لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

(تلخيص بواسطة الذكاء الاصطناعي)

تُروي هذه القصة أحداثًا متسارعة في الشارقة بين عامي 1958 و 1959. بدأت بسلسلة من إبعاد مدرسين من المدرسة القاسمية، بمن فيهم ناظرها الأستاذ محمد ذياب الموسى، بناءً على طلب إنجليزي. ثم سافر الراوي مع زملائه إلى الكويت لامتحانات الشهادة المتوسطة، حيث واجهوا موقفًا طريفًا بسبب تسجيل تاريخ ميلادهم جميعًا بنفس التاريخ. بعد عودتهم، شهدت الشارقة زيادة في الكلاب الضالة، مما أدى إلى حوادث إطلاق نار. تطوّرت الأحداث بمشكلة مع "سيد عبد الله"، زعيم البلوش، الذي هدد الشيخ صقر، ثم حادثة حريق قُتل على إثرها رجل بلوشي ظلماً، حيث تدخّل الراوي لمنعه. بعدها، سافر الراوي لزيارة أمه في قطر، وشهد تطوّر ميناء الدوحة، ثم عاد للشارقة بعد حادث طائرة في أبو ظبي. اختتمت القصة بمرض والده، سفره للعلاج في بيروت، وحريق هائل في حي البلوش، ثم تحطّم طائرتين حربيتين في مطار الشارقة.


النص الأصلي

كانت مدينة الشارقة هادئة، الحركة فيها تتمثل في خروج العمال والموظفين من بيوتهم في الصباح الباكر إلى عملهم في محطة الطيران أو في القاعدة البريطانية في الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة الشارقة، يلي ذلك خروج الطلبة من بيوتهم متجهين إلى المدرسة القاسمية الواقعة بين مدينة الشارقة ومحطة الطيران؛ أما البنات فكن يتجهن إلى مدرستهن في وسط المدينة.
كثرت الحوادث في مدينة الشارقة في المدة ما بين سنة 1958م
وسنة 1959م، نذكر بعض تلك الحوادث فيما يلي:
إبعاد المدرسين
بانتهاء العام الدراسي 1957 - 1956م كان الأستاذ هاشم عمارة ناظر مدرسة دبي قد أبعد من دبي بطلب من الإنجليز من مكتب الكويت بدبي، حيث كان من البعثة الكويتية للتعليم، كما أبعد كذلك الأستاذ .فائز أبو النعاج من المدرسة القاسمية بالشارقة، ولم تُجْدِ محاولات الشيخ صقر بن سلطان القاسمي نفعًا لإبقائه حيث برّر ذلك بأنه المدرس الخاص لابنه. وأتى الضرر الأكبر على المدرسة القاسمية عندما تقرر من قبل الإنجليز منع الأستاذ محمد ذياب الموسى ناظر المدرسة القاسمية بالشارقة من العودة إلى الشارقة. حتى إذا ما بدات المدرسة القاسمية العام الدراسي 1958 - 1957م لم يكن هناك ناظر للمدرسة، مما دعا مكتب الكويت بدبي إلى أن يعيّن أحد المدرسين وكيلا للمدرسة حتى وصول ناظر جديد لها.
كان الأستاذ محمد ذياب الموسى منذ أن وصل إلى المدرسة القاسمية مدرّسًا وهو يضيف أنشطة مدرسية كل سنة إلى جانب الارتقاء بمستوى التعليم. وكانت أواخر أنشطته المهرجان الرياضي السنوي والذي كان يقام في شهر إبريل من كل سنة. وكان يحضره شيوخ الإمارات وجمع غفير من سكان دبي والشارقة وعجمان. كما كانت هناك المسرحية المشهورة "المروءة المقنّعة" للشاعر الفلسطيني محمود غنيم، وقد قمت بالتمثيل بها بالدور الرئيسي "جابر عثرات الكرام". حضر تلك المسرحية شيوخ الإمارات وآعداد كبيرة ممن اشتروا التذاكر في أيام العيد التي سبقت القيام بالمسرحية. وقد حمع مبلغ من المال قدر باثنين وثلاثين ألف روبية، أكثرها جاء من تبرعات شيوخ الإمارات، وكان تبرع الشيخ راشد بن سعيد المكتوم حاكم دبي سخيًّا. كان الغرض من جمع تلك الأموال هو بناء فصول دراسية إضافية لمدرسة القاسمية بالشارقة.امتحانات المتوسطة في الكويت
قبل انتهاء العام الدراسي 1958 - 1957م، والذي كنا فيه في الصف الرابع المتوسط، كان امتحان الشهادة المتوسطة للمدرسة القاسمية بالشارقة، وهو أول امتحان من نوعه يجب أن يُنقل إلى الكويت.
