الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

طال الشتاء فلم أعُد قادرةً على الانتظار، وربطتُ رأسي بمنديلي الصوفي، ونزلتُ إلى الشوارع أقطعها ، وعندما تفشلُ عَيناي في رؤية شيء على الفروع الجافة، بل مجرد عقدة على فرع جافٌ، ولكنني كُنتُ واثقةً أنني سأجدها، أقصد الكرويات الصلبة الدقيقةَ الّتي يخدّعُك لونُها في البداية فتظنُّها لا شيء، ولكنك لو دَقْتَ النظر وجدتها كرويةً، وَرمادَها ليسَ رماديًا، وتكشف لك عنْ أخضرها الكامن. كُنتُ أبحث عنها عندما رآني ذلك الزميلُ، ماذا تفعلين في الشارع في هذا البردِ الشَّديدِ، أذكرُ بوضوح أن صوتَهُ كانَ ضاحكًا، وفي نهاية يوم قضيته أبحثُ عُدْتُ إلى بيتي خائبةً، أتساءَلُ إلى متى؟ ساعتها تذكَّرْتُ زهرة الصبار التي حَمَلَتْها لي عمّتي فاطمة من البلد، وكنتُ قد وضعتها بجوار الباب ونسيتها، قُلْتُ لنفسي: لابد أنها ماتَتْ، فأنا لم أَسْقِها منذ عدة شهورٍ، وطال ، تتفرّعُ من السَّاقِ عريضةً، وتتفتّح إلى الأسفل رفيعةً وَمُديِّبةً، أملوه بالطين، وأروي. - ماتَ ابنُ عمكِ يا فوزية. فلما أكدوا الخبر طلبت منهم أن ينتظروا كي أصحبَهُمْ لتقديم واجب العزاء. وأملأ علبة فارغةً بالطين، وَقُلْتُ: الآن بإمكاننا أن نذهب. وسمعتهم يقولونَ: جنَّتْ فوزيَّةُ، ويعرفُ، فنحنُ فلاحون، صحيح أنَّ النساءَ في عائلتنا الصعيدية لا يخرجن إلى الحقول للفلاحة، ولكن الفلاحة هي حياتُهُنَّ التي يفتَحْنَ عيونَهُنَّ عليها ، وَيَعْمَضْنَ ساعةَ الموتِ عيونَهُنَّ عليها أيضًا، وأنا أذكرُ أنَّ بيتنا في القرية كانَتْ على سطحِهِ نعناعةُ، أَنعَمَ اللَّهُ بها على عِبادِهِ، وَكرمها بذكرها في القُرآنِ، وإنَّ النّبي - صلواتُ اللهِ عليهِ- قال: "أكرموا عَمّاتِكُمُ النَّحْلَ" ، خُلِقَتْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثى، كعقل الإنسان في رأسِهِ، وإطعام الدّجاج، وأنْ أسقي النعناعة، وعندما كُنْتُ أنسى - كُنتُ دائما على عجلة من أمري، هذا فَأَلَّ سَيِّ، ولا في عُمرِها، حتَّى أَخَوَايَ ذهبا ، وَكُلَّ شَيءٍ. جاءَتْ عمتي فاطمة لزيارتي، وَجفَّتْ صَبَارَتُهُ، وتربعَتْ على البساط الأسيوطي، قالَتْ : " أَحَضَرْتُ لَكِ رِعْفَانًا خَبَزْتُهَا، وَتَمَرًا مِنْ نخلة أبيكِ، وَكَسَرْتُ لكِ فرعًا مِنَ الصَّبَارَةِ التي في دارنا"، ومدت عمتي لي يدها بالصبارة، رَبُّنَا يُبَارِكُ فِيكِ يا فوزيَةُ، ذَكَرَتْني عمّتي، يتهامسون وراء ظهري، وذات مرة، إنه طينٌ مُتَخَلَّفُ مِنَ الزّرعِ الَّذِي أزرعُهُ". لا يليقُ أبدًا، وأنتِ موظفة". وَنسجَ العنكبوتُ خيوطه في الزوايا، وَعَشَشَتْ فِيهِ الحشراتُ، وأنا واثقة أن الفئرانَ لها جحورٌ فيه تتركها في المساء والليلِ، يصعب معرفة لونها الأصلي، وحتى المساحةُ المُستطيلة التي أمامَ المبنى، فلا نستطيع دخول المبنى أو الخروج مِنْهُ إِلَّا بالسِّيرِ الحَذِرِ على خمسةِ أحجار متجاورة تُشكل جسرًا إلى عتبة الباب. وتعهَدْتُها ، فلما نَمَتْ، وتكاثفَتْ أوراقها حَمَلْتُها إلى المكتب، لا يفهمونني، ولا في الحي أيضًا. يبصقها مِنْ فِيهِ فتسقط بعيدًا، أركضُ لألتقطها، وتلين حتى ألمس بيدي طراوتها، وأغمرها بالماء. كُنتُ أتمنى أن يكون بيتي فسيحًا تُحيط به أرضي، فأزرعُهَا، وأنَّ شُرفته الوحيدة ضيقة إلى هذا الحد، في الماضي كُنتُ أضعُ أُصُصَ الزرع على سور الشـــرفة، ولكنني عدلت عن ذلك؛ ذابل الأوراق، فكرْتُ فيهم، ولكنني قُلْتُ لنفسي: "إنَّ بعضَ الظَّنَّ إثم"، فلما تكرر الأمر تأكدتُ، وتأكدتُ أكثر عندما أخذ الصغار يُضايقونني وأنا عائدة إلى البيت، واستاءَ ، لأنها غالية، وعندما كانَ العم متولّي يُعطيني الصفائح كانَ الأولاد يمشون ورائي، ويقولون: المجنونة. وألتقط أوّلَ حجرِ في الطَّريقِ، وفي مَرَةٍ مِنَ المَرَاتِ ظهرَتْ لي أُمُّ سُليمان المرأة البدينةُ ذاتُ السِّنَّ الذهبيَّةِ، لَمْ أقصد الإساءة، فاجأتني ضحكتها، ولكنني واصَلْتُ: أنتِ أُمَّ سُليمان تقومين برعاية سليمان وحمايته أليس كذلك؟ اعتبريني أنا أيضًا أُمَّا، أنا أُم الزرع لَعَبَتْ أُمُّ سُليمانَ حَاجِبَيْها، وأدارَتْ ظَهرَها، وتركتني، وهي تواصل ضحكاتها العالية المُخيفةَ، ويسكن في كوخ خشبي في مكانِ ولما تآلفنا، صِرتُ أُسميه "أبويا محمد"، عندما تضيقُ بي الدنيا أذهب إليه، وأشكو. .. وتموجُ في بَحْرٍ مِنْ زَعفران وعندما يكونُ الحَقْلُ ذُرةً، أرى الكيزانَ وقد استوت على عيدانها، وَسرَتْ في شَواشيها حمرة خمرية، فيبدو الحقل وهو الأخضرُ بُنيا أحمر كماء النيل في الشهر التاسع مُثقَلًا بِالطَّمِي قبلَ الفيضانِ. وعندما يكون الحقل حديقة برتقال، أرى الشَّجراتِ صغيرةً وَمُدوّرةً وَمُحمّلَةً بِالثَّمَارِ، ويكون البرتقال على أخضرِ الغصون برتقاليا، والشَّمسُ كمثلِهِ في الزرقاء العالية. ولم تكن الشمس قد أشرقَتْ بعد، ولكنها كانَتْ على وشك، وَأُمِّي، وَعَمّتي، وابن عمّي كَانَتْ وجوههم خضراء شاحبةً بلون السعف، وَسَمِعْتُ صوتًا رَحْيمًا ودافتًا كَأَنَهُ صوتُ مُقري يتلو الآيات قبل أذان الفجر، فَتَهيِّني"، وفتحتُ عَينيَّ فَلَمْ أَجِدْ سوى الصورةِ المُعَلَّقة على الجدار القديم، فانسكبَتْ مِنْ عيني دمعةً ثُمَّ استجمَعْتُ نفسي، وَقُمْتُ. وسألتني على استحياء أنْ أُعَلَّمَها،

