الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

يقول إنه مثال لطريقة الثقافة فى فهم الإيقاع، وبناءً عليه لا يمكن أن يختزل إلى مجرد وظيفة" للمجتمع (كما بدا للأنثروبولوجيين الاجتماعيين البريطانيين). كان بواس ناقدا مبكرا لا يكل ولا يمل للعنصرية والعلم الذى يستوحى منها - كان للأخير مؤيدون خلال تأسيس الأنثروبولوجيا الفيكتورية. مثل أنثروبولوجيين دفعوا بأن كل جنس" لديه إمكانية فطرية مميزة للتطور الثقافى. أجاب بواس بأن الثقافة نسيج وحدها sui generis وأن الاختلافات الموروثة لا تفسر المدى الهائل من التفاوت الثقافى الذى قام بتوثيقه الأنثروبولوجيون. إن مصطلح النسبية الثقافية الذى أشرنا له مرات عديدة أنفا، صكه فى واقع الأمر بواس. كثيرا ما يسأل هل تفهم النسبية على أنها ضرورة أخلاقية أم منهجية، وغالبا تكون الإجابة أن النسبية الثقافية هى منهج. بالنسبة لبواس، فالمنهج والأخلاق كانا بالنسبة له وجهين لعملة واحدة. لقد فرض بواس سيطرته على الأنثروبولوجيا الأمريكية طيلة عقدين من الزمان، غير أنه لم يخلف نظرية كبيرة أو عملا تذكاريا يقروه كل جيل ناجح من الأنثروبولوجيين. حيث أسست بسهولة جدا تشابهات مصطنعة بين مجتمعات كانت مختلفة فى الأساس. وبالتالى كان بواس فردانيا منهجيا صريحاً (١)، وحيث يفسر شكوكيته الممتدة بالنسبة لدور كايم. إن طلاب بواس هم تقريبا كل الأنثروبولوجيين الأمريكيين المهمين للجيل التالى (مع بعض الاستثناءات الملحوظة التى سنعود إليها ). الذى أسس قسم الأنثروبولوجيا فى جامعة بيركلى، والمؤرخ الثقافى الرفيق إدوارد سابير (١٨٨٤- ١٩٣٩) مؤسس قسم الأنثروبولوجيا فى جامعة بيل، وأستاذ قسم الأنثروبولوجيا بجامعة نورث ويستيرن، ١٩٤٨) الذى خلف بواس بجامعة كولومبيا وكون مدرسة "الشخصية والثقافة"، فإن الأنثروبولوجيا الثقافية التى أيدها بواس تطورت فى عدة اتجاهات خلال حياته نفسها (الفصل الرابع). ثمة تنوع أكبر حدث فى الخمسينيات، عندما أعيد اكتشاف مورجان وقام طلاب رادكليف براون بتطوير بصمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية الخاصة بهم. ومع ذلك يظل ميراث بواس فى قلب الأنثروبولوجيا الأمريكية حتى ذلك اليوم. وبعد أربع وعشرين سنة من اتخاذ بواس قراره المشئوم بالبقاء فى الولايات المتحدة، انتقل مفكر بولندى شاب من لايبزج إلى لندن. نال برونيسلاف مالينوفسكى درجة الدكتوراه فى الفيزياء والفلسفة قبل ذلك بيضع سنوات فى كراكاو، لقد درس فى جامعة لايبزج علم النفس والاقتصاد وقد أقنعه عالم النفس الاجتماعى فلهلم فونت (١٨٣٢-١٩٢٠) بأن المجتمع يجب أن يستوعب على نحو شمولى، وقام بالانتقال للدراسة على يد سليجمان بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية LSE، حيث كان لها سمعتها فى تهيئة ظروف مناسبة لبحث الميداني الغريب. قام مالينوفسكى بعد ذلك بأربع سنوات بدراسة ميدانية مدتها ستة أشهر على جزيرة لساحل غينيا الجديدة، بعد إقامة قصيرة فى أستراليا، نفس المنطقة التى سوف يقضى فيها ما يقرب من سنتين دفعة واحدة، معظمهم من الذين سوف يتركون بصمتهم على المجال فى العقود التالية. وهو فى خضم دراسة عن التغير الاجتماعى بين الفلاحين الهنود فى المكسيك. كان يوقع على نفسه أمر الإعدام. لقد زعم أن مالينوفسكى اعتقل بالفعل فى جزر التروبرياند إبان الحرب العالمية الأولى، قد احتفظ بمعايير منهجية صارمة. هى العيش مع الأناس محل الدراسة وتعلم المشاركة بقدر الإمكان فى حياتهم وأنشطتهم. كان أمرا جوهريا أن تقيم طويلا بما يكفى فى الميدان حتى تصبح معتادا على الطريقة المحلية للحياة، فليس ثمة حقيقة تافهة على أن تسجل. وعلى قدر ما كان ممكنا عمليا، كان ينبغى على الإثنوجرافى أن يشارك فى المسار العام للحياة اليومية، متجنبا أسئلة معينة يمكنها أن تغير مسار الأحداث، ودون أن يلزم نفسه بمناهج غير محددة. كان يجمع بيانات عن محصول البطاطا، بالإضافة إلى أشياء أخرى، غير أن مالم يقم به بأى درجة ذات مغزى هو أن يضع سكان الترويرياند داخل سياق تاريخى أو إقليمي أكبر. فى هذا الصدد يمثل فى مقارنة لافتة مع زميله الفرنسى مارسيل موس الذي كان متخصصا فى منطقة المحيط الهادى مع لعلومات أكبر وأعمق عن التاريخ الثقافى للمنطقة من مالينوفسكى، لستوحى كلية من بياناته عن الترويرياند. حاجات الإنسان والبنية الاجتماعية، المعتقدات والممارسات التى تظهر جميعها دون شك أن المجتمع البدائى البسيط القريب من قاع السلم التطورى، كان فى حقيقة الأمر عالما معقدا بدرجة شديدة ومتعدد الوجوه فى حد ذاته. فصاعدا سوف يصبح السياق والصلات التبادلية سمات جوهرية لأى إسهام أنثروبولوجى. لقد استقبل الأنثروبولوجيون اللاحقون آراء مالينوفسكى النظرية على وجه العموم حماس أقل من مناهجه والإثنوجرافيا الخاصة به. فالممارسات والنظم الاجتماعية كانت وظيفية بمفهوم أنها تتكيف معا ف ao فالنظم موجودة من أجل الناس، حاجاتهم البيولوجية فى النهاية هى المحرك الأساسى للثبات والتغير الاجتماعى. لم يتم استقباله على نحو محبب بالمرة. طيلة عدة عقود بعد موت مالينوفسكى استمر نجمه فى الأفول، إلى أن تم التحرر من الوهم مع نظرية ضخمة وضعت إبان السبعينيات أدت إلى رد الاعتبار إليه فى الأوساط الأنثروبولوجية على كلا الجانبين من المحيط-على حساب زميله ومنافسه رادكليف براون. لقد شدد مالينوفسكى اهتمامه على التفاصيل وأهمية فهم وجهة نظر البدائى، بوصفه علامة على تدريبهما الألمانى المشترك. على أن مالينوفسكى اختلف عن بواس فى معارضته للاستغراق فى أى شكل من الإصلاحات التاريخية. لقد شن مع رادكليف براون حملة معادية لكل من التطورية والتاريخية كانت ناجحة بحيث حجبت المادة بدرجة كبيرة عن الأنثروبولوجيا البريطانية لما يقرب من نصف قرن. لقد سمى مالينوفسكى نفسه بالوظيفى، فالفرد لدي مالينوفسكى هو أساس المجتمع. أما الفرد بالنسبة للوظيفيين البنائيين أتباع دوركايم فهو ظاهرة ثانوية للمجتمع وعلى قدر قليل من الأهمية الجوهرية- ما كان يهم هو استنباط عناصر البنية الاجتماعية. إن هذين النسبين للأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية- الوظيفية البيونفسية والوظيفية البنائية السيسيولوجية- يلقيان الضوء على توتر رئيسى فى المجال، بين ما أشير إليه بالوكالة والبنية agency and structure. فالفرد لديه وكالة بمفهوم أنه أو أنها خالق المجتمع. والمجتمع يفرض بنية على الفرد ويحدد اختياراته أو اختياراتها. ولكن إبان الحرب لم يكن هذا ليرى فى الأنثروبولوجيا البريطانية. إن وظيفية مالينوفسكى والوظيفية البنائية لرادكليف براون قد فهما على أنهما وجها نقيض. علم الطبيعة الخاص بالمجتمع عند رادكليف براون انتمى الفريد ريجينالد رادكليف براون (١٩٥٥-١٨٨١) إلى جيل مالينوفسكى، غير أن خلفية أسرته لم تكن عالمية وفكرية ولكن كانت خلفية لطبقة عاملة إنجليزية. لكى ينتقل إلى الأنثروبولوجيا. لكنه سرعان ما سينتقل إلى مسار نظرى مختلف. وكما كان الحال مع بواس ومالينوفسكى، قضى رادكليف براون سنوات الحرب فى بناء مؤسسات أكاديمية لاحقة متطورة مكرسة للأنثروبولوجيا الجديدة. لكنه على العكس منهما قضى فترات طويلة فى حياته العملية أكاديميا متنقلا، مؤسسا وسطا أنثروبولوجيا مهما فى كيب تاون، لذا عندما عاد أخيرا إلى أكسفورد ليقبل مقعدا فى الأنثروبولوجيا الاجتماعية سنة ١٩٣٧ ، عندما سافر مالينوفسكى إلى الولايات المتحدة فى السنة التالية، جمع رادكليف براون الأعنة فى يديه وأصبح الشخصية الرائدة للأنثروبولوجيا فى بريطانيا. إن العديد من الأنثروبولوجيين المتأثرين به، بما فيهم إيفان بريتشارد وفورتس (الفصل الرابع) كانوا فى الأصل طلابًا لمالينوفسكى، وهكذا اجتازت الأنثروبولوجيا البريطانية إبان الحرب مرحلتين: الأولى فترة سيطرت عليها الإثنوجرافيا التفصيلية مع تركيز إقليمى على منطقة المحيط الهادى، لقد تبع رادكليف براون دوركايم فى رؤيته بأن الفرد أساسا هو نتاج المجتمع. بينما كان مالينوغسكى يدرب طلابه أن يخرجوا ويبحثوا عن الدوافع الإنسانية ومنطق الفعل، بينما طلب رادكليف من طلابه أن يكتشفوا قواعد بنائية تجريدية وأليات مدمجة اجتماعيا. رغم أن التفاوت كثيرا ما يبالغ فيه فى الإسهامات التاريخية، لكن النتيجة أحيانا كانت عبارة عن أساليب بحث مختلفة على نحو مدهش. إن الآليات التى أراد رادكليف براون أن يحددها كانت ذات أصل دوركايمى، مشابهة ربما للتمثيلات الجماعية اللاحقة. غير أن رادكليف براون كان لديه أمال واضحة لتحويل الأنثروبولوجيا إلى علم واقعى"، إن المجتمع مرتبط ببعضه البعض ببنية قواعد قانونية وأوضاع اجتماعيه ومعايير أخلاقية تحدد وتنظم السلوك. فى عمل رادكليف براون، توجد مستقلة عن العوامل الفردية التى تنتجها. إن الأشخاص الحقيقيين وعلاقاتهم هى مجرد نماذج للبنية، إن البنية الاجتماعية يمكن أن تنقسم أبعد من ذلك إلى مؤسسات منفصلة أو نظم فرعية، والمخصصة للتأميم وتقسيم العمل فى الأسرة، جميعها يساهم فى حفظ البنية الاجتماعية ككل. فرادكليف براون يبدو أنه يصرح بأن المؤسسات موجودة لأنها تحافظ على الكل الاجتماعى، بمعنى أن وظيفتها هى أيضا سبب وجودها. إن علاقة السبب بالنتيجة تصبح غامضة وملتبسة، ومثل هذا الاستنتاج الحشوى أو الارتجاعى مستهجن بصفة عامة فى التفسيرات العلمية. على أن هذا البحث النقدى يسرى على حد السواء بالنسبة لكل أشكال الوظيفية، اختلاف رادكليف براون فى الموضوع. المتلهفين كدأبهم لأن يبدوا علماء بمعنى الكلمة، إن رابطة براون بين النظرية الاجتماعية الدور كايمية والمادة الإثنوجرافية وطموحاته نيابة عن الفرع المعرفى، أحدثت برنامجا بحثيا جديدا وجذابا توجهت إليه أسراب من الباحثين الموهوبين، لقد كان الأنثروبولوجيون منذ مورجان مدركين أن القرابة كانت هى المفتاح لفهم النظام الاجتماعى فى المجتمعات المصغرة. إن نظام القرابة كان يفهم ببساطة بأنه دستور غير مكتوب للتفاعل الاجتماعى، على طريقة استخدام التناظرات البيولوجية التى كان يفضلها دوركايم) للدعم الذاتى، متكاملة على نحو عضوى ومع ذلك كينونة مجردة تسمى بالبناء الاجتماعى social لقد كان من الأهمية الخاصة بمكان لهؤلاء الباحثين أن القرابة كان يعتبر أنها تؤدى وظيفيا بوصفها إطارًا لخلق الجماعات أو هيئات فى مثل هذه المجتمعات. ربما يكون لدى الجماعات حقوق جماعية، على سبيل المثال بالنسبة للأرض أو الحيوانات. كانت هذه الجماعات ودينامياتها هو ما بدأ الوظيفيون البنائيون فى دراسته، إن رادكليف براون كان نفسه على وجه الخصوص غير مغرم بكلمة "الثقافة" فبالنسبة له لم تكن القضية المحورية هى ماذا يعتقده المحللون وماذا يؤمنون به، ولكن بالأحرى كيف كان مجتمعهم متكاملا، و"القوى التى ربطته معا ككل. فالتنظيمات المعاصرة من وجهة نظره موجودة لأنها وظيفية فى الوقت الحالى، بالتأكيد ليس ك رواسب" لعصر غابر. فهى مفهومة فى الوقت الحاضر أو ليس على الإطلاق. فحيث لم يكن ثمة دليل، هنا كان مالينوفسكى ورادكليف براون على اتفاق تام. لقد وجد مالينوفسكى ورادكليف براون نسبين فى الأنثروبولوجيا البريطانية، حيث كانا من وجهة نظر البعض فى تنافس مباشر، كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية فى طريقها جيدا لكى تصبح مجالا أكاديميا راسخا (كان البعض يقول لم يكن النسبين كلية قصرا على الزواج من الأقارب. لقد كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية عبارة عن قبيلة صغيرة حيث الجميع يعرفون بعضهم البعض. والأخرى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بلندن، وسليجمان وفى الجيل التالى ريموند فيرث. إن جميع الأنثروبولوجيين الاجتماعيين تقريبا الذين تعلموا فى فترة الحرب ارتبطوا بأحد هذين المركزين. فنظرا لأن رادكليف براون ومالينوفسكى كانا نادرا ما يكونان فى الوطن فى الوقت نفسه، كان العديد من الطلاب مضطلعين على كل منهما ومتابعين لمحاضراتهما. والبعض انتقل لاحقا إلى رادكليف براون. أما بالنسبة للطلبة الذين بقوا مالينوفسكفيين فى توجههم فكان من بينهم فيرث وأودرى ريتشاردز وإدموند ليتش وإيزاك سكابيرا. إن كلا من مالينوفسكى ورادكليف براون كان له تأثير دائم على الفرع؛ فمناهج مالينوفسكى الميدانية تبناها بحماس أعضاء من المعسكر الآخر، والجميع كان عليه أن يرتبط بمفاهيم رادكليف براون عن البناء والوظيفة وعلم النسب التالى لعقد على الأقل بعد مماته. كان اتساع الأنثروبولوجيا الاجتماعية حثيثا، فقد كان هناك قبل الحرب العالمية الثانية أقل من أربعين مريدا على امتداد بريطانيا. لم يساهم رادكليف براون بجزء صغير فى هذا. فخلال فترة تجواله الطويلة أنشأ أقساما للأنثروبولوجيا معتبرة فى كيب تاون وسيدنى ودلهى وشيكاغو. أثناء إقامته فى كيب تاون ( ١٩٢٠- تعاون مع أحد طلاب مالينوفسكى القدامى، إيزاك سكابيرا الذى سيتولى فيما بعد إدارة القسم هناك لسنى عديدة. بينما كان فى سيدنى راح يشجع على الدراسة العلمية للغات البدانية، ساهم فى إضفاء الطابع الأوروبى على جزء من الأنثروبولوجيا الأمريكية، بأسلوب مستحدث لأنثروبولوجيا ميكرو سيسيولوجية حيث سوف يصبح فيما بعد شديد التأثير. ن. سرينيفاز عاملا مساعدا فى تأسيس الأنثروبولوجيا الاجتماعية الهندية باعتبارها فرعًا وظيفيًا بنائيًا إلى حد كبير. موس والبحث عن ظاهرة اجتماعية شاملة ورادكليف براون يحاضر ويقوم بعمل ميدانى فى جنوب أفريقيا، وبواس مشغولا فى إعداد أول جيل من الأنثروبولوجيين الأمريكيين بقاعدته فى نيويورك سيتى، الذى عمل معه بالفعل لمدة عقدين من الزمان حل محله بوصفه قاندًا لحلقة الحولية السيسيولوجية. لم تكن بالأوقات السهلة. فقد قضى العديد من معاصرى موس اللامعين فى الحرب، المقارن، نقد رأى موس عمله استمرارا لعمل دوركايم، وكلا الرجلين اشتركا فى تصور شمولى عن المجتمع، لتعضى اجتماعى social organism. لقد قسم موس على ضوء هذه الخلفية دراسة الأنثروبولوجيا إلى ثلاثة مستويات من التحقيقات: الإثنوجرافيا، وهى الدراسة المفصلة للأعراف والمعتقدات والحياة الاجتماعية، والأنثروبولوجيا، لم يقم موس نفسه بعمل ميدانى قط، غير أن دورات التخرج لديه بمعهد الإثنولوجيا الذى أسسه سنة ١٩٢٥ ، كانت مركزة بشدة على القضايا المنهجية. منصبا على الثقافات غير الأوروبية والمهجورة. كان مشروعه وثيق الارتباط بمشروع مالينوفسكى، أو رادكليف براون أو بواس. على أن هدفه الصريح كان صنيف مجتمعات واكتشاف سمات بنائية مشتركة لأنماط مجتمعية مختلفة، من أجل تطوير فهم عام للحياة الاجتماعية. ناهيك عن أن موس مقارنة بزملائه البريطانيين لم يتردد فى أن ستفيد من المادة التاريخية متى كان الأمر له صلة. إن "القوانين العامة" التى تحدث عنها رادكليف براون كانت غائبة بنحو لافت عن عمل موس