لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (التلخيص باستخدام خوارزمية التجزئة)

الاستشراق: بين المعرفة والوظيفة السياسية في سياق الدبلوماسية الدينية يُعدّ الاستشراق من أبرز الحقول المعرفية التي اهتمت بدراسة الشرق، وقد أسهم هذا الحقل في تشكيل صورة الإسلام والمسلمين داخل الوعي الغربي، باعتباره أداة معرفية تؤثر في تصورات الغرب عن الإسلام وفي توجيه السياسات الثقافية والدينية. السياق العام: النشأة والدوافع ظهر الاستشراق في سياق تاريخي يتميز بتزايد الاحتكاك بين العالم الإسلامي والغرب منذ العصور الوسطى. دوافع الاستشراق يمكن إجمالها في: • دوافع دينية: خدمة التبشير والطعن في العقيدة الإسلامية. • دوافع علمية ومعرفية: دراسة التراث وتحقيقه وترجمته. • دوافع سياسية واستعمارية: فهم المجتمعات الإسلامية بغرض التحكم فيها. • دوافع دبلوماسية واستراتيجية: توظيف المعرفة في صناعة القرار وتوجيه العلاقات الدولية. الإطار المفاهيمي: مفهوم الاستشراق يشير إلى الاشتغال بالشرق ولغاته وثقافته ودينه. ويتميز الاستشراق بوجود بعدين رئيسيين:

  1. البعد المعرفي: يشمل الدراسة العلمية للغة،
  2. أهمية دبلوماسية: فهم دور الاستشراق في توجيه السياسات الثقافية والدينية الغربية وتأثيره على صورة الإسلام في العلاقات الدولية.
  3. تحليل نشأة الاستشراق ودوافعه ووظائفه المختلفة. إلى أي حدّ يمكن اعتبار الاستشراق إنتاجًا معرفيًا موضوعيًا حول الإسلام، • أسهم الاستشراق في خدمة المعرفة الإنسانية من خلال دراسة التراث الإسلامي وتحقيقه وترجمته. يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي لوصف الظواهر الاستشراقية ومراحلها ودوافعها، أبرز الدراسات حول الاستشراق تشمل: • عبد الرحمن بدوي: يميز بين الاستشراق العلمي والاستشراق المؤدلج. • أنور الجندي: ينتقد الخلفيات الفكرية والسياسية للاستشراق وتأثيره على الفكر الإسلامي المبحث الأول: الإطار التاريخي للنشأة والدوافع • المطلب الأول: نشأة الاستشراق وأطواره التاريخية • المطلب الثاني: دوافع الاستشراق (دينية، المبحث الثاني: الاستشراق ووظائفه المعاصرة • المطلب الأول: الوظائف السياسية والدبلوماسية للاستشراق • المطلب الثاني: نقد الخطاب الاستشراقي وانعكاساته على صورة الإسلام والدبلوماسية الدينية الخاتمة: يتضح أن الاستشراق ظاهرة مركبة تجمع بين البعد المعرفي والبعد الوظيفي. المبحث الأول : الاستشراق : الخلفية الفكرية لنظريات التنمية السياسية لا يمكن القول إن هذا المبحث يقدم دراسة مفصلة أو تقويمية للاستشراق ولا يقدم حصرًا لمدارسه وأهم علمائه وباحثيه . كما أن هذا الجهد في حاجة إلى عمل جماعي يغطي تخصصات عدة ليس في استطاعة الباحث القيام به، الذي ركز بصورة أساسية على دراسة المجتمعات «الشرقية» أو غير الأوروبية - حينئذ - بمفاهيم ومناهج ومسلمات، وفي دراستنا للاستشراق سنناقش القضايا التالية : ١ - البيئة الفكرية والسياسية لنشأة الدراسات الاستشراقية وتطورها. ١ - الأسس النظرية للدراسات الاستشراقية . ٣ - منهجية الدراسات الاستشراقية .
  • الأهداف العلمية والعملية للاستشراق. ه - التطورات الحديثة في الدراسات الاستشراقية وعلاقتها بالأنثروبولوجيا ونظريات التنمية السياسية . أولاً : البيئة الفكرية والسياسية لنشأة الدراسات الاستشراقية وتطوّرها : هناك ما يشبه الإجماع بين الباحثين حول صعوبة تحديد البداية الحقيقية للدراسات الاستشراقية. ۱۳۱۲ بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في العربية واليونانية والعبرية والسريانية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا وأفينون وسلامانكا وهناك أيضًا من يرى أن بداية الاستشراق ترتبط بظهور المفهوم حيث استخدم مفهوم (مستشرق (Orientalist) في إنكلترا عام ۱۷۷۹ وفي فرنسا عام ۱۷۹۹ وأدرج مفهوم الاستشراق Orientalism) في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام ويرى الباحث أن ظهور الاهتمام الأوروبي بدراسة المجتمعات الأمة غير الأوروبية خصوصا العالم الإسلامي ارتبط بالاحتكاك المباشر بين الإسلامية وأوروبا، قضية فهم «الغير» لازمة للحفاظ على «الذات»، خصوصا إذا كان ذلك «الغير» عدوا ذا طبيعة خاصة، مع ناسخة لها داعية لتصحيح تحريفها بعد كشف انحرافها. ومن هنا نشأ الاستشراق لدراسة الإسلام وفهمه بقصد تشويهه وإثبات عدم قناعته بعد تحريفه وتلبيسه ومن ثم كانت وظيفة الاستشراق في مراحله الأولى حماية العقل الأوروبي والحفاظ على العقيدة المسيحية السائدة. وفي المرحلة الأخيرة ارتبط الاستشرق ـ اتساقًا مع المرحلة الثانية - بالاستعمار (البغي) بغية السيطرة ليس على العقلية غير الأوروبية فقط، وسوف يتم تناول تطور الاستشراق في مرحلتين رئيستين: 1 - الاستشراق والتنصير ويبرز ذلك في العديد من أعمال روّاد الاستشراق امثال «نورمن دانييل الذي أسقط المسيحية على الإسلام (مفترضًا أن محمدا - ﷺ - كان للإسلام ما كانه المسيح - عليه السلام - للمسيحية، ناهيك عن الصورة التي رسمها دانتي» للمسلمين ورسولهم في الكوميديا الإلهية، فهناك قدر ضئيل تحلّى بالصدق والعدل في دراساته ولا نرى في هذا نظرة تأمرية من أوروبا على الإسلام، في تناولها للإسلام من فرضيات ومسلّمات الديانة المسيحية الأوروبية وما اختلط من عقائد جرمانية وثنية بها ٢ - الاستشراق والبغي «الاستعمار» بحيث يقوم الاستشراق بمهمة الخلخلة العقيدية والثقافية للمجتمعات المرجو احتلالها ويقوم التنصير باستبدال عقيدتها بعقيدة الباغي، معتقدين أن اعتناقهم لمبادىء التفكير الأوروبي ومشاطرتهم الأوروبيين نظرتهم للكون إنما هو نتيجة اقتناع تلقائي أملته طبيعتهم البشرية . التي كانت على الدوام من أهم وسائل شعوبه في مقاومة الاستعمار» الذي حاول بكل ما أوتي من قوة تجريدها من ذاتيتها وشخصيتها وعقيدتها» ، وأن للاحتلال الإنكليزي للهند رسالة مزدوجة الأولى تدميرية والثانية إحيائية تجديدية إفناء المجتمع الآسيوي وإرساء الأسس المادية للمجتمع الأوروبي في آسيا وقد رد إنجلز ثورة الأمير عبد القادر الجزائري ضد القوات الفرنسية إلى كونها الصراع اليائس للحالة البربرية للمجتمع. فمعظم المستشرقين فيما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وحتى العشرين كانوا يعملون في وزارات الخارجية لدولهم وعلى رأسهم المستشرق «أرنست رينان الذي كان يعمل مخططا للاستعمار الفرنسي )، ثانيا : الأسس النظرية للدراسات الاستشراقية وإنما الأرجح - في رأي الباحث - أن هذه الدراسات وإن لم تكن محض دراسات عشوائية لا يجمعها رابط في المنشأ والمبتغي كذلك لم تكن نابعة من مخطط تأمري، وإنما كانت كاي حقل دراسي أو تخصص علمي يقوم على مجموعة من القواعد والمسلمات التي تعد من قبيل البدهيات التي لا تقبل النقاش والتي يسلم بمصداقيتها كل من يدخل هذا الحقل بحيث يكون لهذا التخصص ضابط يجمع شتات أبحاثه ودراساته، واعتبار كل ما يشذ عن النموذج الروحي المسيحي نقصا أو قصورا يعبر عن فساد هذا الدين وضعفه وعدم معقوليته(۲۹) «فقد أوقفت أوروبا تطور الإنسانية عند المسيحية باعتبارها أرقى دين وصلت إليه البشرية بحيث أصبح تاريخ الإسلام يسير لا وفق ديناميكيته الخاصة بل كانعكاس شاحب ومعكوس لتاريخ الغرب، ٢ - تقييم المجتمعات «الشرقية» طبقًا لمعايير متناقضة طرحتها الخبرات الأوروبية المتتالية. ومن ثم هناك ترسانة من المفاهيم والمعايير تراكمت عبر مراحل تاريخية متتالية لا يستخدم معظمها في دراسة المجتمعات الأوروبية وتقييمها، وأوروبا الأنوار وأوروبا الإمبريالية وفي داخل كل أوروبا تتشكل عدة زوايا للرؤية : الزاوية السياسية، وتوجيه التهم الاعتباطية إليه إما باتهامه بنقص في الروحانية طبقا لمقولات المسيحية، فقد اهتم أرنست رينان ومن سار على نهجه من المستشرقين والمفكرين الأوروبيين ببيان خصائص الأوروبيين صناع الحضارة وحملة الإبداع الخلاق والساميين السطحيين في تفكيرهم وفلسفتهم (۳۳). وأخرى متخلفة أو محكومة خطوة إلى الإمام بحيث ظهرت كتابات مثل (جون وستليك : فصول في مبادىء القانون الدولي (۱۸۹٤ يرى فيه أن أقاليم الأرض «غير المتحضرة ينبغي أن تُلْحَق أو تُحتل من قبل القوى المتقدمة، كذلك وبطريقة مماثلة فإن أفكار كتاب مثل «کارل» «بیترز» و «ليوبولد دوسوسير» و «تشارلز تمبل» تعتمد على ثنائية المتقدم / المتخلف التي اعتنقت ودعي إليها بقوة في استشراق القسم الأخير من القرن التاسع عشر (٣٤) . وتسير البشرية خلفها في أقسام متباعدة من البدائية والتوحش والقبلية وشتى أوجه الانحلال والجهل والفقر والبؤس (٣٥) ، مثل أبحاث رينان» و «لابي» و «کرومر» و «دوماس» و «هانوتو» و «زويمر» وغيرهم (۳۷) . فنظر إلى المنطقة العربية التي تحقق أكبر قدر ممكن من التجانس على أنها مجتمع بلوري فسيفسائي (۳۸) ، أطلق عليه الشرق الأوسط على اعتبار أنه يجمع سرذام من بقايا حضارات بائدة. منهجي سوى تحرات الباحث وثقافته وأهدافه التي أوجدت تاريخا ذهنيا ليس له دليل واقعي ثالثًا : منهجية الدراسات الاستشراقية وعلى الرغم من أن لكل مستشرق منهجًا مستقلاً للاقتراب من الظاهرة موضع دراسته، فلكل منهج «ما قبل المنهج معطياته اللغة والثقافة والتكوين الذاتي للباحث، تلك المنظومة التي تحدد أبعاد رؤية الباحث ومدى استقامته وأمانته العلمية، ولا يسلم منه علم من العلوم البحتة أو الاجتماعية يلقي بظلاله على المنهج المستخدم (۳۹) ، وهذا يضع تحفظا مقبولاً ومنطقياً لمقولة عالمية المنهج»، حيث لا يمكن القول إن هناك انفصالاً بين العلم ومنهجه وأدواته ومفاهيمه ومسلماته بل وألفاظه . وإذا كانت معطيات ما قبل المنهج تطرح مقولات معينة عن الإنسان والكون والحياة والدين والعلم والغاية من الحياة. وهكذا تخلق الثقافة منهجها وتطوره. لأنه من العسير الحديث عن مناهج بعينها تستخدمها هذه الدراسات إذا أغمضنا الطرف عن المنهج التاريخي، بعد أن تم تفريغه من مضمونه حيث لم يعتمد على صحة الوثائق والمعلومات، بل اتخذ الطريق العكسي القائم على الشك واعتماد غريب الأحاديث وشواذها وملتقط الأخبار ونوادرها، ويمكن القول إن المنهجية الاستشراقية اعتمدت مجموعة من القواعد مثلت أساس المنهج العلمي الذي يجب أن يتبع لتكتسب الدراسة صفة العلمية. وبترسيخ هذه القواعد استطاع المستشرقون أن يؤثروا على الطريقة التي كوّن بها المسلمون صورة لأنفسهم في سياق تاريخهم وعلى مجرى التطور في العالم الإسلامي، عن طريق تطوير موضوعات ونظريات وفروض عديدة تتصل بالتاريخ الإسلامي»، فنجدهم الشك إلى أقصى مداه ويطرحون افتراضات لا رصيد لها من الواقع يمضون مع التاريخي، وإما أن يكون يهوديا أو نصرانيا لا يؤمن بصدق الرسالة التي أعقبت النصرانية (٤٦) . ترفض أو غيبي على أساس أنه سقوط في مظلة الخيال والخرافة كل ما هو روحي والعلمية . حيث أخضع التراث الإسلامي - سواء في نظمه السياسية والاقتصادية أو تاريخه بل حتى القرآن والسنة الشريفة - للتفسير المادي للتاريخ ولمقولاته الصارمة يفصلها على مساحات منهجه المرسوم سلفًا، يقطع أوصالها لكي يرفض وينفي ويستبعد ما لا ينسجم ومقولات هذا المنهج . فقد درس التراث الإسلامي بمقولات ومفاهيم مثل : المرحلة الإقطاعية الأرستقراطية المكية أرستقراطية الرقيق الملكية الروحية الجديدة جمهورية مكة . وقد برز ذلك في دراسات «بيجو لفسكايا» و «بلاييف» و «کلیموفیج» و «تولستوف» و «بندلي جوزي » هذا بالإضافة إلى الدراسات التي ضخمت العامل الاقتصادي في التاريخ، خارج عنه موجه له ومتحكم فيه دون أن يلغي أثر البشر ومسؤوليتهم - يمثل معيارا للاحتكام والتقويم تقاس إليه التجارب، من خلال تتبع وقائع تاريخ المسلمين ونظمهم التي لا تمثل في غالبيتها تاريخا للنظم الإسلامية الحقة، وإنما تاريخا للممارسة الفعلية للسلطة السياسية على مقتضى مصالح السلاطين وإن انحرفت عن القيم الإسلامية» . فلم يدرس المستشرقون التراث الإسلامي بمداخله وتصنيفه للعلوم، بحيث أضفيت الأهمية على موضوعات لم يكن لها في التراث الإسلامي أي وزن أو قيمة . وابتدعت موضوعات لم يهتم بها المسلمون أنفسهم على مر تاريخهم، ( أ ) المواقف والمعتقدات البدائية التي ظلت حية في الأمة الإسلامية . (ب) تعاليم القرآن وأثره بالسنة النبوية. (جـ) قيام علماء الكلام ورجال الدين بتنظيم المعتقد الإسلامي والأخلاق الإسلامية على أصول منهجية . ( د ) تأثير الطرق الصوفية . ٦ - أدوات جمع المعلومات : اعتمد المستشرقون على وسائل لا ترقى لمستوى الأداة المنهجية التي تضمن الوصول إلى المعلومات الصحيحة، كذلك مثل الرحالة والمبشرون مصدرًا للمعلومات والقصص التي تفوق الخيال حيث كانت نظرتهم - كما يرى هشام جعيط ـ «عدائية كاذبة، رابعا : الأهداف العلمية والعملية للاستشراق حيث كان هدفه الأساسي حماية العقل الأوروبي من تأثيرات الثقافة الإسلامية الغازية فقد كانت كتب الاستشراق ومقالاته ودراساته كلها مكتوبة أصلاً للمثقف الأوروبي وحده لا لغيره، بل الوصول إلى حماية عقل هذا الأوروبي المثقف من أن يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زحف المسيحية الشمالية إلى دار الإسلام في الجنوب، وأن تكون له نظرة يقتنع كل الاقتناع بصحتها ينظر بهاإلى العالم الإسلامي وثقافته وحضارته فالمستشرقون يكتبون عن الشرق والإسلام لأبناء ثقافتهم ؛ ٢ - التبديل الثقافي للأمم والشعوب غير الأوروبية : رأينا في الأسس قام عليها الاستشراق أنه انطلق من نزعة عرقية عنصرية (٥٨) متمركزة حول الذات، ترى أن الكمال الثقافي متمثل في الحضارة الأوروبية ومن ثم يجب تعميم هذا النموذج (٥٩) على شعوب العالم توطئة لإلحاقها بركب الحضارة الأوروبية لتظل في وضع التابع الذي لا يحس بتبعيته، تمهيدا لاستبدالها بثقافة أكثر تطورًا ورقيا وتماسكاً «بل سعت لتبديل النظم السياسية لإدخال الخطط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحقق أهداف الغرب في الهيمنة والسيطرة» (٦١) . وهو الهدف الأكثر بروزا وأهمية في تاريخ الاستشراق والذي ورثه العلم الاجتماعي الأوروبي، ولا يزال مستمرا تحت مسميات أخرى فمتابعة تاريخ الفكر الفرنسي والإنكليزي والألماني في غضون القرن التاسع عشر، تبين اقتراباً واضحًا بين دخول الغرب طور التوسع الاقتصادي والجغرافي، حلقة في سلسلة طويلة تمتد جذورها إلى عصر النهضة فلا يعد علم الاجتماع نفسه إلا بابا من أبواب العلوم الاستعمارية» من حيث موضوعه وأهدافه، الأولى : الاستفادة من إمكانيات المعرفة الحديثة ووسائل نشرها بين الناس عن طريق المدارس والجامعات وإنشاء دور النشر والطباعة . ولا يعد هذا القول سحبًا لفترة تاريخية من تطور الاستشراق وإسقاطها على تاريخه كله أو خلطا بين نشأة الاستشراق وحالته الراهنة كما . فؤاد زكريا أنه من الممكن أن يكون الاستشراق في بلاد معينة قد نشأ تلبية لحاجات . استعمارية ولكن هذا الأصل لا يتعين أن يلازمه ويؤثر فيه في حكمنا عليه طول مساره اللاحق، ذلك لأن العلم يكتسب بمضي الزمن قدرة على التطور المستقل عن الأصل الذي نشأ منه ، ورغم التناقض الواضح بين هذا الرأي ورأيه السابق الإشارة إليه في نشأة الاستشراق إلا أن الباحث لم يقل بالنشأة المرتبطة بالاحتلال والتوسع وإنما يرى أن الاستشراق ظهر لحماية الذات من تأثير الغير، خامسًا: التطورات الحديثة في الدراسات الاستشراقية وعلاقتها بالأنثر وبولوجيا ونظريات التنمية السياسية انعقاد مؤتمر باندونج ١٩٥٥ كان «الشرق» بأكمله قد حصل على مع استقلاله السياسي من الدول الأوروبية يواجه تجسيدًا آخر للقوى «الإمبريالية» ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، ففي محاضرة ألقاها المستشرق الإنكليزي هاملتون (جب مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد عنوانها الدراسات الإقليمية : إعادة تقويم قال فيها ما نحتاجه الآن هـو المستشرق التقليدي، يكون دور المستشرق التقليدي ليس تطبيق المعلومات التي تقادم عليها الزمن وإنما تذكير زملائه المستحدثين ضئيلي الخبرة بالدراسات الإقليمية بآليات عمل المؤسسات السياسية في المناطق الآسيوية والإفريقية» (٦٦) . فالاستشراق رغم أنه كان يمثل غطاء للعلوم التي تدرس المناطق غير الأوروبية بحيث كان لفظ مستشرق يعني - إلى عهد قريب ـ دارس الآداب الشرقية واللغات الشرقية أو المتخصص في تاريخ إحدى الدول الشرقية، فإنه في الآونة الأخيرة أخذت كلمة الاستشراق في الاختفاء من الأوساط العلمية والأكاديمية لتحل محلها كلمات أخرى أكثر دلالة على التخصص العلمي ) (٦٧) .


