خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
يقدم ميثاق حلف الفضول الجديد رؤية شاملة للخير العام، مرتكزاً على خمسة مبادئ أساسية هي: السلم المجتمعي، العمران، الإغناء والتكريم، والمشاركة في المجال العام، مع منهج لبناء مجتمع الفضيلة والتضامن.
1. السلم المجتمعي: يؤكد الميثاق على مفهوم السلم المجتمعي من خلال مبادئ التسامح (احترام الآراء)، والعدالة (المساواة والمعاملة بالقسط)، والسلم (التصدي للعنف وتبني الوسائل السلمية لحل النزاعات). وتناط بالقادة الدينيين (المادة 5) مسؤولية نشر السكينة ومواجهة التطرف وخطابات الكراهية وتعزيز المصالحة. كما يشترط في المواطنة أن تكون إيجابية ومسؤولة، محافظة على الوئام الاجتماعي والنظام العام، ويحمي حقوق الأقليات (المادة 8) في العيش دون اضطهاد وكمواطنين كاملي ومتساوي المواطنة. هذه المبادئ أساسية لترسيخ السلم المجتمعي.
2. العمران: يشمل العمران العمل الخيري بأبعاده المادية (دعم المحتاجين، تشييد البنى التحتية والمرافق العامة كالمستشفيات والطرق) والمعنوية (التنمية البشرية عبر التعليم، نشر المعارف، ودعم الإبداع الفكري والثقافي). وقد كان نظام الوقف نموذجاً تاريخياً لتحقيق هذا المقصد. حديثاً، يتوافق العمران مع مفهوم التنمية المستدامة بأبعادها المتعددة، حيث يدعم الميثاق (المادة 13) أهداف الأمم المتحدة السبعة عشر للتنمية المستدامة، مثل القضاء على الفقر وتوفير التعليم. ويؤكد النص أن التنمية مسؤولية مشتركة لا تقتصر على الدولة بل تشمل الأفراد ومنظمات المجتمع المدني.
3. الإغناء والتكريم: يهدف هذا المبدأ إلى تحرير الأفراد من الفقر والهشاشة الاجتماعية، وقد حارب العمل الخيري تاريخياً الفقر عبر الإدماج في العمل ومحاربة الجهل والبطالة. ويربط الميثاق (من خلال مبادئه 6 و7 و9) مكافحة الفقر بقيم الخير الذاتية (الرحمة والإيثار) والاجتماعية (الضيافة، الجوار، التضامن، إغاثة الملهوف)، متجاوزاً المقاربات المادية البحتة إلى مقاربات إنسانية أسمى.
4. المشاركة في المجال العام: يُعرّف المجال العام بأنه الحيز المشترك للمسؤولية والمصلحة والقيم. وهو ميدان لممارسة الحرية، حيث يتطلب الالتزام بـ "الخير العام" شعوراً بالانتماء وحرية. وتُعد المواطنة الإيجابية والمسؤولة (المادة 6) الإطار المنظم للمشاركة، القائم على الحرية، المساواة، التعددية، الاحترام، والموازنة بين ممارسة الحقوق وحماية الوئام الاجتماعي، مع الالتزام باللاعنف والتضامن. وتجسد "قواعد الخير العام الخمسة" في الميثاق سبيلاً لـ "مأسسة" العمل الخيري، مستشهداً بمبادرات النفع العام التاريخية في صدر الإسلام.
منهج بناء مجتمع الفضيلة والخير والتضامن: يُشخّص النص أزمة اهتراء البنية المجتمعية عالمياً (فردانية، انهيار أخلاقيات، تفاقم الفقر، الجريمة، العنف). يكمن الحل في إدراك فقدان مفهوم "الخير العام" وتحقيقه في مجتمعات منظمة وموحدة الهدف. ويُفضي تجسيد "الخير" عملياً إلى طمأنينة المجتمع، مما يستدعي "صحوة الضمير الإنساني العالمي" لإعادة ترسيخ الفضيلة وحقوق الإنسان، والتصدي للتحديات العالمية الناتجة عن التقدم التكنولوجي الهائل وقدرته التدميرية، مع إدراك حالة الفزع وانعدام الثقة. يتطلب هذا الوعي دوراً إيجابياً لرجال الدين (كجزء من الحل)، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني، والجامعات، والقادة السياسيين في تنمية القيم وتخفيف الظلم والفقر.
ويقوم بناء مجتمع الخير والتضامن على شرطين رئيسين: أ- بناء الإرادة العامة للمجتمع: عبر توحيد إرادات المجتمع نحو الخير العام، وتجديد مفهوم الوحدة الاجتماعية ليقوم على "التوافق عبر الإجماع التقاطعي" الذي يتجاوز التعايش المؤقت إلى التوافق الدائم. ويشدد الميثاق على دور الأسرة (المادة 10) كمنبع للقيم والعدل، ومؤسسة التعليم (المادة 11) بدمج التربية والأخلاق لتهذيب السلوك وتطوير التعليم الديني، مما يؤسس لمجتمع متماسك يشعر بالأخوة وقيم التضامن. ب- بعث ثقافة "التنظيم الذاتي": وهي ضرورية لازدهار العمران وحفظ نظام المجتمع. بوسيلتين:
دور الأديان في القرن الحادي والعشرين: يؤكد الميثاق أن الدين يؤدي دوراً فاعلاً في الحوكمة العالمية والدبلوماسية الثقافية، ويدعو رجال الدين والمؤمنين لترسيخ فقه العيش المشترك. يكمن المعنى المشترك العميق بين الأديان في "التسامي" كتجربة روحية للخروج من الذات والتعاطف مع الآخر، وهو نقيض الفردانية والأنانية. ويتطلب تجديد الإيمان والتسامي رؤية جديدة للدين، تقدم حلولاً مبتكرة لمشكلات كالجوع والظلم، وتكشف مسؤولية الفرد تجاه حقوق الآخرين. ويدعو الميثاق إلى وجود "أولي بقية من العالم" الملتزمين بالقيم الإنسانية المشتركة، مؤكداً أن جوهر الإيمان يتجلى فيما يصنعه من تحرر الإنسان من أنانياته وتوجهه نحو التضامن والتواضع ونكران الذات لبناء مجتمع إنساني عالمي.
