Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (50%)

للمعاني قيمة كبرى في الأدب، وفي بعض أنواع الأدب يكون لها أكبر قيمة ككتب التاريخ الأدبية وكتب النقد والحكم والأمثال فالغرض الأول منها ليس هو اللذة وإنما هو المعاني وليست إثارة العواطف فيها بالمنزلة الأولى، وإذ ذاك يجب في أداء هذه المعاني أن تكون: ففي الكتب التاريخية والنقدية وفي الأمثال والحكم يجب أن تعطينا من الحقائق أكثر وأن تستعمل في أدائها أوضح المسالك حتى يسهل وموضع تفصيل هذه المسائل الثلاث وكيفية الوصول إليها أليق بعلم البلاغة وإنما تعد هذه الفروع الثلاثة التي تعتمد أكثر ما يكون على عنصر العقل أدبية بمقدار يختلفون في هذه المقدرة اختلافا كبيرا كاختلافهم في العواطف والخيال، وتكون كأنها تقويم أو أخبار محلية أو مجرد تعداد، تعد أدبًا إنما تعد مادة خامة للأدب، حتى في هذا القسم ليست الحقائق والمعاني فيه قليلة القيمة، وفي الفصول السابقة رأينا أن العواطف إنما تكون صحيحة سليمة إذا كانت