الذى كان ذا ميول إنسانية أكثر منها علمية. الهدية Essai sur السيسيولوجية، إلى آخره. كتاب يستخرج أدب تعليق كبير ومهم، ساحرا لب العديد من نجوم الفكر مثل جاك دريدا وجان بودريار وبيير بوردو إبان النصف التالى للقرن العشرين. ولهذا السبب، يعتبر تبادل الهدية وسيلة لإقامة علاقات اجتماعية، إنه أمر ملزم أخلاقيا ومدمج اجتماعيا. إن منح الهدية له مظهر استراتيجى ونفعى. فهو يمارس من قبل أفراد يحاولون رفع اهتماماتهم الخاصة وليس على الأخص فى السياسة. فى النهاية نجد أن الهدية لها مظاهر رمزية مهمة نظرا لأن الأشياء المعطاة والمستقبلة تصبح رموزا لعلاقات اجتماعية كذلك ظاهرة ميتافيزيقية. (إذا بدا هذا ملتبسا، فكر فى القيمة المتوافقة فى نمط مجتمعنا للأثاث العتيق والفن القديم!) رغم أن تبادل الهدايا يحدث فى كل مجتمع فإن أهميته انحسرت فى التاريخ الأوروبى. حيث يشير إليها باعتبارها مواقف تهادى كلية مثل هذه الهدايا تمثل تجسيدات لمدى كامل من العلاقات aop هدايا عيد الميلاد ربما تعد أكثر مقاربة للإعارات الكلية فهى تستدعى مدى كبيرًا من المؤسسات- الأسرة والمسيحية والرأسمالية والاستهلاكية والعطلات والطفولة - ناهيك عن العلاقات الشخصية. فباسم الهدية يسأل موس كم تكون المجتمعات متكاملة وكم يكون الأفراد مرتبطين ببعضهم البعض من خلال التزامات أخلاقية. إنه عمل مركب من الأنثروبولوجيا الاقتصادية والتاريخ الثقافى والتحليل الرمزى والنظرية الاجتماعية العامة، حيث يجسر العديد من الفجوات التى تميزت بها الأنثروبولوجيا مؤخرا. لقد ترك وراءه مدى من الأسئلة عالجها طلابه بحنكة بالغة، من أكثرهم شهرة كلود ليفى شتراوس ولويس دومون. من قبيل المصادفة أن موس ورادكليف براون لم يكونا قط قريبين مهنيا أو شخصيا. لقد تضمنت الأنثروبولوجيا الفرنسية خلال العقود الأولى من القرن العشرين العديد من الشخصيات المؤثرة إضافة إلى دوركايم وموس. الذى لم يكن قط من زمرتهما، عالما مثقفا ومبتكرا حيث طور دراسات المجتمعات الريفية فى فرنسا باعتبارها جزءًا من الأنثروبولوجيا (أو بعبارة أخرى "الأنثروبولوجيا فى الوطن ليست ابتكارًا حديثًا"). طقوس العبور ١٩٠٩) Les Rites de passage). والكتاب عبارة عن دراسة مقارنة لطقوس الاستهلال التى يتم فيها الانتقال من وضعية اجتماعية إلى وضعية اجتماعية أخرى. إن أكثر الطقوس انتشارا هى تلك المرتبطة بالميلاد والبلوغ والزواج والموت. مستبقا سوسيولوجيا الدين لدى دوركايم، تقوى تكامل كل من المستهلين والمشاهدين. ورغم أن عمله يعرف إلى حد كبير (بالسمع) باعتباره نموذجًا مضحكًا لوجهات النظر غير الصائبة عن العصور الغابرة، فإنه ليس من أدنى شك فى أن ليفى برول فتح مجالا جديدا للبحث الميدانى، ففى كتاب العقلية البدائية ١٩٢٢) Mentalite primitive) وكتب تالية، دفع ليفى برول بأن الأناس الأميين يفكرون بطريقة مختلفة نوعيا عن الأناس المتعلمين، فهم لا يعقلون بنحو منطقى ومتماسك بل بنحو شعرى ومجازى. رغم أن معاصريه من لوى فى الولايات المتحدة إلى شميدت فى ألمانيا كانوا بصفة عامة ناقدين لعمله، لكنه أطر لمجال تحليلى أثبت ثراءه فيما بعد: الدراسة المقارنة لأنماط التفكير ومشكلات الترجمة بين الثقافية المرتبطة بمثل هذه الاختلافات. غير أن تأثير ليفى برول كان أقوى خارج الأنثروبولوجيا منه داخلها. حيث لم تكن أراؤها المثالية عن العقلية البدائية فى حاجة لأن تأخذ الدراسات الميدانية بعين الاعتبار. تأسست طوائف من "الأنثروبولوجيين الجدد" فى بريطانيا العظمى وفرنسا والولايات المتحدة، فحصيلة الأمر لم تكن تتجاوز مائتى أنثروبولوجى محترف فى العالم، لم يكن قد مر سوى ثمانين عاما منذ أن نشر مؤسسا الأنثروبولوجيا الجديدة فى بريطانيا عمليهما الخارقين- وسيكون من التضليل أن نتحدث عن "مدرسة بريطانية " فى ذلك التاريخ المبكر. كان رادكليف براون لم يزل فى سيدنى وسوف يقضى معظم الثلاثينيات فى شيكاغو. كان مؤسسو الأنثروبولوجيا الحديثة ينتمون إلى مجموعة صغيرة رغم اختلافاتهم العديدة لكن كان لديهم الكثير مما يشتركون فيه. الأهم ربما أنهم جميعهم كانوا يحاولون ترسيخ الأنثروبولوجيا فى "دراسة مفصلة للعادات، فالطقس لا يمكن أن يختزل فى "رواسب" survivals ماض افتراضى منفصلة. إذ يجب أن يلاحظ فى سياق علاقته بالمجتمع الكلى الذى يعتبر جزء منه فى هذا المكان وتلك اللحظة. فى واقع الأمر، ربما نزعم أيضا أن المفهوم بأن لا يجب أن يكون مبعث دهشة أنه عند دخوله الأنثروبولوجيا أحدث ثورة نظرية شارك فيها كل المؤسسين الأربعة بجهد أو بآخر. رغم الحجم الضئيل للفرع فإن الاختلافات بين التقاليد القومية كانت مميزة بالفعل، عندما قضى المؤسسون جميعهم، انتشرت هذه التصورات أو الأساطير هذه الأيام ونزعت لكى تسمح لبعض من أكثر الطبائع وضوحا لكل من الرجال الأربعة أن يلقى بالظلال على جميع الآخرين. وعليه يجب أن يكون حاضرا فى ذهن القارئ أن العلاقات الأكاديمية بين الأنثروبولوجيين يست أقل تعقيدا من علاقات البشر بصفة عامة (انظر ليتش ١٩٨٤) وهكذا اتفقا كل من بواس وموس على أنه ليس ثمة صراع شديد بين التاريخ الثقافى والدراسات المتزامنة وبالتالى احتفظ كلاهما باهتمام بالانتشارية، بينما اعتبر رادكليف ومالينوفسكى أن مثل هذه الاهتمامات "غير علمية". يعكس هذا الشقاق بجلاء حقيقة أن الأنثروبولوجيين البريطانيين كانا مشغولين ب "ثورة "، أقل الأربعة ميولا للسيسيولوجيا، مرتابا فى "العلم الفرنسى الذى بشر به رادكليف براون فى شيكاغو، فى هذا الصدد، غير أن هذا التوحد شابه النقصان بدوره. بينما كان رادكليف براون وموس جماعيين منهجيين ملتزمين راحا يفتشان فى أسرار "المجتمع ككل"، ولكن خصوصية مالينوفسكى ركزت على الحاجات الجسدية للفرد، إن الطبائع الشخصية المحضة للرجال الأربعة أثرت بدورها فى العلم الجديد للمجتمع. لدرجة أن نقطة عمائه الواضحة، عدم ثقته فى التعميم، أصبحت نقطة عماء جيل. باستثناءات قليلة للغاية (من بينها الشهير بيندكت ١٩٣٤)، كانت التعميمات ذات المدى الكبير غائبة عن الأنثروبولوجيا الأمريكية فى القرن العشرين حتى بعد موت بابا فرانز". خيرا، كان ثمة اختلافات نظامية بين التقاليد القومية الثلاثة ليست بالأكاديمية ولا بالشخصية. أصبحت الأنثروبولوجيا الأمريكية اكثر اتساعا وفرعا أكثر ترسيخا من أوروبا. كانت تشمل على مائة وخمسة وسبعين عضوا. على أنه بعد ذلك فى سنة ١٩٣٩ لم يكن هناك سوى عشرين أنثروبولوجيا محترفا فى الإمبراطورية البريطانية برمتها، وعندما تأسست جمعية الأنثروبولوجيين الاجتماعيين في بريطانيا سنة ١٩٤٦ لم يكن بها سوى واحد وعشرين ممن يتمتعو ) كانت العضوية فى هذه النخبة أكثر أهمية من الحدود الصارمة، وبناءً عليه كان الأنثروبولوجيون منهمكين فى تعاون مكثف وجدال مع علماء الاجتماع والفلاسفة والمؤرخين وعلماء النفس وعلماء اللغة. فإنه لم يكن هناك نفس الشعور القوى بفرع جديد وثورى آخذ فى التشكل، كانت مدارس الأنثروبولوجيا الحديثة المبكرة قد ترسخت بثبات. كانت الأنثروبولوجيا الفيكتورية لتيلور وفريزر ومادية مورجان وانتشارية الألمان قد علاها طبقة سميكة من الغبار. فى بعض الحالات (نتذكر تابعى موس ورادكليف براون) وتقريبا أحداث الماضى للشعائر الدينية. لم يكن قد بدأ بعد انتشار الفرع الجديد. فى ألمانيا ظل الانتشاريون يؤثرون حتى بعد الحرب العالمية الثانية،