وهكذا إِذَا تُصُفِّحَ مِيثَاقُ حِلْفِ الفُضُولِ الجَدِيدِ، تَجَلَّى وُرُودُ مَفْهُومِ السِّلْمِ المُجْتَمَعِيِّ فِي كَثِيرٍ مِن نُصُوصِهِ:
مِنْ جُمْلَةِ مَا أَنَاطَهُ الشَّارِعُ بِالعَمَلِ الخَيْرِيِّ: بُلُوغُ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ مِن صُوَرِ العِمْرَانِ، وَذَلِكَ يَشْمَلُ الجَانِبَ المَادِّيَّ مُتَمَثِّلاً فِي إِعَانَةِ المُعْوِزِينَ عَلَى مَا بِهِ تَتَحَسَّنُ ظُرُوفُهُمُ المَعِيشِيَّةُ، وَتَشْيِيدِ المَرَافِقِ العَامَّةِ الضَّرُورِيَّةِ فِي المُدُنِ وَالتَّجَمُّعَاتِ السَّكَنِيَّةِ؛ كَالمُسْتَشْفَيَاتِ، وَدُورِ الإِيوَاءِ، وَالطُّرُقِ، وَالقَنَاطِرِ، وَقَنَوَاتِ المِيَاهِ، وَالإِضَاءَةِ... كَمَا يَشْمَلُ الجَانِبَ المَعْنَوِيَّ الَّذِي
يَتَجَلَّى فِي التَّنْمِيَةِ البَشَرِيَّةِ عَن طَرِيقِ تَنْوِيرِ المُجْتَمَعِ، مِن خِلَالِ تَمْوِيلِ مَرَاكِزِ التَّعْلِيمِ وَالتَّكْوِينِ، وَحَرَكَةِ الإِبْدَاعِ الفِكْرِيِّ وَالثَّقَافِيِّ، وَنَشْرِ العُلُومِ وَالمَعَارِفِ، وَالخِدْمَاتِ الصِّحِّيَّةِ وَالمَكْتَبِيَّةِ...^{1}.
وَمِنَ المَعْلُومِ، أَنَّ نِظَامَ الوَقْفِ كَانَ الصُّورَةَ الَّتِي تَمَثَّلَ فِيهَا العَمَلُ الخَيْرِيُّ فِي تَحْقِيقِهِ لِهَذَا المَقْصِدِ، فَكَانَ لَهُ الأَثَرُ الجَلِيُّ فِي تَمْدِينِ المُجْتَمَعَاتِ المُسْلِمَةِ، وَتَشْيِيدِ مَرَافِقِهَا العَامَّةِ، وَتَعْزِيزِ مُؤَسَّسَاتِهَا العِلْمِيَّةِ وَالحَضَارِيَّةِ. وَقَدْ كَانَ إِقْبَالُ المُجْتَمَعِ عَلَى إِقَامَةِ هَذَا النِّظَامِ وَالعِنَايَةِ بِهِ، وَتَعْزِيزِهِ وَالحِرْصِ عَلَى اسْتِمْرَارِهِ، دَلِيلاً عَلَى الوَعْيِ المُجْتَمَعِيِّ بِنَجَاعَتِهِ؛ لِمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ مِن مَقَاصِدِ العِمْرَانِ.
إِنَّ التَّعْبِيرَ الحَدِيثَ عَنِ العِمْرَانِ هُوَ مَفْهُومُ التَّنْمِيَةِ، بِأَبْعَادِهَا الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالبَشَرِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، بَلْ تُوُسِّعَ فِي هَذَا المَفْهُومِ لِلَدَّلَالَةِ عَلَى البُعْدِ الزَّمَنِيِّ وَهُوَ *التَّنْمِيَةُ المُسْتَدَامَةُ؛ وَإِلَيْهَا الإِشَارَةُ فِي المَادَّةِ 13 مِن مِيثَاقِ حِلْفِ الفُضُولِ الجَدِيدِ الَّتِي تَنَصُّ عَلَى أَنَّهُ مِن بَيْنِ مَجَالَاتِ وَوَسَائِلِ الحِلْفِ الجَدِيدِ «مُسَاعَدَةُ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ عَلَى بُلُوغِ «الأَهْدَافِ السَّبْعَةِ عَشْرَ مِن أَجْلِ التَّنْمِيَةِ المُسْتَدَامَةِ»»، وَالَّتِي أَقَرَّتْهَا الجَمْعِيَّةُ العَامَّةُ لِلْأُمَمِ المُتَّحِدَةِ فِي القَرَارِ المَوْسُومِ *«بِتَحْوِيلِ عَالَمِنَا خُطَّةُ التَّنْمِيَةِ المُسْتَدَامَةِ لِعَامِ 2030»**، وَالصَّادِرِ فِي 25 سبتمبر 2015. وَمِن جُمْلَةِ الأَهْدَافِ السَّبْعَةِ عَشْرَ: القَضَاءُ عَلَى الفَقْرِ وَالجُوعِ وَتَوْفِيرُ الأَمْنِ الغِذَائِيِّ، وَضَمَانُ التَّعْلِيمِ الجَيِّدِ المُنْصِفِ وَالشَّامِلِ لِلْجَمِيعِ، وَضَمَانُ تَوَافُرِ المِيَاهِ وَخِدْمَاتِ
الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ لِلْجَمِيعِ، وَإِقَامَةُ بُنَى تَحْتِيَّةٍ قَادِرَةٍ عَلَى الصُّمُودِ.
هَذَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنَ التَّنْمِيَةِ أَوِ العِمْرَانِ هُنَا مَا تَنْهَضُ بِهِ الدَّوْلَةُ فَقَطْ، وَلَكِنْ أَيْضاً مَا يَقُومُ بِهِ الأَفْرَادُ وَمُنَظَّمَاتُ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ مِن أَعْمَالٍ خَيْرِيَّةٍ تَطَوُّعِيَّةٍ.
وَالمُرَادُ بِهِ التَّحْرِيرُ مِنَ الفَقْرِ وَالخَصَاصَةِ وَالهَشَاشَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. ذَلِكَ أَنَّ «الفَقْرَ» وَ«الخَيْرَ» مُتَقَابِلَانِ فِي التَّمَثُّلِ الِاجْتِمَاعِيِّ العَامِّ، وَالتَّجْرِبَةُ التَّارِيخِيَّةُ لِلْأُمَّةِ شَاهِدَةٌ عَلَى أَنَّ العَمَلَ الخَيْرِيَّ كَانَ يَتَمَثَّلُ فِي سِيَاسَاتٍ تَنْمَوِيَّةٍ إِنْسَانِيَّةٍ تَقْصِدُ إِلَى مُحَارَبَةِ الفَقْرِ، بِالإِدْمَاجِ المُبَاشِرِ فِي مَنَاشِطِ الشُّغْلِ، قَطْعاً لِأَسْبَابِ الآفَاتِ الَّتِي تَعُوقُ المُجْتَمَعَ فَتَشُدُّ عَلَيْهِ وَثَاقَ التَّخَلُّفِ؛ كَالجَهْلِ وَالبِطَالَةِ وَالإِجْرَامِ...
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَبْلَغِ وَعْيِ الفُقَهَاءِ بِأَهَمِّيَّةِ هَذَا المَقْصِدِ، وَحِرْصِهِمْ عَلَى أَجْرَأَةِ وَسَائِلِ تَحْقِيقِهِ، اِجْتِهَادُهُمْ فِي تَحْدِيدِ خَطِّ الفَقْرِ، وَضَابِطِ الِاحْتِيَاجِ$^{1}$. وَمِن سَدِيدِ آرَائِهِمْ فِي ذَلِكَ: رَبْطُ الفَقْرِ بِالمُسْتَوَى الإِنْتَاجِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ وَمُعْطَيَاتِ العَصْرِ، مِن حَيْثُ مُسْتَوَى الكِفَايَةِ، وَمَا يُعَدُّ مِن جُمْلَةِ الحَاجَاتِ الضَّرُورِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُلَاحَظَ هُنَا، أَنَّ مِيثَاقَ حِلْفِ الفُضُولِ الجَدِيدِ رَبَطَ مَعْضِلَةَ الفَقْرِ بِضَرُورَةِ التَّحْفِيزِ عَلَى قِيَمِ الخَيْرِ الَّتِي هِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: قِيَمِ الفَضَائِلِ الذَّاتِيَّةِ كَالرَّحْمَةِ وَالإِيثَارِ، وَقِيَمِ الفَضَائِلِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ
المَدَنِيَّةِ كَالضِّيَافَةِ وَالجِوَارِ وَالتَّضَامُنِ وَإِغَاثَةِ المَلْهُوفِ. فَإِذَا أُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ المَبْدَأُ السَّادِسُ (مَبْدَأُ الرَّحْمَةِ) وَالسَّابِعُ (مَبْدَأُ البِرِّ بِالآخَرِينَ سَوَاءٌ كَانَ بِرَّ صِلَةٍ أَوْ مَعْرُوفاً) وَالتَّاسِعُ (مَبْدَأُ التَّضَامُنِ المُعَبِّرِ عَنِ الإِدْرَاكِ وَالِالْتِزَامِ بِمَا فِيهِ خَيْرُ الآخَرِ) مِن مَبَادِئِ المِيثَاقِ، اِتَّضَحَ أَنَّ حِلْفَ الفُضُولِ الجَدِيدِ تَجَاوَزَ المَقَارَبَاتِ المَادِّيَّةَ الكَمِّيَّةَ فِي مُعَالَجَةِ الفَقْرِ إِلَى مَا هُوَ إِنْسَانِيٌّ وَأَسْمَى.
