ..


العدالة في التعامل مع الناس.. وإن اختلفوا في المعتقد:


رسخ الإسلام حسن التعامل مع الناس، حَتَّى وإن اختلفوا في المعتقد، بل وإن اختصموا مع من يدينون بديننا، حيث قال المولى جلت قدرته: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وقال تعالى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ )


من أسس التعايش الدعوة إلى البحث في المبادئ والقيم المشتركة وتعزيزها:


إن من أهم الأسس البانية لمفهوم التعايش ، تعميق البحث في المبادئ والقيم المشتركة، وتعزيزها، والإعلاء من شأنها قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) ، ولقد ربَّى رسول الله ﷺ أصحابه عَلَى هَذَا المبدأ العظيم، ونرى ذلك جليا في حوار جعفر بن أبي طالب مع ملك الحبشة، وذلك عندما هاجر المسلمون الأوائل مكة إلى الحبشة، وطالبت قریش باستردادهم، حيث كان مما قاله جعفر بن أبي طالب : «أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف؛ فكنا على ذلك، حَتَّى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نَسَبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواح، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قال : فعدَّد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا تظلم عندك أيها الملك)
فقد ركز جعفر بن أبي طالب الله على القيم المشتركة من صدق الحديث، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، وغيرها من هَذِهِ القيم. ولقد عاش المسلمون في الحبشة، وتعايشوا مع واقع مجتمعي جديد، وثقافة مختلفة وفق القيم التي تجمعهم، وعدم التركيز على ما يفرق بينهم.


التعايش وتعزيز قيم العدالة ودفع الظلم:
من أسس مكارم دين الإسلام، تعزيز المبادرات التي من شأنها تعزيز قيم العدالة ودفع الظلم عن الناس، وإحياء روح المجتمع القائم على حماية الأمن والسلم المجتمعي، فرسول الله بعد أن مَنَّ الله عليه بالرسالة، وجمع قلوب الناس عليه إماماً متبعاً، وقدوة يُذكرنا بما رآه من مبادرة عظيمة في مكة في طفولته، وكانت مبادرة تحمل مكارم الأخلاق، وإنصاف المظلوم، وأخذ الحق من الظالم، قال ، بعد أن أكرمه الله بالنبوة والرسالة: «لَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي حِلْفاً فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ عُمرِ النَّعَمِ ) ، والنبي يتحدث. هنا عن. حلف الفضول، وكان ذلك بسبب رجل من زبيد اليمن، قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل، ومنعه حقه فاستعدى عليه الزبيدي أشراف قريش، فلم يعينوه لمكانة العاص فيهم، فوقف عند الكعبة واستغاث بآل فهر وأهل المروءة، فقام الزبير بن عبد المطلب فقال: ما لهذا مترك، فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وبنو تيم بن مُرَّة في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاماً، وتحالفوا في شهر حرام، وهو ذو القعدة، فتعاقدوا وتحالفوا بالله ليكونُنَّ يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حَتَّى يُرد إليه حقه، ثم مشوا إلى العاص بن وائل ، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها إليه، أبرموا هَذَا الحلف، الذي سُمِّي حلف الفضول؛ لأنَّ مَن قام به كان في أسمائه الفضل، كالفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، والفضل بن فضالة.


مبدأ التراحم والحفاظ على كرامة الإنسان وآدميته:


من غير الممكن أن نبني مجتمعاً متعايشا ، في ظل إهمال جزء كبير منه يعيش حالة البؤس، والشقاء والمعاناة ، فهَذِهِ من أهم القربات إلى الله قال رسول الله ﷺ : «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارِ ) وقال : أَنَا وَكَافِلُ اليتيم في الجَنَّةِ هَكَذَا، وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى » ، وأخرج الإمام أحمد والبيهقي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ اليتيم


