Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (50%)
أهداف العقوبة في التشريع الإسلامي 38 1- زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها في تطبيق العقوبة الشرعية زجراً للمتهم ولأمثاله من الإقدام على الجريمة مرة أخرى. وذلك يساهم إلى حد كبير في إضعاف وتقليل نسبة الجريمة؛ وصيانة المجتمع عن ممارسة ألوان الفساد، ومنع وقوع الجريمة أو تكرارها قال الماوردي عن الحدود: «الحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر» (4) وقال عن التعازير: العقوبات المفوضة للحاكم وعن الحدود أيضاً: «إنها تأديب واستصلاح وزجر، 4- قطع دابر الجريمة، 5- الجريمة في واقعها ضرر بالنفس وبالمال وبالجماعة فهي وباء فتاك أو نار تقتضي الحصر في أضيق نطاق ممكن للحد من آثارها الفاحشة، وعدم إشاعتها، لذا كان العقاب عليها أمراً لازماً، قال الماوردي: الجرائم محظورات شرعية، ولها عند ثبوتها وصحتها حال استيفاء توجيه الأحكام الشرعية 7- إطفاء نار الحقد والغيظ المضطرمة لدى المعتدى عليه أو أقاربه 2. حفظ النفس 3. حفظ النسل 4. حفظ المال وقد قام بعض علماء الإسلام بالتقسيم التالي لتكاليف الشريعة في قوله: (تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدوا أن تكون: (ضرورية) أو (حاجية) أو (تحسينية) ويعنى بالضرورية تلك الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل). وإنما كان الدين الإسلامي أحرص على تبرئة ساحة المتهم قبل أن يدان بالجرم الذي اتهم فيه امتثالاً للقواعد العامة التي تقوم على العدل والرحمة في آن واحد من قبيل: (ادرؤوا الحدود بالشبهات). و ادرؤوا الحد عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، واستنقاذهم من الجهالة، خصائص العقوبة 41 تقسم العقوبة في الفقه الإسلامي بعدة سمات كلها لها أصل مستمد من جوهر الشريعة الإسلامية الغراء، تلك الشريعة التي أتت لتكون خاتمة الشرائع جميعها، ومن هنا كانت صلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان. وتتميز العقوبة الجنائية بعدة خصائص تعبر عن جوهرها وتميزها في ذاتها عن غيرها من كل أنواع الجزاءات الأخرى، ومن بين هذه الخصائص ما يأتي
- أنها شرعية
- أنها قضائية
- أنها جزاء على فعل يعده المشروع جريمة
- مبدأ تفريد العقوبة أولا: مبدأ شرعية العقوبة 41 عرف الفقيه الماوردي الجرائم بأنها: محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو ومن خلال هذا التعريف نجد أن الجرائم التي يعاقب عليها حداً هيى محظورات شرعية" أي محرمات وجرائم والشرع الإسلامي هو الذي جرم هذه الأفعال على عقوباتها كذلك، بنصوص من القرآن والسنة واضحة الدلالة لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل وهذا ما يسمى في القوانين الوضعية بمبدأ " قانونية الجرائم والعقوبات" أو مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وجرائم الحدود وعقوباتها كلها منصوص عليها إما في القرآن أو السنة أو هما معاً. فبخصوص النص على جريمة الزنا يقول تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاء سَبِيلاً) (1) وأما بخصوص الحد أو عقوبة الزاني غير المحصن فيقول تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) (2). والغامدية اللذين أقرا بالزنا، والمرأة التي اعترفت بزنا العسيف (الأجير) بها (3) وفي تجريم شرب الخمر يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (5) ، وروي عن رسول الله - - قوله : " كل مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وكل مُسْكِرٍ حرام ، وحول عقوبة شرب الخمر، روى أبو هريرة قال: أتي النبي -- برجل قد شرب فقال: اضربوه، قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله، فلما انصرف، قال بعض القوم أخزاك الله، لا تعينوا عليه الشيطان" (1) وفي تجريم السرقة وعقوبتها يقول عز من