لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

وَقَفَ الأَعْرابِيُّ يَتَطَلِّعُ حَوْلَهُ حائِراً خائِفاً: في أَيِّ اتّجاهٍ يَسيرُ في هَذِهِ الصَّحْراءِ الكَبيرَةِ الغادِرَةِ لِيَصِلَ إِلَى مَضارِبِهِ؟ لَقَدْ قَضى النَّهارَ بِطولِهِ مَعَ ابْنِهِ وَهُما شارِ دانِ تائِهانِ، وَكأَنَّ الدُّنْيا قَدْ سُدَّتْ أَبْوابُها أَمامَهُما. وَفيما هُو عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ لَهُ ابْنُهُ راجِياً: رُحْماكَ! لِنَسْتَرِحْ قَليلاً، فَالجوعُ وَالعَطَشُ قَدْ هَدًا قِوايَ! اضْطَرَبَ قَلْبُ الوالِدِ المِسْكينِ، وَجَلَسَ أَرْضاً قُرْبَ ابْنِهِ وَراحَ يُخَفِّفُ عَنْهُ: فَلَوْلا العاصِفَةُ المَلْعونَةُ الَّتي هَبَّتْ عَلَيْنا بِالأَمْسِ، فَبِتُّ لا أهْتَدي إِلى طَريقٍ فيها. وَبَعْدَ ساعَةٍ مِنَ الزَّمَنِ اسْتَرْجَعا قِواهُما. وَسارَ والدُهُ إِلى جانِبِهِ، ثُمَّ أَوْقَفَ ناقَتَهُ وَصاحَ بِوالِدِهِ: إِلى حَيْثُ أَشارَ ابْنُهُ، وَظَنَّ الأَمْرَ سَراباً خَدَعَ ابْنَهُ. وَلَكِنَّهُ ما لَبِثَ أَنْ لَمَحَ بَصيصاً بَعيداً فَأَدْرَكَ أَنَّ ابْنَهُ لَمْ يَكَنْ واهِماً. وَفِي الحالِ دَبَّتْ فيهِما قُوَّةُ الأَمَلِ، وَأَنْظارُهُما مُعَلَّقَةٌ بِنُقْطَةِ النّورِ البَعيدَةِ وَكَأَنَّها الخَلاصُ بَعْدَ قَليلِ طَرَقَ مَسامِعَهُما نُباحٌ راحَ يَقْتَرِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَيَسيرُ أَمامَهُما وَكَأَنَّهُ يَدُلَّهُما عَلى طَريقٍ، - لَقَدْ أَرْسَلَ أَصْحابُ النّارِ هَذا الكَلْبَ لِيَقودَنا إِلَيْهِمْ. وَتَبِعا الكَلْبَ حَتّى وَصَلا إِلى حَيِّ، وَرَحّبَ بِهِما قائلاً: - أَهْلاً وَسَهْلاً بِالضَّيْفَيْنِ الكَريمَيْنِ! تَزَلْتُمْ عَلَى الرُّحْبِ وَالسَّعَةِ! وَأَقْبَلَ الأَعْرابيُّ وَابْنُهُ عَلى الرَّجُلِ وَالسَّعادَةُ تَغْمُرُ قَلْبَيْهِما. - شُكْراً وَحَمْداً لَكَ أَيُّها الرَّجُلُ الكَريمُ المِضْيافُ! فَنارُكَ أَنْقَذَتْنا مِنْ مَوْتٍ مَحْتَوْمِ! أَنا وَوَلَدي هَذا مَدينانِ لَكَ بِالحَياةِ. - أَنْتَ حاتِمٌ الطَّائيُّ؟! أَنْتَ مَنْ ضُرِبَ المَثَلُ بِكَرَمِهِ وَخَيْرِهِ وَنُبْلِ قَلْبِهِ؟ أَنْتَ مَنْ أَوْقَدَ ناراً لِيَراها مَنْ ضَلّوا طَريقَهُمْ في اللَّيْلِ فيَهْتَدوا بِها إِلَيْكَ؟. لَمْ يَكَنْ حاتِمٌ الطَّائِيُّ غَنِيًّا، إِلى أَنْ جاءَتْ سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ قَلَّ فيها الماءُ وَالعُشْبُ، في اِحْدى اللّيالي نَفِدَ الطَّعامُ مِنْ بَيْتِ حاتِمٍ، فَجَلَسَ حاتِمٌ إِلى وَلَدَيْهِ عَدِيِّ وَعَبْدِ اللهِ يُخْبِرُهُما القِصَصَ الطَّويلَةَ المُشَوِّقَةَ حَتّى ناما. وَقامَتِ الأُمُّ إِلَى ابْنِهِما سِنانِ تَفْعَلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ. وَهَكَذا نامَ الأَوْلادُ الثَّلاثَةُ وَنَسوا الجوعَ وَلَوْ إِلى حينٍ. إِذْ مَضى عَلَيْهِما يَوْمانِ لَمْ يَذوقا فيهِما طَعاماً. فَعَرَفَتْ حِيلَتَهُ: كانَ يُريدُ لها أَنْ تَنامَ كَما نامَ أَوْلادُهُما حَتّى تَنْسى جوعَها، فَتَظاهَرَتْ بِالنَّومِ لِتُريحَهُ مِنْ هَمِّهِ وَمِنْ خَوْفِهِ عَلى العائِلَةِ. وَلَمّا فَتَحَ حاتِمٌ دَخَلَتْ جارَتُهُمُ البَيْتَ مَلْهوفَةً وَصاحَتْ:

  • أَتَيْتُكَ يا حاتِمُ أَطْلُبُ العَوْنَ. دَمَعَتْ عَيْنا حاتِمٍ وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ:
  • اذْهَبي إِلى أَوْلادِكِ وَعودي بِهِمْ إِلَيَّ. وَبَعْدَ قَليلٍ عادَتْ تَحْمِلُ وَلَدَيْنِ وَيَتْبَعُها أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ أَنْهَكَ الجوعُ قِواهُمْ جَمِيعا. وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ اسْتَيْقَظَ أَوْلادُ حاتِمِ وَصاحوا بِلَوْعَةٍ: وَفي الحالِ قامَ حاتِمٌ إِلى فَرَسِهِ الأَصيلَةِ الّتي أَحَبَّها كَنَفْسِهِ، ثُمَّ خَرَجَ حاتِمٌ إِلى الحَيِّ يُنادي: زَحَفَ أَهْلُ الحَيِّ إِلى بَيْتِ حاتِمِ وَأَقْبَلوا عَلى الطَّعامِ يَسُدّونَ بِهِ جوعَهُمُ الطَّاغِيَ. أَمّا حاتِمٌ فَقَدْ جَلَسَ في زاوِيَةٍ مِنَ البَيْتِ يَنْظُرُ إِلى ضُيوفِهِ بِسَعَادَةٍ. لَمْ يَذُقْ مِنَ الطَّعامِ شَيْئًا إلّا بَعْدَما أَنْهى الجَميعُ الأكلَ. فَدُفِنَ في رَأْسِ تَلَّةٍ تُشْرِفُ عَلى وادٍ ظَليلٍ يَجْري فيهِ نَهْرٌ صَغْيرٌ. وَيَسْتَظِلّونَ بِأَشْجارِ واديهِ وَيَنْعَمونَ فَتَحَلْقوا حَوْلَهُ وَراحوا يَتَناقَلونَ أَخْبارَ حاتِمٍ. وَضَحِكَ رُفَقاؤُهُ وَقالوا لَهُ: - مَن تُكَلَّمُ؟. - تَقولُ قَبيلَةُ ((طَيْءٍ) إِنَّ حاتِماً لَمْ يَأْتِهِ زائِرٌ إلَّا أَكْرَمَهُ وَأَطعَمَهُ. ثُمَّ نَزَلوا إِلى الْوادي وَناموا. وَفي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ اسْتَيْقَظَ الجَميعُ على صُراخٍ رَفيقِهِمِ الهازِلِ:
  • ناقَتي! ناقَتي! لَقَدْ عَقَرَ حاتِمٌ ناقَتي! رَأَيْتُهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ وَبِيَدِهِ سَيْفُهُ. فَتَقَدَّمَ مِنْ ناقَتي وَعَقَرَها! أَسْرَعوا إِلى النّاقةِ فَوَجَدوها عَلى الأَرضِ تَتَمَرَّغُ أَلَماً، وَفي الصَّباحِ رَكِبَ الجَميعُ نِياقَهُمْ إلَّا صاحِبَ النَّاقَةِ المَذْبوحَةِ، وَلاحَ لَهُمْ مِنْ بَعيدٍ رَجُلْ يُقْبِلُ نَحْوَهُمْ عَلى جَمَلِهِ، أَتاني والدي هَذِهِ الَّيْلَ في المَنامِ وَقال لي: ((يا عَدِيًّ! إِنّي قَدْ ذَبَحْتُ اللَّيْلَةَ ناقَةَ أَحَدِ الشُّبّانِ النَّازِلينَ بِقَبْري لأُطْعِمَهُ وَأَصْحابَهُ. بَيْنَما تَسَمَّرَ الشُّبَّانُ في مَكانِهِمْ غَيْرَ مُصَدِّقينَ ما جَرى.