  • يجب أن يقاس أيضًا إلى درجة كبيرة بما فيه من معان ترتكز عليها وكما قال كارلايل: «إن الشاعر الذي يجلس على العميقة التي تتعلق بحياة الناس وبما للناس من عقائد ونظرات في الحياة في العصور الأدبي تكبر بما فيه من عمق في المعاني وكثرة في الحقائق. ويجب أن يلاحظ أنه في الأدب من هذا النوع ليس من الضروري أن يكون ما فيه من المعاني والحقائق جديدًا كما هو الشأن في العلوم الأخرى، فإنا لا نقرأ كتابا في التاريخ أو في أي علم إذا كنا نعلم ما فيه من قبل. تكون فيه الحقائق التي تضمنتها القطعة الأدبية معروفة، أو نوع الشعور بها وإعمال الخيال فيها حتى تخرج كأنها جديدة، ويهيج بها عواطف الناس، ويجعلهم يشعرون بها أكثر مما كانوا يشعرون من قبل، ولا تكاد تجد كتابًا أدبيًا أسس كله على حقائق جديدة لم تكن معروفة من قبل أو على فإذا حاول الأديب أو الشاعر أن يفعل ذلك لا يمكن أن الأديب أن يجعلنا نشعر بهذه الحقائق لا أن نعلمها، وهذه الحقائق والمعلومات الشائعة هي التي تكون أكثر ما في الأدب من حقائق، وإنه ليعد أديبًا كبيرًا من استطاع أن يجعلنا نشعر بهذه الحقائق شعورًا تاما، مشاعرنا نحو الحياة الإنسانية ويحملنا على العمل على وفقها. واعتبر ذلك في أدبنا قبيل عصرنا فقد كان يكاد يكون خلوا من المعاني القيمة، وكان عماده كله على السجع والمحسنات البديعية، وكان المثل الأعلى له مقامات الحريري، فعد لذلك أدبا تافها قليل القيمة إلى أن رزقه الله بأدباء جدد أطلقوه فعد هذا نهضة قوية، وقُوم الأدب الحديث أكثر مما قُوم الأدب الذي قبله، كأدب المويلحي والمنفلوطي والشيخ على يوسف وأمثالهم. فإذا نحن قارنا بين كتابة ابن إياس في بدائع الزهور أو الجبرتي في تاريخه أو البكري نكاد نقول: إن هناك فرقًا كبيرًا بين كتابات الشيخ محمد عبده في أول عهده بالكتابة الأدبي وهو أن كُتابًا تعلقوا بالنمط القديم فالتزموا السجع أو المزاوجة ومارسوها في التي تُعنى بالمعاني أكثر مما تُعنى بالألفاظ وبالجوهر أكثر دون العرض؛ حد نشترط في هذه المعاني أن تكون حقة وصحيحة؟ كم نشترط في المعاني أن تكون جديدة، وصحيحة بأدق معنى الكلمتين؟ ألسنا نرى كثيرًا من الشعر الراقي أو القصص الراقي قد أسس على نظر إلى الحياة مخطئ أو على آراء باطلة؟ يقول بعض الناقدين: إن المعاني في الشعر لا تقاس بصحتها ولكنها تقاس بمطابقتها لغرض الفن؛ وذلك ككثير من شعر أبي قصيدة ابن سينا العينية التي أسست على أن الإنسان كان في عالم قبل هذا العالم عالما صحيحة من حيث صدق دلالتها على ما شعر به هذان الشاعران. والحق أن ما كان من الأدب غير مؤسس على حقائق صادقة ليس ذا قيمة كبيرة، وما عُدّ منه أدبًا إنما عُدّ أدبًا لاستيفائه عناصر أخرى من عناصر الأدب، وشأن الأدب في هذا شأن كل فن، فنحن لا نقوم القطعة الأدبية قيمة كبيرة ما لم تمثل لنا ناحية حقة من حياتنا الإنسانية وهذا يسلمنا إلى موضوع آخر وهو: إلى أي حد يجب أن يصور الأدب الحياة يجب يخرج ا الأدب كثيرًا عن تصوير حياتنا كما نحياها؟ وهذا السؤال وانقسم الباحثون فيه إلى مذهبين مذهب الواقع ومذهب الكمال، فمذهب الواقع يرى أن الفن إلى تقليد الطبيعة كما أو على الأقل إلى القرب ومذهب الكمال يرى أن الفنان إذا أراد أن يقلد الطبيعة يجب أن لا يقلدها تقليدًا تاماً بل يتصور الكمال فيها ويخرجها إلى الوجود مازحًا فيها الواقع ويخرجها إلى الناس مترجمًا بها عما في نفسه، فهو يرى أن عمل الفن أن يمثل المناظر فالمذهب الكمالي يرى أن الفنان تملكه العاطفة فيحولها إلى قوة عاملة فيمثل الشيء لا كما هو ولكن كما يتخيله كاملًا. وعلى الأساس الثاني وضع بعض الكتاب كتبهم في المدن الفاضلة أو كما يسميه سار العالم على المبدأ الواقعي وحده ما تقدم منذ كان آدم، فالواقعي في الأدب يرى أن حقائق الطبيعة الإنسانية تصور خير تصوير بالأحوال العادية التي تجري بيننا كل يوم لا بالأحوال الشاذة النادرة وغرض الأديب الواقعي أن يخرج لنا صورة الحياة كما نراها ونلحظها في حياتنا المألوفة، وهو يرى أن هذا النوع من الأدب إنما وقصة عنترة فهي تثير ويرى هذا الواقعي | أن الحياة كما نحياها وما فيها من حقائق نجريها ونعلمها هي وأن هناك نوعا من الأدب راقيًا بل يجب أن يفسح له في الخيال فلنبين هذا من المسلم به أن الفن علاقته فالروائي لا بد أن يخرج عن تمثيل الحادث الذي وقع في الخارج تماما إلى شيء من التنقية والتصفية، ليس غرضه أن يخبرك بكنه الأشياء، ولكن غرضه أن ينقل لك ما أثر الشيء في الفنان، وهذا بعينه هو الذي ينطبق على الأدب، فالأديب إذا تعرض لوصف الأعمال أن الأشخاص أو المشاعر لا يصفها كما هي في الخارج بل كما أثرت فيه. بل قد يتأثر كل بناحية فهو لا يخرج الشيء كما هو في الخارج، هي في الواقع، فالأديب يشعر بها ويخرج أثره الفني ممزوجا بهذا الشعور. ولكن ليس كل شيء يفعله الإنسان أو يقوله أو يفكر فيه يصح أن يكون موضوعًا للأدب؛ بالكمال، وبما فيها من شعور وعاطفة تثير مشاعر القارئ أو السامع. ويسبح فيما يوحيه إليه الشيء . وأحيانًا نستعمل كلمة الواقع في مقابلة رومانتيك، أما الرومانتيك فيستمد حقائقه من الغرائب والشواذ وكل أثر من الآثار الأدبية الكبرى فيه الصبغتان، ذلك أنه يكشف الحقائق التي لها قوة على وهذا هو الجانب الكمالي. التي تؤدي إليها ملاحظاتنا في أمانة وإخلاص وهذا هو الجانب الواقعي. فقلّ أن نعد قطعة ذات وبعض من الشعراء يفضل آخرين لأن الأولين أذهب في الكمال، ولا رفعة لعالمهم. ويمثلها كما الأدب (وذلك واضح في الشعر يبدأ بتصوير الواقع ممزوجا بالخرافات والتقاليد، وفوق ذلك استطاع


