خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
الفصل الأول: فصل تمهيدي
المبحث الأول: تعريف العصمة لغة واصطلاحًا
المبحث الثاني: تعريف النبي لغة واصطلاحًا
المبحث الثالث: تعريف اليهودية لغة واصطلاحًا
المبحث الرابع: تعريف الإسلام لغة واصطلاحًا
اريد تلخيص مختصر جدا بمقدار نصف صفحة فقط
الفصل الأول : فصل تمهيدي
المبحث الأول : تعريف العصمة لغة و اصطلاحا
المطلب الأوّل:
تعريف العصمة لغة
تعريف العصمة لغةً:
فالعِصمة في اللغة مأخوذة من الفعل عَصَمَ، يقال: عصمه يعصمه عصمًا وعِصمةً، إذا منعه وحفظه من الوقوع في الهلاك أو الخطأ. ويقال أيضًا: اعتصم بالشيء، أي تمسّك به والتجأ إليه ليحتمي به من الضرر. ومنه قول العرب: عصمته من السوء، أي حميته ومنعته من الوقوع فيه. وقد جاء هذا المعنى في كلام أئمة اللغة، حيث نصّ ابن فارس على أن مادة (ع ص م) تدل على أصل واحد صحيح، وهو الإمساك والمنع(1).
وتتسع دلالة العصمة في الاستعمال اللغوي لتشمل معنى الوقاية والحماية، سواء أكانت وقاية حسية أو معنوية، فالعصمة قد تكون حمايةً للبدن من الأذى، كما قد تكون حمايةً للنفس من الانحراف أو الخطأ. ويؤكد ابن منظور هذا المعنى في معجمه الشهير لسان العرب، إذ يعرّف العصمة بأنها: المنع والحفظ، وكل ما أمسك شيئًا فقد عصمه
(2). وهذا التعريف يُظهر بوضوح أن العصمة ليست مجرد منعٍ عارض، بل هي منعٌ مقترن بالحفظ والاستمرار.
كما استعملت العرب لفظ العصمة للدلالة على الالتجاء والاعتماد على ما يحمي الإنسان من الخطر، فيقال: اعتصم فلان بالله، أي لجأ إليه وتمسّك بحمايته. وهذا الاستعمال اللغوي يكشف عن بعدٍ معنوي مهم في مفهوم العصمة، وهو أن العصمة لا تتحقق إلا بوجود سببٍ قويٍّ يحول دون وقوع الضرر. وقد أشار الراغب الأصفهاني إلى هذا المعنى في كتابه مفردات ألفاظ القرآن، حيث قال: العصم هو الإمساك، والاعتصام هو الاستمساك بما يعصم(03).
ومن خلال تتبع استعمالات هذا اللفظ في المعاجم، يتضح أن العصمة في أصلها اللغوي ترتبط بفكرة الوقاية الدائمة، لا الوقاية المؤقتة، لأن العرب كانت تستعمل هذا اللفظ للدلالة على الحماية المستمرة التي تمنع وقوع الضرر ابتداءً. ولذلك قيل: العاصم هو المانع الحافظ، والعصمة هي الحالة التي يكون فيها الشيء محفوظًا من السقوط أو الانحراف، سواء أكان ذلك في الأمور المادية أم المعنوية(4).
ويُلاحظ كذلك أن مفهوم العصمة في اللغة يتضمن معنى القوة والقدرة على المنع، لأن المنع لا يتحقق إلا بوجود قوة قادرة على الحماية. ولهذا استعملت العرب لفظ العصمة في وصف الأشياء التي تُمسك غيرها وتحفظها، مثل الحبل أو الدرع أو الحصن، إذ يقال: هذا عاصم، أي مانع وحافظ. ومن هنا نشأ استعمال العصمة في السياقات الدينية للدلالة على الحفظ الإلهي من الخطأ أو المعصية، باعتبار أن الله تعالى هو العاصم الحقيقي لعباده(5).
وتكشف هذه الدلالات اللغوية عن أن العصمة ليست مجرد حالة سلبية تتمثل في عدم الوقوع في الخطأ، بل هي حالة إيجابية تتضمن وجود سببٍ مانعٍ يحفظ الإنسان من الانحراف. وهذا المعنى مهم في فهم التطور الدلالي للمصطلح عند انتقاله من المجال اللغوي العام إلى المجال الاصطلاحي في علم العقيدة، حيث أصبح يدل على حفظ الله لأنبيائه من الوقوع في الخطأ أو الذنب فيما يتعلق بالتبليغ والرسالة.
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن العصمة في اللغة تدل على مجموعة من المعاني المتقاربة، أبرزها: المنع، والحفظ، والوقاية، والالتجاء، والتمسّك بما يحمي من الضرر، وهي معانٍ تشكّل الأساس اللغوي الذي بُني عليه المفهوم الاصطلاحي للعصمة في العلوم الإسلامية، خاصة في علم الكلام وأصول الدين.
المطلب الثاني:
تعريف العصمة اصطلاحًا
يُعدّ مفهوم العصمة في الاصطلاح من المفاهيم الأساسية في علم العقيدة الإسلامية، إذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمبحث النبوة، ويُقصد به بيان طبيعة الحفظ الإلهي الذي يختص به الأنبياء، والذي يضمن سلامة الرسالة وصحة التبليغ. وقد سعى علماء الكلام وأصول الدين إلى تحديد هذا المفهوم تحديدًا دقيقًا، حتى لا يُفهم على أنه سلبٌ للإرادة الإنسانية أو رفعٌ للتكليف، بل هو نوع من الرعاية الإلهية الخاصة التي تحقّق الغاية من بعثة الأنبياء.
فالعصمة في الاصطلاح تُعرَّف بأنها حفظ الله تعالى لنبيّه من الوقوع في المعصية أو الخطأ فيما يتعلّق بتبليغ الرسالة، مع بقاء قدرته على الفعل والترك، وهذا التعريف يجمع بين عنصرين متلازمين: عنصر الحفظ الإلهي، وعنصر بقاء القدرة الإنسانية، لأن العصمة لا تعني استحالة وقوع الذنب من حيث الإمكان، بل تعني امتناعه من حيث الوقوع الفعلي بسبب التوفيق الإلهي. وقد أشار الإمام الآمدي إلى هذا المعنى بقوله إن العصمة هي: لطفٌ من الله تعالى يفعله بالمكلَّف بحيث لا يكون معه داعٍ إلى ترك الطاعة أو فعل المعصية(6).