النص الأصلي

الاستشراق: بين المعرفة والوظيفة السياسية في سياق الدبلوماسية الدينية
المقدمة
يُعدّ الاستشراق من أبرز الحقول المعرفية التي اهتمت بدراسة الشرق، وخاصة العالم الإسلامي، من حيث لغته، وثقافته، وتاريخه، ودينه. وقد أسهم هذا الحقل في تشكيل صورة الإسلام والمسلمين داخل الوعي الغربي، سواء على المستوى الأكاديمي أو السياسي.
غير أن الاستشراق لم يكن ظاهرة علمية خالصة، بل ارتبط منذ نشأته بسياقات تاريخية ودينية وسياسية متشابكة، جعلت منه خطابًا معرفيًا متعدد الأبعاد، يدمج بين البعد العلمي والبعد الوظيفي. ومن هنا تأتي أهمية دراسته في إطار الدبلوماسية الدينية، باعتباره أداة معرفية تؤثر في تصورات الغرب عن الإسلام وفي توجيه السياسات الثقافية والدينية.
السياق العام: النشأة والدوافع
ظهر الاستشراق في سياق تاريخي يتميز بتزايد الاحتكاك بين العالم الإسلامي والغرب منذ العصور الوسطى. ومرت نشأته بثلاث مراحل أساسية:



  1. المرحلة الدينية التبشيرية: سعى الباحثون الغربيون، خاصة الرهبان واللاهوتيون، إلى دراسة الإسلام لفهمه ومجادلته.

  2. المرحلة الأكاديمية: مع القرن الثامن عشر، تحول الاستشراق إلى حقل علمي منظم، تمثل في إنشاء كراسي اللغة العربية والدراسات الشرقية، والتركيز على النصوص والتراث الإسلامي.

  3. المرحلة الاستعمارية والسياسية: في القرن التاسع عشر، ارتبطت المعرفة بالسيطرة على المجتمعات الإسلامية، ما أبرز البعد السياسي والدبلوماسي للاستشراق.
    دوافع الاستشراق يمكن إجمالها في:
    • دوافع دينية: خدمة التبشير والطعن في العقيدة الإسلامية.
    • دوافع علمية ومعرفية: دراسة التراث وتحقيقه وترجمته.
    • دوافع سياسية واستعمارية: فهم المجتمعات الإسلامية بغرض التحكم فيها.
    • دوافع دبلوماسية واستراتيجية: توظيف المعرفة في صناعة القرار وتوجيه العلاقات الدولية.
    الإطار المفاهيمي: مفهوم الاستشراق
    الاستشراق ظاهرة معرفية مركبة، يختلف تعريفها باختلاف الباحثين. من الناحية اللغوية، يشير إلى الاشتغال بالشرق ولغاته وثقافته ودينه.
    أما اصطلاحًا، فهو مجموعة الدراسات التي قام بها الباحثون الغربيون لفهم الشرق وتحليله باستخدام مناهج متعددة تشمل التاريخ، واللسانيات، والأنثروبولوجيا، والدراسات الدينية (Said, Edward. Orientalism, 1978).
    ويتميز الاستشراق بوجود بعدين رئيسيين:

  4. البعد المعرفي: يشمل الدراسة العلمية للغة، والتاريخ، والتراث، والنصوص الإسلامية.

  5. البعد الوظيفي: يعكس توظيف هذه المعرفة سياسياً ودبلوماسياً، مما يجعل الاستشراق أداة للتأثير على العلاقات الدولية والثقافية.
    أهمية الموضوع

  6. أهمية علمية: الكشف عن الخلفيات المعرفية والسياسية التي أثرت في الدراسات الاستشراقية، وتمييز الجانب العلمي عن السياسي.

  7. أهمية دبلوماسية: فهم دور الاستشراق في توجيه السياسات الثقافية والدينية الغربية وتأثيره على صورة الإسلام في العلاقات الدولية.
    أهداف الموضوع

  8. تحليل نشأة الاستشراق ودوافعه ووظائفه المختلفة.

  9. بيان العلاقة بين الاستشراق والدبلوماسية الدينية، وتأثيره على الصور الذهنية عن الإسلام.
    إشكالية البحث
    إلى أي حدّ يمكن اعتبار الاستشراق إنتاجًا معرفيًا موضوعيًا حول الإسلام، وإلى أي مدى كان خطابًا وظيفيًا مرتبطًا بالمصالح السياسية والدبلوماسية الغربية؟
    فرضيات البحث
    • أسهم الاستشراق في خدمة المعرفة الإنسانية من خلال دراسة التراث الإسلامي وتحقيقه وترجمته.
    • ارتبط الاستشراق في كثير من مراحله بدوافع أيديولوجية وسياسية، وأسهم في إنتاج صور نمطية عن الإسلام وُظفت دبلوماسيًا.
    المنهج المعتمد
    يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي لوصف الظواهر الاستشراقية ومراحلها ودوافعها، مع توظيف المنهج التاريخي لتتبع تطورها، والمنهج النقدي الوظيفي لفهم انعكاساتها على صورة الإسلام والدبلوماسية الدينية
    .الدراسات السابقة
    أبرز الدراسات حول الاستشراق تشمل:
    • إدوارد سعيد (الاستشراق, 1978): يركز على البعد الخطابي والسلطوي للاستشراق.
    • عبد الرحمن بدوي: يميز بين الاستشراق العلمي والاستشراق المؤدلج.
    • أنور الجندي: ينتقد الخلفيات الفكرية والسياسية للاستشراق وتأثيره على الفكر الإسلامي
    خطة البحث
    المبحث الأول: الإطار التاريخي للنشأة والدوافع
    • المطلب الأول: نشأة الاستشراق وأطواره التاريخية
    • المطلب الثاني: دوافع الاستشراق (دينية، علمية، سياسية، دبلوماسية)
    المبحث الثاني: الاستشراق ووظائفه المعاصرة
    • المطلب الأول: الوظائف السياسية والدبلوماسية للاستشراق
    • المطلب الثاني: نقد الخطاب الاستشراقي وانعكاساته على صورة الإسلام والدبلوماسية الدينية
    الخاتمة: يتضح أن الاستشراق ظاهرة مركبة تجمع بين البعد المعرفي والبعد الوظيفي. فقد ساهم في دراسة الإسلام ونقل التراث الإسلامي، لكنه في الوقت نفسه كان أداة للهيمنة الثقافية والسياسية الغربية. ومن ثم، فإن التعامل النقدي مع الاستشراق ضرورة في سياق الدبلوماسية الدينية، بما يتيح بناء خطاب حضاري متوازن قائم على الحوار والاحترام
    المتبادل، وتصحيح الصور النمطية عن الإسلام في الساحة الدولية.
    المبحث الأول : الاستشراق : الخلفية الفكرية لنظريات التنمية السياسية
    لا يمكن القول إن هذا المبحث يقدم دراسة مفصلة أو تقويمية للاستشراق ولا يقدم حصرًا لمدارسه وأهم علمائه وباحثيه . فقد صدرت في هذا السياق دراسات عديدة ، كما أن هذا الجهد في حاجة إلى عمل جماعي يغطي تخصصات عدة ليس في استطاعة الباحث القيام به، كما أن سياق الموضوع ليس في حاجة إليه وإنما ينصب الجهد في هذا المبحث على تناول الاستشراق، باعتباره الحقل الدراسي الأول، الذي ركز بصورة أساسية على دراسة المجتمعات «الشرقية» أو غير الأوروبية - حينئذ - بمفاهيم ومناهج ومسلمات، نابعة من معطيات العقل الأوروبي وتجربته ولخدمة قضايا وأهداف المجتمعات الأوروبية في ذلك الحين. ويأتي هذا التناول في سياق التأصيل لنظريات التنمية السياسية المعاصرة، ذات المنشأ والمنطلق الأوروبي، والتي ورثت الحقل والهدف، دون أن تلغي وجود الاستشراق كتخصص أصيل يشمل مساحة فكرية شاسعة .
    وفي دراستنا للاستشراق سنناقش القضايا التالية :
    ١ - البيئة الفكرية والسياسية لنشأة الدراسات الاستشراقية وتطورها.
    ١ - الأسس النظرية للدراسات الاستشراقية .
    ٣ - منهجية الدراسات الاستشراقية .