Original text

عنصر المعاني في الأدب
للمعاني قيمة كبرى في الأدب، وفي بعض أنواع الأدب يكون لها أكبر قيمة ككتب التاريخ
الأدبية وكتب النقد والحكم والأمثال فالغرض الأول منها ليس هو اللذة وإنما هو المعاني
والحقائق، وليست إثارة العواطف فيها بالمنزلة الأولى، وإنما المنزلة الأولى فيها للإخبار
بالحقائق وأداء المعنى. وإذ ذاك يجب في أداء هذه المعاني أن تكون:
(۱) غزيرة فياضة.
(۲) دقيقة.
(۳) واضحة.
ΕΛ
عناصر الأدب
ففي الكتب التاريخية والنقدية وفي الأمثال والحكم يجب أن تعطينا من الحقائق أكثر
ما تستطيع، وأن تؤديها في دقة، وأن تستعمل في أدائها أوضح المسالك حتى يسهل
فهمها، وموضع تفصيل هذه المسائل الثلاث وكيفية الوصول إليها أليق بعلم البلاغة
وإنما تعد هذه الفروع الثلاثة التي تعتمد أكثر ما يكون على عنصر العقل أدبية بمقدار
ما يستطيعه الكاتب من مزج المعاني الدقيقة الواضحة بالعواطف والمشاعر، والناس
يختلفون في هذه المقدرة اختلافا كبيرا كاختلافهم في العواطف والخيال، فإذا استطاع
الكاتب أن يشع على ما عنده من معان وحقائق حرارة من عاطفته، وحيوية من خياله
كانت كتابته راقية مؤثرة حية قوية وإذا عدم الكاتب هذه المقدرة خرجت كتابته كأنها
سرد الحقائق، وتكون كأنها تقويم أو أخبار محلية أو مجرد تعداد، وبذلك لا يصح أن
تعد أدبًا إنما تعد مادة خامة للأدب، أو مادة علمية إذا كانت حقائقها علمية.
أما إن نحن نظرنا إلى ما يعد أدبا صرفًا كالشعر والقصص، أعني ما كان القصد
الأول منه إثارة العواطف، فمراعاة المعاني والحقائق فيه أمر ثانوي، ونحن نرى أنه
حتى في هذا القسم ليست الحقائق والمعاني فيه قليلة القيمة، بل يجب أن تعد من
مقوماتها. وفي الفصول السابقة رأينا أن العواطف إنما تكون صحيحة سليمة إذا كانت
مؤسسة على أساس صحيح، وهذا الأساس هو الحقائق والشعر – وهو أكبر مثل في
الأدب الصرف. - يجب أن يقاس أيضًا إلى درجة كبيرة بما فيه من معان ترتكز عليها
العواطف، وأكبر الشعراء قوم صح حكمهم واتسعت تجاربهم في الحياة، وكان لهم علم
عميق بكثير من الأشياء التي تحيط بهم، وكما قال كارلايل: «إن الشاعر الذي يجلس على
كرسيه يتمطى ثم يخرج قطعة الشعر لا يستحق شعره أن يقرأ.» وفي الحق أن الحقائق
العميقة التي تتعلق بحياة الناس وبما للناس من عقائد ونظرات في الحياة في العصور
المختلفة إنما تقرأ في الشعر أكثر ما تقرأ في كتاب آخر. ويقول بعض النقاد الإنجليز:
إن شكسبير أفادهم في الحياة الإنسانية أكثر مما أفادتهم الفلسفة، وإن تنسون وبراون
وماتيو أرنولد أفادوهم عن عصر فكتوريا أكثر مما أفادهم المؤرخون.» فلنا الحق إذا
رأينا أي أثر أدبي أن نتساءل: ما معانيه؟ ما الحقائق التي يشتمل عليها؟ وسنجد أنه
لا يحق أن يسمى أدبا إلا ما كان له حظ من أفكار راقية ومعان سامية، وأن قيمة الأثر
الأدبي تكبر بما فيه من عمق في المعاني وكثرة في الحقائق.
ويجب أن يلاحظ أنه في الأدب من هذا النوع ليس من الضروري أن يكون ما فيه
من المعاني والحقائق جديدًا كما هو الشأن في العلوم الأخرى، فإنا لا نقرأ كتابا في التاريخ أو في أي علم إذا كنا نعلم ما فيه من قبل. ولكن في الأدب لا نتطلب ذلك، فيصح أن
تكون فيه الحقائق التي تضمنتها القطعة الأدبية معروفة، ولكن الجديد فيها صياغتها
أو نوع الشعور بها وإعمال الخيال فيها حتى تخرج كأنها جديدة، فكثير من الروايات