ويظهر من هذا التعريف أن العصمة ليست مجرد تركٍ للمعصية، بل هي صفة إيجابية تتضمن وجود سببٍ مانعٍ يحول دون وقوعها، وهذا السبب يتمثل في اللطف الإلهي الذي يهيّئ للإنسان دواعي الخير ويصرف عنه دواعي الشر. ولذلك عرّف بعض علماء الأصول العصمة بأنها لطفٌ إلهي يقرّب المكلَّف من الطاعة ويبعده عن المعصية مع بقاء الاختيار، وهو تعريف يبرز العلاقة بين العصمة والتكليف، لأن التكليف لا يتحقق إلا بوجود القدرة على الفعل والترك(7).
كما تناول علماء العقيدة مفهوم العصمة من زاوية وظيفية، فربطوا بينها وبين مهمة الأنبياء في تبليغ الرسالة، إذ إن صدق الرسالة يتوقف على صدق الرسول، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان محفوظًا من الخطأ والكذب في تبليغ الوحي. ومن هنا قرر العلماء أن العصمة شرطٌ ضروري في حق الأنبياء، لأنها تحقق الثقة في كلامهم وأفعالهم، وتضمن استقامة الشريعة التي جاءوا بها. وقد أكّد القاضي عياض هذا المعنى حين بيّن أن العصمة هي: تنزيه الله لأنبيائه عن النقائص التي تخلّ بمقام النبوة، وصونهم عن كل ما يقدح في صدقهم وعدالتهم(8).
ومن جهة أخرى، توسّع علماء الكلام في تحليل مفهوم العصمة، فبيّنوا أنها لا تقتصر على جانب واحد من حياة النبي، بل تشمل مجالات متعددة، أهمها: العصمة في تبليغ الوحي، والعصمة من الكبائر، والعصمة من الصغائر التي تخلّ بالمروءة أو تضعف مكانة النبي في نفوس الناس. وقد ذكر التفتازاني أن العصمة هي: ملكة يخلقها الله في العبد تمنعه من اقتراف الذنب مع قدرته عليه، وهذا التعريف يركّز على البعد النفسي والأخلاقي للعصمة، باعتبارها حالة راسخة في النفس تجعل صاحبها يميل إلى الطاعة وينفر من المعصية(9).
نستطيع القول من خلال هذه التعريفات أن مفهوم العصمة في الاصطلاح يجمع بين عناصر متعددة، منها:
• الحفظ الإلهي
• بقاء القدرة الإنسانية
• التوفيق الرباني
• سلامة التبليغ
• صيانة مقام النبوة
كم تُظهر هذم العناصر أن العصمة ليست حالة سلبية تتمثل في عدم وقوع الخطأ فحسب، بل هي نظام متكامل من الرعاية الإلهية التي تهدف إلى تحقيق الغاية من الرسالة، وهي هداية الناس وإقامة الحجة عليهم.
ىتطرق بعض العلماء لمفهوم العصمة من زاوية فلسفية، فاعتبروا أن العصمة تمثل كمالًا أخلاقيًا وعقليًا يميز الأنبياء عن غيرهم من البشر، لأنهم يتمتعون بدرجة عالية من المعرفة بالله والخشية منه، مما يجعلهم أبعد الناس عن الوقوع في الخطأ أو المعصية. وقد أشار الجرجاني إلى هذا المعنى حين عرّف العصمة بأنها: حفظ الله تعالى لعبده عن الوقوع في الخطأ مع قدرته عليه، وهو تعريف موجز يجمع بين الجانب العقدي والجانب الأخلاقي في مفهوم العصمة(10)
و مما سبق، يمكن استخلاص تعريف للعصمة في الاصطلاح، وهو أنها:
صفة يمنحها الله تعالى لأنبيائه، تقتضي حفظهم من الوقوع في الخطأ أو المعصية، خاصة فيما يتعلق بتبليغ الرسالة، مع بقاء قدرتهم على ذلك، تحقيقًا لمصلحة الدين وضمانًا لسلامة الشريعة.
المبحث الثاني:
تعريف النبي لغة واصطلاحا
المطلب الأول: تعريف النبي لغة
المطلب الثاني: تعريف النبي إصطلاحا
المطلب الأوّل:
تعريف النبي لغة
تعريف النبي لغة:
النبي في اللغة مشتق من مادة نبا التي تدل على الخبر ذي الشأن العظيم. قال ابن فارس: «النون والباء والهمزة أصلٌ صحيح يدل على إتيان خبرٍ من مكان إلى مكان»، ومنه النبأ وهو الخبر المهم الذي له فائدة عظيمة، ولذلك سُمِّي النبي نبيًّا لأنه يُنبِئ عن الله تعالى ويخبر عنه بما أوحى إليه من شرع وأحكام.
(1)
وذكر ابن منظور أن النبي مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، وقيل: هو من النَّبْوَة بمعنى الرفعة والعلو، لأن النبي مرفوع المنزلة بين الناس، ومشرَّف بالوحي والاصطفاء، فاجتمع في لفظ النبي معنى الإخبار عن الله ومعنى علو المكانة والقدر.
(2)
وبيّن الراغب الأصفهاني أن النبأ هو الخبر الذي له خطر وشأن، ولا يقال لكل خبر نبأ، بل لما يتضمن فائدة عظيمة أو علمًا مهمًا، ومن هنا كان النبي هو الذي يتلقى عن الله تعالى أخبار الغيب وأحكام الدين، فيبلّغها للناس هدايةً وإرشادًا.
(3)
كما أشار الفيومي إلى أن النبي هو المخبر عن الله تعالى، وأن أصل التسمية راجع إلى الإعلام والإخبار، لأن وظيفة النبي الأساسية هي تبليغ رسالة الله تعالى إلى عباده، وتعليمهم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
(4)
وذكر الزبيدي أن لفظ النبي يُطلق على من أوحى الله إليه بشرع، سواء أُمر بالتبليغ أم لم يؤمر، وأن أصل الكلمة يدل على الرفعة والعلو، وهو معنى مناسب لمقام النبوة لما فيه من تشريف واصطفاء إلهي.