احترام الرأي العام واعتباره أحد أهم مبادئ التعايش السلمي:
يُعد احترام الرأي العام واعتباره أحد أهم مبادئ التعايش السلمي بين المجتمعات، فقد علمنا رسول الله، بأعماله وأقواله حماية المجتمع من الريبة والشك، والحرص على منع كل ما من شأنه تعكير السلم المجتمعي، ومراعاة أفهام الناس، حَتَّى وإن ترتب على ذلك ترك شيء من المعروف، أو إصلاح ما فسد لما قد ينتج عن ذلك من عواقب قد تؤدي إلى فساد أعظم، نرى ذلك جلياً في قصة بناء الكعبة وهدمها، والحكمة من ترك إعادة بنائها؛ سألت عائشة، النبي عن الجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟ قال: «نعم». قلت: «فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ في البَيْتِ؟»، قال: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَت بِهِمُ النَّفَقَةِ». قلت: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرتَفِعاً؟»، قال: «فَعَلَ ذَاكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُوا، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكَ حَدِيثٌ عَهْدُهُم بِالجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُم أَنْ أُدْخِلَ الْجُدُرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ أَلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ».


الجانب العملي للتعايش في تاريخ المسلمين:


أما الجانب العملي للتعايش في تاريخ المسلمين، فالمعول في ذلك هو النظر في سيرة النبي؛ لأن الله سُبْحانَهُ وجه المسلمين باتباع هديه، وطاعة أوامره، فقال عزّ من قائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ، وإذا كان الأمر كذلك، فلننظر إلى وقائع تاريخية مهمة، تمس جانب التعايش، ويمكن اتخاذها أنموذجا ونبراساً تهتدي به البشرية. وفيما يلي نعرض بعض هَذِهِ النماذج في التعامل مع المخالف:


أولاً: التعامل مع المنافقين


كان رسول الله ﷺ يتعامل في مكة مع من لم يؤمن برسالته، وأظهر له العداء، وأذاقه وأصحابه صنوف العذاب من الإيذاء اللفظي والجسدي، والحصار الاقتصادي والاجتماعي، والتهجير القسري. ولكن عندما جاء إلى المدينة المنورة، كان في مواجهة أنواع ثلاثة من الأعداء؛ تشابكت وتلاقت مصالحهم في كراهية النبي ؛ وهم الوثنيون، واليهود، والمنافقون هم الذين أظهروا الانتماء لهذا الدين الجديد، الذي آمن به أغلب أهل المدينة، فلم يجدوا بداً من مداراة أهلهم لخوفهم من الغلبة، ولكن الإيمان لم يلامس قلوبهم، فظلوا في حيرة وتردد وخوف، والقرآن تحدث عن الناحية النفسية هَذِهِ الفئة من الناس، وتأصل عداؤهم لهذا الدين في آيات كثيرة، ليس هذا مجالها، ولكن ما يهمنا هو كيف تعامل معهم رسول الله ، مع أن الله سبحانه وتعالى قال في حقهم : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾، وآيات القرآن تتحدث عن صفاتهم الذميمة، وأخلاقهم السيئة وطباعهم التي انطوت على الباطل والسعي لنشره بين الناس، فكيف تعامل معهم رسول الله ؟


إن رسول الله ﷺ لم يستخدم يقين ربه فيقتلهم، أو يعاقبهم، بل ظل يدعو إلى قيم الدين الحنيف، ويحذر بشكل عام من صفات النفاق، وحفظ لهم دماءهم وأموالهم، وعاملهم في الظاهر بالإحسان، حَتَّى أنه لم يفضحهم بين أصحابه، حَتَّى لا يتهور أحدهم، يخبر أسماءهم إلا حذيفة بن اليمان أمين سره حَتَّى بلغ فيتعرض لهم بالسوء، ولم من إحسانه أنا ابن زعيم هذه الفئة؛ وهو عبد الله بن أبي بن سلول، حسن إسلامه وظل قريباً من رسول الله، ولم يعامله المسلمون بجريرة والده.


ويذكر لنا القرآن في غير آية، ما كانت تشكله هَذِهِ الفئة من الناس، من تهديد خطير للمجتمع المدني وإيذاء رسول الله ، فقد حكى القرآن الكريم من حالهم وشأنهم ما جاء في قول الله تَعَالَى: ﴿ يَقُولُونَ لَيْن رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَ الْأَعْزُ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ .


ثانياً: التعامل مع اليهود


إن تعامل النبي مع اليهود يمثل قمة التسامح وإنصاف المخالف. وهنا لا بد من سرد بعض النماذج الثابتة التي تعامل بها النبي مع اليهود:
فعندما قدم النبي الله المدينة، بلغه أن اليهود يصومون يوم العاشر من محرم شكراً لله على نصره الموسى السلام فقال له: «أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُم» وأمر أصحابه بصيام ذلك اليوم. ويستفاد من هَذَا أن النبي الله أراد بهذا الفعل أن يعلم الناس جميعاً، أن المسلمين أحق الناس بشكر الله على أن نصر موسى، هو نصر لهم، إذ إن رسالة الأنبياء واحدة. وأبرز بهذا صلوات ربي وسلامه عليه قيمة مشتركة بين مكونات المجتمع.
وعندما تزوج النبي بأم المؤمنين صفية بنت حيي، وكانت يهودية قبل إسلامها، وتعيير بعض نسائه بيهوديتها، قال لها: «إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٌّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيُّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيَّ».. . وفي هَذَا دلالة على أن تعيير الناس بانتمائهم ليس من الدين في شيء؛ إذ إن رسول الله يأمر زوجته بأن تباهي بأصلها وانتمائها.
وعندما مرت جنازة يهودي، قام لها رسول الله ﷺ فقيل له في ذلك فقال: «أَلَيْسَت نَفْساً).
ومن ذلك أيضًا افتقاده لغلام يهودي كان يخدمه، وعندما علم بمرضه زاره، وتأثر من حضر، عندما دعاه النبي إلى الإسلام، وهو يفارق الحياة، فنظر الشاب إلى أبيه، فقال له والده: «أطع أبا القاسم، فنطق بالشهادتين، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن النبي لم يكن يسعى إلى تحقيق مكاسب؛ فأي مكسب في عالم المادة في إسلام محتضر إلى الموت أقرب منه من الحياة، والإشارة الثانية أن مخالفة الدين لم تمنع النبي من زيارة المريض والتواصل معه.
كذلك مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وهذا دليل آخر على التعامل الحضاري مع الناس والتعايش معهم، وتبادل المنافع بين المجتمع من أهم مرتكزات التواصل والوحدة.