النص الأصلي

وَقَفَ الأَعْرابِيُّ يَتَطَلِّعُ حَوْلَهُ حائِراً خائِفاً: في أَيِّ اتّجاهٍ يَسيرُ في هَذِهِ الصَّحْراءِ الكَبيرَةِ الغادِرَةِ لِيَصِلَ إِلَى مَضارِبِهِ؟ لَقَدْ قَضى النَّهارَ بِطولِهِ مَعَ ابْنِهِ وَهُما شارِ دانِ تائِهانِ، وَكأَنَّ الدُّنْيا قَدْ سُدَّتْ أَبْوابُها أَمامَهُما.
وَفيما هُو عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ لَهُ ابْنُهُ راجِياً:



  • أَبي، رُحْماكَ! لِنَسْتَرِحْ قَليلاً، فَالجوعُ وَالعَطَشُ قَدْ هَدًا قِوايَ!
    اضْطَرَبَ قَلْبُ الوالِدِ المِسْكينِ، وَما كانَ مِنْهُ إِلَّا أَنِ اسْتَجابَ لِلنَّداءِ. فَأَناخَ ناقَتَهُ المَهْزولَةَ، وَجَلَسَ أَرْضاً قُرْبَ ابْنِهِ وَراحَ يُخَفِّفُ عَنْهُ:

  • لا تَخَفْ يا بُنَيَّ. سَنَسْتَريحُ هُنا قَليلا، ثُمَّ نُعاوِدُ سَيْرَنا لَعَلَّنا نَجِدُ لَنا مَخْرَجاً. فَلَوْلا العاصِفَةُ المَلْعونَةُ الَّتي هَبَّتْ عَلَيْنا بِالأَمْسِ، لَكُنَّا اليَوْمَ في دِيارِنا. لَقَدْ غَيَّرَتْ هَذِهِ العاصِفَةُ مَعالِمَ الصَّحْراءِ يا بُنَيَّ، فَبِتُّ لا أهْتَدي إِلى طَريقٍ فيها.
    وَبَعْدَ ساعَةٍ مِنَ الزَّمَنِ اسْتَرْجَعا قِواهُما. فَرَكِبَ الصَّبِيُّ النّاقَةَ، وَسارَ والدُهُ إِلى جانِبِهِ، وَهُما لا يَعْرِفانِ ماذا تُخَبِّئُ لَهُما هَذِهِ الأَرْضُ المُتَرامِيَةُ ...
    ... فَجْأَةً لَمَعَ في الأُفُقِ نُورٌ واهِنَّ ضَعيفٌ.
    فَرَكَ الوَلَدُ عَيْنَيْهِ وَهُوَ لا يُصَدِّقُ ما يَرى. ثُمَّ أَوْقَفَ ناقَتَهُ وَصاحَ بِوالِدِهِ:

  • أَبي!... انْظُرْ!... هُنالِكَ!... في البَعيدِ!... أَتَرى ما
    أَنْعَمَ الوالِدُ النَّطَرَ في الفَضاءِ الواسِعِ، إِلى حَيْثُ أَشارَ ابْنُهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا، وَظَنَّ الأَمْرَ سَراباً خَدَعَ ابْنَهُ. وَلَكِنَّهُ ما لَبِثَ أَنْ لَمَحَ بَصيصاً بَعيداً فَأَدْرَكَ أَنَّ ابْنَهُ لَمْ يَكَنْ واهِماً.
    وَفِي الحالِ دَبَّتْ فيهِما قُوَّةُ الأَمَلِ، فَراحا يَنْهَبانِ الأَرْضَ نَهْباً، وَأَنْظارُهُما مُعَلَّقَةٌ بِنُقْطَةِ النّورِ البَعيدَةِ وَكَأَنَّها الخَلاصُ
    الوَحيدُ.
    بَعْدَ قَليلِ طَرَقَ مَسامِعَهُما نُباحٌ راحَ يَقْتَرِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
    ثُمَّ شاهَدا كَلْبا كَبيراً يَتَقَدَّمُ مِنْهُما مُتَوَدَّداً، وَيَسيرُ أَمامَهُما وَكَأَنَّهُ يَدُلَّهُما عَلى طَريقٍ، فَهَتَفَ الوالِدُ:

  • لَقَدْ أَرْسَلَ أَصْحابُ النّارِ هَذا الكَلْبَ لِيَقودَنا إِلَيْهِمْ.
    نَجَوْنا بِإِذْنِ اللهِ.
    وَتَبِعا الكَلْبَ حَتّى وَصَلا إِلى حَيِّ، فَخَرَجَ مِنْ إِحْدى خِيامِهِ رَجُلٌ وَقورٌ مَهيبٌ، وَرَحّبَ بِهِما قائلاً: - أَهْلاً وَسَهْلاً بِالضَّيْفَيْنِ الكَريمَيْنِ! تَزَلْتُمْ عَلَى الرُّحْبِ وَالسَّعَةِ!
    وَأَقْبَلَ الأَعْرابيُّ وَابْنُهُ عَلى الرَّجُلِ وَالسَّعادَةُ تَغْمُرُ قَلْبَيْهِما.
    وَشَكَرَهُ الوالِدُ قائلاً:

  • شُكْراً وَحَمْداً لَكَ أَيُّها الرَّجُلُ الكَريمُ المِضْيافُ! فَنارُكَ أَنْقَذَتْنا مِنْ مَوْتٍ مَحْتَوْمِ!
    دَخَلَ المُضيفُ إِحْدى الخِيامِ وَتَبِعَهُ الأَعْرابِيُّ وَابْنُهُ، فَقَدَّمَ لَهُما الطَّعامَ وَالشَّرابَ، ثُمَّ جَلَسَ إِلَيْهِما يُحَدِّثُهُما وَيَسأَلُ عَنْ أَحْوالِهِما. قالَ لَهُ الأَعْرابِيُّ:

  • سَيِّدي. أَنا وَوَلَدي هَذا مَدينانِ لَكَ بِالحَياةِ. فَقُلْ لي ما اسْمُكَ لِأَحْفِرَهُ في قَلْبي وَأَحْفَظَهُ مَدى الحَياةِ.
    تَبَسَّمَ صاحِبُ الدّارِ بلُطفٍ وَأَجابَ:

  • أَنا حاتِمٌ الطَّائِيُّ.
    فَصاحَ الأَعْرابِيُّ بِدَهْشَةٍ:

  • أَنْتَ حاتِمٌ الطَّائيُّ؟! أَنْتَ مَنْ ضُرِبَ المَثَلُ بِكَرَمِهِ وَخَيْرِهِ وَنُبْلِ قَلْبِهِ؟ أَنْتَ مَنْ أَوْقَدَ ناراً لِيَراها مَنْ ضَلّوا طَريقَهُمْ في اللَّيْلِ فيَهْتَدوا بِها إِلَيْكَ؟... شُكْراً لَكَ يا رَبِّي وَحَمْداً، فَقَدْ جَمَعْتَني بأَميرِ الجودِ!
    وَفي اليَومِ التّالي وَدَّعَ الضَّيُفانِ حاتِماً، وَخَرَجَ مَعَهُما أَحَدُ أَبْنائِهِ مَسافَةً لِيَدُلُّهُما عَلى طَريقٍ دِيارِهِما.
    لَمْ يَكَنْ حاتِمٌ الطَّائِيُّ غَنِيًّا، وَمَعَ ذَلِكَ قَصَدَهُ النّاسُ في أَوْقَاتِ الضِّيقِ وَالحاجَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يَرُدُ لِأَحَدِهِمْ مَطْلَباً. كانَ يُقَدِّمُ لِلضَّيْفِ أَوْ لِلْمُحْتاجِ طَعامَهُ وَشَرابَهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُضَحِّ قَطُّ بِفَرَسِهِ وَبِسَيْفِهِ. إِلى أَنْ جاءَتْ سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ قَلَّ فيها الماءُ وَالعُشْبُ، فماتَتِ الماشِيَةُ وَجاعَ النّاسُ.
    في اِحْدى اللّيالي نَفِدَ الطَّعامُ مِنْ بَيْتِ حاتِمٍ، وَبَكى أَوْلادُهُ الثَّلاثَةُ جوعاً. فَجَلَسَ حاتِمٌ إِلى وَلَدَيْهِ عَدِيِّ وَعَبْدِ اللهِ يُخْبِرُهُما القِصَصَ الطَّويلَةَ المُشَوِّقَةَ حَتّى ناما. وَقامَتِ الأُمُّ إِلَى ابْنِهِما سِنانِ تَفْعَلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ.
    وَهَكَذا نامَ الأَوْلادُ الثَّلاثَةُ وَنَسوا الجوعَ وَلَوْ إِلى حينٍ.
    وَكانَ الجوعُ قَدْ فَتَكَ بِالزَّوْجَيْنِ أَيْضا، إِذْ مَضى عَلَيْهِما يَوْمانِ لَمْ يَذوقا فيهِما طَعاماً. وَراحَ حاتِمٌ يُخْبِرُ زَوْجَتَهُ الأَخْبارَ، فَعَرَفَتْ حِيلَتَهُ: كانَ يُريدُ لها أَنْ تَنامَ كَما نامَ أَوْلادُهُما حَتّى تَنْسى جوعَها، فَتَظاهَرَتْ بِالنَّومِ لِتُريحَهُ مِنْ هَمِّهِ وَمِنْ خَوْفِهِ عَلى العائِلَةِ. قُبَيْلَ الفَجْرِ طُرِقَ بابُ البَيْتِ، وَلَمّا فَتَحَ حاتِمٌ دَخَلَتْ جارَتُهُمُ البَيْتَ مَلْهوفَةً وَصاحَتْ:

  • أَتَيْتُكَ يا حاتِمُ أَطْلُبُ العَوْنَ. أَوْلادي يَتَضَوَّرونَ جوعاً، وَلا أَجِدُ لي مِنْ مُعينِ سِواكَ!
    دَمَعَتْ عَيْنا حاتِمٍ وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ:

  • اذْهَبي إِلى أَوْلادِكِ وَعودي بِهِمْ إِلَيَّ.
    خَرَجَتِ المَرْأَةُ، وَبَعْدَ قَليلٍ عادَتْ تَحْمِلُ وَلَدَيْنِ وَيَتْبَعُها أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ أَنْهَكَ الجوعُ قِواهُمْ جَمِيعا. وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ اسْتَيْقَظَ أَوْلادُ حاتِمِ وَصاحوا بِلَوْعَةٍ:

  • نَحْنُ جِياعٌ. نُريدُ أَنْ نَأْكُلَ!
    وَفي الحالِ قامَ حاتِمٌ إِلى فَرَسِهِ الأَصيلَةِ الّتي أَحَبَّها كَنَفْسِهِ، فذَبَحَها، وَأَشْعَلَتْ زَوْجَتُهُ وَالجارَةُ النّارَ وَأَخَذَتا تَشْويانِ اللَّحْمَ. ثُمَّ خَرَجَ حاتِمٌ إِلى الحَيِّ يُنادي:

  • اسْتَيْقِظوا يا ناسُ. تَعالَوْا إِلَيَّ فَالطَّعامُ بِانْتِظارِكُم. زَحَفَ أَهْلُ الحَيِّ إِلى بَيْتِ حاتِمِ وَأَقْبَلوا عَلى الطَّعامِ يَسُدّونَ بِهِ جوعَهُمُ الطَّاغِيَ. أَمّا حاتِمٌ فَقَدْ جَلَسَ في زاوِيَةٍ مِنَ البَيْتِ يَنْظُرُ إِلى ضُيوفِهِ بِسَعَادَةٍ. لَمْ يَذُقْ مِنَ الطَّعامِ شَيْئًا إلّا بَعْدَما أَنْهى الجَميعُ الأكلَ.
    ماتَ حاتِمٌ، فَدُفِنَ في رَأْسِ تَلَّةٍ تُشْرِفُ عَلى وادٍ ظَليلٍ يَجْري فيهِ نَهْرٌ صَغْيرٌ. وَكانَ النَّاسُ يَؤُمّونَ قَبْرَهُ وَيُؤْدّونَ لَهُ واجِبَ الشُّكْرِ وَالإحْتِرامِ، وَيَسْتَظِلّونَ بِأَشْجارِ واديهِ وَيَنْعَمونَ
    مياه نهره
    وَفي إِحْدى اللِّيالي وَصَلَ إِلى القَبْرِ جَماعةٌ مِنَ الشُّبّانِ، فَتَحَلْقوا حَوْلَهُ وَراحوا يَتَناقَلونَ أَخْبارَ حاتِمٍ. وَنَظَرَ واحِدْ مِنْهُمْ إِلى القَبْرِ بِسُخْرِيَّةٍ وَخاطَبَهُ قائِلاً :