استاجرت دائرة المعارف في الكويت طائرة خاصة من طائرات طيران الخليج لتنقلنا إلى الكويت عبوراً بالبحرين. وكان عددنا ثلاثة عشر طالبًا. كان المشرف على البعثة الأستاذ جاسم بن سيف المدفع، ويساعده الأستاذ صدقي ذياب الموسى.
حينما وصلنا إلى مطار الكويت أخذ أحد مسؤولي الجوازات يقلب جوازات سفرنا وهو يضحك ثم يحادث الموظف الثاني، والثالث، والرابع، ويضحكون وهم يقلبون جوازات سفرنا. خرج إلينا أحدهم يسلمنا جوازات سفرنا بعد أن ختمها بختم الدخول وهو يضحك،
قائلا :
'مولودون في يوم واحد؟".
لم نستطع الإجابة، ولم نكن نفهم ماذا كان يقصد!
بعد مراجعة دفاتر جوازات سفرنا، تبين أن الأستاذ غريب عبدالصالحين من البعثة المصرية والذي قام بتسجيل أسمائنا في دفاتر الجوازات قد كتب تاريخ ميلادنا جميعا بتاريخ 1942/1/1م، فجعلنا أضحوكة بذلك.
نزلنا بالكويت في منزل رقم 12 من منازل ثانوية الشويخ.
وقبل بداية الامتحانات سألت الأستاذ صدقي ذياب الموسىعن عنوان أخيه محمد ذياب الموسى، فأخبرني أنه في مدرسة "أبي حليفة" بالكويت، فاستأجرت سيارة أجرة لتقلني إلى مدرسة أبو حليفة خارج مدينة الكويت حيث زرت أستاذي الأستاذ محمد دياب الموسى المدرس بتلك المدرسة، وسألته:
"ما الذي دفعك إلى أن تختارني أنا بالذات لتوجه إلي الإنذار في حوادث سنة 1956م؟".
أجاب الأستاذ محمد ذياب الموسى:
"كان المدرسون الذين يدرسونكم قد نبهوني قائلين بأن سلطان القاسمي يمر بحالة نفسية فلم يعد مثلما كان. وأضافوا بأنهم يدرسون الطلبة في غرفة الصف من خلالك إلى درجة آنك كنت تلاحق المدرس بنظرك عندما يتحرك المدرس في كل الاتجاهات حتى وإلى الخلف، أما يومها فقد كنت شارد الذهن".
وبعد أن قدمنا امتحان المتوسطة بيسر، أخذتنا دائرة المعارف في حافلة إلى الأحمدي لمشاهدة مدينة الأحمدي النموذجية والمنشآت
لبترولية.
غادرنا الكويت بالطائرة الخاصة المؤجرة من طيران الخليج عائدين إلى الشارقة. وكان على الطائرة أن تتزود بالبنزين من البحرين، ونكون نحن وقتها عابرين فقط. ما إن وصلت طائرتنا إلى البحرين، وإذا موظف الصحة يدخل الطائرة ويطلب منا البطاقات الصحية، فسألنا عنها فتبيّن أن المسؤول عن رحلتنا قد نسيها في الكويت.
قال: "لابد من إعطاء التطعيم".
تقدمت إليه قائلا: "نحن لا شأن لنا بالبحرين".قال: "يجب أن تكون معكم بطاقات صحية".
قلت، وأنا قد فتحت جواز السفر:
"انظر، هذا دخول الكويت، وهذا خروج الكويت، إذن كيف أدخلونا إلى الكويت؟!".
قال: "لا شأن لي بذلك".
قلت، وأنا أكشف عن زندي: "انظر..علامة التطعيم لا تزال متقيحة!".
قال: "هذه قرحة في زندك!".
قلت لجميع الطلبة: "اكشفوا عن زنودكم".
فشاهد زنودهم، وقال: "ولو.. لابد من التطعيم".
قلت: "والله..لن يكون!".
قال: "والله..لن تتحرك الطائرة!".
وجلسنا مدة ربع ساعة، وجميع الطلبة يترجونني أن أوافق.. وقالوا:
"هو جرح بسيط بالمشرط".