النص الأصلي

طال الشتاء فلم أعُد قادرةً على الانتظار، فلبست معطفي القديم، وربطتُ رأسي بمنديلي الصوفي، ونزلتُ إلى الشوارع أقطعها ، وأتوقَّفُ عندَ الشَّجرِ، أنظر، وأتحقَّق، وعندما تفشلُ عَيناي في رؤية شيء على الفروع الجافة، أمد يدي، أجس، وأتحسّس، وأحيانًا كانَتْ يداي تتوقفانِ، ويخفق قلبي، ثُمَّ أكتشف أنَّ ما وَجَدْتُ ليسَ هو المنشود، بل مجرد عقدة على فرع جافٌ، ولكنني كُنتُ واثقةً أنني سأجدها، أقصد الكرويات الصلبة الدقيقةَ الّتي يخدّعُك لونُها في البداية فتظنُّها لا شيء، ولكنك لو دَقْتَ النظر وجدتها كرويةً، وَرمادَها ليسَ رماديًا، ولا جفافها جفافاً، وعليك أن تتابعها، وتنتظرها تكبر، وتتفتح، وتكشف لك عنْ أخضرها الكامن.
كُنتُ أبحث عنها عندما رآني ذلك الزميلُ، فقالَ:



  • فوزية، ماذا تفعلين في الشارع في هذا البردِ الشَّديدِ، كلُّ النَّاسِ تلزم بيوتها؟
    قُلْتُ:

  • أبحثُ عن البراعم
    فهتف:

  • واللهِ إِنَّكِ مجنونةٌ يا فوزيَّةُ!
    كان يمزح، أذكرُ بوضوح أن صوتَهُ كانَ ضاحكًا، وأنَّ النظرة في عينيهِ كَانَتْ دافئةً
    وودودة.
    وفي نهاية يوم قضيته أبحثُ عُدْتُ إلى بيتي خائبةً، أتساءَلُ إلى متى؟ ساعتها تذكَّرْتُ زهرة الصبار التي حَمَلَتْها لي عمّتي فاطمة من البلد، وكنتُ قد وضعتها بجوار الباب ونسيتها، وعندما تذكَّرْتُ، قُلْتُ لنفسي: لابد أنها ماتَتْ، فأنا لم أَسْقِها منذ عدة شهورٍ، ولكنني قُمْتُ لأراها ، كان طينها قد جفّ، وتشقق، وأصبح في لون البن الأشقر، وعودها يبس، واصفر، رغمَ أنهُ ،نما، وطال ، وكانَتْ أوراقها ذاتُ الحوافُ الإبرية على حالها ناهضةً، تتفرّعُ من السَّاقِ عريضةً، وتتفتّح إلى الأسفل رفيعةً وَمُديِّبةً، وَكَانَتْ صبارة عمتي تستوي على سوقها خضراءَ، رَوَيْتُها.أَحْبَبْتُ الزرع، وصرْتُ أزرعُ في آنية مِنْ فَخَارٍ، في علبة فارغة، في كوب، في أي شيء يصلح للزرع، أملوه بالطين، وأثبتُ في العُمقِ اللّازم نواةَ ثمرة، أو فرعًا أَحْضَرَ،
    وأروي.
    أيَامَها، لَمْ يَقُل لي أحد إنني مجنونةٌ، ولكنهم قالوها بعد ذلك، يوم حملوا لي خبر وفاة
    ابن عمي:

  • ماتَ ابنُ عمكِ يا فوزية.
    مات؟
    فلما أكدوا الخبر طلبت منهم أن ينتظروا كي أصحبَهُمْ لتقديم واجب العزاء. رأوني أقرفصُ أمامَهُمْ ، وأملأ علبة فارغةً بالطين، وأرشقُ فيه عود ريحان، وأُثبتُهُ بالضغط المُتكرّر بقبضتي على الطينِ حتَّى يُمسك بالفرع تماما، ويحتضنه، ويتماسك، ثُمَّ
    غمرته بالماءِ، وَقُلْتُ: الآن بإمكاننا أن نذهب.
    رأَيْتُهُمْ يضربون كفا بكفُ، وسمعتهم يقولونَ: جنَّتْ فوزيَّةُ، وَعَوضُنا على اللَّهِ"، ولَمْ أفهم لماذا قالوا ذلك؟ واستغرَبْتُ أكثر عندما سمعتُ أحدَهُمْ يهمس: "فوزيةً تُقلّد الأغنياء الذين يُزيّنونَ بيوتهم بالنباتات"، استغرَبْتُ؛ لأَنَّهُ مِنْ قريتِنا، ويعرفُ، فنحنُ فلاحون، صحيح أنَّ النساءَ في عائلتنا الصعيدية لا يخرجن إلى الحقول للفلاحة، ولكن الفلاحة هي حياتُهُنَّ التي يفتَحْنَ عيونَهُنَّ عليها ، وَيَعْمَضْنَ ساعةَ الموتِ عيونَهُنَّ عليها أيضًا، وأنا أذكرُ أنَّ بيتنا في القرية كانَتْ على سطحِهِ نعناعةُ، وفي قاعِهِ صبّارة وَبِبابِهِ نخلة، وأذكرُ أنَّ أبي -رحمهُ اللهُ كانَ يقولُ: إِنَّ النَّحْلَةَ شَجَرَةٌ مُبارَكَةٌ، أَنعَمَ اللَّهُ بها على عِبادِهِ، وَكرمها بذكرها في القُرآنِ، وإنَّ النّبي - صلواتُ اللهِ عليهِ- قال: "أكرموا عَمّاتِكُمُ النَّحْلَ" ، وإنَّهُ سمّى النَّحْلَ عَمّاتِنا ؛ لأنها خُلِقَتْ مِنْ فضلةِ طينةِ آدَمَ، وأنها تُشبه الإنسانَ، خُلِقَتْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثى، طويلةً مُستقيمةَ القَدَّ، وَجِمارُها على رأسها، كعقل الإنسان في رأسِهِ، إِنْ أَصابَهُ سوء هلك.
    كان أبي يوصي أخَويَّ بالنخل، كما كانَتْ أُمّي توصيني كُل فجر، وهي تلقي تعليماتها اليومية بكنس الدّارِ، وإطعام الدّجاج، وأنْ أسقي النعناعة، وعندما كُنْتُ أنسى - كُنتُ دائما على عجلة من أمري، أؤدّي تلك الواجبات قبل الذهاب إلى المدرسة - كانَتْ تغضب، ويعلو صوتها موبَّخَةً: "حرام عليك يا بُنَيَّتي، هذا فَأَلَّ سَيِّ، رَبُّنَا يَمدُّ فِي عُمرِ أبيكِ، وَيُبقي الدار عمارًا" ، ولكنَّ اللهَ لم يمد في عُمرِهِ، ولا في عُمرِها، حتَّى أَخَوَايَ ذهبا ، فأصبَحْتُ أنا - بعد أنْ أقَمْتُ في القاهرة - كالمقطوعة مِنْ شجرة، وبدا أنني نسيت النعناعةَ والصّبَارةَ والنخلة، وَكُلَّ شَيءٍ.جاءَتْ عمتي فاطمة لزيارتي، وضمتني إلى صدرها، وبكتْ على خراب بيتنا الذي انطفأت نارُهُ، وَجفَّتْ صَبَارَتُهُ، ثُمَّ كَفَكَفَتْ دمعها، وتربعَتْ على البساط الأسيوطي، وفتحت السلة التي حَمَلَتْها معها للزيارة. قالَتْ : " أَحَضَرْتُ لَكِ رِعْفَانًا خَبَزْتُهَا، وَتَمَرًا مِنْ نخلة أبيكِ، وَكَسَرْتُ لكِ فرعًا مِنَ الصَّبَارَةِ التي في دارنا"، ومدت عمتي لي يدها بالصبارة، وهي تقول والدموعُ مازالَتْ في عينيها: "الصبارةُ التي في دارنا كسرتها لي أُمّي مِنْ صَبَارَتِها يومَ تَزوَجَتُ، وانتقلتُ إلى بيتِ زوجِي، هَذِهِ إِذَنْ صَبَارَةُ جَدَّتِكِ، وجدَةِ جَدَّتِكِ، رَبُّنَا يُبَارِكُ فِيكِ يا فوزيَةُ، يا بنيتي، ويحفظ لكِ الدار عمارًا".
    ذَكَرَتْني عمّتي، ولما تذكَّرْتُ زَرَعْتُ، فَقالَ النَّاسُ عَنِّي: مجنونةٌ. في العمل أيضًا، يتهامسون وراء ظهري، وذات مرة، قالَتْ لي زميلتي: - انظري يا فوزية إلى يديك. فَفَهِمْتُ أنّها تُشير إلى الخطوط السوداء تحت الأظافرِ، فَقُلْتُ: "هذِهِ ليسَتْ وساخةً، إنه طينٌ مُتَخَلَّفُ مِنَ الزّرعِ الَّذِي أزرعُهُ".