  • يا حاتِمُ، نَحْنُ اللّيْلَةَ ضُيوفُكَ، فَأَطْعِمْنا!
    وَضَحِكَ رُفَقاؤُهُ وَقالوا لَهُ: - مَن تُكَلَّمُ؟... إِنَّ الأَمْواتَ لا يُجيبونَ!
    فَرَدَّ الشَّابُّ الهازِلُ:

  • تَقولُ قَبيلَةُ ((طَيْءٍ) إِنَّ حاتِماً لَمْ يَأْتِهِ زائِرٌ إلَّا أَكْرَمَهُ وَأَطعَمَهُ. وَنَحْنُ الآنَ ضُيوفُهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَنا!
    ضَحِكَ الجَمِيعُ لِلنُّكْتَةِ. ثُمَّ نَزَلوا إِلى الْوادي وَناموا. وَفي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ اسْتَيْقَظَ الجَميعُ على صُراخٍ رَفيقِهِمِ الهازِلِ:

  • ناقَتي! ناقَتي! لَقَدْ عَقَرَ حاتِمٌ ناقَتي! رَأَيْتُهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ وَبِيَدِهِ سَيْفُهُ. فَتَقَدَّمَ مِنْ ناقَتي وَعَقَرَها!
    أَسْرَعوا إِلى النّاقةِ فَوَجَدوها عَلى الأَرضِ تَتَمَرَّغُ أَلَماً، فَذَبَحوها، وَأَشْعَلوا النَّارَ وَشَوَوْا لَحْمَها وَراحوا يَأْكُلونَ.
    وَظَلُوا عَلى هَذِهِ الحالِ حَتّى الصَّباحِ.
    وَفي الصَّباحِ رَكِبَ الجَميعُ نِياقَهُمْ إلَّا صاحِبَ النَّاقَةِ المَذْبوحَةِ، فَأَرْدَفَهُ أَحَدُ أَصْحَابِهِ خَلْفَهُ وَسارَ الرَّكْبُ بَعيداً عَنِ القَبْرِ. وَلاحَ لَهُمْ مِنْ بَعيدٍ رَجُلْ يُقْبِلُ نَحْوَهُمْ عَلى جَمَلِهِ، وَقَدْ قَرَنَ جَمَلَهُ بِجَمَلٍ آخَرَ. وَلَمّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ خاطَبَ الشَّابَّ الهازِل بِقَوْلِهِ:

  • أَأَنْتَ صاحِبُ البَعيرِ المَذْبوحِ؟

  • أَنا هُوَ! وَلَكِنْ، بِرَبِّكَ، كَيْفَ عَرَفْتَ؟ تَبَسَّمَ راكِبُ الجَمَلِ وَقَالَ:

  • أَنا عَدِيُّ بْنُ حاتِمِ الطَّانِيِّ. أَتاني والدي هَذِهِ الَّيْلَ في المَنامِ وَقال لي: ((يا عَدِيًّ! إِنّي قَدْ ذَبَحْتُ اللَّيْلَةَ ناقَةَ أَحَدِ الشُّبّانِ النَّازِلينَ بِقَبْري لأُطْعِمَهُ وَأَصْحابَهُ. فَقُمْ إِلَيْهِ وَخُذْ ناقَةً مِنْ عِنْدِكَ وَأَعْطِهِ إِيّاها بَدَلَ ناقَتِهِ!...)).
    وَانْصَرَفَ عَدِيٌّ، بَيْنَما تَسَمَّرَ الشُّبَّانُ في مَكانِهِمْ غَيْرَ مُصَدِّقينَ ما جَرى. وَخَجِلَ الشّابُّ الهازِلُ مِنْ نَفْسِهِ وَنَدِمَ عَلى ما بَدَرَ مِنْهُ، وصَاحَ بِأصْحابِهِ:

  • لَقَدْ صَدَقَ مَنْ قالَ إنَّ حاتِماً حَيٌّ لا يَموتُ!


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...

يُمثل الفضاء ال...

يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...

The study deals...

The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...