النص الأصلي

الكواكيوتل، على سبيل المثال، يقول إنه مثال لطريقة الثقافة فى فهم الإيقاع، وبناءً عليه لا يمكن أن يختزل إلى مجرد وظيفة" للمجتمع (كما بدا للأنثروبولوجيين الاجتماعيين البريطانيين). لابد للمرء بدلا من ذلك أن يسأل ماذا كان يمثل هذا الإيقاع للأناس الذين يرقصون عليه، ولا يمكن العثور على الإجابة سوى باكتشاف الحالات الانفعالية التى تحدث الإيقاع وتلك التى يحدثها الإيقاع (بواس ١٩٢٧).
كان بواس ناقدا مبكرا لا يكل ولا يمل للعنصرية والعلم الذى يستوحى منها - كان للأخير مؤيدون خلال تأسيس الأنثروبولوجيا الفيكتورية. مثل أنثروبولوجيين دفعوا بأن كل جنس" لديه إمكانية فطرية مميزة للتطور الثقافى. أجاب بواس بأن الثقافة نسيج وحدها sui generis وأن الاختلافات الموروثة لا تفسر المدى الهائل من التفاوت الثقافى الذى قام بتوثيقه الأنثروبولوجيون. إن مصطلح النسبية الثقافية الذى أشرنا له مرات عديدة أنفا، صكه فى واقع الأمر بواس. فى أيامنا نحن، كثيرا ما يسأل هل تفهم النسبية على أنها ضرورة أخلاقية أم منهجية، وغالبا تكون الإجابة أن النسبية الثقافية هى منهج. بالنسبة لبواس، كان هذا يبدو بلا شك حذلقة. فالمنهج والأخلاق كانا بالنسبة له وجهين لعملة واحدة.
لقد فرض بواس سيطرته على الأنثروبولوجيا الأمريكية طيلة عقدين من الزمان، غير أنه لم يخلف نظرية كبيرة أو عملا تذكاريا يقروه كل جيل ناجح من الأنثروبولوجيين. ربما كان السبب الرئيسى هو عدم ثقته فى التعميمات العاجية. أثناء دراساته مع باستيان كان متخوفا من خطر التنظير الأجوف، وفى كتاباته، حاول تعريف الظروف الفريدة التى أنتجت ثقافات خاصة، وليس القفز إلى نتائج عامة. لقد كان بدوره حذرا فى استخدامه للمقارنة، حيث أسست بسهولة جدا تشابهات مصطنعة بين مجتمعات كانت مختلفة فى الأساس. وبالتالى كان بواس فردانيا منهجيا صريحاً (١)، بمفهوم أنه كان يبحث عن المثال الخاص وليس المخطط العام، وحيث يفسر شكوكيته الممتدة بالنسبة لدور كايم.
إن طلاب بواس هم تقريبا كل الأنثروبولوجيين الأمريكيين المهمين للجيل التالى (مع بعض الاستثناءات الملحوظة التى سنعود إليها ). كان من بينهم ألفريد ل. كروبر (١٩٦٠-١٨٧٦)، الذى أسس قسم الأنثروبولوجيا فى جامعة بيركلى، مع روبرت ه.
لوى (١٩٥٧-١٨٨٣) زميله لوقت طويل، والمؤرخ الثقافى الرفيق إدوارد سابير (١٨٨٤-
١٩٣٩) مؤسس قسم الأنثروبولوجيا فى جامعة بيل، ومن مدرسة علم اللغة الإتنولوجى ميلفيل هيرسكوفيت (١٩٦٣-١٨٩٥)، مؤسس الدراسات الأفروأمريكية فى الولايات المتحدة، وأستاذ قسم الأنثروبولوجيا بجامعة نورث ويستيرن، وروث بنيدكت (١٨٨٧ -
١٩٤٨) الذى خلف بواس بجامعة كولومبيا وكون مدرسة "الشخصية والثقافة"، ومارجريت ميد (١٩٧٨-١٩٠١)، عفريت العلبة، التى استكملت مشوار بندكت، وأصبحت ربما أكثر رمز شعبى مؤثر فى تاريخ الأنثروبولوجيا.
وكما تشير القائمة السابقة، فإن الأنثروبولوجيا الثقافية التى أيدها بواس تطورت فى عدة اتجاهات خلال حياته نفسها (الفصل الرابع). ثمة تنوع أكبر حدث فى الخمسينيات، عندما أعيد اكتشاف مورجان وقام طلاب رادكليف براون بتطوير بصمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية الخاصة بهم. ومع ذلك يظل ميراث بواس فى قلب الأنثروبولوجيا الأمريكية حتى ذلك اليوم.
مالينوفسكى وسكان جزر التروبرياند
فى سنة ١٩٢٠ ، وبعد أربع وعشرين سنة من اتخاذ بواس قراره المشئوم بالبقاء فى الولايات المتحدة، انتقل مفكر بولندى شاب من لايبزج إلى لندن. نال برونيسلاف مالينوفسكى درجة الدكتوراه فى الفيزياء والفلسفة قبل ذلك بيضع سنوات فى كراكاو، جزء من الإمبراطورية النمساوية المجرية (جزء من بولندا الآن). لقد درس فى جامعة لايبزج علم النفس والاقتصاد وقد أقنعه عالم النفس الاجتماعى فلهلم فونت (١٨٣٢-١٩٢٠) بأن المجتمع يجب أن يستوعب على نحو شمولى، باعتباره وحدة من الأجزاء المتضافرة، وأن هذا التحليل يجب أن يكون تزامنيا (وليس تاريخيا). أثناء نفس الفترة قرأ مالينوفسكى كتاب الغصن الذهبى، وقام بالانتقال للدراسة على يد سليجمان بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية LSE، حيث كان لها سمعتها فى تهيئة ظروف مناسبة لبحث الميداني الغريب.
قام مالينوفسكى بعد ذلك بأربع سنوات بدراسة ميدانية مدتها ستة أشهر على جزيرة لساحل غينيا الجديدة، حيث اعتبرها فاشلة. بعد إقامة قصيرة فى أستراليا، قضاها مفكرا فى طرق بحثه، قام برحلة أخرى، ولكن هذه المرة إلى جزر التروبرياند، نفس المنطقة التى سوف يقضى فيها ما يقرب من سنتين دفعة واحدة، بين ١٩١٥ و ١٩١٨ . بعد نهاية الحرب، عاد إلى أوروبا لكى يضع كتابه مغامرو غرب المحيط الهادى Argonauts of Ihe Western Pacilic، ربما كان هذا هو العمل الوحيد الثورى
فى تاريخ الأنثروبولوجيا. متتبعا نجاح المغامرين، قام بجذب مجموعة صغيرة من الطلبة الحاذقين والمتحمسين لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، معظمهم من الذين سوف يتركون بصمتهم على المجال فى العقود التالية. مات مالينوفسكى فى الولايات المتحدة، وهو فى خضم دراسة عن التغير الاجتماعى بين الفلاحين الهنود فى المكسيك.
إن كتاب المغامرين، أول عمل رئيسى لمالينوفسكى، يظل هو الأكثر شهرة. وقد قام بعمل مقدمة الكتاب السير جيمس فريزر، الذى أغدق الثناء على البولندى الشاب، غير مدرك أنه، بمفهوم أكاديمى، كان يوقع على نفسه أمر الإعدام. لقد كتب هذا العمل الضخم بفصاحة. حيث يقودنا خلال فحص مركز بشدة ومفصل للغاية لمؤسسة واحدة بين سكان التروبرياند، نظام الكولا، حيث تتنقل أشياء قيمة رمزية خلال منطقة كبيرة بين جزر ميلانيزيا. يصف مالينوفسكى التخطيط للرحلات الاستكشافية، المسالك التى يتبعونها، الطقوس والممارسات المرتبطة بهم، ويصف الصلات بين نظام الكولا ومؤسسات التروبرياند الأخرى، مثل الزعامة السياسية والاقتصاد المنزلى، الرتبة والقرابة. ثمة معاصر ومواطن للروائى جوزيف كونراد، جلب مالينوفسكى أخبارا للوطن من "قلب الظلام فى شكل صور دقيقة واقعية لسكان التروبرياند، الذين فى النهاية يظهرون ليسوا باعتبارهم مذهلين وغرباء، ولا مختلفين جذريا عن مواطنى الغرب، لكنهم فحسب مميزون.
لقد زعم أن مالينوفسكى اعتقل بالفعل فى جزر التروبرياند إبان الحرب العالمية الأولى، لأنه، باعتباره مواطنا من إمبراطورية هسبرج، كان من الناحية الفنية عدوا لبريطانيا. إن هذا يعد تشويها للحقائق (كوبر ١٢:١٩٩٦). فمالينوفسكى لم يكن رومانتيكيا طائشا حدث له بالصدفة أن اكتشف مبدأ العمل الميدانى. إن تلميذه ريموند فيرث (١٩٥٧) يصفه لنا بأنه إثنوجرافى نظامى شامل، ذو مقدرة غير عادية فى اكتساب اللغات وقدرة مدهشة على الملاحظة. ثمة سوء فهم آخر شائع وهو أن مالينوفسكى هو الذى ابتكر العمل الميدانى. فكما رأينا أن الرحلات الاستكشافية كانت شائعة قبل عهد مالينوفسكى بوقت طويل، وبعضها مثل رحلة استكشاف التوريس، قد احتفظ بمعايير منهجية صارمة. إن ما ابتكره مالينوفسكى ليس العمل الميداني ولكن طريقة خاصة للعمل الميدانى سماها ملاحظة المشارك participant observation. إن الفكرة البسيطة، ولكنها ثورية، وراء هذه الطريقة، هى العيش مع الأناس محل الدراسة وتعلم المشاركة بقدر الإمكان فى حياتهم وأنشطتهم. بالنسبة لمالينوفسكى، كان أمرا جوهريا أن تقيم طويلا بما يكفى فى الميدان حتى تصبح معتادا على الطريقة المحلية للحياة، وتكون قادرا على استخدام اللغة الدارجة كأنها لغة المرء التى يتحدث بها. إن المفسرين والمقابلات الرسمية والعزلة الاجتماعية لم تعد صالحة. كان مالينوفسكى يعيش وحيدا فى كوخ فى وسط إحدى قرى التروبرياند لشهور وشهور - رغم أنه ظل حلته وقبعته الموسميتين كليهما أبيض ناصع، ورغم إن مذكراته التى نشرت بعد وفاته (مالينوفسكى ١٩٦٧٩) تكشف لنا بأنه كان كثيرا ما يشعر بالحنين للوطن وبالمرض والسأم من "السكان المحليين".
لقد وضع مبدأ "ملاحظة المشارك" الخاص بمالينوفسكى معيارا جديدا للبحث الإثنوجرافى. فليس ثمة حقيقة تافهة على أن تسجل. وعلى قدر ما كان ممكنا عمليا، كان ينبغى على الإثنوجرافى أن يشارك فى المسار العام للحياة اليومية، متجنبا أسئلة معينة يمكنها أن تغير مسار الأحداث، ودون أن يلزم نفسه بمناهج غير محددة. كان يجمع بيانات عن محصول البطاطا، وحقوق ملكية الأرض، تبادل الهدايا، أنماط التجارة والصراعات السياسية، بالإضافة إلى أشياء أخرى، ويجرى مقابلات منظمة إذا ارتنى أنها ضرورية. غير أن مالم يقم به بأى درجة ذات مغزى هو أن يضع سكان الترويرياند داخل سياق تاريخى أو إقليمي أكبر. فى هذا الصدد يمثل فى مقارنة لافتة مع زميله الفرنسى مارسيل موس الذي كان متخصصا فى منطقة المحيط الهادى مع لعلومات أكبر وأعمق عن التاريخ الثقافى للمنطقة من مالينوفسكى، غير أنه لم يذهب قط إلى هناك.
فى الواقع، إن كل شىء نشره مالينوفسكى، بدءا من المغامرين فصاعدا، لستوحى كلية من بياناته عن الترويرياند. فقد كتب عن الاقتصاد والتجارة، الزواج والجنس، السحر والتصور للعالم، السياسة والسلطة، حاجات الإنسان والبنية الاجتماعية، القرابة والجمال. إن أوصافه تمضى على مدار عدة آلاف من الصفحات، وتظهر على نحو قاطع إمكانية العمل المكثف طويل المدى. العدد المحض لأنظمة التروبياند، المعتقدات والممارسات التى تظهر جميعها دون شك أن المجتمع البدائى البسيط القريب من قاع السلم التطورى، كان فى حقيقة الأمر عالما معقدا بدرجة شديدة ومتعدد الوجوه فى حد ذاته. إن عمل مالينوفسكى كشف على نحو مقنع أكثر من أى حجة نظرية سخافة أى مشروع مقارن يقوم بمقارنة سمات مفردة. فمن الآن
فصاعدا سوف يصبح السياق والصلات التبادلية سمات جوهرية لأى إسهام أنثروبولوجى.
لقد استقبل الأنثروبولوجيون اللاحقون آراء مالينوفسكى النظرية على وجه العموم حماس أقل من مناهجه والإثنوجرافيا الخاصة به. كان موقفه النظرى انتقائيا فى الأساس، لكنه كان مسايرا للطرق السائرة. لقد أسمى برنامجه النظرى الوظيفية -func
فالممارسات والنظم الاجتماعية كانت وظيفية بمفهوم أنها تتكيف معا ف ao
توظيف الكل، حيث تساهم فى الحفاظ عليه. ولكن على العكس من الوظيفيين الآخرين الذين تبعوا دوركايم، رأى مالينوفسكى أن الأفراد، وليس المجتمع، هم الهدف النهائى للنظام. فالنظم موجودة من أجل الناس، وليس العكس، وأن حاجاتهم، حاجاتهم البيولوجية فى النهاية هى المحرك الأساسى للثبات والتغير الاجتماعى. إن هذا يمثل فردية منهجية ولكن بمظهر آخر، وفى مناخ أكاديمى اشتراكى يسيطر عليه أتباع دوركايم، لم يتم استقباله على نحو محبب بالمرة. طيلة عدة عقود بعد موت مالينوفسكى استمر نجمه فى الأفول، إلى أن تم التحرر من الوهم مع نظرية ضخمة وضعت إبان السبعينيات أدت إلى رد الاعتبار إليه فى الأوساط الأنثروبولوجية على كلا الجانبين من المحيط-على حساب زميله ومنافسه رادكليف براون. لقد شدد مالينوفسكى اهتمامه على التفاصيل وأهمية فهم وجهة نظر البدائى، كما أن جزءًا من رد فعله المضاد لسابقيه المباشرين نبع من شكوكية عميقة إزاء نظريات محلقة عاليا. هنا نلاحظ التشابه مع بواس، بوصفه علامة على تدريبهما الألمانى المشترك. على أن مالينوفسكى اختلف عن بواس فى معارضته للاستغراق فى أى شكل من الإصلاحات التاريخية. لقد شن مع رادكليف براون حملة معادية لكل من التطورية والتاريخية كانت ناجحة بحيث حجبت المادة بدرجة كبيرة عن الأنثروبولوجيا البريطانية لما يقرب من نصف قرن.
لقد سمى مالينوفسكى نفسه بالوظيفى، لكن آراءه اختلفت بشكل أساسى عن البرنامج المنافس للوظيفية البنائية. فالفرد لدي مالينوفسكى هو أساس المجتمع. أما الفرد بالنسبة للوظيفيين البنائيين أتباع دوركايم فهو ظاهرة ثانوية للمجتمع وعلى قدر قليل من الأهمية الجوهرية- ما كان يهم هو استنباط عناصر البنية الاجتماعية. إن هذين النسبين للأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية- الوظيفية البيونفسية والوظيفية البنائية السيسيولوجية- يلقيان الضوء على توتر رئيسى فى المجال، بين ما أشير إليه بالوكالة والبنية agency and structure. فالفرد لديه وكالة بمفهوم أنه أو أنها خالق المجتمع. والمجتمع يفرض بنية على الفرد ويحدد اختياراته أو اختياراتها. إن وجهتى النظر، كما يوضح جيدنز (١٩٧٩) متكاملتان. ولكن إبان الحرب لم يكن هذا ليرى فى الأنثروبولوجيا البريطانية. إن وظيفية مالينوفسكى والوظيفية البنائية لرادكليف براون قد فهما على أنهما وجها نقيض.
علم الطبيعة الخاص بالمجتمع عند رادكليف براون
انتمى الفريد ريجينالد رادكليف براون (١٩٥٥-١٨٨١) إلى جيل مالينوفسكى، غير أن خلفية أسرته لم تكن عالمية وفكرية ولكن كانت خلفية لطبقة عاملة إنجليزية. لقد بدأ مهنته الأكاديمية باعتباره أ. ر. براون واضحا. من أجل أن يدر أموالا لأسرته، عرج على دراسات طبية بجامعة أكسفورد، ولكن أساتذته شجعوه، ولا سيما ريفرز، لكى ينتقل إلى الأنثروبولوجيا. فقام بعمل ميدانى من ١٩٠٦-١٩٠٨ فى جزر أندامان بشرق الهند، ونشر تقريرا ميدانيا استقبل جيدا عن الأسلوب التطورى، لكنه سرعان ما سينتقل إلى مسار نظرى مختلف. ويعيد نشره، قرأ رادكليف براون رائعة دوركايم الأشكال الأساسية للحياة الدينية The Elementary Forms of Religious Life. لقد ألقى
سلسلة طويلة من المحاضرات بأكسفورد عن دوركايم، وعندما نشر بحثه سكان جزيرة أنادامان" أخيرًا سنة ١٩٢٢ بدا أكثر من أى شىء آخر أنه شرح عملى بارع سيسيولوجيا دوركايم مطبقة على مادة إثنوجرافية.