يراد بالمجال العام الحيز المشترك مسؤولية ومصلحة، أي: القيم التي تتقاسمها فئات المجتمع، والمؤسسات التي تضمن فاعليتها وحيويتها، إنه «الحيز الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي المشترك»، والمسؤولية المشتركة، والمصلحة المشتركة، التي لا يختص بها فرد دون آخر، ولا تحتكرها مجموعة أو فئة دون أخرى
يُرَادُ بِالمَجَالِ العَامِّ الحَيِّزُ المُشْتَرَكُ مَسْؤُولِيَّةً وَمَصْلَحَةً، أَيِ: القِيَمُ الَّتِي تَتَقَاسَمُهَا فِئَاتُ المُجْتَمَعِ، وَالمُؤَسَّسَاتُ الَّتِي تَضْمَنُ فَاعِلِيَّتَهَا وَحَيَوِيَّتَهَا، إِنَّهُ «الحَيِّزُ الِاجْتِمَاعِيُّ وَالِاقْتِصَادِيُّ وَالسِّيَاسِيُّ وَالثَّقَافِيُّ المُشْتَرَكُ... وَالمَسْؤُولِيَّةُ المُشْتَرَكَةُ، وَالمَصْلَحَةُ المُشْتَرَكَةُ، الَّتِي لَا يَخْتَصُّ بِهَا فَرْدٌ دُونَ آخَرَ، وَلَا تَحْتَكِرُهَا مَجْمُوعَةٌ أَوْ فِئَةٌ دُونَ أُخْرَى»^{1}.
فَالْمَجَالُ العَامُّ إِذَنْ هُوَ مَيْدَانُ مُمَارَسَةِ الحُرِّيَّةِ، الَّتِي هِيَ مِن صَمِيمِ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يُبَادِرُ الفَرْدُ إِلَى الِالْتِزَامِ بِمَا يُحَقِّقُ
«الخَيْرَ العَامَّ» إِلَّا عِنْدَمَا يَشْعُرُ بِالِانْتِمَاءِ إِلَيْهِ، وَيَتَمَتَّعُ بِحُرِّيَّتِهِ، أَمَّا عِنْدَمَا يَفْقِدُ هَذَيْنِ فَإِنَّهُ يَنْسَحِبُ مِنَ المَجَالِ العَامِّ وَيَنْكَفِئُ عَلَى ذَاتِهِ، فَلَا يُبَادِرُ بِمُشَارَكَةٍ عَامَّةٍ، نَاهِيكَ عَن أَن يَتَطوَّعَ بِعَمَلٍ خَيْرِيٍّ لَا يَتَوَقَّعُ عَلَيْهِ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً.
إِنَّ ضَعْفَ الشُّعُورِ بِالِانْتِمَاءِ وَفَقْدَ الحُرِّيَّةِ، يَفْقِدَانِ المَجَالَ العَامَّ أَهَمَّ شَرَايِينِ حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَوَّنُ إِلَّا بِمَجْمُوعِ ذَوَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ حُرَّةٍ، تَتَشَارَكُ هُمُومَ الجَمَاعَةِ، وَتَسْعَى لِتَحْقِيقِ مَصَالِحِهَا.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ عَنِ الإِطَارِ النَّاظِمِ لِلْمُشَارَكَةِ فِي المَجَالِ العَامِّ مَا هُوَ؟ إِنَّهُ مَفْهُومُ المَوَاطَنَةِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الوَضْعِيَّةِ القَانُونِيَّةِ الَّتِي تُخَوِّلُ لِلْمُوَاطِنِينَ العُضْوِيَّةَ فِي جَمَاعَةٍ سِيَاسِيَّةٍ (الدَّوْلَةِ)، يُشَارِكُونَ فِي تَدْبِيرِ شُؤُونِهَا، وَلَهُمْ فِيهَا حُقُوقٌ، وَعَلَيْهِمْ وَاجِبَاتٌ. فَبِدُونِ المَوَاطَنَةِ لَا يُمْكِنُ المُشَارَكَةُ فِي المَجَالِ العَامِّ. إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ لَا بُدَّ أَن تَكُونَ المَوَاطَنَةُ إِيجَابِيَّةً وَمَسْؤُولَةً كَمَا نَصَّتْ عَلَى ذَلِكَ المَادَّةُ 6 مِن مِيثَاقِ حِلْفِ الفُضُولِ الجَدِيدِ، وَذَلِكَ:
إِنَّ وَاقِعَ المُجْتَمَعَاتِ اليَوْمَ عُمُوماً يَشِي بِأَنَّهَا تُعَانِي مِن أَزْمَةِ اهْتِرَاءِ بِنْيَتِهَا، وَلَنْ يَعْدَمَ المُتَأَمِّلُ دَلَائِلَ عَلَى ذَلِكَ فِي الصَّعِيدَيْنِ: المَحَلِّيِّ وَالدَّوْلِيِّ.
فَعَلَى الصَّعِيدِ المَحَلِّيِّ؛ يُمْكِنُ أَن نُمَثِّلَ بِمُؤَشِّرِ اخْتِلَالِ مَنْظُومَةِ الحَقِّ وَالوَاجِبِ، وَمِن مَظَاهِرِهِ غَلَبَةُ الفَرْدَانِيَّةِ الَّتِي تَتَجَلَّى فِي مُمَارَسَاتٍ غَيْرِ
أَخْلَاقِيَّةٍ تَعْكِسُ الحِرْصَ عَلَى المَنْفَعَةِ الخَاصَّةِ أَكْثَرَ مِن المَنْفَعَةِ العَامَّةِ، وَمِنْهَا النُّزُوعُ المُتَطَرِّفُ إِلَى الِاحْتِجَاجِ طَلَباً لِلْحُقُوقِ، مَعَ الِاسْتِنْكَافِ عَنِ الوَاجِبَاتِ.
وَأَمَّا عَلَى الصَّعِيدِ الدَّوْلِيِّ؛ فَلَا أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ الِاهْتِرَاءِ مِن انْهِيَارِ «الأَخْلَاقِيَّاتِ اليَقِينِيَّةِ» الإِنْسَانِيَّةِ؛ إِذْ إِنَّنَا نَمْضِي صَوْبَ الكَارِثَةِ$^{1}$ الَّتِي مِن تَجَلِّيَاتِهَا تَصَاعُدُ نِسَبِ الفَقْرِ وَالمَجَاعَةِ وَالبِطَالَةِ وَالهِجْرَةِ وَاللُّجُوءِ، وَتَزَايُدُ ظَوَاهِرِ الجَرِيمَةِ وَالكَرَاهِيَةِ وَالعُنْفِ وَالعُنْفِ المُضَادِّ وَهَلُمَّ جَرّا...