المؤلفة حقائقها التاريخية أو وقائعها معروفة، ولكن الأديب استطاع أن يخرجها بحلة
جديدة حتى كأن معانيها جديدة.
ويوسع
وليست وظيفة الأديب أن يعلم الحقائق. إنما وظيفته أن ينتفع بالحقائق المعروفة،
ويهيج بها عواطف الناس، ويجعلهم يشعرون بها أكثر مما كانوا يشعرون من قبل،
ولا تكاد تجد كتابًا أدبيًا أسس كله على حقائق جديدة لم تكن معروفة من قبل أو على
معان معروفة للخاصة فقط، فإذا حاول الأديب أو الشاعر أن يفعل ذلك لا يمكن أن
يعرف إلا عند طبقة خاصة قليلة، ولم يستطع أن يكون شاعر أمة أو شاعر شعب.
وقد حاول بعض الأدباء ذلك فلم يعترف لهم بالأدب إلا في أوساط خاصة، وكما قال
بيرك: ليس هناك مكتشفات كبيرة في الطبيعة الإنسانية. والحقائق التي ترتكز عليها
حياتنا تكاد تكون معروفة للناس جميعًا، فلسنا في حاجة إلى تعلمها، وقد تعلمناها من
قبل لأنها ليست إلا تطبيقًا لإدراكاتنا الغريزية على تجاربنا في الحياة العادية.» وعمل
الأديب أن يجعلنا نشعر بهذه الحقائق لا أن نعلمها، وأن يستخرج منا الانفعالات التي
تناسبها، وهذه الحقائق والمعلومات الشائعة هي التي تكون أكثر ما في الأدب من حقائق،
وإنه ليعد أديبًا كبيرًا من استطاع أن يجعلنا نشعر بهذه الحقائق شعورًا تاما،
مشاعرنا نحو الحياة الإنسانية ويحملنا على العمل على وفقها.
واعتبر ذلك في أدبنا قبيل عصرنا فقد كان يكاد يكون خلوا من المعاني القيمة،
وكان عماده كله على السجع والمحسنات البديعية، وكان المثل الأعلى له مقامات الحريري،
والعماد الأصفهاني، فعد لذلك أدبا تافها قليل القيمة إلى أن رزقه الله بأدباء جدد أطلقوه
أغلاله وزودوه بالمعاني العميقة، فعد هذا نهضة قوية، وقُوم الأدب الحديث أكثر
مما قُوم الأدب الذي قبله، كأدب المويلحي والمنفلوطي والشيخ على يوسف وأمثالهم.
فإذا نحن قارنا بين كتابة ابن إياس في بدائع الزهور أو الجبرتي في تاريخه أو البكري
في صهاريج اللؤلؤ وبين هؤلاء الذين ذكرناهم وجدنا فرقًا واسعًا ونهضة مباركة، بل
نكاد نقول: إن هناك فرقًا كبيرًا بين كتابات الشيخ محمد عبده في أول عهده بالكتابة
وكتابته في آخره تبعًا لروح العصر وروح النهضة، واعتبر أيضًا بما حدث في تاريخ مصر
الأدبي وهو أن كُتابًا تعلقوا بالنمط القديم فالتزموا السجع أو المزاوجة ومارسوها في
كل كتاباتهم فغلبهم الزمن، وكادت تندثر مدرستهم على حين أنه أيد المدرسة الجديدة
التي تُعنى بالمعاني أكثر مما تُعنى بالألفاظ وبالجوهر أكثر دون العرض؛ وسارت في
طريقها سيرًا حثيثا بينما تخلفت مدرسة مقلدي الأقدمين.
وهنا يصح
أن نثير سؤالا آخر وهو: إلى أي . حد نشترط في هذه المعاني أن تكون
حقة وصحيحة؟ كم نشترط في المعاني أن تكون جديدة، ولكن هل نشترط أن تكون حقة
وصحيحة بأدق معنى الكلمتين؟ ألسنا نرى كثيرًا من الشعر الراقي أو القصص الراقي
قد أسس على نظر إلى الحياة مخطئ أو على آراء باطلة؟
قد اختلف الناقدون في الإجابة على هذا السؤال؛ فالأكثرون على اشتراط هذا الشرط،
والأقلون على عدم اشتراطه. يقول بعض الناقدين: إن المعاني في الشعر لا تقاس بصحتها
من الناحية الفلسفية، ولكنها تقاس بمطابقتها لغرض الفن؛ وذلك ككثير من شعر أبي
نواس الذي يرى أن الحياة خلقت ليتمتع فيها الإنسان بالخمر والنساء والغلمان، وفي
قصيدة ابن سينا العينية التي أسست على أن الإنسان كان في عالم قبل هذا العالم عالما
بكل شيء، فلما هبطت نفسه إلى الأرض واتصلت بالجسم نسي ما كان يعلمه، وما يعلمه