(5)
ولا يقتصر معنى النبي في اللغة على مجرد الإخبار، بل يتضمن أيضًا دلالة الاصطفاء والاختصاص، إذ إن النبأ في أصل الاستعمال العربي لا يُطلق إلا على الخبر الجليل الذي يترتب عليه علم أو حكم، ومن ثمّ كان إطلاق لفظ النبي على من اختصه الله تعالى بالوحي دالًّا على عظم الرسالة التي يحملها، وعلى مكانته المتميزة بين الناس، لأنه واسطة بين الخالق والمخلوق في تبليغ أوامر الشرع وهداية البشر.
(3)
كما أن الاشتقاق من النبوة بمعنى الرفعة والعلو يحمل بعدًا دلاليًا مهمًا، إذ يشير إلى أن النبي مرفوع القدر، عظيم الشأن، متقدم على غيره في العلم والفضل، وهو معنى تؤيده الاستعمالات اللغوية لكلمة النبوة في وصف المكان المرتفع من الأرض، فيقال: نَبَا الشيء إذا ارتفع، ومنه النبوة بمعنى العلو، فناسب ذلك أن يُطلق على من ارتفعت منزلته بالوحي والرسالة.
(2)
ومن جهة أخرى، فإن مفهوم النبوة في اللغة يتضمن معنى الوساطة في تبليغ الرسالة، إذ إن النبي هو الذي يتلقى العلم من مصدر أعلى، ثم ينقله إلى غيره، وهذا المعنى يظهر بوضوح في تعريفات علماء اللغة الذين ركزوا على عنصر الإبلاغ والإعلام، فالنبي ليس مجرد عالم أو حكيم، بل هو مُخبِر عن الله تعالى بما أوحى إليه، ومبلِّغ لشرعه، ومبيِّن لأحكامه، وهو ما يجعل النبوة وظيفة دينية وتشريعية في آن واحد.
(4)
كما أن علماء اللغة والبيان أشاروا إلى أن لفظ النبي يدل على معنى الثبوت والاستمرار، لأن النبوة ليست حادثة عابرة، بل صفة ثابتة لمن اصطفاه الله تعالى، ولذلك استقر استعمال هذا اللفظ في العربية للدلالة على شخص مخصوص يتمتع بصفة دائمة هي تلقي الوحي، وهو ما يميزه عن غيره من البشر، ويجعله محل ثقة الناس في نقل الشرع وتبليغ الرسالة.
(5)
ويُستفاد من مجموع هذه الدلالات اللغوية أن لفظ النبي يجمع بين عدة معانٍ مترابطة، منها: الإخبار، والرفعة، والاصطفاء، والوساطة في تبليغ الوحي، وهي معانٍ تؤسس لفهم مفهوم النبوة في الاصطلاح الشرعي، إذ إن المعنى اللغوي يمهّد للمعنى الاصطلاحي ويكشف عن جذوره الدلالية في اللغة العربية، وهو منهج اعتمده علماء أصول الدين عند تعريفهم للنبوة وتحليل حقيقتها.
(10)
المطلب الثاني:
تعريف النبي اصطلاحًا
عرّف علماء العقيدة والأصول النبي في الاصطلاح بتعريفات متقاربة في معناها، وإن اختلفت في صيغها، تدور جميعها حول كونه إنسانًا اصطفاه الله تعالى بالوحي، ليهدي الناس إلى الحق، ويبين لهم أحكام الشرع. فالنبوة في الاصطلاح ليست مجرد صفة علمية أو أخلاقية، بل هي منصب إلهي يختص الله تعالى به من يشاء من عباده، ويمنحه القدرة على تلقي الوحي وفهمه وتبليغه.
(6)
وقد عرّف الآمدي النبي بأنه: إنسان أوحي إليه بشرع، سواء أُمر بتبليغه أم لم يؤمر، وهذا التعريف يبرز العنصر الجوهري في مفهوم النبوة، وهو الوحي، إذ يعد الوحي الأساس الذي تقوم عليه النبوة، وبدونه لا يتحقق وصف النبي، كما أن هذا التعريف يميز النبي عن غيره من العلماء والصالحين الذين قد يبلغون درجة عالية من التقوى والعلم، لكنهم لا يتلقون الوحي من الله تعالى. (6)
كما ذهب الباقلاني إلى أن النبي هو: من أكرمه الله تعالى بالوحي، وجعله دليلًا للخلق، وحجة عليهم فيما يبلغه من أوامر الله ونواهيه، وهو تعريف يضيف بعدًا وظيفيًا لمفهوم النبوة، حيث يجعل النبي حجة على الناس، أي أن أقواله وأفعاله تعد مرجعًا في معرفة الشرع، لأن مصدرها الوحي الإلهي، وليس الاجتهاد البشري المجرد. (7)
وبيّن القاضي عياض أن النبوة منزلة عظيمة يختص الله تعالى بها من يشاء، وأن النبي هو من اصطفاه الله تعالى وشرّفه بالوحي، وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ الرسالة، وهو ما يدل على أن النبوة مقام تشريف وتكليف في آن واحد، إذ تجمع بين شرف الاصطفاء وثقل المسؤولية في تبليغ الدين وهداية الناس. (8)
ومن ناحية أخرى، ركّز التفتازاني في تعريفه للنبي على عنصر الرسالة والهداية، فبيّن أن النبي هو: إنسان حرّ ذكر أوحى الله إليه بشرع، ليكون مبلغًا عن الله تعالى، ومرشدًا للناس إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، وهذا التعريف يجمع بين الجانب العقدي والجانب العملي في مفهوم النبوة، إذ يربط بين الوحي والتبليغ والهداية. (9)
ويتضح من خلال هذه التعريفات الاصطلاحية أن مفهوم النبي يقوم على مجموعة من العناصر الأساسية التي تشكل حقيقته، وهي:
• الاصطفاء الإلهي.
• تلقي الوحي من الله تعالى.
• التكليف بتبليغ الشرع أو حفظه.
• الهداية والإرشاد للناس.