  • الأهداف العلمية والعملية للاستشراق.
    ه - التطورات الحديثة في الدراسات الاستشراقية وعلاقتها بالأنثروبولوجيا ونظريات التنمية السياسية .
    أولاً : البيئة الفكرية والسياسية لنشأة الدراسات الاستشراقية وتطوّرها :
    هناك ما يشبه الإجماع بين الباحثين حول صعوبة تحديد البداية الحقيقية للدراسات الاستشراقية. حيث يربطها البعض بالظاهرة موضوع الدراسة، فيرجع بها إلى هيرودوت ودراساته حول الشعوب الشرقية . وهناك من يربطها بالمؤسسات فيرجع بداية الاستشراق إلى صدور قرار مجمع فيينا الكنسي عام
    ۱۳۱۲ بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في العربية واليونانية والعبرية والسريانية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا وأفينون وسلامانكا وهناك أيضًا من يرى أن بداية الاستشراق ترتبط بظهور المفهوم حيث استخدم مفهوم (مستشرق (Orientalist) في إنكلترا عام ۱۷۷۹ وفي فرنسا عام ۱۷۹۹ وأدرج مفهوم الاستشراق Orientalism) في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام
    ۱۸۳۸ م . ويرى الباحث أن ظهور الاهتمام الأوروبي بدراسة المجتمعات الأمة غير الأوروبية خصوصا العالم الإسلامي ارتبط بالاحتكاك المباشر بين الإسلامية وأوروبا، ابتداءً من فتح الأندلس والحروب الصليبية . حيث أصبحت
    قضية فهم «الغير» لازمة للحفاظ على «الذات»، خصوصا إذا كان ذلك «الغير» عدوا ذا طبيعة خاصة، تتمثل في عقيدة متحدة المصدر. العقيدة المسيحية، مع ناسخة لها داعية لتصحيح تحريفها بعد كشف انحرافها. فكان لا بد من حجب
    العقل الأوروبي عن هذه العقيدة الغازية بتقديمها له في صورة ملبسة محرفة . ومن هنا نشأ الاستشراق لدراسة الإسلام وفهمه بقصد تشويهه وإثبات عدم قناعته بعد تحريفه وتلبيسه ومن ثم كانت وظيفة الاستشراق في مراحله الأولى حماية العقل الأوروبي والحفاظ على العقيدة المسيحية السائدة. ومع ضعف العالم الإسلامي وتراجع مكانته انتقل الاستشراق إلى مرحلة جديدة في تطوره، ذات طبيعة هجومية، تمثلت في محاولات التنصير، والغزو المضاد للمجتمعات الشرقية. وفي المرحلة الأخيرة ارتبط الاستشرق ـ اتساقًا مع المرحلة الثانية - بالاستعمار (البغي) بغية السيطرة ليس على العقلية غير الأوروبية فقط، بل على المجتمعات غير الأوروبية واستنزاف مواردها ونهب ثرواتها .
    وسوف يتم تناول تطور الاستشراق في مرحلتين رئيستين:
    1 - الاستشراق والتنصير
    ارتبطت البدايات الأولى للاستشراق بالكنيسة الأوروبية. وذلك في سياق حفاظها على العقيدة المسيحية التي أصبحت مهددة أمام الغزو الإسلامي من الشرق والجنوب والغرب، فاتخذ الاستشراق طابعًا تبشيريا موجها للداخل، هدفه الحفاظ على العقيدة السائدة بتشويه العقيدة الغازية، وتقديمها في صورة نبعد الإنسان الأوروبي عنها. ويبرز ذلك في العديد من أعمال روّاد الاستشراق امثال «نورمن دانييل الذي أسقط المسيحية على الإسلام (مفترضًا أن محمدا - ﷺ - كان للإسلام ما كانه المسيح - عليه السلام - للمسيحية، ومن ثم اطلق تسمية «المحمدية على الإسلام) ، ناهيك عن الصورة التي رسمها دانتي» للمسلمين ورسولهم في الكوميديا الإلهية، وذلك بغية تحقيق الدفاع الذاتي عن العقيدة والثقافة المسيحية وللحفاظ على السلطة الكنسية . ثم انتقل هدف الاستشراق إلى تشويه الإسلام في نظر المسلمين أنفسهم بصرفهم، عن عقيدتهم توطئة لتنصيرهم والسيطرة عليهم، ويظهر ذلك في مباحث المستشرقين حول العقيدة الإسلامية والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، بل القرآن والسنة المطهرة. اتساقاً مع ولا ينطبق هذا القول على جميع المستشرقين، فهناك قدر ضئيل تحلّى بالصدق والعدل في دراساته ولا نرى في هذا نظرة تأمرية من أوروبا على الإسلام، بل كان طبيعيا أن تظهر هذه الدراسات على هذا النحو، الأطر المرجعية والأسس التي بنيت عليها مناهج المستشرقين، والتي انطلقت
    في تناولها للإسلام من فرضيات ومسلّمات الديانة المسيحية الأوروبية وما اختلط من عقائد جرمانية وثنية بها
    ٢ - الاستشراق والبغي «الاستعمار»
    إن ارتباط الاستشراق بالبغي الأوروبي ليس وليد المرحلة الحديثة، بحيث يمكن الحديث عن فترتين منفصلتين للاستشراق، في إحداهما كان مرتبطا بالتنصير، وفي الأخرى كان مرتبطًا بالبغي. فالفصل بينهما فصل تحليلي لا غير، فمنذ أن توجه الاستشراق نحو الخارج، وانتقل من مهمة الحفاظ على العقيدة السائدة في المجتمعات الأوروبية، سيطرت عليه نزعة التحكم والبغي إلى جانب النزعة التنصيرية؛ ذلك أن التنصير في حدّ ذاته لم يكن مهمة روحية بحتة، وإنما كان طليعة لكتائب البغي، بحيث يقوم الاستشراق بمهمة الخلخلة العقيدية والثقافية للمجتمعات المرجو احتلالها ويقوم التنصير باستبدال عقيدتها بعقيدة الباغي، ومن ثم يكون من اليسير احتلالها.
    ولا يقتصر الارتباط بين الاستشراق والبغي على الوسيلة والهدف، وإنما يمتد إلى أشخاص المستشرقين أنفسهم . حيث لا يكاد يخلو أي عمل استشراقي خدمة تقدم لإدارات البغي والسيطرة والاحتلال، سواء كان يهدف إلى هذا أومن نتائجه. ولا يمكن هنا الاحتجاج بـ «موضوعية بعضهم، ذلك أن من هذا الكاتب الموضوعي» كان يقدم صورة صادقة للواقع الذي يدرسه، مما ييسر مهمة التعامل معه والسيطرة عليه واحتلاله وإدارته. فقد انصب اهتمامهم منذ منتصف القرن التاسع عشر على دراسة ما يتعلق بالعرب ومنزلتهم وعقليتهم، ولغتهم وفلسفتهم وعقيدتهم وحضارتهم وثقافتهم وفنهم وأدبهم، تمهيدا للسيطرة عليهم، والتحكم فيهم، بعد استبدال عقيدتهم وثقافتهم، التي تمثل حصن دفاعهم، وقد كان لهذه الدراسات أثرها الفعلي في الفئة التي تشبعت بالثقافة الأوروبية، بحيث لم يعودوا يرون الأمور إلا من خلال النظرة الغربية والتقويم الأوروبي. معتقدين أن اعتناقهم لمبادىء التفكير الأوروبي ومشاطرتهم الأوروبيين نظرتهم للكون إنما هو نتيجة اقتناع تلقائي أملته طبيعتهم البشرية . وقد نتج عن هذا ظهور عدة اتجاهات لها أهميتها وخطورتها على الفكر الإسلامي، أدت إلى انفصاله عن جذوره الوثيقة، التي كانت على الدوام من أهم وسائل شعوبه في مقاومة الاستعمار» الذي حاول بكل ما أوتي من قوة تجريدها من ذاتيتها وشخصيتها وعقيدتها» ، ونموذج الجزائر ليس ببعيد، فقد قدم الاستشراق لإدارة البغي كل ما في وسعه من دراسات كفيلة بتحطيم البناء التقليدي عن طريق دور السينما والمطابع والجامعات والباحثين عن الزيت وعلماء الآثار بحيث قضى على الحياة الاقتصادية التقليدية وأثر على كل
    عربي في طرق معيشته وأوقات فراغه وحياته الخاصة والعامة فقد كانت دراسات الاستشراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر «مرتبطة بالإمبريالية بصورة أشبه ما تكون بازدهار دراسات منطقة الشرق الأوسط بالولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما مدت أميركا نفوذها بأنحاء المعمورة، وكانت حاجة الإمبريالية إلى دراسة المستشرقين باللغات الشرقية وغير ذلك من فروع الاستشراق» . ولا يخرج عن هذا الاتجاه مفكر غربي مهما كانت ثوريته وجذريته في انتقاد المجتمع الأوروبي، فكارل ماركس بني موقفه من الشرق من مصادر استشراقية، ومن ثم أفرد له نمطًا خاصا للإنتاج أطلق عليه «نمط الإنتاج الآسيوي» (٢٤). وفي تعليقاته حول «الاستعمار» كان يظن أن آثار الانحلال ستسود وتصفى المؤسسات المتخلفة للتركيبات الاجتماعية غير المتطورة. وأن للاحتلال الإنكليزي للهند رسالة مزدوجة الأولى تدميرية والثانية إحيائية تجديدية إفناء المجتمع الآسيوي وإرساء الأسس المادية للمجتمع الأوروبي في آسيا وقد رد إنجلز ثورة الأمير عبد القادر الجزائري ضد القوات الفرنسية إلى كونها الصراع اليائس للحالة البربرية للمجتمع. بينما رحب بالغزو الفرنسي لأنه كان حقيقة مهمة وسعيدة في تقدّم الحضارة.
    وإذا كان هذا التداخل بين الاستشراق والبغي على المستوى العلمي والسياسي، فإن صلة باحثي الاستشراق وعلمائه بإدارات الاحتلال ليست في حاجة إلى إثبات، فمن المعروف أن معظم باحثي الاستشراق كانوا موظفين في إدارات الاحتلال أو أن الكتابات الاستشراقية جاءت من قبل إداريين، فمعظم المستشرقين فيما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وحتى العشرين كانوا يعملون في وزارات الخارجية لدولهم وعلى رأسهم المستشرق «أرنست رينان الذي كان يعمل مخططا للاستعمار الفرنسي )، كذلك فقد «وضع معظم المستشرقين الذين درسوا في الجامعة المصرية خبرتهم في خدمة مصالح بلادهم في صراعها مع المسلمين وسيطرتها عليهم» .
    ثانيا : الأسس النظرية للدراسات الاستشراقية
    لا يمكن القول إن دراسات الاستشراق لم تستند إلى مجموعة من المسلمات والأسس أو أنها محض دراسات تمت دونما ضابط موجه أو معايير تحدد السير والاتجاه. كما أنه لا يمكن القول إن هذه الدراسات قد انطلقت من خطة محكمة حددت خطوطها بدقة واتقان، وإنما الأرجح - في رأي الباحث - أن هذه الدراسات وإن لم تكن محض دراسات عشوائية لا يجمعها رابط في المنشأ والمبتغي كذلك لم تكن نابعة من مخطط تأمري، وإنما كانت كاي حقل دراسي أو تخصص علمي يقوم على مجموعة من القواعد والمسلمات التي تعد من قبيل البدهيات التي لا تقبل النقاش والتي يسلم بمصداقيتها كل من يدخل هذا الحقل بحيث يكون لهذا التخصص ضابط يجمع شتات أبحاثه ودراساته، واسم يطلق عليه ويعبر عنه . وفي هذه العجالة سوف نتناول بعضًا من الأسس التي بنيت عليها دراسات الاستشراق والتي تعد من قبيل المسلمات بالنسبة لباحثيه :
    ١ - الانطلاق من المسيحية الأوروبية كمعيار لتقويم الأديان الأخرى موضع البحث والدراسة بحيث لا تكون هذه الأديان مقبولة ما لم تتفق مع الرئيسية للمسيحية، واعتبار كل ما يشذ عن النموذج الروحي المسيحي نقصا أو قصورا يعبر عن فساد هذا الدين وضعفه وعدم معقوليته(۲۹) «فقد أوقفت أوروبا تطور الإنسانية عند المسيحية باعتبارها أرقى دين وصلت إليه البشرية بحيث أصبح تاريخ الإسلام يسير لا وفق ديناميكيته الخاصة بل كانعكاس شاحب ومعكوس لتاريخ الغرب، ولنأخذ مثلاً على ذلك شخصية محمد ـﷺ ـ يلاحظ- ضمن كل تحليل لها تنساب عملية مقارنة مع المسيح عليه السلام (۳۰)
    ٢ - تقييم المجتمعات «الشرقية» طبقًا لمعايير متناقضة طرحتها الخبرات الأوروبية المتتالية. فتاريخ التطور الأوروبي يقوم على التجاوز والنفي، حيث يسير في مراحل متصاعدة تتجاوز كل مرحلة ما قبلها من المراحل، وتطرح مقولات قد تتعارض كلية مع سابقاتها. ومن ثم هناك ترسانة من المفاهيم والمعايير تراكمت عبر مراحل تاريخية متتالية لا يستخدم معظمها في دراسة المجتمعات الأوروبية وتقييمها، لأن بها قدرًا من التناقض غير يسير، فالفكر الأوروبي مر بعدة مراحل شكلت أوروبات حديثة، أوروبا عصر النهضة والإصلاح، وأوروبا الأنوار وأوروبا الإمبريالية وفي داخل كل أوروبا تتشكل عدة زوايا للرؤية : الزاوية السياسية، والزاوية الدينية وزاوية البائع، وزاوية المثقف الحر، وزاوية «المستعمر» (المقيم» (۳۱). ومع تعدد هذه الزوايا وتعدد المقيم»(۳۱). المراحل أصبح لدى المستشرق كم هائل من المعايير التي على أساسها تقيم المجتمعات محل الدراسة، بحيث لا يعدم أن يوجه إليها نقدا أو تشويها أو نفياً
    خارج دائرة التاريخ والتطور، فنجد المسيحية والعلمانية قام كل منهما بدور في نقد الإسلام، وتوجيه التهم الاعتباطية إليه إما باتهامه بنقص في الروحانية طبقا لمقولات المسيحية، وأما بالجمود الثيوقراطي طبقا لمقولات العلمانية» (۳۲) .