وكما كان الحال مع بواس ومالينوفسكى، قضى رادكليف براون سنوات الحرب فى بناء مؤسسات أكاديمية لاحقة متطورة مكرسة للأنثروبولوجيا الجديدة. لكنه على العكس منهما قضى فترات طويلة فى حياته العملية أكاديميا متنقلا، مؤسسا وسطا أنثروبولوجيا مهما فى كيب تاون، وسيدنى ودلهى وشيكاغو. وخلال سفرياته أسس إطارا دوليا واسع الانتشار من خلاله كان تأثيره ملموسا فى بريطانيا العظمى أيضا.
لذا عندما عاد أخيرا إلى أكسفورد ليقبل مقعدا فى الأنثروبولوجيا الاجتماعية سنة ١٩٣٧ ، كان الأمر بمثابة منفى محتفى به وليس اقتحاما. عندما سافر مالينوفسكى إلى الولايات المتحدة فى السنة التالية، جمع رادكليف براون الأعنة فى يديه وأصبح الشخصية الرائدة للأنثروبولوجيا فى بريطانيا. إن العديد من الأنثروبولوجيين المتأثرين به، بما فيهم إيفان بريتشارد وفورتس (الفصل الرابع) كانوا فى الأصل طلابًا لمالينوفسكى، وكانوا مبتهجين لدى عودة أستاذ التجريد النظرى الذى طال غيابه.
وهكذا اجتازت الأنثروبولوجيا البريطانية إبان الحرب مرحلتين: الأولى فترة سيطرت عليها الإثنوجرافيا التفصيلية مع تركيز إقليمى على منطقة المحيط الهادى، ثم فترة ركزت على التحليل البنائى الدوركايمى، مع تركيز على أفريقيا.
لقد تبع رادكليف براون دوركايم فى رؤيته بأن الفرد أساسا هو نتاج المجتمع.
بينما كان مالينوغسكى يدرب طلابه أن يخرجوا ويبحثوا عن الدوافع الإنسانية ومنطق الفعل، بينما طلب رادكليف من طلابه أن يكتشفوا قواعد بنائية تجريدية وأليات مدمجة اجتماعيا. رغم أن التفاوت كثيرا ما يبالغ فيه فى الإسهامات التاريخية، لكن النتيجة أحيانا كانت عبارة عن أساليب بحث مختلفة على نحو مدهش.
إن الآليات التى أراد رادكليف براون أن يحددها كانت ذات أصل دوركايمى، مشابهة ربما للتمثيلات الجماعية اللاحقة. غير أن رادكليف براون كان لديه أمال واضحة لتحويل الأنثروبولوجيا إلى علم واقعى"، أمال ربما لم يشاركه إياها دوركايم.
ففى كتابه الأخير علم طبيعة خاص بالمجتمع A natural Science of Society (الذى قام على سلسلة من المحاضرات ألقيت فى شيكاغو سنة ١٩٣٧ ونشرت بعد وفاته سنة ١٩٥٧)، يشير إلى مغزى أمله. إن المجتمع مرتبط ببعضه البعض ببنية قواعد قانونية وأوضاع اجتماعيه ومعايير أخلاقية تحدد وتنظم السلوك. والبنية الاجتماعية، فى عمل رادكليف براون، توجد مستقلة عن العوامل الفردية التى تنتجها. إن الأشخاص الحقيقيين وعلاقاتهم هى مجرد نماذج للبنية، والهدف النهائى للأنثروبولوجى هو إماطة اللثام عن قواعدها الحاكمة، تحت قشرة المواقف الموجودة عمليا. إن هذا النموذج الرسمى بوحداته المعرفة بوضوح والمرتبطة بمنطقية تكشف بجلاء عن المقصد العلمى للأستاذ.
إن البنية الاجتماعية يمكن أن تنقسم أبعد من ذلك إلى مؤسسات منفصلة أو نظم فرعية، مثل النظم المخصصة لتوزيع الأرض وتوريثها، والمخصصة لفض النزاع، والمخصصة للتأميم وتقسيم العمل فى الأسرة، إلى آخره. جميعها يساهم فى حفظ البنية الاجتماعية ككل. وفقا لرادكليف براون فإن هذا يعتبر وظيفتها وسبب وجودها.
عند هذه النقطة يصبح لدينا مشكلة، فرادكليف براون يبدو أنه يصرح بأن المؤسسات موجودة لأنها تحافظ على الكل الاجتماعى، بمعنى أن وظيفتها هى أيضا سبب وجودها. إن علاقة السبب بالنتيجة تصبح غامضة وملتبسة، ومثل هذا الاستنتاج الحشوى أو الارتجاعى مستهجن بصفة عامة فى التفسيرات العلمية. على أن هذا البحث النقدى يسرى على حد السواء بالنسبة لكل أشكال الوظيفية، بما فيها، وليس مقصورا على، اختلاف رادكليف براون فى الموضوع.
مثل هذه المسائل ربما أقلقت الوظيفيين البنائيين، المتلهفين كدأبهم لأن يبدوا علماء بمعنى الكلمة، لكنهم لم يكونوا كذلك. إن رابطة براون بين النظرية الاجتماعية الدور كايمية والمادة الإثنوجرافية وطموحاته نيابة عن الفرع المعرفى، أحدثت برنامجا بحثيا جديدا وجذابا توجهت إليه أسراب من الباحثين الموهوبين، الأمر الذى رفع بدوره من شهرته النظرية. لقد كان الأنثروبولوجيون منذ مورجان مدركين أن القرابة كانت هى المفتاح لفهم النظام الاجتماعى فى المجتمعات المصغرة. لم يكن بعد واضحا ما الذى يفتحه هذا المفتاح. إن الاستخدام الدوركايمى الخاص برادكليف براون للفكرة القديمة للقرابة باعتبارها نظامًا "قانونيًا" مؤلفًا من قوانين وقواعد، جعل من الممكن استغلال القوة التحليلية للقرابة كلية. إن نظام القرابة كان يفهم ببساطة بأنه دستور غير مكتوب للتفاعل الاجتماعى، مجموعة قواعد لتوزيع الحقوق والواجبات. فالقرابة بعبارة أخرى أصبحت من جديد مؤسسة رئيسة، لكن هذه المرة كمحرك (أو قلب، على طريقة استخدام التناظرات البيولوجية التى كان يفضلها دوركايم) للدعم الذاتى، متكاملة على نحو عضوى ومع ذلك كينونة مجردة تسمى بالبناء الاجتماعى social
مصطلح استخدمه للوهلة الأولى بالصدفة سبتس
ومع توفر هذا المفتاح، مضى الوظيفيون البنائيون ليدرسوا مؤسسات أخرى فى المجتمعات البدائية: السياسة، الاقتصاد، الدين، التكيف البيئوى، إلى آخره. لقد كان من الأهمية الخاصة بمكان لهؤلاء الباحثين أن القرابة كان يعتبر أنها تؤدى وظيفيا بوصفها إطارًا لخلق الجماعات أو هيئات فى مثل هذه المجتمعات. ربما يكون لدى الجماعات حقوق جماعية، على سبيل المثال بالنسبة للأرض أو الحيوانات. ربما يطلبون الولاء فى حالة الحرب. ربما يفضون نزاعات أو ينظمون زواجات. كانت هذه الجماعات ودينامياتها هو ما بدأ الوظيفيون البنائيون فى دراسته، ليس ما كان يسميه بواس ب
"الثقافة". إن رادكليف براون كان نفسه على وجه الخصوص غير مغرم بكلمة "الثقافة"
فبالنسبة له لم تكن القضية المحورية هى ماذا يعتقده المحللون وماذا يؤمنون به، كيف يكسبون عيشهم أو كيف أصبحوا على الحال التى هم عليها، ولكن بالأحرى كيف كان مجتمعهم متكاملا، و"القوى التى ربطته معا ككل.
إن بحث رادكليف براون النقدى "للتاريخ الحدسى" الخاص بالتطوريين كان لاذعا. فالتنظيمات المعاصرة من وجهة نظره موجودة لأنها وظيفية فى الوقت الحالى، بالتأكيد ليس ك رواسب" لعصر غابر. فهى مفهومة فى الوقت الحاضر أو ليس على الإطلاق. لقد كان مزدريا للإصلاحات الخيالية المتكررة التى انشغل بها المؤرخون الثقافيون والتطوريون. فحيث لم يكن ثمة دليل، لم يكن هناك داعٍ للتأمل. هنا كان مالينوفسكى ورادكليف براون على اتفاق تام.
لقد وجد مالينوفسكى ورادكليف براون نسبين فى الأنثروبولوجيا البريطانية، حيث كانا من وجهة نظر البعض فى تنافس مباشر، ومن وجهة نظر آخرين مكملين. بتوطيد هاتين المدرستين قبيل الحرب العالمية الثانية، كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية فى طريقها جيدا لكى تصبح مجالا أكاديميا راسخا (كان البعض يقول
"علما"). لم يكن النسبين كلية قصرا على الزواج من الأقارب. لقد كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية عبارة عن قبيلة صغيرة حيث الجميع يعرفون بعضهم البعض.
تألفت القبيلة من مجموعتين متضامنتين، أحدهما تمركزت فى أكسفورد، حيث كان إيفان بريتشارد بالفعل راسخا عندما عاد رادكليف براون من شيكاغو سنة ١٩٣٧، والأخرى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بلندن، قلعة مالينوفسكى، وسليجمان وفى الجيل التالى ريموند فيرث. إن جميع الأنثروبولوجيين الاجتماعيين تقريبا الذين تعلموا فى فترة الحرب ارتبطوا بأحد هذين المركزين. (فى كمبردج، كان النظام القديم مازال موجودا، مع فريزر وهادون كما كان الحال مع الرموز الرائدة). فنظرا لأن رادكليف براون ومالينوفسكى كانا نادرا ما يكونان فى الوطن فى الوقت نفسه، كان العديد من الطلاب مضطلعين على كل منهما ومتابعين لمحاضراتهما. درس الغالبية فى بادئ الأمر مع مالينوفسكى، والبعض انتقل لاحقا إلى رادكليف براون. تضمنت المجموعة الأخيرة إيفانز بريتشارد وفورتس وماكس جلوكمان. أما بالنسبة للطلبة الذين بقوا مالينوفسكفيين فى توجههم فكان من بينهم فيرث وأودرى ريتشاردز وإدموند ليتش وإيزاك سكابيرا. إن كلا من مالينوفسكى ورادكليف براون كان له تأثير دائم على الفرع؛ فمناهج مالينوفسكى الميدانية تبناها بحماس أعضاء من المعسكر الآخر، والجميع كان عليه أن يرتبط بمفاهيم رادكليف براون عن البناء والوظيفة وعلم النسب التالى لعقد على الأقل بعد مماته. متأخرا سنة ١٩٥٤ ، استشعر تلي alie
مالينوفسكى إدموند ليتش أن عليه أن يعلن نفسه وظيفيا بنائيا (قبل المضى لتدمير هذا النموذج بلا رحمة).
بالمفاهيم الديموجرافية، كان اتساع الأنثروبولوجيا الاجتماعية حثيثا، فقد كان هناك قبل الحرب العالمية الثانية أقل من أربعين مريدا على امتداد بريطانيا. ورغم ذلك كان الاتساع المؤسسى، فى كل من الوطن والمستعمرات هائلا. لم يساهم رادكليف براون بجزء صغير فى هذا. فخلال فترة تجواله الطويلة أنشأ أقساما للأنثروبولوجيا معتبرة فى كيب تاون وسيدنى ودلهى وشيكاغو. أثناء إقامته فى كيب تاون ( ١٩٢٠-
٢٥). تعاون مع أحد طلاب مالينوفسكى القدامى، إيزاك سكابيرا الذى سيتولى فيما بعد إدارة القسم هناك لسنى عديدة. بينما كان فى سيدنى راح يشجع على الدراسة العلمية للغات البدانية، وأرسى لدور سيدنى باعتبارها معسكرًا قاعدة للباحثين الميدانيين نشطًا على امتداد منطقة المحيط الهادى. وفى شيكاغو من سنة ١٩٣١ إلى ١٩٣٧ ، ساهم فى إضفاء الطابع الأوروبى على جزء من الأنثروبولوجيا الأمريكية، محيا، بخلاف أشياء أخرى، بأسلوب مستحدث لأنثروبولوجيا ميكرو سيسيولوجية حيث سوف يصبح فيما بعد شديد التأثير. وأخيرا، فى الهند، كان تلميذ رادكليف براون وهو م. ن. سرينيفاز عاملا مساعدا فى تأسيس الأنثروبولوجيا الاجتماعية الهندية باعتبارها فرعًا وظيفيًا بنائيًا إلى حد كبير.
موس والبحث عن ظاهرة اجتماعية شاملة