فَمَا هِيَ الوَصْفَةُ القَمِنَةُ بِمُعَالَجَةِ هَذِهِ الأَدْوَاءِ المُسْتَحْكِمَةِ؟
إِنَّ تَعْلِيلَ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ بَعْدَ تَوْصِيفِهَا أَوَّلُ خُطْوَةٍ فِي ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ جُمَاعَ مَا يُمْكِنُ أَن تُعَلَّلَ بِهِ فِقْدَانُ مَفْهُومِ الخَيْرِ العَامِّ، سَوَاءٌ لَدَى المُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَرَاهُ نِسْبِيّاً قَابِلاً لِلتَّعَدُّدِ، أَوِ الَّتِي تَرَاهُ قِيمَةً تَقْتَضِي قَوَاعِدَ سُلُوكٍ تَتَعَالَى عَلَى الرَّغَبَاتِ.
وَمَا دَامَ الِاتِّفَاقُ عَلَى مَقْصِدِيَّةِ «الخَيْرِ العَامِّ» مُنْعَقِداً، لَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ فِي مُجَرَّدِ المَفَاهِيمِ وَالتَّصَوُّرَاتِ كَبِيرُ أَثَرٍ. بَيْدَ أَنَّهُ فِيمَا تَقَرَّرَ قَبْلُ مِنَ القَوَاعِدِ الخَمْسِ، فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَن يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ المَفْهُومُ إِلَّا فِي مُجْتَمَعَاتٍ مُنَظَّمَةٍ، مُتَّحِدَةِ الوِجْهَةِ، مُؤْمِنَةٍ بِمَا تَرْغَبُ فِيهِ مِن تَحْقِيقِ مَقَاصِدَ عُلْيَا، وَغَايَاتٍ مُثْلَى.
وَإِنَّ «الخَيْرَ» مَتَى صُوِّرَ مَفْهُوماً عَمَلِيّاً يَضْبِطُ إِشْبَاعَ الرَّغَبَاتِ فِي حُدُودٍ مَعْقُولَةٍ تَجْعَلُهَا ذَاتَ قِيمَةٍ، لَيُورِثُ النَّفْسَ طُمَأْنِينَةً، وَالمُجْتَمَعَ
سَكِينَةً، فَيَجْعَلُهُ مُهَيَّأً لِحَيَاةٍ أَفْضَلَ، وَلِإِبْدَاعِ وَسَائِلَ تُحَسِّنُ بِهَا نَوْعِيَّةَ الحَيَاةِ، وَيُتَغَلَّبُ بِهَا عَلَى مُشْكِلَاتِهَا، وَهَذَا شَرْطُ «الوَعْيِ» المَطْلُوبِ لِهَبَّةِ الضَّمِيرِ الإِنْسَانِيِّ العَالَمِيِّ وَإِيقَاظِهِ.
إنَّ صحوة هذا الضمير - كما يقول العلامة الشيخ عبد الله بن بيه - «ضرورةٌ لإعادة كتابة دستور للفضيلة، وللتذكير بحقوق الإنسان من جديد، وأنها لكل إنسان... وأنَّ احترام الاختلاف وترسيخ أهميته ومدَّ جسور الوحدة وغيرها هو وحده الذي يعيدنا إلى قيمة الإنسان؛ وهي أننا جميعاً نستحق هذه القيم»
إِنَّ صَحْوَةَ هَذَا الضَّمِيرِ - كَمَا يَقُولُ العَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ بنُ بِيَهْ - «ضَرُورَةٌ لِإِعَادَةِ كِتَابَةِ دُسْتُورٍ لِلْفَضِيلَةِ، وَلِلتَّذْكِيرِ بِحُقُوقِ الإِنْسَانِ مِن جَدِيدٍ، وَأَنَّهَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ... وَأَنَّ احْتِرَامَ الِاخْتِلَافِ وَتَرْسِيخَ أَهَمِّيَّتِهِ وَمَدَّ جُسُورِ الوَحْدَةِ وَغَيْرِهَا هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يُعِيدُنَا إِلَى قِيمَةِ الإِنْسَانِ؛ وَهِيَ أَنَّنَا جَمِيعاً نَسْتَحِقُّ هَذِهِ القِيَمَ»^{1}.
وَإِنَّ مِن أَهَمِّ أُصُولِ هَذَا «الوَعْيِ» وَمُقَدِّمَاتِهِ أَن يَشْعُرَ المُجْتَمَعُ البَشَرِيُّ بِالمَأْزِقِ، وَأَن يَقُومَ بِالتَّفَكُّرِ فِي ثَلَاثِ حَقَائِقَ خَطِيرَةٍ وَمُتَلَازِمَةٍ، تَتَّصِلُ بِمَآلِهِ وَمَصِيرِهِ المُشْتَرَكِ.
وَمَعْنَاهُ مُطَابِقٌ لِمَفْهُومِ التَّحَالُفِ لُغَةً؛ إِذْ هُوَ المُعَاقَدَةُ وَالمُعَاهَدَةُ عَلَى التَّعَاضُدِ وَالتَّسَاعُدِ وَالاتِّفَاقِ$^{3}$، وَمِنْهُ اجْتِمَاعُ إِرَادَاتِ المُجْتَمَعِ عَلَى أَمْرٍ
وَاحِدٍ تَخْلُصُ فِي التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ سِرُّ قُوَّةِ المُجْتَمَعَاتِ وَنَجَاحِهَا فِي شَتَّى رِهَانَاتِ الحَيَاةِ.
عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَجْدِيدُ تَصَوُّرِ الوَحْدَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَتَجَاوُزُ ذَلِكُمْ التَّصَوُّرِ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى مَا قَبْلُ وَاقِعِ المُجْتَمَعَاتِ المُتَعَدِّدَةِ الهُوِيَّاتِ، بِحَيْثُ تُؤَسَّسُ الوَحْدَةُ عَلَى مَبْدَإِ «التَّوَافُقِ عَن طَرِيقِ الإِجْمَاعِ التَّقَاطُعِيِّ»، بِعِبَارَةِ جُونْ رُولْز، وَمَعْنَاهُ: إِعْمَالُ سِيَاسَةِ الِاتِّفَاقِ، وَتَدْبِيرِ الِاخْتِلَافِ، فِي تَصَوُّرٍ لِغَايَاتٍ مُشْتَرَكَةٍ تَوَجَّهُ إِلَيْهَا الإِرَادَاتُ، وَفِي تَعَاقُدٍ أَخْلَاقِيٍّ يَتَسَامَى عَن مَنْطِقِ «التَّعَايُشِ المُؤَقَّتِ» إِلَى مَفْهُومِ «التَّوَافُقِ الدَّائِمِ» الَّذِي تَتَعَاقَبُ الأَجْيَالُ عَلَى حِمَايَتِهِ وَضَمَانِ اسْتِمْرَارِهِ.
فَالمُجْتَمَعُ بِنَاءٌ مُسْتَمِرٌّ، وَاسْتِمْرَارُهُ رَهِينٌ بِمَدَى إِحْكَامِهِ وَتَمْتِينِهِ، وَمِن إِحْكَامِهِ وَتَمْتِينِهِ الِاهْتِمَامُ بِتَعْلِيمِ الأَجْيَالِ النَّاشِئَةِ، أُسُسَ حِفْظِ التَّمَاسُكِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَمِن أَهَمِّهَا:
لَا يَكُونُ إِلَّا قُوَّةً تَنْظِيمِيَّةً وَوَاعِيَةً قَاصِدَةً إِلَى تَحْقِيقِ الخَيْرِ العَامِّ.
وَمَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِيثَاقُ حِلْفِ الفُضُولِ الجَدِيدِ فِي هَذَا الصَّدَدِ لَا يَشُذُّ عَمَّا ذُكِرَ، خَاصَّةً بِالنِّسْبَةِ لِمُؤَسَّسَتَيْنِ رَئِيسَتَيْنِ فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ، وَهُمَا: العَائِلَةُ وَالتَّعْلِيمُ.
أَمَّا مُؤَسَّسَةُ العَائِلَةِ المَنْصُوصُ عَلَيْهَا فِي المَادَّةِ 10 مِنَ المِيثَاقِ، فَمُؤَدَّاهَا إِعَادَةُ الِاعْتِبَارِ إِلَى مَنْظُومَةِ العَائِلَةِ، مِن حَيْثُ هِيَ المَنْبَعُ العَمِيقُ لِلْقِيَمِ، وَالعَدْلِ، وَالسَّلَامِ، وَالتَّرْبِيَةِ، وَالتَّضَامُنِ.
وَأَمَّا مُؤَسَّسَةُ التَّعْلِيمِ المُشَارُ إِلَيْهَا فِي المَادَّةِ 11، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْتَرِنَ فِيهَا التَّعْلِيمُ بِالتَّرْبِيَةِ، وَالنِّظَامُ التَّعْلِيمِيُّ بِالمَنْظُومَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ، لِتَهْذِيبِ السُّلُوكِ الفَرْدِيِّ وَالجَمَاعِيِّ. هَذَا سِوَى تَرْشِيدِ وَتَطْوِيرِ التَّعْلِيمِ الدِّينِيِّ لِمُوَاكَبَةِ المَعَارِفِ وَالخِبْرَاتِ الحَدِيثَةِ.
إِنَّ هَذِهِ الأُسُسَ مَتَى رُوعِيَتْ فِي البِنَاءِ أَنْتَجَتْ مُجْتَمَعاً مُتَّحِدَ الوِجْهَةِ، يَسْتَشْعِرُ مَعْنَى الأُخُوَّةِ كَرَابِطٍ أَسَاسٍ يَسْتَلْزِمُ التَّمَسُّكَ بِقِيَمِ التَّضَامُنِ وَالوَحْدَةِ وَالتَّعَاوُنِ، ضَمَاناً لِلْبَقَاءِ.