الإنسان بالغريزة وما يعلمه باللقانة إنما منشؤهما تذكر ما كان فيه قبل أن يحل في
عالمنا هذا، فإن هذين النموذجين من الأدب ينطبقان على حقائق لم تثبت صحتها، ولكنها
صحيحة من حيث صدق دلالتها على ما شعر به هذان الشاعران.
والحق أن ما كان من الأدب غير مؤسس على حقائق صادقة ليس ذا قيمة كبيرة،
وما عُدّ منه أدبًا إنما عُدّ أدبًا لاستيفائه عناصر أخرى من عناصر الأدب، وكان يكون
أتم لو اشتمل على هذا العنصر أيضًا. وشأن الأدب في هذا شأن كل فن، فالفنان على
العموم يجتهد أن يرى الحقيقة ويريها الناس، وأن يظهر حقائق الأشياء وبواطنها،
وهذا صحيح مهما بعد الخيال، ومهما كانت أشخاص القطعة الأدبية جنَّا أو ملائكة،
فنحن لا نقوم القطعة الأدبية قيمة كبيرة ما لم تمثل لنا ناحية حقة من حياتنا الإنسانية
هي أو كما يجب أن نكون
وهذا يسلمنا إلى موضوع آخر وهو: إلى أي حد يجب أن يصور الأدب الحياة
الواقعية؟ هل ألا
يجب يخرج ا الأدب كثيرًا عن تصوير حياتنا كما نحياها؟ وهذا السؤال
أثير في كل فن تقريبًا، وانقسم الباحثون فيه إلى مذهبين مذهب الواقع ومذهب الكمال،
فمذهب الواقع يرى أن الفن إلى تقليد الطبيعة كما أو
هي،
على الأقل إلى القرب
منها جهد المستطاع، ومذهب الكمال يرى أن الفنان إذا أراد أن يقلد الطبيعة يجب أن لا يقلدها تقليدًا تاماً بل يتصور الكمال فيها ويخرجها إلى الوجود مازحًا فيها الواقع
بتصوراته وعواطفه. يحاكي الطبيعة ولكن يعد لها ويختار من الأشياء ويوفق بينها
ويخرجها إلى الناس مترجمًا بها عما في نفسه، فهو يرى أن عمل الفن أن يمثل المناظر
الأصلية أو الأخلاق الفاضلة أو الآراء العظيمة بخير مما هي في الواقع فيجعلها أعظم
تأثيرًا في العقول من حقيقتها، فالمذهب الكمالي يرى أن الفنان تملكه العاطفة فيحولها
إلى قوة عاملة فيمثل الشيء لا كما هو ولكن كما يتخيله كاملًا.
وعلى الأساس الثاني وضع بعض الكتاب كتبهم في المدن الفاضلة أو كما يسميه
الإفرنج (اليوتوبيا) وقد نقدوا الحياة الواقعية من جملة نواح ولم يعجبهم النظام
الحاضر، فتخيلوا عالما خلا من كل هذه العيوب التي يشكون منها، ورسموا عالما مثاليًّا
كاملا منزهًا من كل عيب، وما كانوا يستطيعون ذلك لو ساروا على المبدأ الواقعي. ولو
سار العالم على المبدأ الواقعي وحده ما تقدم منذ كان آدم، ولعاش عيشة الحيوان،
يعيش اليوم كما عاشت أجداده.
هذا البحث بحث في الأدب، فالواقعي في الأدب يرى أن حقائق الطبيعة الإنسانية
تصور خير تصوير بالأحوال العادية التي تجري بيننا كل يوم لا بالأحوال الشاذة النادرة
وغرض الأديب الواقعي أن يخرج لنا صورة الحياة كما نراها ونلحظها في حياتنا المألوفة،
ويكره الحياة الرومانتيكية التي لا تمثل قوانين الحياة بل تمثل شذوذ الحياة، وكما هو
الشأن في حياة مجنون ليلى أو ذات الكاميليا. وهو يرى أن هذا النوع من الأدب إنما
يلذ الناس الذين هم في حالة عقلية خاصة، كقصص العفاريت، وقصة عنترة فهي تثير
العجب عند الأطفال ومن في درجتهم، ولكن لا تكون غذاء صالحًا لمن نضجت عقليتهم.
ويرى هذا الواقعي | أن الحياة كما نحياها وما فيها من حقائق نجريها ونعلمها هي
مقياس الأدب الصحيح.
ولكن لا ننكر أن للخيال كذلك قيمة كبرى في الأدب، وأن هناك نوعا من الأدب راقيًا
كالشعر لا يمكن أن يحصر في حدود الواقع، بل يجب أن يفسح له في الخيال فلنبين هذا
الواقع بالخيال.
كما