بينما كان مالينوفسكى لا يزال يقوم بعمله الميدانى بين سكان جزر التروبرياند، ورادكليف براون يحاضر ويقوم بعمل ميدانى فى جنوب أفريقيا، وبواس مشغولا فى إعداد أول جيل من الأنثروبولوجيين الأمريكيين بقاعدته فى نيويورك سيتى، توفى دوركايم (الذى ولد فى نفس السنة التى ولد فيها بواس) قبل نهاية الحرب العالمية الأولى بسنة. إن ابن أخته مارسيل موس، الذى عمل معه بالفعل لمدة عقدين من الزمان حل محله بوصفه قاندًا لحلقة الحولية السيسيولوجية. لم تكن بالأوقات السهلة. فقد قضى العديد من معاصرى موس اللامعين فى الحرب، وكان عليه فيما بعد أن ينفق كثيرا من طاقته المهنية فى استكمال مخطوطاتهم ونشرها. إن موس الذى كان أستاذا للدين البدانى بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا بباريس Ecole Pralique des
منذ ١٩٢٠ كان لديه خلفيته فى الدراسات الكلاسيكية وفقه الم ا lano
المقارن، بينما كانت معرفته بالتاريخ الثقافى العالمى والإثنوجرافيا المعاصرة هائلة. وفى عمله نجده يستشهد ببحث كل من بواس ومالينوفسكى ورادكليف براون برفقة وفرة من الآخرين، تعلم العديد منهم ألمانيات التقليد الانتشارى.
نقد رأى موس عمله استمرارا لعمل دوركايم، وكلا الرجلين اشتركا فى تصور شمولى عن المجتمع، الفكرة التى مفادها أن المجتمع عبارة عن كل متكامل عضويا، لتعضى اجتماعى social organism. لقد قسم موس على ضوء هذه الخلفية دراسة الأنثروبولوجيا إلى ثلاثة مستويات من التحقيقات: الإثنوجرافيا، وهى الدراسة المفصلة للأعراف والمعتقدات والحياة الاجتماعية، والإثنولوجيا التى هى المهنة ذات الأساس الإمبيريقى للمقارنة الإقليمية، والأنثروبولوجيا، التى تعتبر المسعى النظرى ذا الاضطلاع الفلسفى لصياغة التعميمات عن الإنسانية والمجتمع استنادا إلى محاولتى البحث السابقتين. لم يقم موس نفسه بعمل ميدانى قط، غير أن دورات التخرج لديه بمعهد الإثنولوجيا الذى أسسه سنة ١٩٢٥ ، كانت مركزة بشدة على القضايا المنهجية.
لقد كان على الطلاب أن يتعلموا أن يكونوا إثنوجرافيين قبل أن يتعلموا أن يضعوا نظريات.
كان اهتمام موس الرئيس، بعكس دوركايم، منصبا على الثقافات غير الأوروبية والمهجورة. لقد حاول تطوير سيسيولوجيا مقارنة تقوم على توصيفات إثنوجرافية فصلة للمجتمعات الواقعية، وهكذا، إلى حد بعيد، كان مشروعه وثيق الارتباط بمشروع مالينوفسكى، أو رادكليف براون أو بواس. على أن هدفه الصريح كان صنيف مجتمعات واكتشاف سمات بنائية مشتركة لأنماط مجتمعية مختلفة، من أجل تطوير فهم عام للحياة الاجتماعية. فى إطار هذا نجد أن عمله اختلف بشدة عن خصوصية بواس. ناهيك عن أن موس مقارنة بزملائه البريطانيين لم يتردد فى أن ستفيد من المادة التاريخية متى كان الأمر له صلة. إن "القوانين العامة" التى تحدث عنها رادكليف براون كانت غائبة بنحو لافت عن عمل موس الذى كان ذا ميول إنسانية أكثر منها علمية.
لقد قضى موس كثيرا من وقته يدرس ويحرر عمل الزملاء، ولم ينشر قط كتابا باسمه هو، رغم أنه اشترك فى كتابة العديد. إن أكثر أعماله تأثيرا، الهدية Essai sur
٤١٩) ظهر فى البداية مقالة مطولة فى مجلة دوركايم، الحول ()
السيسيولوجية، ولم تنشر بين دفتى كتاب سوى بعد ذلك بكثير. لكنه كتب مقالات ثرية وكثيفة عن موضوعات متنوعة مازالت تلهم العلماء: مقالات عن الجسد، القومية، التشخص، التضحية، الطوطعية، إلى آخره. إن بصمة موس على الأنثروبولوجيا واضحة على امتداد عمله ولا سيما فى كتاب الهدية، كتاب يستخرج أدب تعليق كبير ومهم، ساحرا لب العديد من نجوم الفكر مثل جاك دريدا وجان بودريار وبيير بوردو إبان النصف التالى للقرن العشرين.
إن الفكرة الأساسية فى الهبة بسيطة تماما: ليس ثمة تهاد prestation دون أن يكون هناك تهاد معارض، ولهذا السبب، يعتبر تبادل الهدية وسيلة لإقامة علاقات اجتماعية، إنه أمر ملزم أخلاقيا ومدمج اجتماعيا. إن تبادل الهدية يربط الناس معا فى التزام مشترك ويعتبر مساعدا فى تكوين المعايير. إنه يبدو تطوعيا لكنه فى واقع الأمر محكوم بقواعد راسخة ولو ضمنيا. إن منح الهدية له مظهر استراتيجى ونفعى. فهو يمارس من قبل أفراد يحاولون رفع اهتماماتهم الخاصة وليس على الأخص فى السياسة. فى النهاية نجد أن الهدية لها مظاهر رمزية مهمة نظرا لأن الأشياء المعطاة والمستقبلة تصبح رموزا لعلاقات اجتماعية كذلك ظاهرة ميتافيزيقية. وبمناقشة المادة البولينيزية يتحدث موس عما يسمى ب hau أو "القوة/الروح" الخاصة بالهدية. فهى تمتلك طبيعة داخلية تلزم المستقبل بطرق معينة، بسبب تاريخها. (إذا بدا هذا ملتبسا، فكر فى القيمة المتوافقة فى نمط مجتمعنا للأثاث العتيق والفن القديم!)
رغم أن تبادل الهدايا يحدث فى كل مجتمع فإن أهميته انحسرت فى التاريخ الأوروبى. لقد كان موس مهتما على وجه الخصوص بنوع من التبادل يحدد موقعه بالنسبة للمجتمعات القديمة والتقليدية، حيث يشير إليها باعتبارها مواقف تهادى كلية
مثل هذه الهدايا تمثل تجسيدات لمدى كامل من العلاقات aop
يذهب البعض أنها تعبر عن الجوهر الخاص للمجتمع. فى المجتمعات المعاصرة المحكومة بأشكال أخرى من التبادل (لا سيما التبادل فاقد السياق الخاص بالسوق)، هدايا عيد الميلاد ربما تعد أكثر مقاربة للإعارات الكلية فهى تستدعى مدى كبيرًا من المؤسسات- الأسرة والمسيحية والرأسمالية والاستهلاكية والعطلات والطفولة - ناهيك عن العلاقات الشخصية.
فباسم الهدية يسأل موس كم تكون المجتمعات متكاملة وكم يكون الأفراد مرتبطين ببعضهم البعض من خلال التزامات أخلاقية. إنه عمل مركب من الأنثروبولوجيا الاقتصادية والتاريخ الثقافى والتحليل الرمزى والنظرية الاجتماعية العامة، حيث يجسر العديد من الفجوات التى تميزت بها الأنثروبولوجيا مؤخرا. من خلال هذا الاهتمام الثنائى بالاستراتيجيات الفردية والتكامل الاجتماعى، يدمج موس أيضا تحليلات بنائية أساسية العامل بكياسة.
ورغم أنه كان بعيدا عن كونه كاتبا غزيرا، فإن تأثير موس كان هائلا، داخل فرنسا وخارجها. لقد ترك وراءه مدى من الأسئلة عالجها طلابه بحنكة بالغة، من أكثرهم شهرة كلود ليفى شتراوس ولويس دومون. كان عمله أيضا محفزا للعديد من الأنثروبولوجيين الأنجلو أمريكيين، من إيفان بريتشارد فصاعدا. من قبيل المصادفة أن موس ورادكليف براون لم يكونا قط قريبين مهنيا أو شخصيا.
لقد تضمنت الأنثروبولوجيا الفرنسية خلال العقود الأولى من القرن العشرين العديد من الشخصيات المؤثرة إضافة إلى دوركايم وموس. كان أرنولد فان جينيب (١٩٥٧-١٨٧٣)، الذى لم يكن قط من زمرتهما، عالما مثقفا ومبتكرا حيث طور دراسات المجتمعات الريفية فى فرنسا باعتبارها جزءًا من الأنثروبولوجيا (أو بعبارة أخرى "الأنثروبولوجيا فى الوطن ليست ابتكارًا حديثًا"). ومع ذلك كان فان جينيب معروفا بسبب عمل أخر له، طقوس العبور ١٩٠٩) Les Rites de passage). والكتاب عبارة عن دراسة مقارنة لطقوس الاستهلال التى يتم فيها الانتقال من وضعية اجتماعية إلى وضعية اجتماعية أخرى. إن أكثر الطقوس انتشارا هى تلك المرتبطة بالميلاد والبلوغ والزواج والموت. مستبقا سوسيولوجيا الدين لدى دوركايم، دفع فان جنب بأن مثل هذه الطقوس بمثابة تعبيرات مسرحية عن النظام الاجتماعى، تقوى تكامل كل من المستهلين والمشاهدين. علاوة على ذلك فقد دفع بأن مثل هذه الطقوس تقسم بصفة عامة إلى ثلاث مراحل: الفصل والاستهلال وإعادة التكامل، منظور سوف نرجع إليه لاحقا أثناء مناقشة عمل فيكتور تيرنر (الفصل السادس).
ثم معاصر أخر لدوركايم وموس، قدم مجموعة بديلة من القضايا الأنثروبولوجية، وهو الفيلسوف لوسيان ليفى برول (١٩٣٩-١٨٥٧). ورغم أن عمله يعرف إلى حد كبير (بالسمع) باعتباره نموذجًا مضحكًا لوجهات النظر غير الصائبة عن العصور الغابرة، فإنه ليس من أدنى شك فى أن ليفى برول فتح مجالا جديدا للبحث الميدانى، حفز أجيالا من الأنثروبولوجيين اللاحقين، منهم إيفانز بريتشارد وليفى شتراوس. ففى كتاب العقلية البدائية ١٩٢٢) Mentalite primitive) وكتب تالية، دفع ليفى برول بأن الأناس الأميين يفكرون بطريقة مختلفة نوعيا عن الأناس المتعلمين، فهم لا يعقلون بنحو منطقى ومتماسك بل بنحو شعرى ومجازى. رغم أن معاصريه من لوى فى الولايات المتحدة إلى شميدت فى ألمانيا كانوا بصفة عامة ناقدين لعمله، لكنه أطر لمجال تحليلى أثبت ثراءه فيما بعد: الدراسة المقارنة لأنماط التفكير ومشكلات الترجمة بين الثقافية المرتبطة بمثل هذه الاختلافات. غير أن تأثير ليفى برول كان أقوى خارج الأنثروبولوجيا منه داخلها.
لقد استقبلت فلسفته بحماس من جانب الحركة السريالية التى ساوت "العقلية البدائية"
بالحرية والإبداعية، حيث لم تكن أراؤها المثالية عن العقلية البدائية فى حاجة لأن تأخذ الدراسات الميدانية بعين الاعتبار.
الأنثروبولوجيا سنة ١٩٣٠ توازيات وتفرعات
بحلول سنة ١٩٣٠ ، تأسست طوائف من "الأنثروبولوجيين الجدد" فى بريطانيا العظمى وفرنسا والولايات المتحدة، مع اتصالات بين الأنثروبولوجيين الذين يعملون فى ألمانيا وأوروبا الشرقية وجنوب أفريقيا والهند وأستراليا. كانت المجموعات لم تزل صغيرة. فحصيلة الأمر لم تكن تتجاوز مائتى أنثروبولوجى محترف فى العالم، والحديث عن مدارس" فى هذا السياق بالتالى ربما يكون إلى حد ما من غير المعقول. لم يكن قد مر سوى ثمانين عاما منذ أن نشر مؤسسا الأنثروبولوجيا الجديدة فى بريطانيا عمليهما الخارقين- وسيكون من التضليل أن نتحدث عن "مدرسة بريطانية " فى ذلك التاريخ المبكر. كان رادكليف براون لم يزل فى سيدنى وسوف يقضى معظم الثلاثينيات فى شيكاغو. أما مالينوفسكى فحينها كان لديه القليل من الطلبة ولم يقدم أحد منهم أى شىء من الأهمية بمكان حتى الآن. كانت الانتشارية وبعض من "أنثروبولوجيا نظرية" تأملية فى طور الازدهار. كان لم يزل أمام فريزر إحدى عشرة سنة أستاذًا بجامعة كمبريدج. فى سنة ١٩٣٠ لم يكن يفترض بأى حال من الأحوال أن الأنثروبولوجيا الجديدة سوف يحالفها النجاح فى بريطانيا، والموقف فى فرنسا والولايات المتحدة لم يكن يختلف كثيرا.