وهذه العناصر مجتمعة تميز النبي عن غيره من البشر، وتحدد مكانته في النظام العقدي الإسلامي، كما تمهد لفهم مسألة عصمة الأنبياء، لأن من اصطفاه الله تعالى لحمل رسالته لا بد أن تتوافر فيه صفات خاصة تحفظ صدقه وتضمن سلامة تبليغه، وهو ما تناوله علماء العقيدة عند بحثهم في شروط النبوة وخصائص الأنبياء.
(10)
ولا يقتصر تعريف النبي في الاصطلاح على مجرد تلقي الوحي، بل يتضمن كذلك عنصر الاصطفاء الإلهي القائم على الحكمة والعلم الإلهي بحال العباد، إذ إن اختيار النبي ليس اختيارًا بشريًا أو اجتماعيًا، بل هو اختيار رباني محض، يقوم على تهيئة مخصوصة في شخص النبي تجعله أهلًا لحمل الرسالة وتبليغها. ومن هنا قرر علماء أصول الدين أن النبوة عطية إلهية لا تُنال بالاكتساب ولا بالرياضة، بل هي فضل من الله تعالى يختص به من يشاء من عباده.
(6)
وقد أكد علماء الكلام أن النبوة تمثل أعلى درجات الكمال الإنساني من حيث الوظيفة الدينية، لأنها تجمع بين العلم الإلهي والعمل الصالح والهداية للخلق، ولذلك فإن النبي يعدّ نموذجًا بشريًا كاملًا في أداء الرسالة، ومثالًا يُحتذى به في السلوك والتشريع، وهذا ما جعل النبوة أساسًا في بناء العقيدة الإسلامية، لأن معرفة الله تعالى وعبادته على الوجه الصحيح متوقفة على تبليغ الأنبياء للشرع.
(8)
ومن الناحية الاصطلاحية أيضًا، فإن تعريف النبي يتضمن عنصر التكليف، أي أن النبي مكلف بأداء رسالة معينة، سواء كانت تبليغ شريعة جديدة، أو تثبيت شريعة سابقة، أو الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وهذا المعنى يبرز الفرق بين النبي وغيره من الصالحين، إذ إن الصالح قد يهتدي بنفسه، أما النبي فيتحمل مسؤولية هداية غيره بأمر من الله تعالى، وهو ما يجعل النبوة وظيفة جماعية تتعلق بالمجتمع، لا مجرد حالة فردية من التقوى أو المعرفة.
(7)
كما بيّن علماء العقيدة أن النبوة تتضمن عنصر الحجية الشرعية، بمعنى أن أقوال النبي وأفعاله وتقريراته تعتبر مصدرًا من مصادر التشريع، لأنها قائمة على الوحي الإلهي، ومن هنا نشأ علم السنة النبوية باعتباره بيانًا عمليًا للقرآن، ومصدرًا أساسًا في استنباط الأحكام الشرعية، وهذا يؤكد أن النبوة ليست مجرد منصب ديني رمزي، بل هي أساس النظام التشريعي في الإسلام.
(9)
ومن جهة أخرى، فإن بعض علماء العقيدة أضافوا إلى تعريف النبي عنصر المعجزة، باعتبارها دليلًا على صدق النبي فيما يدعيه من الوحي، إذ إن المعجزة أمر خارق للعادة يجريه الله تعالى على يد النبي تأييدًا له وتصديقًا لدعوته، ولذلك اعتبروا أن اقتران النبوة بالمعجزة يعد من أهم وسائل إثبات صدق النبي أمام الناس، لأن الرسالة الإلهية تحتاج إلى دليل يميزها عن دعوى الكذب أو الادعاء.
(10)
وقد عرّف الإمام الجويني النبي تعريفًا جامعًا بقوله: النبي هو من أوحي إليه بشرع، وأُمر بتبليغه أو لم يؤمر، وكان مؤيدًا بالمعجزة الدالة على صدقه، وهو تعريف يجمع بين عناصر الوحي والتكليف والمعجزة، ويُعد من التعريفات الدقيقة في علم الكلام، لأنه يربط بين حقيقة النبوة ودليلها ووظيفتها.
(11)
كما أشار ابن خلدون إلى أن النبوة تمثل ظاهرة إنسانية متميزة تقوم على استعداد خاص في النفس البشرية لتلقي الفيض الإلهي، وأن الأنبياء يتميزون بقدرة فطرية على الاتصال بعالم الغيب، وهو تحليل فلسفي اجتماعي لمفهوم النبوة يبرز بعدها الحضاري في توجيه المجتمعات وبناء القيم والأخلاق.
(12)
المبحث الثالث:
تعريف اليهودية لغة واصطلاحا
المطلب الأول: تعريف اليهودية لغة
المطلب الثاني: تعريف اليهودية إصطلاحا
المطلب الأول
تعريف اليهودية لغة:
تعريف اليهودية لغة:
عدّ لفظة اليهودية من المصطلحات الدينية التي ارتبطت تاريخيًا ببني إسرائيل، وهي في أصلها اللغوي مشتقة من الجذر العبري "يَهُودَا" (Yehuda)، وهو اسم أحد أسباط بني إسرائيل، ثم أُطلق على أتباع هذا السبط ومن تبعهم من بني إسرائيل لاحقًا، فصار الاسم دالًا على الانتماء الديني والقومي في آن واحد، قبل أن يتحول إلى اسم للدين الذي ينتسب إلى موسى عليه السلام.
(13)
ومن الناحية اللغوية العربية، تُستعمل كلمة اليهود للدلالة على أتباع الديانة الموسوية، وقد اختلف اللغويون في أصل التسمية، فذهب بعضهم إلى أنها من الفعل هَادَ بمعنى رجع وتاب، فيقال: هادَ يَهُودُ هَوْدًا أي تاب ورجع، ومنه سُمّوا يهودًا لانتسابهم إلى التوبة بعد عبادتهم للعجل كما ورد في بعض التفسيرات اللغوية، وهو معنى يشير إلى التحول من حالة إلى أخرى.