طَلب منا أن ننزل جميعنا من الطائرة ونذهب إلى مبنى المطار ..
فأخذنا ننتظر حتى حضر موظف الصحة، فقلت له:
"أين الدكتور الذي سيقوم بعملية التطعيم؟".
قال موظف الصحة: "أنا".
قلت بتعجب: "أنت!!".
قال : "ما ملأت عينك؟ لابد أن أكون أجنبيًا حتى أملأ عينك".
قلت: "حاشا لله، ولكن كنت تستطيع أن تقوم بالتطعيم والزنود مكشوفة".
قال: "الطعم كان هنا في الثلاجة".
أخذ الدكتور موظف الصحة يجري عملية التطعيم حتى انتهى جميع الطلبة من التطعيم وبقيت أنا وحدي معه.
قلت: "أنا أقسمت يمينًا.. وسأموت ولن ترضى أنت أن أموت بسببك".
قال: "لا..لا أرضى".
قلت: "أعطني المشرط وأنا أشرط زندي وأضع الطعم عليه تحت
إشرافك".
قال: "قبلت".
وهكذا كان.
كبو السلاح
في أواخر سنة 1958م كثرت الكلاب الضالة في مدينة الشارقة، فأمر الشيخ صقر بن سلطان القاسمي حاكم الشارقة أن يتم التخلص منها.
وفي مساء يوم من تلك الأيام، سمعت إطلاق نار في ساحة الحصن فخرجت من بيتنا لأستجلي الأمر، وإذا بعسكري قد أردى كلبًا قتلًا، وأخذ يصوّب بندقيته ناحية كلبة أخرى أخذت تستنجد بي. لكن الرصاصة قد انطلقت لتصيب الكلبة في نهاية عمودها الفقري، فتقع على الأرض ثم تقوم لتسحب مؤخرتها التي أصابها الشلل .
أخذت أنهر العسكري حتى أبعدته عنها. حملت تلك الكلبة إلى بيتنا وداويتها وصنعت لها بيتًا من الخشب، وأخذت أراعيها بإطعامها وسقيها وتنظيفها حتى برأ جرحها. وكانت في كل مرة إذا ما أردت أن أتركها تتبعني ساحبة عجزها، فأحاول أن أرجعها إلى بيتها، لكنها تأخذ في مداعبتي وكأنها تطلب مني أن أبقى معها.
كنت عند رجوعي من المدرسة أمرّ بها أولا لأطمئن على صحتها.. وفي ذات مرة، وجدت الكلبة مبلولة، وإذا بها ترتعش!
مَنْ الذي قام بغسلها؟! ومَنْ وضع ذاك الحبل حول رقبتها؟!
واكتشفت أثرَ سحبها لعجزها وهي آتية من البوابة الغربية. فتبعت الأثر، وإذا بها آتية من ناحية السوق الواقع على شاطئ البحر. سألت أصحاب المحلات التجارية إن كانوا شاهدوا كلبة مشلولة مرت من هناك .
أجابوا بأن شخصًا كان يسحب كلبة بحبل من رقبتها ورماها في البحر، وحاول أن يغرقها.. لكنها سبحت بعيدًا عنه، ولم تقترب من الشاطئ.
رجعت إلى البيت، فوجدتها قد ماتت.
وفي مكان آخر، تجمّع الشباب لمشاهدة ذاك العسكري وهو بصوّب بندقيته نحو كلبة أخرى كانت تنبش في القمامة، وكان هناك نخص يلبس لباسًا مثل لباسنا ويندس بيننا، فإذا ما خاطبه أحد أشار إلى أذنه بأنه لا يسمع، وعلى شفتيه بأنه لا يتكلم، ويتلفظ فقط بكلمات هي: هوب..اي..هوب.
وبينما كان العسكري مصوبًا بندقيته نحو الكلبة..والجميع يترقب انطلاق الرصاصة، فإذا بصوت البندقية يآتي:
"تِكْ"..قال "هوب آي هوب ": كذبتْ.. (أي كَبَتْ).
فالتفت إليه الشباب ليمسكوا به، لكنه فلت من بين ايديهم وهرب من البلد.
نبيّن فيما بعد أنه جاسوس للإنجليز.