كان مؤسسو الأنثروبولوجيا الحديثة ينتمون إلى مجموعة صغيرة رغم اختلافاتهم العديدة لكن كان لديهم الكثير مما يشتركون فيه. الأهم ربما أنهم جميعهم كانوا يحاولون ترسيخ الأنثروبولوجيا فى "دراسة مفصلة للعادات، فى علاقتها بالثقافة الكلية بالقبيلة التى تمارسها (بواس ٢٧٢ :[١٨٩٦] ١٩٤٠) إن النقطة الأساسية لهذا الاستشهاد هى الفكرة التى مفادها أن السمات الثقافية لم يعد فى الإمكان دراستها معزل. فالطقس لا يمكن أن يختزل فى "رواسب" survivals ماض افتراضى منفصلة.
إذ يجب أن يلاحظ فى سياق علاقته بالمجتمع الكلى الذى يعتبر جزء منه فى هذا المكان وتلك اللحظة. ويجب أن يدرس فى سياقه- إن هدفه هو وصف المجتمعات أو الثقافات ككل متكامل. حتى الآن يتفق المؤسسون الأربعة، فى واقع الأمر، على أفكار محورية متشابهة للسيسيولوجيا الماركسية كذلك لسيسيولوجيا دوركايم وفيبر، وكان لها أن نحظى بقبول واسع مع التحول للقرن العشرين. ربما نزعم أيضا أن المفهوم بأن
"المجتمع عبارة عن نسق" هو الأكثر أساسية من بين التبصرات السيسيولوجية برمتها، وبالتالى، لا يجب أن يكون مبعث دهشة أنه عند دخوله الأنثروبولوجيا أحدث ثورة نظرية شارك فيها كل المؤسسين الأربعة بجهد أو بآخر.
رغم الحجم الضئيل للفرع فإن الاختلافات بين التقاليد القومية كانت مميزة بالفعل، فى المناهج والنظرية والتنظيم المؤسسى. فيما بعد، عندما قضى المؤسسون جميعهم، تشكلت فى المجال تصورات معينة عن كل منهم، وعن علاقاتهم المتبادلة.
انتشرت هذه التصورات أو الأساطير هذه الأيام ونزعت لكى تسمح لبعض من أكثر الطبائع وضوحا لكل من الرجال الأربعة أن يلقى بالظلال على جميع الآخرين. وعليه يجب أن يكون حاضرا فى ذهن القارئ أن العلاقات الأكاديمية بين الأنثروبولوجيين يست أقل تعقيدا من علاقات البشر بصفة عامة (انظر ليتش ١٩٨٤) وهكذا اتفقا كل من بواس وموس على أنه ليس ثمة صراع شديد بين التاريخ الثقافى والدراسات المتزامنة وبالتالى احتفظ كلاهما باهتمام بالانتشارية، بينما اعتبر رادكليف ومالينوفسكى أن مثل هذه الاهتمامات "غير علمية". يعكس هذا الشقاق بجلاء حقيقة أن الأنثروبولوجيين البريطانيين كانا مشغولين ب "ثورة "، بينما كان هناك إدراك أكبر إلى حد بعيد بالمجتمع فى فرنسا والولايات المتحدة. بيد أن الانقسامات الأخرى كانت مهمة على حد السواء. لقد اتفق رادكليف براون وموس فى أن دراساتهما تعتبر جزءا من مشروع سيسيولوجى مقارن كبير، بينما كان بواس، أقل الأربعة ميولا للسيسيولوجيا، مرتابا فى "العلم الفرنسى الذى بشر به رادكليف براون فى شيكاغو، وفاقد الثقة بشدة فى المنهج المقارن. بدا مالينوفسكى، نظرا لدوره، أنه يتجنب المقارنة برمتها. فى هذا الصدد، نجد أن الميراث الألمانى لمالينوفسكى وبواس يوحدهما بوضوح فى مواجهة "المدرسة الفرنسية". غير أن هذا التوحد شابه النقصان بدوره. بينما كان رادكليف براون وموس جماعيين منهجيين ملتزمين راحا يفتشان فى أسرار "المجتمع ككل"، كان بواس ومالينوفسكى فى المقابل خصوصيين آلمانيين"، ولكن خصوصية مالينوفسكى ركزت على الحاجات الجسدية للفرد، بينما آمن بواس بأولوية الثقافة.
إن الطبائع الشخصية المحضة للرجال الأربعة أثرت بدورها فى العلم الجديد للمجتمع. لقد اتخذ بواس بسهولة دور شخصية الأب المحسن للأنثروبولوجيا الأمريكية.
لقد كانت شهرته فى الوقع كبيرة أثناء مهنته الممتدة، لدرجة أن نقطة عمائه الواضحة، عدم ثقته فى التعميم، أصبحت نقطة عماء جيل. باستثناءات قليلة للغاية (من بينها الشهير بيندكت ١٩٣٤)، كانت التعميمات ذات المدى الكبير غائبة عن الأنثروبولوجيا الأمريكية فى القرن العشرين حتى بعد موت بابا فرانز". فى بريطانيا لم يكن هناك مثل هذا الإجماع. فراد كليف براون ومالينوفسكى خلال مسيرتهما كانا ناشطين متعاونين فى "الثورة الوظيفية"، ولكن حالما عاد عدوهما المشترك القهقرى، راحت عداءاتهما المتبادلة تأخذ فى التقدم، وراح تلاميذهما "وتلاميذ التلاميذ" يعيدون بحماس إنتاج صراعهما (الفصل الرابع): كان أتباع رادكليف براون يتحدثون فى تهكم عن أفرودة مالينوفسكى- التى تعج بتفصيلات مملة، دون أفكار عملية، بينما كان أتباع مالينوفسكى يوبخون زملاء أكسفورد على إنتاج نماذج كانت مترابطة جدا لدرجة عدم توافقها مع الحقائق.
خيرا، كان ثمة اختلافات نظامية بين التقاليد القومية الثلاثة ليست بالأكاديمية ولا بالشخصية. فمن ناحية نظرا لشهرة بواس، ومن ناحية أخرى بسبب حقيقة أن تمويل البحث كان أسهل منالا فى الولايات المتحدة، أصبحت الأنثروبولوجيا الأمريكية اكثر اتساعا وفرعا أكثر ترسيخا من أوروبا. عندما تشكلت الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية (٢)(AAA) سنة ١٩٠٦ ، كانت تشمل على مائة وخمسة وسبعين عضوا. على أنه بعد ذلك فى سنة ١٩٣٩ لم يكن هناك سوى عشرين أنثروبولوجيا محترفا فى الإمبراطورية البريطانية برمتها، وعندما تأسست جمعية الأنثروبولوجيين الاجتماعيين في بريطانيا سنة ١٩٤٦ لم يكن بها سوى واحد وعشرين ممن يتمتعو )
عضوية كاملة (كوبر ٦٧:١٩٩٦: ستوكينج ٤٢٧ :١٩٩٦).
فى فرنسا نرى موقفا مغايرا تماما. فالنظام الأكاديمى الفرنسى كان أكثر تمركزا مما فى البلدين الآخرين، بينما راحت باريس تجتذب نخبة فكرية كبيرة، موهوبة وفعالة، حيث تمتعت بشهرة كبيرة. كانت العضوية فى هذه النخبة أكثر أهمية من الحدود الصارمة، وبناءً عليه كان الأنثروبولوجيون منهمكين فى تعاون مكثف وجدال مع علماء الاجتماع والفلاسفة والمؤرخين وعلماء النفس وعلماء اللغة. ورغم أن الأنثروبولوجيا كانت تتأسس بوضوح هنا وفى أماكن أخرى، فإنه لم يكن هناك نفس الشعور القوى بفرع جديد وثورى آخذ فى التشكل، محددا نفسه على نحو واضح من خلال الذين سبقوا إليه ومن خلال مدارس أنثروبولوجيا أخرى. وبالتالى كانت الأنثروبولوجيا الفرنسية بمفهوم ما أكثر التقاليد القومية تفتحا ونخبوية.
فى باكورة الأربعينيات، كانت مدارس الأنثروبولوجيا الحديثة المبكرة قد ترسخت بثبات. وفى ظرف عقد قصير، كانت الأنثروبولوجيا الفيكتورية لتيلور وفريزر ومادية مورجان وانتشارية الألمان قد علاها طبقة سميكة من الغبار. ثمة نظرية ما كانت تهجع فى سكون ليعيد اكتشافها أجيال لاحقة، ولا سيما عمل ماركس وفيبر، ولكن ككل، كان مشروع الأنثروبولوجيا يتم استيعابه باعتباره طازجا وجديدا ومثيرا بوصفه مفتاحًا اكتشف حديثا لفهم حقيقى للحالة الإنسانية. كان الممارسون فى كل بلد قلة ومتحفزين بدرجة كبيرة، فى بعض الحالات (نتذكر تابعى موس ورادكليف براون) وتقريبا أحداث الماضى للشعائر الدينية.
فى أوروبا وخارج فرنسا وبريطانيا، لم يكن قد بدأ بعد انتشار الفرع الجديد. فى ألمانيا ظل الانتشاريون يؤثرون حتى بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يكن سوى فى الستينيات أن تأسست الأنثروبولوجيا الاجتماعية فى إسكندينافيا وهولندا (انظر فيرميولين ورولدان ١٩٩٥ من أجل تواريخ جزئية للأنثروبولوجيات الأوروبية).
إن التاريخ الثقافى فى الوريد الانتشارى أو التطورى، الذى غالبا ما يشوبه تحيز عرقى (عند الحديث عن الآخرين) ومطامح قومية (عند الحديث عن الثقافة الشعبية الخاصة) سوف يسود فى معظم أوروبا رغم ذلك.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