    قالت لي، وهي تُرَبِّتُ على كتفي: "لا يليق، لا يليقُ أبدًا، وأنتِ موظفة". لا أفهم ما الذي يسيءُ زُملائي عندما أزرعُ المكانُ الَّذي نعملُ فيهِ مُعتم وقديم تساقط طلاء جدرانِهِ، وَنسجَ العنكبوتُ خيوطه في الزوايا، وَعَشَشَتْ فِيهِ الحشراتُ، وأنا واثقة أن الفئرانَ لها جحورٌ فيه تتركها في المساء والليلِ، وتسرح بين المكاتب بلا ضابط، وَكُلّ يومٍ أحمد الله أنها لم تقرض بعد أيا من أوراق الملفات التي في عهدتي: الملفاتُ الرّماديّةُ القديمةُ المصفوفة على رفوف خشبية متآكلة، يصعب معرفة لونها الأصلي، وحتى المساحةُ المُستطيلة التي أمامَ المبنى، والتي نُشير إليها بـ "الحديقة "يُغطيها طفح المجاري، فلا نستطيع دخول المبنى أو الخروج مِنْهُ إِلَّا بالسِّيرِ الحَذِرِ على خمسةِ أحجار متجاورة تُشكل جسرًا إلى عتبة الباب. لَمْ أُقصر مع زملائي، وعندما وجدتُ الوضع على ما هو عليهِ زَرعْتُ ثلاث شجـراتٍ من الياسمين الهندي، وتعهَدْتُها ، فلما نَمَتْ، وتكاثفَتْ أوراقها حَمَلْتُها إلى المكتب، ووضَعْتُها متجاورةً في الشرفة الوحيدة التي بالمبنى، ولكنَّ زُملائي لم يلتفتوا لجمال
    الياسمين حتى عندما أزهر ، مع أنهُمُ التفتوا للطَّينِ تحتَ أظافري. في عملي، لا يفهمونني، ولا في الحي أيضًا. سمعتُهُمْ بِأُذُني يقولونَ: "فوزية المجنونة التي ، تُلقي بِنَفسِها على نوى التمر كأنَّهُ جُنيهات الذهبِ، وَهُمْ يستغربون سلوكي، فالواحد منهم يأكل البلحة، ويلفظ النواة، يبصقها مِنْ فِيهِ فتسقط بعيدًا، أَوْ يبصقها في يده، أو يرميها بعد ذلك بطول ذراعه فتسقط أبعد.. أركضُ لألتقطها، وَأُخبتها في جيبي العميقة، وعندما أرجعُ إلى البيت أضعها في قطنةٍ مُبلّلة أربعة أو خمسة أيام، وأتعهدها كل يوم، وأتابعها وهي تنتفخُ ، وتلين حتى ألمس بيدي طراوتها، فأعرف أن الوقت قد حانَ، وبعد ذلك أدفنُها في الطين، وأغمرها بالماء... وأنتظر.
    كُنتُ أتمنى أن يكون بيتي فسيحًا تُحيط به أرضي، فأزرعُهَا، وَيُحزُنُنِي أَنَّهُ يَتكُونُ مِنْ حجرة واحدة، وأنَّ شُرفته الوحيدة ضيقة إلى هذا الحد، ولا تتسع لكل ما أزرعُ. في الماضي كُنتُ أضعُ أُصُصَ الزرع على سور الشـــرفة، ولكنني عدلت عن ذلك؛ لأن الصغار العابثين كانوا يرمونها بالحجارة. أوّلَ مرّةٍ وجدتُ أصيصَ زَرْع مُحطَمًا، والعود المزروع فيه مكسورًا، ذابل الأوراق، فكرْتُ فيهم، ولكنني قُلْتُ لنفسي: "إنَّ بعضَ الظَّنَّ إثم"، فلما تكرر الأمر تأكدتُ، وتأكدتُ أكثر عندما أخذ الصغار يُضايقونني وأنا عائدة إلى البيت، أحمل صفيحة أو صفيحتين من تلك الصفائح الكبيرة التي تُستخدم في حفظ الجبن الأبيض، أو الزيتون - كانَ العَمُ متولّي البقالُ يُعطيها لي لكي أزرع فيها- وعندما وجد أنني لا أشتري مِنْهُ الصّابونَ الْمُعَطَّرَ والجبن المستورد المُغلّف بأوراق فضيّة وذهبية غضب، واستاءَ ، ولم يَعُدْ يُعطيني الصفائح، ذلك رغم تأكيدي له أنني لا أشتري هذه الأشياء، لا مِنْهُ، ولا مِنْ سواه؛ لأنها غالية، وراتبي قليل، وعندما كانَ العم متولّي يُعطيني الصفائح كانَ الأولاد يمشون ورائي، ويزفّونَني، ويقولون: المجنونة... راجعة، وماسكة في يدها صفيح، (عقل ما فيش، مخ ما فيش)،