(2)
ويرى ابن منظور أن لفظ اليهود قد يُنسب إلى يهودا بن يعقوب، وهو أحد أبناء نبي الله يعقوب عليه السلام، وأن التسمية غلبت على ذريته، ثم عمّت جميع من انتسب إلى شريعة موسى عليه السلام، حتى وإن لم يكونوا من نسل يهودا مباشرة، مما يجعل اللفظ في الاستعمال اللغوي أوسع من المعنى النسبي الضيق.
(2)
كما يذهب الراغب الأصفهاني إلى أن أصل لفظ هود يدل على التوبة والرجوع بلطف، ومنه قيل: تهوّد إذا دخل في اليهودية، غير أن الاستعمال الغالب للكلمة صار يدل على الطائفة الدينية المعروفة، لا على المعنى اللغوي المجرد، وهو انتقال دلالي من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي الديني.
(3)
ويشير بعض الباحثين في الأديان المقارنة إلى أن مصطلح اليهودية في أصله اللغوي لم يكن يدل على دين مستقل بالشكل المعروف لاحقًا، بل كان يشير إلى جماعة إثنية دينية مرتبطة بعبادة إله واحد هو يهوه، ثم تطور المفهوم تدريجيًا عبر التاريخ ليصبح نظامًا دينيًا متكاملًا له نصوصه وتشريعاته وطقوسه الخاصة.
(14)
ومن خلال هذا التحليل اللغوي يتضح أن لفظ اليهودية يجمع بين بعدين أساسيين:
• بعد نسبي تاريخي مرتبط بسبط يهوذا.
• وبعد ديني مرتبط بالتوبة أو الانتساب إلى شريعة موسى عليه السلام.
وهذا التداخل في الدلالة اللغوية يعكس طبيعة المصطلح المركبة، التي تجمع بين الانتماء القومي والتكوين الديني، وهو ما يمهّد لفهمه اصطلاحًا عند دراسة اليهودية كنظام ديني متكامل في سياق الديانات الإبراهيمية.
(13)
المطلب الثاني
تعريف اليهودية اصطلاحا:
تُعرَّف اليهودية اصطلاحًا بأنها الديانة التوحيدية التي نشأت بين بني إسرائيل، وتقوم على الإيمان بإله واحد هو يهوه، وعلى الاعتقاد بأن بني إسرائيل هم الشعب المختار الذي ارتبط بعهد خاص مع الله، يتضمن الالتزام بالشريعة المنسوبة إلى النبي موسى عليه السلام، والمعروفة بالتوراة، بما تحمله من أحكام دينية وتشريعية وأخلاقية تنظم حياة الفرد والجماعة.
(14)
وتُفهم اليهودية اصطلاحًا أيضًا باعتبارها منظومة دينية–قانونية متكاملة، لا تقتصر على الجانب العقدي فحسب، بل تشمل منظومة واسعة من التشريعات والطقوس (الهالاخاه)، التي تنظّم مختلف جوانب الحياة اليومية، من العبادات والمعاملات إلى الأحوال الشخصية، مما يجعلها دينًا ذا طابع تشريعي عملي أكثر منه مجرد عقيدة نظرية.
(13)
ومن زاوية علم الأديان المقارن، تُعرَّف اليهودية اصطلاحًا بأنها الديانة التي تطورت تاريخيًا داخل إطار التجربة الدينية لبني إسرائيل، حيث تشكلت عبر مراحل متعددة، بدءًا من التوحيد الموسوي، مرورًا بالتجربة النبوية، وصولًا إلى التدوين الحاخامي للتوراة الشفوية (التلمود)، وهو ما منحها طابعًا مركبًا يجمع بين النص المقدس والتفسير البشري المتراكم عبر القرون.
(15)
كما يرى بعض الباحثين أن اليهودية في الاصطلاح لا تُختزل في كونها دينًا فقط، بل هي أيضًا هوية دينية–قومية في الوقت نفسه، إذ يرتبط الانتماء إليها بالانتساب الديني وبالانتماء إلى الجماعة اليهودية تاريخيًا وثقافيًا، وهو ما يجعلها حالة فريدة مقارنة بالديانات الإبراهيمية الأخرى من حيث تداخل البعد الديني مع البعد الإثني.
(14)
ويُستفاد من ذلك أن تعريف اليهودية اصطلاحًا يقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية متداخلة:
• بعد عقدي يقوم على التوحيد والإيمان بالإله الواحد.
• بعد تشريعي يتمثل في الالتزام بالشريعة الموسوية وتفاسيرها الحاخامية.
• بعد هوياتي تاريخي يرتبط ببني إسرائيل كجماعة دينية وقومية.
وهذا التداخل بين الأبعاد الثلاثة يجعل اليهودية نظامًا دينيًا مركبًا، لا يمكن فهمه فهمًا دقيقًا إلا من خلال الجمع بين النصوص المؤسسة (التوراة) والتطورات التفسيرية اللاحقة (التلمود)، إضافة إلى السياق التاريخي الذي تشكلت فيه الجماعة اليهودية.
(15)
عند التعمق في الدلالة الاصطلاحية لليهودية يتبين أنها ليست مجرد ديانة ذات طقوس وعقائد محددة، بل هي بنية دينية–تاريخية تشكّلت عبر مسار طويل من التفاعل بين النص المقدس والتجربة التاريخية لشعب بني إسرائيل، مما جعلها نظامًا مركبًا يقوم على تداخل الوحي الإلهي مع التفسير البشري المتراكم عبر الأجيال. فالتوراة في التصور اليهودي تمثل المصدر المؤسس، غير أن فهمها وتطبيقها لم يظل ثابتًا، بل خضع لعمليات تأويل مستمرة أنتجت ما يعرف بالتقاليد الحاخامية.
(15)
ومن هذا المنظور، فإن اليهودية اصطلاحًا تُفهم بوصفها ديانة “قانونية تفسيرية”، أي أن مركزها لا يقتصر على النص الأولي (التوراة المكتوبة)، بل يمتد إلى النصوص التفسيرية اللاحقة (التوراة الشفوية)، التي تم تدوينها لاحقًا في التلمود، وهو ما منح اليهودية طابعًا تشريعيًا متجدّدًا يقوم على الاجتهاد الديني داخل إطار النص المقدس، لا خارجه.