  • الانطلاق من نظرة عرقية تبسيطية تختزل الإنسانية في عرقين «نحن» و «هم» حيث قسمت شعوب الأرض إلى أجناس راقية وأخرى متخلفة، فالأولى شعوب آرية والثانية شعوب ساميّة. فقد اهتم أرنست رينان ومن سار على نهجه من المستشرقين والمفكرين الأوروبيين ببيان خصائص الأوروبيين صناع الحضارة وحملة الإبداع الخلاق والساميين السطحيين في تفكيرهم وفلسفتهم (۳۳). ومن ثم اقترنت الأطروحات حول التخلف والانحطاط الشرقيين والتفاوت بين الشرق والغرب في أوائل القرن التاسع عشر بالأفكار السائدة حول الأسس الحيوية للتفاوت العرقي. وهكذا وجدت التصنيفات العرقية في كتابات: «كوفييه : مملكة الحيوان وجوبينو: مقالة في التفاوت بين العروق الإنسانية . وروبرت نوكس : عروق الإنسان السوداء». وإلى هذه الأفكار أضيفت أفكار داروينية من الدرجة الثانية تؤكد السريان العلمي، لتقسيم العروق إلى متقدمة ومتخلفة أو أوروبية - آرية وشرقية - إفريقية. وهكذا فإن الإمبريالية دفعت التقسيم الأنماطي الثنائي إلى عروق وثقافات ومجتمعات متقدمة، وأخرى متخلفة أو محكومة خطوة إلى الإمام بحيث ظهرت كتابات مثل (جون وستليك : فصول في مبادىء القانون الدولي (۱۸۹٤ يرى فيه أن أقاليم الأرض «غير المتحضرة ينبغي أن تُلْحَق أو تُحتل من قبل القوى المتقدمة، كذلك وبطريقة مماثلة فإن أفكار كتاب مثل «کارل» «بیترز» و «ليوبولد دوسوسير» و «تشارلز تمبل» تعتمد على ثنائية المتقدم / المتخلف التي اعتنقت ودعي إليها بقوة في استشراق القسم الأخير من القرن التاسع عشر (٣٤) . وهي الأفكار عينها التي تركز عليها نظريات التنمية السياسية. حيث يعد مفهوما «التقدم» و «التخلف جوهر موضوع التنمية السياسية .
    ٤ - اعتبار الخبرة الأوروبية نموذجًا معياريًا للتطور البشري. فقد ساد الدراسات الاستشراقية نوع من المقارنة غير العلمية، حيث أخضع تاريخ الإسلام ونظمه الاجتماعية للمعايير الغربية ؛ بحيث صارت التجربة الأوروبية تمثل المرجع الذي يجب أن تحتذيه المجتمعات الأخرى، وأسقط التاريخ الأوروبي على التاريخ الإسلامي، بحيث أصبحت عصور الظلام في أوروبا ظلاما في العالم كله، رغم أنها كانت من أكثر فترات الحضارة الإنسانية ازدهارا في البقاع غير الأوروبية. وذلك لأن الدراسات الاستشراقية انطلقت .من إيمان بواحدية وخطية التطور البشري تمثل الحضارة الأوروبية خلاصته وقمة تطوره، وتسير البشرية خلفها في أقسام متباعدة من البدائية والتوحش والقبلية وشتى أوجه الانحلال والجهل والفقر والبؤس (٣٥) ، حيث القاعدة الأساسية إن تاريخ العالم يتجه من الشرق إلى الغرب ؛ لأن أوروبا هي نهاية التاريخ على نحو مطلق كما أن آسيا بدايته» (٣٦) . وقد ظهر هذا الاتجاه في بحوث ذات وزن في الفكر الاستشراقي ؛ مثل أبحاث رينان» و «لابي» و «کرومر» و «دوماس» و «هانوتو» و «زويمر» وغيرهم (۳۷) .
    ه - التبسيط المبالغ فيه والمتناقض في النظر إلى «الشرق»، حيث اعتبر كل ما عدا أوروبا في ذلك الحين وحدة واحدة لها سمات وخصائص، وتحكمها معايير مشتركة، وأطلق عليها لفظ لا يعبر عن ذاتية أو حضارة واحدة. مما أدى إلى جمع المتناقضات ودمج. في لفظ واحد هو الشرق، بحيث وضع الدين الإسلامي في مصاف أديان الهند والصين الوثنية. وفي الوقت نفسه فتت المتوحد، فنظر إلى المنطقة العربية التي تحقق أكبر قدر ممكن من التجانس على أنها مجتمع بلوري فسيفسائي (۳۸) ، أطلق عليه الشرق الأوسط على اعتبار أنه يجمع سرذام من بقايا حضارات بائدة. وكل ذلك دونما ضابط
    منهجي سوى تحرات الباحث وثقافته وأهدافه التي أوجدت تاريخا ذهنيا ليس له دليل واقعي
    ثالثًا : منهجية الدراسات الاستشراقية
    على الرغم من تعدد الدراسات الاستشراقية التي تخرج عن الحصر، وعلى الرغم من تشعب توجهاتها ومشاربها، وعلى الرغم من أن لكل مستشرق منهجًا مستقلاً للاقتراب من الظاهرة موضع دراسته، فإن الحديث عن منهجية الدراسات الاستشراقية لا يدخل في حيز الخيال أو التعميم دون سند، ذلك لأنه لا يهمنا في هذا السياق سوى القواعد المنهجية العامة التي تمثل خيطا يربط الدراسات الاستشراقية ويحدد زاوية اقترابها من الموضوعات والظواهر محل
    الدراسة والبحث.
    وقبل تناول الملامح المنهجية للدراسات الاستشراقية لا بد من التعرض لمعطيات ما قبل المنهج ؛ الذي يمثل الأساس الذي لا يقوم المنهج إلا عليه. فلكل منهج «ما قبل المنهج معطياته اللغة والثقافة والتكوين الذاتي للباحث، تلك المنظومة التي تحدد أبعاد رؤية الباحث ومدى استقامته وأمانته العلمية، ومن ثم يكون المنهج أداة طيّعة في يد الباحث تتحكم فيه معطيات ما قبل المنهج. فإذا كان المنهج ينصرف إلى تناول المادة العلمية، وجمعها من مظانها، وتصنيفها، وتحليل أجزائها ثم ترتيبها بعد نفي زيفها، وتمحيص جيدها من خبيثها، فإن ما قبل المنهج الذي لا يمكن أن تخلو منه ثقافة أو لغة، ولا يسلم منه علم من العلوم البحتة أو الاجتماعية يلقي بظلاله على المنهج المستخدم (۳۹) ، وهذا يضع تحفظا مقبولاً ومنطقياً لمقولة عالمية المنهج»، حيث لا يمكن القول إن هناك انفصالاً بين العلم ومنهجه وأدواته ومفاهيمه ومسلماته بل وألفاظه . وإذا كانت معطيات ما قبل المنهج تطرح مقولات معينة عن الإنسان والكون والحياة والدين والعلم والغاية من الحياة. فإن هذا المنهج مصطبغ ولا بد بها، ولكي نصل إلى الموضوعية» و «الحياد العلمي» أو بعبارة أدق «الأمانة» و «الاستقامة العلمية» (٤٠) لا بد من التمعن في «ما قبل المنهج فانعكاساته على المنهج لا يمكن تجاوزها أو تجنب تأثيرها حيث تكون
    نتيجة استخدام هذا المنهج واقعة تحت تأثير ما قبل المنهج، وموجدة لمعطيات جديدة . وهكذا تخلق الثقافة منهجها وتطوره.
    وفي هذا السياق سوف نحاول تلمّس ملامح الدراسات الاستشراقية؛ لأنه من العسير الحديث عن مناهج بعينها تستخدمها هذه الدراسات إذا أغمضنا الطرف عن المنهج التاريخي، الذي استخدم في الدراسات التاريخية، بعد أن تم تفريغه من مضمونه حيث لم يعتمد على صحة الوثائق والمعلومات، ولم يقم بالجرح والتعديل للروايات التاريخية، بل اتخذ الطريق العكسي القائم على الشك واعتماد غريب الأحاديث وشواذها وملتقط الأخبار ونوادرها، بحيث أوجد تاريخا من صنع المستشرق لم يشهده التاريخ . ويمكن القول إن المنهجية الاستشراقية اعتمدت مجموعة من القواعد مثلت أساس المنهج العلمي الذي يجب أن يتبع لتكتسب الدراسة صفة العلمية. وبترسيخ هذه القواعد استطاع المستشرقون أن يؤثروا على الطريقة التي كوّن بها المسلمون صورة لأنفسهم في سياق تاريخهم وعلى مجرى التطور في العالم الإسلامي، عن طريق تطوير موضوعات ونظريات وفروض عديدة تتصل بالتاريخ الإسلامي»، بل طبقت هذه المنهجية في دراسة التراث الإسلامي، سواء البشري أو الموحى .وبإيجاز يمكن الإشارة إلى أهم قواعد المنهجية الاستشراقية :
    ١ - المبالغة في الشك والافتراض والنفي الكيفي واعتماد الضعيف الشاذ. فقد مثلت هذه القاعدة قاسما مشتركا في كتابات المستشرقين، فنجدهم الشك إلى أقصى مداه ويطرحون افتراضات لا رصيد لها من الواقع يمضون مع التاريخي، وينفون العديد من الروايات في الوقت الذي يتشبثون بكل ما هو ضعيف شاذ (٤٣) ، ونموذج ذلك «مرجليوث الذي قدم عناصر الشك في الرواية والرواة، ثم تقدم خطوة للإجهاز على الشعر الجاهلي ووصفه بأنه منحول(٤٤)، تمهيدا للتشكيك في القرآن الكريم والسنة المطهرة.
    ٢ - إسقاط الرؤية الوضعية العلمانية والتأثيرات البيئية المعاصرة على الوقائع التاريخية حيث درس الإسلام، سواء عقيدة أو سيرة وتاريخ بمفاهيم غربية معاصرة، ومقارنة بالمعطيات التاريخية الغربية (٤٥) ، فالمستشرق إما أن يكون علمانيا ماديًا لا يؤمن بالغيب، وإما أن يكون يهوديا أو نصرانيا لا يؤمن بصدق الرسالة التي أعقبت النصرانية (٤٦) . فما بين الرواسب الدينية والنزعة العلمانية درس الإسلام من خلال رؤية وضعية منحسرة على المنظور، ترفض أو غيبي على أساس أنه سقوط في مظلة الخيال والخرافة كل ما هو روحي والعلمية .
    3- إخضاع التراث الإسلامي للتفسير المادي للتاريخ . حيث أخضع التراث الإسلامي - سواء في نظمه السياسية والاقتصادية أو تاريخه بل حتى القرآن والسنة الشريفة - للتفسير المادي للتاريخ ولمقولاته الصارمة يفصلها على مساحات منهجه المرسوم سلفًا، يقطع أوصالها لكي يرفض وينفي ويستبعد ما لا ينسجم ومقولات هذا المنهج . فقد درس التراث الإسلامي بمقولات ومفاهيم مثل : المرحلة الإقطاعية الأرستقراطية المكية أرستقراطية الرقيق الملكية الروحية الجديدة جمهورية مكة ... الخ . وقد برز ذلك في دراسات «بيجو لفسكايا» و «بلاييف» و «کلیموفیج» و «تولستوف» و «بندلي جوزي » هذا بالإضافة إلى الدراسات التي ضخمت العامل الاقتصادي في التاريخ، باعتباره القاعدة الأساسية لأي تحول حتى لو كان دينيًا أو أخلاقيا أو جماليا صرفا .
    ٤ - دراسة الإسلام كخبرة تاريخية منقطعة عن المصدر الإلهي، فقد أسقط المستشرقون البعد الغيبي عن الإسلام، وتعاملوا مع الإسلام كدين وتراث ونظم من خلق البشر ، دون وجود مصدر إلهي - مستقل عن العقل البشري، خارج عنه موجه له ومتحكم فيه دون أن يلغي أثر البشر ومسؤوليتهم - يمثل معيارا للاحتكام والتقويم تقاس إليه التجارب، ولا ينقص منه انحراف التطبيق .بعيدا عن كل ذلك أوجد هؤلاء المستشرقون إسلاما وفق منهجهم، من خلال تتبع وقائع تاريخ المسلمين ونظمهم التي لا تمثل في غالبيتها تاريخا للنظم الإسلامية الحقة، وإنما تاريخا للممارسة الفعلية للسلطة السياسية على مقتضى مصالح السلاطين وإن انحرفت عن القيم الإسلامية» . وبناء على هذا المنطق في التعامل مع التراث الإسلامي أوجـد المستشرقون أشكالاً مختلفة من الإسلام، تختلف باختلاف الشعوب، وفهمها للقرآن والسنة فهناك إسلام الهند وإسلام ،تركيا وإسلام إفريقيا ... الخ . كل إسلام يختلف عن الآخر باختلاف الجنس وطريقة فهم الشريعة
    الإسلامية
    ه - الانتقائية والأختلاق في تصنيف العلوم الإسلامية. فلم يدرس المستشرقون التراث الإسلامي بمداخله وتصنيفه للعلوم، ولا بالتصنيف الأوروبي للعلوم. وإنما درس بتصنيف ثالث من ابتكار المستشرقين، بحيث أضفيت الأهمية على موضوعات لم يكن لها في التراث الإسلامي أي وزن أو قيمة . وضخمت موضوعات لم تكن أبدا في نطاق الاهتمام والصدارة، وابتدعت موضوعات لم يهتم بها المسلمون أنفسهم على مر تاريخهم، مع إهمال العلوم التي كانت موضع اهتمام علماء الإسلام وتجاهلها . فقد صنف «هاملتون جب» جوامع الفكر الإسلامي في فئات أربع هي(٥٣):
    ( أ ) المواقف والمعتقدات البدائية التي ظلت حية في الأمة الإسلامية .
    (ب) تعاليم القرآن وأثره بالسنة النبوية.