بحكم طبيعته


من المسلم به أن الفن علاقته
لا يستطيع أن يصور الحقائق
... خذ مثلا لذلك الحياة
تصويرًا تامًا، بل لا بد أن يخرج عنها قليلًا أو كثيرًا
هي
الحديثة في الرواية، فالروائي لا بد أن يخرج عن تمثيل الحادث الذي وقع في الخارج
تماما إلى شيء من التنقية والتصفية، وأيضًا الفنان على العموم لا يصح أن يسرد الحقائق كلها، ويقلد الحياة تقليدًا دقيقًا لأن غرض الفن ليس أن يقلد ولكن أن يوعز ويوحي .
ليس غرضه أن يخبرك بكنه الأشياء، ولكن غرضه أن ينقل لك ما أثر الشيء في الفنان،
وهذا بعينه هو الذي ينطبق على الأدب، فالأديب إذا تعرض لوصف الأعمال أن الأشخاص
أو المشاعر لا يصفها كما هي في الخارج بل كما أثرت فيه.
وهنا يجب أن ننبه إلى شيء هام وهو أن الأديب والفنان على العموم لا يستطيعان
أن يقصا تفاصيل الشيء جميعها، إنما يتخيران منها ما يعدانه موضع التأثير، وبهذا
يختلف الفنانون، فإن الأشياء لا تقع في نفوسهم موقعًا واحدًا، بل قد يتأثر كل بناحية
غير التي يتأثر بها الآخر فيخرجها كلٌّ كما تأثر بها، وهذا ما يصبغ فنه بالكمالية، فهو
لا يخرج الشيء كما هو في الخارج، ولكن كما يتصوره ويتخيله ويتأثر به، فكثير من
الأشياء كغروب الشمس في البحر، ومنظر البحر يوحي إلينا معاني من الجمال أكثر مما
هي في الواقع، فالأديب يشعر بها ويخرج أثره الفني ممزوجا بهذا الشعور.
قلنا: إن موضوع الأدب هو الحياة الإنسانية، ولكن ليس كل شيء يفعله الإنسان أو
يقوله أو يفكر فيه يصح أن يكون موضوعًا للأدب؛ لأن هناك فرقا بين العلم والأدب،
فالعلم يريد أن يعلم كل حقيقة، ويريد أن يوضح ويصنف كل شيء، ولكن الأدب فن
غرضه الأول أن يثير العاطفة فيجب أن يختار منها ويوفق بين ما يختار خاضعا لما
استكشف من قوانين الجمال. وخير للأديب أن يمزج ما يختاره بتخيلاته ومشاعره
ومثله العليا من أن يعرض علينا كل شيء يقع تحت حسه وهو بذلك يمزج الواقع
بالكمال، والأديب في هذا واقعي كمالي معًا والقطعة الأدبية إذن تقاس بما فيها من
معان وحقائق، وبما فيها من شعور وعاطفة تثير مشاعر القارئ أو السامع.
أما الكمالي فيميل إلى أن يتعمق في باطن الشيء، ويسبح فيما يوحيه إليه الشيء .
وأحيانًا نستعمل كلمة الواقع في مقابلة رومانتيك، ويقصدون بالواقع حينئذ استنتاج
الحقائق من الحياة العادية المألوفة، أما الرومانتيك فيستمد حقائقه من الغرائب والشواذ
وأعمال البطولة - والحق أن الأدب في حاجة إلى أن يلون بالواقع والكمال معا، وكل
أثر من الآثار الأدبية الكبرى فيه الصبغتان، ذلك أنه يكشف الحقائق التي لها قوة على
التأثير في نفوسنا ويوحي إلينا بالمعاني ويرفعنا فوق مستوى التجارب اليومية الخالية
من الروح، وهذا هو الجانب الكمالي. وفي الوقت عينه يؤدي حقائق الحياة الخارجية
التي تؤدي إليها ملاحظاتنا في أمانة وإخلاص وهذا هو الجانب الواقعي.
وعنصر الكمال في الأدب له من غير شك قيمة كبيرة، فقلّ أن نعد قطعة ذات
قيمة كبيرة في الأدب ما لم توح إلينا بحياة خير من حياتنا الواقعية، وتبعثنا على تعمق
النظر في الحياة، أو ترفعنا إلى مستوى أرقى من مستوانا في الحياة العادية، وبعض من
الشعراء يفضل آخرين لأن الأولين أذهب في الكمال، أو لأن الآخرين عواطفهم خفيفة
الوزن، يدعون مثلاً إلى إرواء شهواته المادية ويوجهون الناس في شعرهم إليها، وأفكارهم
وآراؤهم واضحة، ولكنها محدودة ضيقة، وأرضية لا سماوية، ولا يكادون يلمسون عمقًا
ولا رفعة لعالمهم.
حقًا إن الواقعي يمثل حقائق العالم كما هي، ولكنه كالمصور يبدأ يلاحظ الطبيعة،
ويمثلها كما
هي، غير أنه ينقصه في الوقت عينه تصوير المعنى الروحي للمنظر. كذلك
الأدب (وذلك واضح في الشعر يبدأ بتصوير الواقع ممزوجا بالخرافات والتقاليد، وكلما
تقدم في الفن كسب قوة على تصوير الحقائق مجردة من الخرافات، وفوق ذلك استطاع
أن يرينا معاني الحقائق وروحها، فالواقع يمثل الحقائق كما هي، والكمال يرقى
بالمجتمع فيمثل مجتمعًا راقيًا، وبعبارة أدق الواقعي يمثل الحياة عادية، والكمالي يمثل
الحياة لها غايات خاصة يرمي إليها.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...

يُمثل الفضاء ال...

يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...

The study deals...

The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...

فقد هدفت دراسة ...

فقد هدفت دراسة () الي سهولة استخدام استخدام بيئة تعليم إلكتروني مُدمجة بمقاطع فيديو للغة الإشارة، وع...

قادة الشباب في ...

قادة الشباب في مجال المناخ يلتقون وزير الشباب قبيل مشاركتهم في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP...

‏المدير العام ي...

‏المدير العام يترأس اجتماعا مع اللجان الاستشارية لبحث تطوير الخدمات الطبية التخصصية والاستقدام الطبي...