(15)
كما أن التعريف الاصطلاحي لليهودية لا ينفصل عن بعدها الهوياتي، إذ ترتبط اليهودية ارتباطًا وثيقًا بفكرة “الشعب المختار”، وهي فكرة مركزية في البناء العقدي اليهودي، تُفهم على أنها عهد خاص بين الإله وبني إسرائيل، يتضمن التزامًا متبادلًا: التزام الشعب بالشريعة، والتزام الإله بالرعاية والحماية، وهو ما جعل اليهودية دينًا يحمل في داخله بعدًا قوميًّا واضحًا إلى جانب البعد الديني.
(14)
ويلاحظ كذلك أن اليهودية في الاصطلاح لا تقوم على عقيدة موحدة بالمعنى الصارم كما هو الحال في بعض الديانات الأخرى، بل تتسم بتعدد التيارات والمدارس الفكرية (كالفرّيسيين، والصدوقيين، والرابانيين)، وهو ما أدى إلى تنوع في فهم العقائد والتشريعات داخل الإطار اليهودي نفسه، مع بقاء المرجعية العامة للتوراة والتقاليد الحاخامية.
(13)
ومن جهة التحليل البنيوي، يمكن القول إن اليهودية اصطلاحًا تمثل نظامًا دينيًا يقوم على ثلاث ركائز مترابطة:
• العقيدة التوحيدية التي تؤكد وحدانية الإله.
• الشريعة التفصيلية التي تنظم حياة الفرد والمجتمع.
• الهوية الجماعية التاريخية التي تربط الدين بالشعب والأرض والتاريخ.
هذا الترابط يجعل من اليهودية نظامًا دينيًا ذا طبيعة “كلية”، حيث لا ينفصل الجانب العقدي عن التشريعي أو التاريخي، بل تتداخل هذه الأبعاد لتشكيل هوية دينية–حضارية متكاملة.
(15)
ومن ثمّ، فإن تعريف اليهودية اصطلاحًا لا يمكن اختزاله في كونه تعريفًا دينيًا صرفًا، بل هو مفهوم مركب يعكس تداخل النص المؤسس مع التفسير، والعقيدة مع القانون، والدين مع الهوية، وهو ما يفسر استمرار تطورها عبر التاريخ دون انقطاع، مع احتفاظها في الوقت نفسه بعناصرها الجوهرية الثابتة.
(14)
المبحث الثاني:
تعريف الإسلام لغة واصطلاحا
المطلب الأول: تعريف الإسلام لغة
المطلب الثاني: تعريف الإسلام إصطلاحا
المطلب الأول
تعريف الإسلام لغة:
تعريف الإسلام لغة:
يُعدّ لفظ الإسلام في الاستعمال اللغوي من الجذور العربية الدالة على الخضوع والانقياد، وهو مشتق من سلم التي تدور معانيها حول السلامة، والخلوص من الآفات، والاستسلام. ويُقال في اللغة: أسلمَ الشيءَ أي أذعَن له وانقاد، وأسلمَ لله أي خضع له واستسلم لأمره دون اعتراض، ومنه سُمّي الدين بالإسلام لما فيه من معنى الانقياد التام لله تعالى والتسليم له في الحكم والأمر.
(16)
ويرى ابن منظور أن الإسلام في أصل الوضع اللغوي يدل على الدخول في السِّلم والخضوع، وقيل: هو الإخلاص لله بالتوحيد، لأن من أسلم وجهه لله فقد خرج من الشرك إلى التوحيد، ومن التمرد إلى الطاعة، ومن الاضطراب إلى الطمأنينة، وهو معنى يعكس التحول من حالة الرفض إلى حالة الامتثال الكامل.
(2)
كما يذكر الراغب الأصفهاني أن الإسلام في اللغة هو الانقياد الظاهر والباطن لله تعالى، ويُقال: أسلم الرجل إذا أظهر الخضوع، لكن حقيقة الإسلام أعمق من الظاهر، إذ تشمل تسليم القلب والجوارح لله، ولذلك كان الإسلام في أصله اللغوي يحمل معنى الاستسلام المصحوب بالطمأنينة والرضا، لا مجرد الإكراه أو القهر.
(3)
ويضيف الفيومي أن الإسلام يُطلق في اللغة على الدخول في السِّلم، أي الصلح والأمان، ومنه سُمّي الدين الإسلامي لأنه يدعو إلى السلام بين الإنسان وربه، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والناس، فالإسلام من حيث الأصل اللغوي يحمل دلالة إيجابية قائمة على إزالة التنازع وتحقيق الطمأنينة.
(4)
ويشير الزبيري إلى أن مادة سلم تدل على البراءة من العيوب والآفات، ومنه الإسلام لأنه يُخرج الإنسان من الشرك والضلال إلى الإيمان والهداية، ويجعله في حالة سلام داخلي وخارجي، وهو معنى يربط بين الجانب اللغوي والبعد القيمي في المفهوم.
(5)
ومن خلال هذه الدلالات اللغوية يتبين أن لفظ الإسلام يجمع بين عدة معانٍ مترابطة، أهمها:
• الانقياد والخضوع.
• الدخول في السِّلم والأمان.
• الخلوص من الشرك والاضطراب.
وهذه المعاني تشكل أساسًا لغويًا لفهم المصطلح الشرعي لاحقًا، حيث يتحول الإسلام من مجرد معنى لغوي يدل على الاستسلام، إلى مفهوم ديني شامل يقوم على الإيمان والعمل والتشريع، وهو ما سيتم توضيحه في التعريف الاصطلاحي.
(16)
يُعدّ مفهوم الإسلام في الدلالة اللغوية من أكثر المفاهيم العربية ارتباطًا بفكرة التحول من حالة الاضطراب إلى حالة الاستقرار، إذ إن جذره اللغوي (س ل م) لا يقتصر على معنى واحد، بل يتشعب إلى حقول دلالية متداخلة تجمع بين السلامة، والخضوع، والانقياد، والبراءة من الآفات. وهذا التعدد الدلالي يمنح لفظ الإسلام ثراءً لغويًا يجعله قابلًا لتأسيس معنى اصطلاحي مركب لاحقًا (05).