كان هناك رجل يُدعى سيد عبد الله ويطلق على نفسه لقب "زعيم البلوش"، ويقيم في الشارقة. وكان سيد عبد اللّه من البلوش الذين ثاروا على رضا شاه في إيران قبل عشرين عامًا من الحادثة التالية، وقد هرب مع كثيرين آخرين واستقر في الشارقة وأصبح من رعاياها، ويحمل وقتها جواز سفر صادرًا من الشارقة، وهو من أتباع الشيخ صقر بن سلطان القاسمي حاكم الشارقة، الذي ظل يدفع له على مدى سنوات مبلغ 200 روبية شهريًا:
وقعت مشاجرة في الشارقة بتاريخ 9 ديسمبر سنة 1958م بين رجل بلوشي وزوجته، وعُرض الرجل البلوشي على الشيخ صقر، فقال الشيخ صقر إن القضية يجب أن تُعرض على الشيخ سيف المدفع الذي يتولى القضاء في الشارقة، وطلب من الشيخ سيف أن يسوي الخلاف بين الرجل وزوجته.
عندما سمع سيد عبدالله بهذا، رفض أن يسمح للرجل البلوشي بعرض الدعوى على الشيخ سيف، وذهب بنفسه ليقابل الشيخ صقر مساء الخميس 11 ديسمبر، وكان ذلك في المجلس العام.
قال سيد عبد الله للشيخ صقر بأن البلوش رعاياه، وأن من واجبه أن يسوي خلافاتهم. وقد سئم الشيخ صقر من احتجاجات سيد عبد الله، وطلب منه أن يصمت، وأمره لاحقًا بالخروج من المجلس؛ فأخرج سيد عبدالله مسدسًا وصوّبه على الشيخ صقر. وكان مدرس مصري يُدعى محمد أبو المعاطي جالسًا في المجلس، فضرب سيد عبد اللّٰه من الخلف وانتزع منه المسدس. وفي الوقت ذاته أخذ الشيخ صقر بندقية من أحد أتباعه وصوبها على سيد عبدالله، وأطلق النار، ولكن السلاح كبا. وحاول مرة أخرى أن يطلق النار، لكن الرصاصة لم تخرج من البندقية..وهنا أمسك عساكر الشيخ صقر سيد عبدالله.. وبعد أن أوسعوه ضربًا، اقتادوه إلى السجن.
هدد الشيخ صقر بأن يُسلم سيد عبدالله للسلطات الإيرانية حيث إنه مطلوب لديها. عندها وصل "الميرزا بركت"، زعيم البلوش على ساحل الباطنة في عُمان، إلى الشارقة، وطلب من الشيخ صقر أن سلمه سيد عبد الله ليأخذه معه إلى عُمان. وقد تعهد "الميرزا بركت" بأن سيد عبدالله لن يعود إلى الشارقة.
في نهاية ديسمبر سنة 1958م حدث حريق في خيمة من سعف في "حي البلوش"، واحترقت صاحبة الخيمة وماتت، فاتّهم زوجها بأنه هو الذي أحرقها. ألقي القبض على الرجل البلوشي وأحضر لدى القاضي، فحكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص. لم يكن سيد عبداللّه زعيم البلوش في الشارقة، ولم يكن هناك من يُدافع عن هذا الرجل، فاقتادوه خارج البلد بالقرب من شجرة الرولة التي كانت تُقام تحتها الأعياد والأفراح لتنفيذ حكم الإعدام.
كنت وقتها خارجًا من بيتنا لأشاهد تنفيذ الحكم مثل غيري من الناس الذين أخذوا يهرولون نحو شجرة الرولة. وعلى باب بيتنا نسمّرت تلك المرأة البلوشية التي كانت تقوم بالكناسة في بيتناودموعها تنهمر، قالت:
"إلى أين؟".
قلت: "لأشاهد إعدام الرجل".
قالت: "لا تذهب!".
قلت: "لماذا؟".
قالت: "هذا ظلم!".
قلت: "كيف؟!".
قالت: "أنا جارة المرأة التي احترقت، وخيامنا ليس عليها أسوار، ولم يكن زوجها هناك، بل كانت تطبخ، فاحترقت الخيمة التي كانت بها، فاحترقت".
قلت: "هل معك شهود على ذلك؟".
قالت: "نعم..كل أهل الحي يشهدون بذلك".
ركضت مسرعًا بينما هي لا تزال تكمل الحديث، حتى إذا ما وصلت إلى شجرة الرولة وجدت الرجل موثوق الرجلين واليدين، وأهالي الشارقة قد اصطفوا ليشاهدوا عملية الإعدام. وكان هناك رجل يُدعى "سالم الباطني"، المتخصص بتنفيذ الإعدام وقطع الأيادي، حشو بندقيته لإطلاق النار.