    (مخ فالصو، وعقل صفيح).
    كانَ سلوكُهُمْ يُحزنني، فأشعرُ بغصة في حلقي، ورغبة في البُكاءِ، إِلَّا أَنَّني لَمْ أَكُنْ أبكي، بَلْ أنحني، وألتقط أوّلَ حجرِ في الطَّريقِ، وَأُلقيهِ عليهم.
    وفي مَرَةٍ مِنَ المَرَاتِ ظهرَتْ لي أُمُّ سُليمان المرأة البدينةُ ذاتُ السِّنَّ الذهبيَّةِ، واعترضَتْ طريقي، فَقُلْتُ لها مُعتذرةً: أنا آسفة يا أُم سليمانَ، لَمْ أقصد الإساءة، لكنَّ سُليمان والأولاد الآخرينَ سَبوني، وأيضًا يا أُمَّ سُليمانَ بالأمس كسروا آنيةَ الزّرع التي وضَعْتُها عند مدخل البيتِ. فاجأتني ضحكتها، ولكنني واصَلْتُ:
    أنتِ أُمَّ سُليمان تقومين برعاية سليمان وحمايته أليس كذلك؟ اعتبريني أنا أيضًا أُمَّا،
    أنا أُم الزرع لَعَبَتْ أُمُّ سُليمانَ حَاجِبَيْها، وأخرجَتْ صوتًا متحشرجًا مِنْ حلقها، وقالَتْ: - "مبروك عليك "زرع"يا "أُم زرع"تعيشي، وتجيبي!".وأدارَتْ ظَهرَها، وتركتني، وهي تواصل ضحكاتها العالية المُخيفةَ، وَلَمْ أَجِدُ مَنْ أشكو له سوى "أبويا" الذي يعمل أجيرًا في المشتل، ويسكن في كوخ خشبي في مكانِ
    عمله.
    في بداية تعارفنا كُنْتُ أُناديه بـ "عم محمد"، وهو يُناديني "الستَ فوزية"، ولما تآلفنا، صِرتُ أُسميه "أبويا محمد"، وهو يُسمّيني "أُمّ أحمد "نسبةً إلى أبي -رحمهُ اللهُ الَّذِي كان اسمه "أحمد".
    عندما تضيقُ بي الدنيا أذهب إليه، وأشكو.
    وعندما أصفو أرى في الأحلام الحقول، فتكونُ الأحلام جميلةً كالحقول، ... ومُلوّنةً. عندما يكون الحقل قمحا أراهُ كالذهب الخالص تميلُ بِهِ السنابل، وتنحني، وتموجُ في
    بَحْرٍ مِنْ زَعفران
    وعندما يكونُ الحَقْلُ ذُرةً، أرى الكيزانَ وقد استوت على عيدانها، وَسرَتْ في شَواشيها حمرة خمرية، فيبدو الحقل وهو الأخضرُ بُنيا أحمر كماء النيل في الشهر التاسع مُثقَلًا بِالطَّمِي قبلَ الفيضانِ. وعندما يكون الحقل حديقة برتقال، أرى الشَّجراتِ صغيرةً وَمُدوّرةً وَمُحمّلَةً بِالثَّمَارِ، ويكون البرتقال على أخضرِ الغصون برتقاليا، والشَّمسُ كمثلِهِ في الزرقاء العالية. مرةً واحدةً رأيْتُ النخل غابة في السحر، ولم تكن الشمس قد أشرقَتْ بعد، ولكنها كانَتْ على وشك، فتخضّبَ الأفق البنفسجي بلونِ الجِنَّاءِ. رَأَيْتُ النَّحْلَ مُستقيمَ القَدِّ، شاهِقَ الطُّولِ، وَعميما، ورأيْتُ وجوه أهلي فيه، أبي، وَأُمِّي، وَعَمّتي، وابن عمّي كَانَتْ وجوههم خضراء شاحبةً بلون السعف، ولكنني لم أتحقق إن كانوا يقفون خلفَ الجذوع أم كانت الجذوع خلفَهُمْ.
    وَسَمِعْتُ صوتًا رَحْيمًا ودافتًا كَأَنَهُ صوتُ مُقري يتلو الآيات قبل أذان الفجر، أو ساعةَ السَّحَرِ، فَقُلْتُ لِنفسي: "أنتِ يا فوزية على الأعتابِ، فَتَهيِّني"، ولكنني صحوتُ، وفتحتُ عَينيَّ فَلَمْ أَجِدْ سوى الصورةِ المُعَلَّقة على الجدار القديم، فعرَفتُ أَنَّهُ كَانَ حلمًا، فانسكبَتْ مِنْ عيني دمعةً ثُمَّ استجمَعْتُ نفسي، وَقُمْتُ. اليوم جاءتني امرأة تسكن في الشارع نفسه، وقالَتْ: رأيتُ أُصصَ الزرع في الشرفة، إنها جميلة، وسألتني على استحياء أنْ أُعَلَّمَها، فَأَرَيتُها كيف، وأهديتها عودَ نعناع كُنتُ زَرَعْتُهُ، ثُمَّ جَلَسْنَا، وَتَحدَّثْنا