ويشير ابن منظور إلى أن الإسلام في أصله اللغوي يدل على الدخول في السِّلم، أي الصلح والأمان، وهو في الوقت نفسه يحمل معنى الانقياد والطاعة، لأن من أسلم فقد خرج من حالة التمرد إلى حالة الخضوع، ومن المعارضة إلى الامتثال، ولذلك ارتبط اللفظ في الاستعمال العربي بمعاني الطمأنينة الداخلية الناتجة عن التسليم. (2)
كما يضيف الراغب الأصفهاني بعدًا دلاليًا أعمق، إذ يربط الإسلام ليس فقط بالفعل الظاهر، بل بحالة نفسية داخلية تقوم على الاستسلام التام، فيقول إن الإسلام هو الانقياد الظاهر والباطن، أي أن حقيقته لا تكتمل بمجرد الفعل الخارجي، بل تتطلب موافقة القلب للجوارح، وهو ما يجعل الإسلام في الدلالة اللغوية يحمل بعدًا وجوديًا يتعلق بعلاقة الإنسان بمصدر الأمر والنهي. (3)
ومن جهة أخرى، فإن الفيومي يوسع الدلالة اللغوية للإسلام ليشمل معنى إزالة التنازع والدخول في حالة أمان، إذ إن مادة السِّلم في اللغة تدل على السلامة من العيوب والآفات، ومن ثم فإن الإسلام يُفهم باعتباره انتقالًا من حالة الصراع الداخلي والخارجي إلى حالة السكون والانسجام، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة. (4)
ويؤكد الزبيدي أن مادة (سلم) تتضمن معنى البراءة والخلوص، ومنه سُمّي الإسلام لأنه يُخلّص الإنسان من الشرك والاضطراب العقدي، ويضعه في حالة صفاء عقدي وسلوكي، وهو ما يعكس تصورًا لغويًا للإسلام باعتباره عملية تطهير وانتقال من حالة نقص إلى حالة كمال نسبي في إطار الانقياد لله.
(5)
ومن خلال الجمع بين هذه الدلالات يتبين أن الإسلام في اللغة لا يُفهم كمعنى بسيط أو أحادي، بل هو بنية دلالية مركبة تقوم على أربعة محاور رئيسية:
• الانقياد والخضوع بوصفه استجابة للأمر.
• الصلح والأمان بوصفه إزالة للتنازع.
• السلامة والخلوص بوصفه تطهيرًا من العيوب العقدية والسلوكية.
• الطمأنينة النفسية بوصفها نتيجة طبيعية للتسليم.
وهذا التداخل الدلالي يجعل من لفظ الإسلام مفهومًا لغويًا ذا طابع تحويلي، أي أنه يدل على انتقال الإنسان من حالة إلى أخرى، وهو ما يمهّد لفهمه اصطلاحًا باعتباره نظامًا عقديًا وتشريعيًا يقوم على التسليم الكامل لله تعالى. (13)
المطلب الثاني
تعريف الإسلام اصطلاحا:
يُعرَّف الإسلام في الاصطلاح الشرعي بأنه الدين الذي جاء به النبي محمد ﷺ، القائم على الاستسلام التام لله تعالى بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، مع الإيمان بكل ما جاء به الوحي من عقائد وتشريعات وأخلاق. ويُفهم هذا التعريف على أنه انتقال من الدلالة اللغوية العامة (الاستسلام والخضوع) إلى بناء عقدي وتشريعي شامل يضبط علاقة الإنسان بربه ونفسه ومجتمعه.
(17)
ومن خلال المقارنة مع التعريف اللغوي، يتبين أن الإسلام في الاصطلاح لم يعد مجرد حالة انقياد عامة، بل أصبح نظامًا دينيًا متكاملًا يقوم على ثلاثة أركان مترابطة: العقيدة (الإيمان)، والشريعة (العمل)، والإحسان (البعد القيمي والأخلاقي)، وهو ما يجعل الإسلام إطارًا كليًا ينظم الفكر والسلوك في آن واحد، وليس مجرد مفهوم لغوي يدل على الخضوع.
(17)
ويلاحظ علماء الكلام أن الإسلام في الاصطلاح يختلف عن مجرد “الإيمان” من حيث البنية المفهومية، إذ يُستعمل الإسلام غالبًا للدلالة على الأعمال الظاهرة والانقياد العملي، بينما يُستعمل الإيمان للدلالة على التصديق الباطني، غير أن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا انفصال، لأن الإسلام لا يكتمل بدون الإيمان، كما أن الإيمان لا يظهر أثره بدون الإسلام.
(18)
وفي المقارنة مع الديانات السابقة، يتضح أن الإسلام في الاصطلاح الإسلامي لا يُفهم كديانة إثنية أو قومية، بل كرسالة عالمية موجهة إلى البشرية جمعاء، تقوم على مبدأ التوحيد الخالص ورفض الوسائط بين الإنسان وربه، بخلاف بعض التصورات الدينية السابقة التي ارتبطت فيها النبوة أو العهد الديني بشعب معين أو سلالة محددة، وهو ما يمنح الإسلام بعدًا كونيًا وشموليًا في بنيته العقدية.
(19)
كما أن الإسلام اصطلاحًا لا يُختزل في الجانب العقدي فقط، بل يمتد ليشمل النظام التشريعي الكامل الذي ينظم حياة الإنسان، من العبادات إلى المعاملات والأخلاق، وهو ما يجعله دينًا يجمع بين البعد الروحي والبعد العملي، بحيث لا ينفصل الاعتقاد عن السلوك، ولا العبادة عن الحياة اليومية.
(17)
ومن الناحية التحليلية، يمكن القول إن الإسلام في الاصطلاح يمثل “منظومة استسلام واعٍ”، أي أنه ليس خضوعًا قسريًا أو سلبيًا، بل هو تسليم نابع من المعرفة والاقتناع، يقوم على إدراك الإنسان لوحدانية الله وحكمته، مما يجعل الطاعة فيه اختيارًا واعيًا وليس مجرد انقياد آلي، وهذا ما يميز المفهوم الإسلامي عن مجرد الخضوع اللغوي العام.
(18)
وعند المقارنة بين الإسلام وغيره من المفاهيم الدينية، يتضح أنه يجمع بين:
• (اليقين العقدي (الإيمان بوحدانية الله.
• (الالتزام التشريعي (العمل بالشريعة.