لَا تَتَّسِقُ أُمُورُ العِمْرَانِ، وَلَا تَسْتَتِبُّ أَسْبَابُ الِارْتِقَاءِ، وَلَا تَسُودُ رُوحُ المَدَنِيَّةِ، إِلَّا بِبَعْثِ ثَقَافَةِ «التَّنْظِيمِ الذَّاتِيِّ» بِمَا هِيَ وَسِيلَةٌ إِلَى حِفْظِ نِظَامِ المُجْتَمَعِ، تَوَافُقاً مَعَ المَقْصِدِ العَامِّ مِنَ التَّشْرِيعِ الَّذِي هُوَ: «حِفْظُ نِظَامِ العَالَمِ وَاسْتِدَامَةُ صَلَاحِهِ بِصَلَاحِ المُهَيْمِنِ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَوْعُ الإِنْسَانِ»^{1}، وَكَمَا يَقُولُ خَيْرُ الدِّينِ التُّونُسِيُّ: «التَّنْظِيمُ أَسَاسٌ مَتِينٌ
لِاسْتِقَامَةِ نِظَامِ الدِّينِ»^{1}، وَهُوَ كَذَلِكَ أَسَاسٌ لِاسْتِقَامَةِ نِظَامِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ رَهِينٌ بِوَسِيلَتَيْنِ:
يُمْكِنُ أَن نَلْتَمِسَ بَعْضَ أَنْحَاءِ الجَوَابِ مِن دِيبَاجَةِ مِيثَاقِ حِلْفِ الفُضُولِ الجَدِيدِ، وَمَا أَكَّدَتْهُ مِن أَنَّ «الدِّينَ لَا يَزَالُ يُؤَدِّي دَوْراً فَاعِلاً فِي الحَكَامَةِ العَالَمِيَّةِ، وَالدِّبْلُومَاسِيَّةِ الثَّقَافِيَّةِ». وَلِذَلِكَ دَعَتِ المَادَّتَانِ 5 وَ6 مِنَ المِيثَاقِ إِلَى انْخِرَاطِ رِجَالِ الدِّينِ فِي نَشْرِ السَّكِينَةِ وَالسِّلْمِ، وَإِلَى تَشْجِيعِ المُؤْمِنِينَ عَلَى احْتِرَامِ بَعْضِهِم بَعْضاً، لِتَرْسِيخِ فِقْهِ العَيْشِ المُشْتَرَكِ بِشَتَّى أَبْعَادِهِ
التَّسَامِي هُوَ القُطْبُ المُضَادُّ لِلْفَرْدَانِيَّةِ وَالعُنْصُرِيَّةِ، فَالإِنْسَانُ لَيْسَ ذَرَّةً تَائِهَةً، وَلَيْسَ بِاعْتِبَارِهِ فَرْداً أَوْ قَوْمِيَّةً مِقْيَاساً لِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ مُوَاطِنٌ ضِمْنِ جَمَاعَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ، حَيْثُ كُلُّ فَرْدٍ يَعِي أَنَّهُ مَسْؤُولٌ عَن مَصَالِحِ الآخَرِينَ وَحُقُوقِهِمُ المَعْنَوِيَّةِ وَالمَادِّيَّةِ.
التَّسَامِي كَذَلِكَ هُوَ القُطْبُ المُضَادُّ لِلْأَنَانِيَّةِ وَالجَشَعِ وَالشُّحِّ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128]، فَالإِنْسَانُ مُتَطَلِّبٌ دَائِماً حَتَّى إِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَادِيَانِ مِن ذَهَبٍ لَتَمَنَّى ثَالِثاً وَرَابِعاً، وَقَدْ قَالَ أَحَدُ الحُكَمَاءِ: «إِنَّ الخُرُوجَ مِنَ النَّفْسِ وَالتَّعَاطُفَ مَعَ الغَيْرِ هُوَ الخُطْوَةُ الأُولَى لِلتَّسَامِي، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالحُبِّ». وَفِي رِسَالَةِ يُوحَنَّا الأُولَى: «مَن لَا يُحِبَّ، لَمْ يَعْرِفِ اللهَ قَطُّ». وَقَالَ شَمْسُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ: «إِنَّنَا نَتَعَلَّمُ فِي كِتَابِ الحُبِّ الإِنْسَانِيِّ كَيْفَ نُفَسِّرُ مُفْرَدَاتِ الحُبِّ الإِلَهِيِّ»^{1}.
إِنَّ تَجْدِيدَ الحُبِّ وَ«التَّسَامِي» مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَجْدِيدِ الإِيمَانِ الَّذِي هُوَ رُوحُ كُلِّ دِينٍ، وَهَذَا الإِيمَانُ لَا يُمْكِنُ أَن يَنْفَصِلَ عَن مُخْتَلِفِ مَجَالَاتِ الحَيَاةِ بِشَتَّى أَلْوَانِهَا... لَقَدْ أَكَّدَ كُلُّ الأَنْبِيَاءِ عَلَى نَفْسِ القِيَمِ، وَلَكِنْ بِمَا أَنَّهُ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ كَانَ ثَمَّةَ تَطَوُّرٌ لِلْمُشْكِلَاتِ، فَقَدْ جَدَّدَ الأَنْبِيَاءُ أَشْكَالَ التَّعْبِيرِ عَنْهَا... وَقَدْ أَجَادَ بَانِيكَر PANNIKER التَّعْبِيرَ عَن هَذَا المَعْنَى فِي كِتَابِهِ 'مُسْتَقْبَلُ الإِيمَانِ' قَائِلاً: «إِنَّ مُشْكِلَاتِ الجُوعِ، وَعَدَمِ المُسَاوَاةِ، وَاسْتِغْلَالِ الإِنْسَانِ، وَاسْتِنْزَافِ الأَرْضِ، وَعَدَمِ التَّسَامُحِ، وَالِاسْتِعْمَارِ الجَدِيدِ... هِيَ كُلُّهَا مُشْكِلَاتٌ دِينِيَّةٌ»^{2}.
نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى رِوَايَةٍ وَرُؤْيَةٍ جَدِيدَةٍ لِلدِّينِ، مُؤَسَّسَةٍ عَلَى القِيَمِ الأَبَدِيَّةِ لِلْإِيمَانِ، لِصِيَاغَةِ حُلُولٍ مُبْتَكِرَةٍ لِتِلْكَ المُشْكِلَاتِ؛ وَمُتَّسِقَةٍ تَمَاماً مَعَ أُصُولِ العِبَادَةِ وَالصَّلَاةِ، وَلَكِن يُعَبَّرُ عَنْهَا بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ يَسْمَحُ لَنَا بِالتَّعَرُّفِ عَلَى وُجُودِنَا الخَاصِّ، وَعَلَى وُجُودِ الآخَرِينَ أَيْضاً بِاعْتِبَارِهِمَا حُرُمَاتٍ، وَيُطْلِعُنَا عَلَى مَسْؤُولِيَّتِنَا إِزَاءَ بَعْضِنَا الآخَرَ، وَيَكْشِفُ لَنَا عَن قُدْرَتِنَا عَلَى بِنَاءِ عَالَمٍ أَكْثَرَ عَدْلاً وَإِنْصَافاً، وَأَكْثَرُ تَسَامُحاً وَتَعَاطُفاً...
وَأَيْضاً يُحْتَاجُ إِلَى مَا سُمِّيَ فِي مِيثَاقِ حِلْفِ الفُضُولِ الجَدِيدِ «أُولُو بَقِيَّةٍ مِنَ العَالَمِ» مِنَ المُلْتَزِمِينَ بِالقِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ المُشْتَرَكَةِ، وَالمُحِبِّينَ لِلسَّلَامِ وَالتَّضَامُنِ وَالعَدْلِ.
إِنَّ قِمَّةَ شُعُورِ الإِنْسَانِ بِإِيمَانِهِ وَإِخْلَاصِهِ لِدِينِهِ أَن يَشْعُرَ بِمَسْؤُولِيَّتِهِ اتِّجَاهَ حُقُوقِ الآخَرِينَ. وَإِنَّ التَّلَاقُحَ الخِصْبَ لِلـثَّـقَـافَاتِ الَّتِي تَمَثَّلَ مُخْتَلَفَ الأَدْيَانِ، هُوَ فِي - حَقِيقَتِهِ وَرُوحِهِ - ثَرَاءٌ لَا يُمْكِنُ التَّنَازُلُ عَنْهُ مِن أَجْلِ أَن نَفْرِضَ عَلَى الغَيْرِ شَكْلَ التَّعْبِيرِ الَّذِي وَرِثْنَاهُ عَن أَوْضَاعِنَا الثَّقَافِيَّةِ!
وَالحَاصِلُ: أَنَّهُ لَيْسَ المَزِيَّةُ أَوِ العِبْرَةُ مَا يَقُولُهُ الإِنْسَانُ عَن إِيمَانِهِ، وَلَكِنَّ مَا يَصْنَعُهُ هَذَا الإِيمَانُ بِنَفْسِهِ وَعَمَلِهِ، وَإِلَى أَيِّ مَدَى يُحَرِّرُهُ مِن اغْتِرَابِهِ؟ بِمَعْنَى آخَرَ إِلَى أَيِّ مَدَى يُحَرِّرُهُ مِن أَنَانِيَّاتِهِ وَطُمُوحَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ، وَمُشَرِّعَاتِهِ العِرْقِيَّةِ وَالقَوْمِيَّةِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي تَحُولُ فِي الغَالِبِ دُونَ إِيجَادِ مُجْتَمَعٍ إِنْسَانِيٍّ عَالَمِيٍّ يُصْطَلَحُ عَلَى الغَايَاتِ السَّامِيَّةِ لِلْإِيمَانِ؛ ذَلِكُمُ الإِيمَانُ الَّذِي يُهْيِبُ بِجَمِيعِ الأَدْيَانِ إِلَى التَّضَامُنِ وَالتَّوَاضُعِ وَالبَذْلِ وَنُكْرَانِ الذَّاتِ...
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
تعد قضية الأمن الغذائي من أهم القضايا التي تشغل المجتمع الدولي في العصر الحديث، لما لها من ارتباط مب...
يوجد أثر تفاعلي بين الإفصاح عن المسائل الرئيسية للمراجعة واستراتيجية الأعمال على التزام الشركات بالم...
1. تحسين دقة وموثوقية تقييم الملكية الفكرية عبر معايير موحدة. 2. تعزيز الشفافية في عمليات التقييم لد...
وهكذا إِذَا تُصُفِّحَ مِيثَاقُ حِلْفِ الفُضُولِ الجَدِيدِ، تَجَلَّى وُرُودُ مَفْهُومِ السِّلْمِ المُ...
ahora el jardín de cheryl y después la fiesta de pink amena esto es el último nivel [Música] miley e...
هذا المبدأ يحوِّل العمل الإرشادي من نمط "انتظار المشكلة" إلى نمط "الرصد والتدخل المبكر". فهذا المبدأ...
( اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَ...
في ختام هذا العمل، يمكن القول إن إدارة وتنظيم الورشة تُعد من أهم المراحل في إنجاز المشاريع، كونها تر...
الفَرَس، جماعته الخَيْل، وذكره الحِصَان، وأنثاه الحِجْر وصغيره المُهْر، هو حيوان ثديي وحيد الحافر، م...
تحديد الجنس: يوضح Menidia menidia أيضًا مرونة آليات تحديد الجنس في الأسماك العظمية (Conover & Heins،...
من خلال تحليل محتوى المقابلات العيادية المتعددة التي أُجريت مع الحالة، يتضح أن لجوءها إلى التفسير ال...
في ظل تحولات بيئة الأعمال وتزايد تعقيد المعاملات، برزت حوكمة الشركات لترسيخ الشفافية والمساءلة، خاصة...