ومن أمثلة ذلك ، صبر النبي الله وسعة صدره مع زيد بن سعنة: «قال زيد بن سعنة: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرتُ إليه إِلَّا اثنتين، لم أُخْبَرْهُما منه ؛ يَسْبِقُ حلمه جهله، ولا تَزيدُهُ شِدَّةُ الجهل عليه إلا حلماً، قال زيد بن سعْنَةَ : فخَرَجَ رسولُ اللَّهِ يومًا مِنَ الحُجُرَاتِ، ومعه علي بن أبي طالب فأتاه رجُلٌ على راحلة كالبَدَوِيُّ ، فقال : يا رسولَ اللَّهِ ، لِي نَفَرٌ في قرْيَةِ بني فلان قَدْ أَسلَمُوا، ودخَلُوا في الإسلام، وكنتُ حدَّثْتُهم إن أسلموا، أتاهم الرزق رغداً، وقد أصابَتْهُم سَنَةٌ وشدَّةٌ وقحط من الغيث، فأنا أَخْشَى يا رسولَ اللَّهِ أن يخرجوا من الإسلام جزعاً، كما دخلوا فيه طمعاً؛ فَإِنْ رَأَيْتَ أَن تُرْسِلَ إليهم بشيء تُغيثهم به فعلْتَ، فنظَرَ إِلَى رجل إلى جانبِهِ أُرَاهُ علياً، فقال: «يا رسولَ اللَّهِ ما بقي منه شيء». قال زيدُ بنُ سَعْنَةَ: فدنوتُ إليه ، فقلتُ : يا محمد، هل لَّكَ أَنْ تَبِيعَنِي تمراً معلوماً في حائِطِ بني فلان إِلَى أَجَلٍ معلوم، إلى أجل كذا وكذا». قال : «لَا، لَا تُسَمِّي حائِطَ بني فلان»، قُلْتُ: «نعم. فبايعني، فأطلَقْتُ همياني، فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم، إلى أجل كذا وكذا، فأعطى الرجل، وقال: اعْدِلْ عَلَيْهِم وَأغثهُمْ بِهَا»، قال زيدُ بنُ سَعْنَةُ : فلما كان قبل محل الأجَلِ بيومين أو ثلاث، خرج رسولُ اللهِ ل ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، في نفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة، ودنا إلى الجدارِ لِيَجْلِسَ إليه، أتيتُه، فأخذتُ بمجامع قميصه وردائه، ونظرتُ إليه بوجه غليظ. قلتُ له: يا محمدُ أَلَا تَقْضِيني حقي، فَوَاللَّهِ ما علمتم بني عبد المطلبِ إِلَّا مُطلاً، ولقد كان لي بمخالَطَتِكُمْ علمٌ»، ونظرْتُ إِلَى عمر، وعيناه تدوران في وجهِهِ، كالفلكِ المستدير، ثم رماني ببصره. فقال: «يا عدو الله أتقول الرسول الله له ما أسمَعُ، وتصنَعُ به ما أرى. فوالذي نفسي بيده، لولا ما أُحاذِرُ فَوْتَهُ، لضربْتُ بسيفي رأسَكَ»، ورسولُ اللهِ ﷺ ينظرُ إِليَّ في سكون وتُؤَدَةٍ، فقال : يا عُمَرُ ، أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأَدَاءِ، وتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِبَاعَةِ، اِذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَأَعْطِهِ حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعَاً مِنْ تَمْرٍ مَكَانَ مَا رُعْتَهُ». قال زيد : فذهَبَ بي عمر فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعاً مِنْ تمر، فقلْتُ : ما هَذِهِ الزيادة يا عمر ؟ قال: «أمرني رسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَزِيدَكَ مكان ما رُعْتُكَ. قال : وتعرفني يا عمر . قال : لا. قُلْتُ: أَنَا زِيدُ بْنُ سَعْنَةِ. قال: الحبر؟ قلتُ: الحبر. قال: فما دعاك إلى أن فعَلْتَ برسولِ اللهِ ﷺ ما فعلت، وقلت له ما قلت. قلتُ: يا عمر، لم يكن من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفت في وجه رسول الله حين نظرتُ إليه، إلَّا اثنتين لم أَخْبَرْهُما منه؛ يَسْبِقُ حِلْمُهُ جهله، ولا تزيده شدَّةُ الجَهْلِ عليهِ إلَّا حلماً. وقد اختبرتهما، فأُشْهِدُكَ يا عمر أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً. وأشهدُكَ أَنَّ شَطْرَ مالي، فإني أكثرها مالا صدقَةً على أمةِ مُحَمَّدٍ. قال عمرُ أوْ عَلَى بَعضِهِمْ، فَإِنَّكَ لَا تَسَعُهم. قُلْتُ: أَو عَلَى بعضهم. فرجع عمر وزيد إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقال زيدٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَّا إلهَ إِلَّا اللهُ، وأشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عبده ورسوله. وآمَنَ بَهِ وصَدَّقَهُ، وبَايَعَهُ، وشهد معه مشاهد كثيرة، ثم تُوُفِّيَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مُقْبِلاً غيرَ مُديرٍ رَحِمَ اللَّهُ زيداً».


ثالثاً: التعامل مع النصارى


لقد ضرب النبي وهو الأسوة الحسنة أروع الأمثلة في قبول الآخر واحترامه واحترام الشعائر والطقوس الدينية في تعامله مع النصارى، فعن محمد بن جعفر بن الزبير، لما قَدِمَ وفد نجران على رسول الله له دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله ﷺ: «دَعُوهُم»، فَاسْتَقْبَلُوا المَشْرِقَ، فَصَلُّوا صَلَاتَهُم. ولا يتصور نموذج أعظم في التسامح، من أن يقيم النصارى صلاتهم في مسجد رسول الله ﷺ مستقبلين قبلتهم.