    (جـ) قيام علماء الكلام ورجال الدين بتنظيم المعتقد الإسلامي والأخلاق
    الإسلامية على أصول منهجية .
    ( د ) تأثير الطرق الصوفية .
    ٦ - أدوات جمع المعلومات : اعتمد المستشرقون على وسائل لا ترقى لمستوى الأداة المنهجية التي تضمن الوصول إلى المعلومات الصحيحة، وتجميعها من مظانها وتحليلها وتمحيصها. فبجانب ضعفهم في اللغة التي تبحروا في علومها، فإن أغلبهم اعتمد على مجرد المعرفة البسيطة بقواعد اللغة، ليصدر أكثر الأحكام جذرية وجزماً، رغم أن المشكلات الرئيسية التي اعترضت بحوث المستشرقين تتعلق بفقه اللغة . كذلك مثل الرحالة والمبشرون مصدرًا للمعلومات والقصص التي تفوق الخيال حيث كانت نظرتهم - كما يرى هشام جعيط ـ «عدائية كاذبة، مختلقة، مشوهة هجومية على الإسلام معتمدة على وصف الرحالة الكاذب» (٥٥) .
    رابعا : الأهداف العلمية والعملية للاستشراق
    إنه من قبيل المبالغة ادعاء الإحاطة التامة بمجمل أهداف الاستشراق أو غالبيتها، وذلك لتشعب مجالاته وبؤر اهتمامه وامتداده على مساحة زمنية طويلة، وتعدد الجهات التي وقفت خلفه وشجعته والظروف التي صاحبته، والموضوعات التي درسها وتعمق فيها وإنما يمكن القول إن هناك قضايا كبرى مثلت جوهر اهتمام الدراسات الاستشراقية وغايتها هي :
    ۱ - حماية العقل الأوروبي، والحفاظ على العقيدة المسيحية السائدة في أوروبا. وقد ارتبط هذا الهدف بنشأة الاستشراق، حيث كان هدفه الأساسي حماية العقل الأوروبي من تأثيرات الثقافة الإسلامية الغازية فقد كانت كتب الاستشراق ومقالاته ودراساته كلها مكتوبة أصلاً للمثقف الأوروبي وحده لا لغيره، وذلك لهدف معين وفي زمان معين وبأسلوب معين، لا يراد به الوصول إلى الحقيقة المجردة، بل الوصول إلى حماية عقل هذا الأوروبي المثقف من أن يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زحف المسيحية الشمالية إلى دار الإسلام في الجنوب، وأن تكون له نظرة يقتنع كل الاقتناع بصحتها ينظر بهاإلى العالم الإسلامي وثقافته وحضارته فالمستشرقون يكتبون عن الشرق والإسلام لأبناء ثقافتهم ؛ لتحقيق الوقاية الثقافية لهم . والاستشراق كمبحث يرتبط بمصدره أكثر من ارتباطه بموضوعه ؛ لأنه نوع من المعرفة مرتبط بالحضارة المسيطرة التي أنتجته ووجهته لخدمتها. فارتباطه ليس فقط من ناحية الأصل بل من ناحية الغاية أيضاً
    ٢ - التبديل الثقافي للأمم والشعوب غير الأوروبية : رأينا في الأسس قام عليها الاستشراق أنه انطلق من نزعة عرقية عنصرية (٥٨) متمركزة حول الذات، ترى أن الكمال الثقافي متمثل في الحضارة الأوروبية ومن ثم يجب تعميم هذا النموذج (٥٩) على شعوب العالم توطئة لإلحاقها بركب الحضارة الأوروبية لتظل في وضع التابع الذي لا يحس بتبعيته، بل يحس بمشاركته، ولا تكون العلاقة بينه وبين المتبوع إلا علاقة ولاء وترابط، وليست علاقة صراع ومقاومة . إذ كان الغرب يؤمن - ولا يزال - أن حضارته ومدنيته وفكره يجب أن يسود العالم كله، وأن تنصهر مقومات فكر الأمم التابعة في ثقافته»(٦٠). ومن هذا المنطلق قامت الدراسات الاستشراقية بمهمة التشكيك في الثقافات الأخرى وتشويهها، تمهيدا لاستبدالها بثقافة أكثر تطورًا ورقيا وتماسكاً «بل سعت لتبديل النظم السياسية لإدخال الخطط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحقق أهداف الغرب في الهيمنة والسيطرة» (٦١) . فقد كان مفهوم «الرسالة التمدينية» مفهوما شائعا في الثقافة الأوروبية، وهدفًا للحركة الأوروبية في إفريقيا وآسيا. كما لاحظ . هـ . لا مارش» أن الهدف من الغزو هو الدعوة إلى المدنية المسيحية في إفريقيا وآسيا .
    ۲ - تسهيل مهمة السيطرة على «الشرق» وإضعاف مقاومته، وهو الهدف الأكثر بروزا وأهمية في تاريخ الاستشراق والذي ورثه العلم الاجتماعي الأوروبي، المتعلق بالعالم غير الأوروبي، ولا يزال مستمرا تحت مسميات أخرى فمتابعة تاريخ الفكر الفرنسي والإنكليزي والألماني في غضون القرن التاسع عشر، تبين اقتراباً واضحًا بين دخول الغرب طور التوسع الاقتصادي والجغرافي، وظهور النظريات السوسيولوجية الجديدة ولا يعد هذا التزامن وليد الصدفة، إنما هو . حلقة في سلسلة طويلة تمتد جذورها إلى عصر النهضة فلا يعد علم الاجتماع نفسه إلا بابا من أبواب العلوم الاستعمارية» من حيث موضوعه وأهدافه، حيث كان يخدم مصالح الامبراطورية الفرنسية، دون الالتفات لمصالح الشعوب المستولى عليها فمنذ القرن العشرين ساهم الاستشراق في سيطرة أوروبا على الشرق من خلال وسيلتين (٦٤) : -
    الأولى : الاستفادة من إمكانيات المعرفة الحديثة ووسائل نشرها بين الناس عن طريق المدارس والجامعات وإنشاء دور النشر والطباعة . . الخ في إعادة تشكيل العقلية الشرقية، بحيث تنصهر في بوتقة الثقافة الغربية فلا ترى في نفسها تميزا أو اختلافًا عن الثقافة الغربية، بل تنظر لنفسها بالمنظار نفسه الذي ينظر به الغرب إليها .
    الثانية : اضطلاع المستشرق بمهام تخرج عن نطاق «العلم» النظري، وتحقق أهداف الحكومات الأوروبية ورغبتها في السيطرة والنفوذ، بإضعاف مقاومة الشعوب المحتلة، وتشكيكها في معتقداتها وقدراتها على حكم أنفسهاوتطوير مجتمعاتها
    ولا يعد هذا القول سحبًا لفترة تاريخية من تطور الاستشراق وإسقاطها على تاريخه كله أو خلطا بين نشأة الاستشراق وحالته الراهنة كما . يرى د. فؤاد زكريا أنه من الممكن أن يكون الاستشراق في بلاد معينة قد نشأ تلبية لحاجات . استعمارية ولكن هذا الأصل لا يتعين أن يلازمه ويؤثر فيه في حكمنا عليه طول مساره اللاحق، ذلك لأن العلم يكتسب بمضي الزمن قدرة على التطور المستقل عن الأصل الذي نشأ منه ، ومن الممكن أن يتباعد بالتدريج عن هذا الأصل إلى
    حد السير في اتجاه مضاد له (٦٥) . ورغم التناقض الواضح بين هذا الرأي ورأيه السابق الإشارة إليه في نشأة الاستشراق إلا أن الباحث لم يقل بالنشأة المرتبطة بالاحتلال والتوسع وإنما يرى أن الاستشراق ظهر لحماية الذات من تأثير الغير، غير أنه خلال تطوره انتقل إلى خدمة إدارات البغي والسيطرة.
    خامسًا: التطورات الحديثة في الدراسات الاستشراقية وعلاقتها بالأنثر وبولوجيا ونظريات التنمية السياسية
    انعقاد مؤتمر باندونج ١٩٥٥ كان «الشرق» بأكمله قد حصل على مع استقلاله السياسي من الدول الأوروبية يواجه تجسيدًا آخر للقوى «الإمبريالية» ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وأصبح هناك «شرق» جديد لا تنطبق عليه المقولات الاستشراقية التقليدية، بل اتسع نطاق «الشرق» ليضم ما عرف بـ «العالم الثالث حيث أصبح المفهوم قاصرا عن احتواء الظاهرة موضع الدراسة والاهتمام ومن هنا كان على الاستشراق أن يطور نفسه. إما بتطوير طرقه التقليدية لتوائم الشرق الجديد أو التخلص من الاستشراق كلية، وتطوير علوم جديدة تؤدي الغرض نفسه. ففي محاضرة ألقاها المستشرق الإنكليزي هاملتون (جب مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد عنوانها الدراسات الإقليمية : إعادة تقويم قال فيها ما نحتاجه الآن هـو المستشرق التقليدي، مضافًا إليه عالم اجتماع جيد، يقومان بدراسات مشتركة الميادين. يكون دور المستشرق التقليدي ليس تطبيق المعلومات التي تقادم عليها الزمن وإنما تذكير زملائه المستحدثين ضئيلي الخبرة بالدراسات الإقليمية بآليات عمل المؤسسات السياسية في المناطق الآسيوية والإفريقية» (٦٦) . فالاستشراق رغم أنه كان يمثل غطاء للعلوم التي تدرس المناطق غير الأوروبية بحيث كان لفظ مستشرق يعني - إلى عهد قريب ـ دارس الآداب الشرقية واللغات الشرقية أو المتخصص في تاريخ إحدى الدول الشرقية، أوحتى التخصص في سوسيولوجية» أو «أنثروبولوجية» الشعوب الشرقية. فإنه في الآونة الأخيرة أخذت كلمة الاستشراق في الاختفاء من الأوساط العلمية والأكاديمية لتحل محلها كلمات أخرى أكثر دلالة على التخصص العلمي ) (٦٧) .ففي المؤتمر التاسع والعشرين الدولي للاستشراق وصل المؤتمرون إلى ضرورة التخلّي عن مفهوم الاستشراق انسجاما مع التغيرات الدولية وتطور نضال الشعوب الشرقية، بحيث يطلق على مؤتمرهم القادم اسم «مؤتمر العلوم الإنسانية في آسيا وإفريقيا الشمالية» (۱۸) . وأصبح الاستشراق متشعبا في تخصصات متباينة كالتاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والاقتصاد والسياسة، ولم يعد هناك عالم واحد اسمه عالم الاستشراق بل هناك عوالم متباينة يحمل كل منها عنوان المجال الذي يهتم به (٦٩)
    غير .أن هذا لا يعني انتهاء الاستشراق كلية ، بل هناك حرص على استمرار رافد ولو صغير منه تركز عليه دون غيره النظرة العدائية للشعوب غير الأوروبية، مع وجود علوم أخرى تحمل نفس المضامين والمسلمات والأدوات والألفاظ وترث الحقل العلمي الذي خلّفه الاستشراق - دون أن تلغي وجوده ـ مثل علم الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع المقارن والتنمية بل حتى علم الاقتصاد الذي يعد علماؤه - في رأي إدوارد سعيد - مستشرقين أعيد تصنيفهم (۷۰) . كذلك فإن الاستشراق استطاع خلق جيل من علماء الدول «الشرقية» في مختلف التخصصات يحمل رسالته ومنهجه، ويعتبره الأرضية العلمية والإطار المرجعي . بل يدرس تراث الأمم الشرقية من خلال تراث الاستشراق الفكري وبذلك يمكن القول إن الاستشراق برصيده المعرفي الضخم قد مثل إطارا مرجعيا واقترابا منهاجيًا للأنثروبولوجيا، من حيث تحديد زوايا الرؤية ومواطن
    التركيز وأساليب التحليل وأدوات التعامل مع تراث هذه الأمم غير الأوروبية. وينطبق القول نفسه على نظريات الحداثة والنمو؛ حيث ترجع أصولها إلى أسلوب التفكير الاستشراقي ومنهجه، خصوصا في تعاملها مع ما يطلق عليه منطقة الشرق الأوسط» (۷۲). ولا يخرج عن هذه النظريات تلك التي تدعي أنها نابعة من العالم غير الأوروبي، والتي يطلق عليها «مدرسة التبعية». فمقولاتها المتعلقة بتقسيم العمل الدولي والمحيط و الهامش» صورة أخرى من التقسيم الاستشراقي إلى عالم أوروبي وآخر شرقي فسياق العلم الأوروبي في دراسته للعالم غير الأوروبي يمثل تيارا معرفيا
    مستمرًا يجدد ذاته ويطرح بدائله، طبقًا لمعطيات المرحلة عالميًا وإقليميا سواء فيما يتعلق بتلك الشعوب محل الدراسة أو الدول الأوروبية. بحيث يحقق التواؤم بين أدوات الدراسة ومناهجها وبين الظروف المجتمعية والسياسية
    السائدة، وذلك تحت مسمّى عالمية «العلوم أو أن العلم لا وطن له. وتحتمغالطة الدمج في التناول بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية التي تعد إلى حد كبير لا وطن ولا دين لها؛ لأنها اكتشاف لنواميس الكون. أما التعميم منها على علوم الإنسان فنوع من التلبيس والمغالطة والدمج بين غير المتشابهات .