وقفت أمامه وطلبت منه أن لا يُطلق النار، وأنا أقول له:
"هذا بريء.. أنا لديّ شهود على ذلك!".
أمسكت بماسورة البندقية، فأصبحت مصوّبة نحو صدري!
قال سالم الباطني: "أمسكوه.. البندقية محشوة".
أمسكوني فانسلت ماسورة البندقية من بين يدي.صوّب سالم الباطني بندقيته نحو الرجل البلوشي.. فكَبَتْ!!
فصرخت: "خلاص!! خلاص!!".
وحاولت الإفلات من العساكر فلم أستطع، وإذا بسالم الباطني بصوب بندقيته ويطلق النار فيسقط الرجل البلوشي.. فأسرعت نحوه.
عندما وصلت إليه.. كنت أظن أنني سآخذه إلى المستشفى..
فلما رفعت رأسه وجدته قد فارق الحياة..وعيناه لا تزالان مفتوحتين ننظران إليّ، وكأنهما تقولان لي: '"شكرًا".
فراق الوالدين
في سنة 1957م تزوج الشيخ محمد بن علي آل ثاني، نجل حاكم قطر، شقيقتي ناعمة. ولصغر سنها، انتقلت والدتي معها إلى قطر، فخلا لبيت من الحس، حتى إذا ما فات عام على زواج شقيقتي ناعمة، ذهبت إلى قطر في يونيو سنة 1958م لأزور والدتي وشقيقتي التي رزقت بطفل ذكر سُمّي عبد الله.
مكثت في قطر مدة شهر زرت خلاله مدن وقرى وشواطئ قطر؛ وقد شاهدت التطور الذي حدث منذ زيارتي الأولى قبل ثلاث سنوات. وذات يوم قمت بزيارة "فرضة" الدوحة، محط السفن الخشبية، والتي كانت تنقل البضائع من جميع موانئ الخليج والهند وباكستان وشرق افريقيا. وإلى جانب فرضة الدوحة شاهدت عددًا من سيارات النقل تفرغ حمولتها من الصخور في البحر. فلما سألت عن ذلك، قيل لي إنه بداية بناء ميناء الدوحة.
لاتوجد جبال في قطر، فمن أين كانت تلك السيارات تأتي بالصخور؟. تتبعت بسيارتي تلك السيارات فوجدتها تنقل الصخور من مقلع يبعد عدة كيلومترات إلى الجنوب من مدينة الدوحة. كانت نلك الصخور لبنية اللون، كانت قد غطتها رمال الصحراء.
في بداية شهر يوليو سنة 1958م، قررت العودة بالطائرة إلى الشارقة. نزلت وهي في طريقها إلى الشارقة في مطار أبوظبي، وكان قد جُهّز قبل بضعة أشهر من أرض سبخة مدكوكة لتكون المدرج، ومبنى مؤقت للمسافرين. عند نهاية ذاك المدرج خرجت الطائرة عن الأرض المدكوكة وغاصت إحدى عجلاتها في السبخة الطرية حتى لامس جناحها الأرض، فأسرعت سيارة من مبنى الركاب؛ وبعد أن استطلعت الأمر، وصلت سيارة ذات دفع رباعي، فنزل سائقها، ويُدعى (ما شاء اللّه)، وكان من أهالي الشارقة يعمل هناك، فربط حبلا حديديًا في عمود عجلة الطائرة بعد أن حفر حول عجلة الطائرة، وأخذ يجر الطائرة التي رفضت أن تتحرك. عندها قررت إدارة مطار أبوظبي طلب طائرة أخرى من البحرين لتنقلنا إلى الشارقة.
ركبنا السيارة مع (ما شاء اللّه)، وكنا ركاب الشارقة اثنين فقط :
إبراهيم بن نصار وأنا، فأخذنا إلى مطعم مبني بالسعف على شاطئ البحر بأبوظبي، تناولنا الغداء هناك، ثم أخذنا بجولة حول الأماكن المهمة في أبوظبي، ومنها حصن أبوظبي بلونه الأبيض وأبراجه المطلة من زواياه بعيدًا قليلا عن البلدة، تفصله عنها أرض رملية ناعمة بيضاء.
أما على شاطئ البحر، فهناك بعض المباني التي بُنيت للشركات العاملة في أبوظبي.