• (التحول السلوكي )الالتزام الأخلاقي
وبذلك فإن الإسلام اصطلاحًا هو بنية متكاملة تجمع بين الفكر والسلوك، وبين الفرد والمجتمع، وبين الدنيا والآخرة، وهو ما يجعله نظامًا دينيًا شاملاً وليس مجرد معتقد نظري. (19)
يتسع تعريف الإسلام في الاصطلاح عند علماء العقيدة ليشمل كونه دينًا إلهيًا خاتمًا يقوم على الاستسلام لله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، والانقياد له في الحكم والتشريع، مع التصديق الجازم بكل ما جاء به النبي محمد ﷺ من عند الله. وبذلك لا يُفهم الإسلام اصطلاحًا بوصفه مجرد انتماء ديني، بل بوصفه منظومة عقدية وتشريعية شاملة تؤسس لعلاقة كلية بين الإنسان وربه والعالم من حوله. (17)
وعند التعمق في هذا التعريف يظهر أن الإسلام اصطلاحًا يقوم على مبدأ مركزي هو التوحيد، أي إفراد الله بالعبادة والربوبية والألوهية، وهو ما يجعل الإسلام في جوهره رفضًا لكل صور الشرك الظاهر والخفي. فالتوحيد ليس مجرد عنصر ضمن العقيدة، بل هو البنية التأسيسية التي تنبني عليها بقية عناصر الإسلام، من تشريع وأخلاق وسلوك، مما يجعل الإسلام نظامًا توحيديًا متكاملًا لا يقبل التجزئة. (18)
ومن جهة أخرى، يميّز علماء الكلام بين الإسلام بوصفه انقيادًا ظاهريًا والإيمان بوصفه تصديقًا باطنيًا، غير أن هذا التمييز لا يعني الانفصال، بل العلاقة بينهما علاقة تداخل تكاملي، إذ إن الإسلام الظاهر (الأعمال والأقوال) لا يكون معتبرًا شرعًا دون أصل الإيمان، كما أن الإيمان لا يكتمل أثره دون الإسلام الظاهر الذي يُترجم إلى سلوك عملي.
(18)
وفي المقارنة مع الدلالة اللغوية، يتبين أن الإسلام في الاصطلاح انتقل من معنى “الاستسلام” العام إلى معنى الاستسلام المنظّم الموجَّه بالوحي، أي أن الخضوع في الإسلام ليس خضوعًا مطلقًا لأي سلطة، بل هو خضوع لله وحده وفق منهج إلهي محدد، مما يضفي على الإسلام طابعًا تشريعيًا دقيقًا يضبط حركة الإنسان في الحياة.
(19)
كما أن الإسلام اصطلاحًا يتميز بكونه دينًا شاملًا للحياة الإنسانية بكل أبعادها، فلا يقتصر على الجانب الشعائري (العبادات)، بل يمتد إلى المعاملات، والأخلاق، والنظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، مما يجعله مشروع حياة متكاملًا يهدف إلى تحقيق التوازن بين الروح والمادة، والفرد والمجتمع.
(17)
ومن الناحية التحليلية البنيوية، يمكن القول إن الإسلام يقوم على ثلاث دوائر متداخلة:
• الدائرة العقدية: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
• الدائرة التشريعية: الأحكام المنظمة لسلوك الإنسان (عبادات ومعاملات).
• الدائرة الأخلاقية: تزكية النفس وبناء السلوك القيمي (الإحسان).
وتداخل هذه الدوائر يجعل الإسلام نظامًا معرفيًا–سلوكيًا متكاملاً، حيث لا يمكن فصل الاعتقاد عن التشريع أو الأخلاق، بل كل عنصر يغذي الآخر ويكمله.
(19)
ومن منظور مقارن مع الأديان السابقة، يتبين أن الإسلام في الاصطلاح يتميز بكونه رسالة خاتمة وعالمية، أي أنه لا يرتبط بقوم أو زمان محدد، بل موجّه إلى الإنسانية جمعاء، بخلاف بعض التصورات الدينية التي ارتبطت تاريخيًا بشعوب معينة أو عهود خاصة، مما يمنح الإسلام صفة الشمول والدوام في الخطاب والتكليف.
(17)
كما أن الإسلام اصطلاحًا يُفهم بوصفه استجابة واعية للخطاب الإلهي، أي أن الانقياد فيه ليس إكراهًا، بل مبني على العلم واليقين، حيث يتأسس على إدراك الإنسان لوحدانية الله وعدله وحكمته، فيتحول الامتثال من مجرد فعل خارجي إلى التزام داخلي نابع من الاقتناع، وهو ما يميز الإسلام عن أي خضوع غير معرفي.
(18)
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
المستخلص أثر ممارسات إدارة الموارد البشرية في تحقيق التميز المؤسسي دراسة تطبيقية على عينة من بلديات ...
often mixed ordinary speech with paradoxes and puns. The results were strange, comparing unlikely th...
رقابة قضائية حارسة لحقوق القاصر لا أداة لتسهيل ما حظره المشرع أصالةً. انتهى هذا الفصل من مقاربة سلطة...
1. Introduction The telecommunications sector serves as the essential infrastructure of the modern d...
يتضح من خلال هذا الفصل أن المشرع الجزائري نظم مسألة ترشيد القاصر للزواج بهدف تحقيق التوازن بين حماية...
بابا الفاتيكان "لاون الرابع عشر" يعد واحدا من أهم الرموز الدينية على الساحة الدولية، وفي أية دولة يص...
تسهم الدراسة في إضافة المعرفة إلى الدراسات العربية حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على اللغة العرب...
My Life in Spain morning everyone. Today I am going to talk about my life in Spain. Spain is a bea...
When the diabetes steps in the blood sugar levels start to drift out of hands. And for those who are...
إظهار مهارات القيادة في بيئة العمل أظهرت الأخصائية النفسية القيادة المهنية من خلال تنظيم العمل وتحمل...
كان يا ما كان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، كان هناك صياد سمك فقير يدعى "عجيب". لم يكن عجيب ...
✨✨✨✨✨✨✨ 📌الرسم المطلوب ١-خلية العصبية ص٣٦ كتابة البيانات ٢-القلب ص ٨٦ ٣- جهاز التناسلي الأنثو...