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

First of all it...

First of all it gives businesses to get customer satisfaction feedback on the products and services ...

كشفت وثائق ومعل...

كشفت وثائق ومعلومات نشرها الصحفي محرم الحاج، مساء الثلاثاء، عن ما وصفها بمخالفات واسعة في قطاع الأف...

فقال سعد: اللهم...

فقال سعد: اللهم اكفني يده ولسانه، فقطعت يده وبكم لسانه. ولما عزل عمر أبا موسى الأشعري عن البصرة وشا...

في النيجر، تظل ...

في النيجر، تظل الزراعة ركيزة الاقتصاد وهي في توسع مستمر مع وجود غالبية السكان في الريف، ويوفر القطاع...

بعد هذه الفضيحه...

بعد هذه الفضيحه التاريخيه والعالميه في بمناسبه افتتاح كاس العالم في الولايات المتحده الامريكيه وما ج...

يعد توصيل الأدو...

يعد توصيل الأدوية المهمة في الوقت الانسب بكفاءة بمثابة لغز معقد في مجال توصيل الأدوية. يتطلب التغلب ...

הדילמה כוללת הת...

הדילמה כוללת התנגשות בין מספר ערכים מקצועיים: שמירה על סודיות מקצועית ואמון. אחריות מקצועית לשלומה ...

حسن السياسة وإق...

حسن السياسة وإقامة المملكة كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته. فك...

ConspiracyTheor...

ConspiracyTheory.net​ بيت / العلوم والتكنولوجيا / التستر على معاهدة أنتاركتيكا غير محلول 🔬 العلوم و...

( إِنْ هِيَ إِل...

( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْ...

لذا، لم تكن الت...

لذا، لم تكن التوجهات السياسية للهوية الإسلامية متطابقة مع توجهات الهوية الإسلامية. فقد اعتمدت الأولى...

الفرع الاول : ا...

الفرع الاول : الحماية الجنائية للتجارة الالكترونية في جرائم النصب: إن دراسة أي جريمة تتطلب التعرض لع...