ولقد جاء في كتاب رسول الله لأهل نجران: «وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتَهُم جِوَارُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى أَنفُسِهِم، ومِلَّتِهِم، وأَرْضِهِم، وَأَمْوَالِهِم، وغَائِبِهِم، وشَاهِدِهِم، وبِيَعِهِم، وصَلَواتِهِم لا يُغَيِّرُوا أُسْقُفاً عَن أُسْقِفِيَّتِهِ، وَلَا رَاهِباً عَن رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلَا وَاقِفاً عَن وَقْفَانِيَّتِةِ».


لقد قربت التقنيات الحديثة المسافات بين الناس اليوم، وبلغ التواصل ذروته، وهو في ازدياد مطرد لا يعلم مداه إِلَّا الله تعيش الإنسانية اليوم في عالم كاد أن يؤسس قيماً كونية، تحتم عليهم التفاعل معها، وفق القيم العظيمة التي جاء بها ديننا الحنيف ومن أعظم هذه القيم وحدة الأصل البشري؛ فقد ورد في خطبة النبي في حجة الوداع: «يا أيها النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُم وَاحِدٌ ، وَإِنَّ أَبَاكُم وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٌّ عَلَى عَجَمِيٌّ، ولا لِعَجَمِيٌّ عَلَى عَربِيٌّ، ولَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى»، فالإساءة والإضرار والظلم، لإنسان واحد، هو إضرار بالنفس؛ باعتبار الأصل والأخوة، وهو إضرار للإنسانية كلها ، قال عَزَّ وَجَلَّ: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسرائيل أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ )


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

السلام عليكم مو...

السلام عليكم موضوع المحاضرة اليوم بعنوان كردستان الكبرى تُعَدّ قضية كردستان الكبرى من القضايا التاري...

محفوظ كان يتكل...

محفوظ كان يتكلم في تليفون الدُكان بصوت مُرتفع، يُسمَع صوتُه رغم ضوضاء شارع الجيش الصاخب، وجعل يميل ...

اكلت البطاطا فس...

اكلت البطاطا فسمعت فقلت الحمد لله فدعبت الى المصلى فصليت عدت الى المنزل اخذت المدرسه وقلت الحمد لله ...

البيداغوجيا الل...

البيداغوجيا اللعبية المطبقة على المهارات السلوكية والتقنية تطبيقات في تكوين مصلحي مركبات السيارات مق...

كشفت صحيفة الغا...

كشفت صحيفة الغارديان البريطانية، في تقرير نشره محررها الدبلوماسي باتريك وينتور، عن مساعٍ لتقريب وجها...

لاحظتُ وجود بعض...

لاحظتُ وجود بعض الطلاب الجدد الذين لم يتم تسجيلهم وقيدهم في المدرسة، مما أدى إلى تأخر انتظامهم في ال...

وسعت مليشيات ال...

وسعت مليشيات الحوثي التابعة لإيران، اليوم الثلاثاء، نطاق هجماتها وتحركاتها العسكرية على عدة جبهات يم...

يشير هوس الهوات...

يشير هوس الهواتف الذكية إلى تحديات أخلاقية ومدنية، حيث يحول المواطن إلى مستهلك ويقلل من العلاقات الإ...

أستاذ في الدراس...

أستاذ في الدراسات الأمنية النقدية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، ومدير وحدة الدراسات الاستراتيجية بال...

Mr. Salehs diag...

Mr. Salehs diagnosis of Chronic Obstructive Pulmonary Disease (COPD) is primarily driven by a combin...

تمكّن فريق بحثي...

تمكّن فريق بحثي متخصص في علوم الحيوان بجامعة عدن من توثيق ظهور نوع خطير من الرخويات بطنية القدم يُعر...

تُعدّ سورة يوسف...

تُعدّ سورة يوسف من السور المكية الفريدة التي نزلت كاملة في سياق واحد1. الآية الأولى: ﴿الر تِلْكَ آيَ...

Tech news