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

إلى ضلعي الثابت...

إلى ضلعي الثابت وأمان أيامي.. أخي وأخواتي أنتم النعمة الكبرى التي أمتن لله عليها، والدعم الذي لا يخف...

أعلنت القوات ال...

أعلنت القوات المسلحة، اليوم الأحد، تنفيذ 756 عملية استهداف نوعية ودقيقة ضد مواقع وعناصر وقدرات عسكري...

دخل تركي ناظره ...

دخل تركي ناظره فهد : خذه للتوقيف لين نخلص تحقيق ، ولف ع سلطان وبـ ابتسامه ساخره : إذا طلعت من هنا فك...

تهدف الندوة إلى...

تهدف الندوة إلى تحويل "صدمة الحرب" إلى "فرصة استراتيجية" لإعادة بناء مفهوم الأمن الخليجي. فبعد أن أث...

تخيل أنك تعيش ف...

تخيل أنك تعيش في العالم القديم، قبل أكثر من ألفي عام، وتسمع أن جيشًا غريبًا قادم من بعيد، يقوده قائد...

يمثل الذكاء الا...

يمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة متقدمة في مسار التحول الرقمي، لأنه لا يقتصر على رقمنة الإجراءات، بل يسمح...

ا ليتك صدقتني ....

ا ليتك صدقتني .. يا طارق صالح المستشار محمد المسوري ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦م في ديسمبر ٢٠٢٤م في الرياض كان...

أكدت عدد من منظ...

أكدت عدد من منظمات المجتمع المدني، أن التصعيد المتواصل والانتهاكات الجسيمة لمليشيا الحوثي، أدى إلى ت...

يتناول النص سير...

يتناول النص سيرة وجهود العالمة المغربية مارسيليا ألفرنسيس (التي أُشير إليها في بعض المواضع باسم سارة...

أكد مدير عام مك...

أكد مدير عام مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في العاصمة عدن، المستشار أرسلان أحمد السقاف، أن توح...

مسك فهد ببرود ا...

مسك فهد ببرود الملف للي فيه قضيه سلطان وفتحته وبدأ يقرأ بصوت عالي : سلطان بن سعود بن فهد متهم بحياز ...

[ إِنَّهُمْ يَر...

[ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ] لايك قبل م تقرين 🤍 { Part : 2 } امر فهد تركي...

أخبار التقنية