سألت "ما شاء اللّه":"هل الطائرة الاتية من البحرين لإبراهيم ولي فقط؟".
قال "ما شاء اللّه":
"الطائرة الآتية من البحرين لنقل شحنة الذهب الكبيرة التي بطائرتكم، ولذلك انغرزت عجلتها في السبخة".
كانت تلك الشحنة من الذهب تنقل من البحرين إلى الشارقة، ومن ثَمَّ تُهرّب إلى الهند.
وقبل بدء الدراسة ودخولي إلى المدرسة، تزحلق والدي في الحمام ذات مساء فانكسرت رجله في منتصف عظمة الفخذ. كنت أقرب واحد من أبنائه عندما نادوني، فوضعته في سيارة ونقلته إلى مستشفى المكتوم في دبي.
توافد الأبناء والأقرباء على مستشفى المكتوم للاطمئنان على صحة والدي. تداول شقيقي خالد مسألة علاج والدي مع الأطباء، فاستقر الرأي على أن يُنقل إلى قطر للعلاج هناك، فسافر شقيقي خالد وأنا معه بالطائرة إلى قطر. ولم أمكث طويلا في قطر، فقد عدت إلى الشارقة لمواصلة دراستي.
في مستشفى قطر لم يجبر كسر ساق والدي، فتقرر أن ينقل إلى بيروت ليدخل مستشفى البربير لتجرى له عملية وضع قضيب في تجويف العظم.
نمت العملية بسلام في بداية سنة 1959م، وما هو إلا شهر حتى بدأ والدي بالمشي على رجليه.
في فجر يوم الرابع من فبراير سنة 1959م أصيب والدي بجلطة في الدماغ، فوصلت برقية للشيخ صقر بن سلطان القاسمي حاكم الشارقة نخبره بما حدث.. فسافر إلى بيروت للاطمئنان على صحة عمه.
وكيل حكومة قطر في لبنان طلب على الفور من السفارة البريطانية إحضار جرّاح كبير بالطائرة من لندن لإجراء عملية مستعجلة.
وفي الساعة الثانية والنصف بعد الظهر من يوم الخامس من فبراير سنة 1959م وصلت طائرة الخطوط الجوية البريطانية إلى بيروت، وعلى متنها الطبيب الإنجليزي "مراي فالكونر" "Murray Falconer" من مستشفى "غايز" "Guys"، والذي أجرى عملية مشابهة في السنة التي قبلها لحميد فرنجية، كما اصطحب معه مساعده الدكتور
."Hamilton" "هاملتون"'
فور وصول الدكتور "فالكونر" أجريت لوالدي عملية جراحية
استعاد بعدها وعيه، عدا ما أصابه من شلل في إحدى يديه وفي إحدى رجليه. عاد بعدها في بداية شهر مارس سنة 1959م إلى الشارقة ليبقى طريح الفراش.
حريق الشارقة
في ظهر يوم من أيام شهر مارس سنة 1959م كانت الرياح الشديدة المثيرة للأتربة آتية من الجنوب، يقال لها "السهيلي"، وقد شبّ حينها حريق في حيّ البلوش، المعادين لشاه إيران، والتابعين لسيد عبداللّه، لذي أبعد من الشارقة إلى مسقط بعمان قبل عدة أشهر.
أخذت النار تتناول البيوت بيتًا بيتًا، وتسبقها إلى البيوت البعيدة قطع ملتهبة متطايرة من حصر السعف والتي كانت تغطى بها أسقف بيوت السعف. كان حيّ البلوش والأحياء المجاورة له كلها مبنية من سعف النخيل، لذلك أتت النار على تلك الأحياء كلها، فلم تُبق على شيء، وتركت تلك العوائل في العراء.
تحطم الطائرات الحربية في الشارقة
بينما كنا في غرفة الصف بمدرستنا ضحى يوم العاشر من مارس سنة 1959م، وإذا بصوت انفجار هز جدران الغرفة؛ فخرج الطلبة ليستطلعوا ما حدث، فتبيّن أن طائرة حربية بريطانية من نوع "هنتر" قد تحطمت في مطار الشارقة وهو لا يبعد عن المدرسة، Si
ضع مئات من الأمتار.
هذه ليست الطائرة الحربية الوحيدة التي تحطمت في مطار الشارقة، فقد تلتها طائرة حربية بريطانية أخرى من نوع "كمبيرا"
تحطمت يوم الخامس من يوليو سنة 1959م


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...

يُمثل الفضاء ال...

يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...