The material de...

The material describes security as a trade-off. Increasing security can make a system harder to use,...

PROJECT COORDIN...

PROJECT COORDINATOR | FINANCIAL & FIELD PROGRAMME EXPERIENCE PROFESSIONAL SUMMARY Project a...

دخلت أزمة المعل...

دخلت أزمة المعلمين في ساحل حضرموت مرحلة جديدة مع بدء إدارات التربية والتعليم تسليم إشعارات لمعلمي ال...

بحث عضو مجلس ال...

بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي باوزير، في نيويورك، مع المديرة العامة لصندوق ال...

ما الذي يجعل ال...

ما الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في العمل الفني؟ الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في...

في 15 فبراير 19...

في 15 فبراير 1944، وبالتزامن مع إحدى أبشع الجرائم في التاريخ الحديث بحق المسلمين، وُلد أحد أعظم القا...

رغم الطابع الهز...

رغم الطابع الهزلي في النص، يحمل أبعادًا نقدية جادة تتعلق بانتقاد السلوك البشري والعبثية في النزاعات ...

تزداد أنصاف أقط...

تزداد أنصاف أقطار الذرات كلّما اتجهنا من أعلى المجموعة إلى أسفلها؛ حيث تُضاف إلكترونات إلى مستويات ا...

ضعف الروابط الأ...

ضعف الروابط الأسرية وغياب الزيارات المتبادلة، مع فقدان القدرة على بناء علاقات واقعية وتراجع التواصل ...

تصدر يوسف بزشكي...

تصدر يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي في إيران، ...

جاء في الصبح ال...

جاء في الصبح المنّبي أنّ أبا الطيب قال: "وردت في صبايا من الكوفة إلى بغداد"، إلّا أنّه لم يحدد تاريخ...

نعم، جاءت الألف...

نعم، جاءت الألفاظ والعبارات ملائمة تماماً لتجسيد هذه العاطفة وصادقة في التعبير عنها.التعليل:قوة الأل...

أخبار التقنية