قائل: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (2) وفي البغي والحرابة والردة هناك عشرات الآيات والروايات والأحاديث النبوية التي تنص على تجريم هذه الأفعال وتحدد لها عقوبات خاصة، بل لقد عينت الشريعة العقوبة في جرائم الحدود تعييناً دقيقاً، بحيث لم تترك للقاضي أية حرية في اختيار نوع العقوبة أو تقديرها، حتى يمكن القول بأن هذه العقوبات ذات حد واحد حكماً - وإن كان بعضها يحتمل أن يكون ذا حدين فلا تسمح الشريعة للقاضي أن ينقص العقوبة أو يستبدل غيرها بها أو يوقف تنفيذها كما وردت أحاديث كثيرة تتحدث عن تفاصيل تنفيذ عقوبات الحدود مثل كيفية الرجم والجلد في الزنا أو القذف، وكذلك الأمر بالنسبة لجريمة القتل فقد أكدت النصوص القرآنية الواردة في عدة مواضع (سورة الإسراء، الآية 33 وسورة المائدة، الآية (45) على شرعية القصاص القائم على المماثلة في الاعتداء على النفس وما دونها، أنواعها ومقدارها والنص على هذه الجرائم وعقوباتها في القرآن والسنة لا يؤكد فقط شرعيتها وإنما يشير إلى خطورة هذه الجرائم وكونها اعتداء على ما اعتبرته الشريعة ضرورات لا تتحقق مقاصد الشريعة بالاعتداء عليها. ومن الأهمية التذكير بأن مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" من المبادئ الإسلامية الأساسية والشاملة، وليس فقط بما يتعلق بجرائم وعقوبات الحدود والقصاص والتعزير، يقول عز من قائل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (1). وقوله تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (2). ومن خلال هاتين الآيتين الكريمتين استخلص الفقهاء قاعدتين أصوليتين تفيدان معنى واحداً ومضموناً واحداً وهو مبدأ " لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" أي لا يمكن عد فعل أو تركه جريمة إلا بنص صريح يحرم الفعل أو الترك، فإذا لم يرد نص صريح فلا مسؤولية ولا عقاب على فعل أو ترك، الأولى: " لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص، والثانية: " الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة (3). فإن المعنى الذي يستخلص من ذلك كله هو أن قواعد الشريعة الإسلامية تقتضي: ألا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ويترتب على قاعدة " لا جريمة ولا عقاب إلا بنص "نتائج منها
- عدم رجعية القانون 45 وهذا واضح في عقوبات الحدود، لكن بعدما نزل النهي وتأكد على لسان الرسول - الذي حرم كل مسكر، فقد أصبح شرب الخمر والمسكرات محرماً ومعاقباً عليه، وكذلك الأمر بالنسبة لباقي جرائم الحدود، بل وغيرها من الجرائم والمعاصي وهذا يؤكد أن الأصل في الشريعة الإسلامية هو أن استحقاق العقاب متوقف على سبق الإنذار به، وأن من يرتكب فعلاً ما أو يسلك سلوكاً ما لا يعاقب على هذا الفعل أو السلوك إلا إذا كان قد سبقه نص تشريعي يوجب ذلك العقاب فقد حرم الله سبحانه وتعالى الجمع بين الأختين في النكاح وقد كان معمولاً به، يقول تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) (2). وفي الآيتين معاً تكررت صيغة إلا مَا قَدْ سَلَفَ، أما وقد نزل التحريم والنهي فإن المقترف لها ولغيرها مما نهي عنه يعتبر عاصياً يستحق العقاب حداً أو تعزيراً إذا كان هذا الفعل من جرائم الحدود أو التعازير أو الكفارة إذا كان الفعل من معاصي الكفارات. لا يقتصر أثرها على موضع واحد، أو بمعنى آخر إنها وردت لتضع قاعدة عامة لها صفة الشمول، وهذه القاعدة هي أنه لا أثر رجعي للنصوص الجزائية على ما وقع من أفعال سابقة للعمل بها في الإسلام لكن الشريعة الإسلامية تتفق مع أغلب القوانين الوضعية على وجود استثناءين القاعدة عدم رجعية التشريعات الجزائية • . أولهما يتعلق بمصلحة المتهم في حالة ما إذا كان النص الجزائي متعلق بأمن المجتمع ونظامه، قد نزل بمناسبة حادثة الإفك، إذ الثابت الذي لا خلاف فيه أن رسول الله ﷺ حد القذفة، فكأنه طبق النص على وقائع سابقة على نزوله (1) وقد عللوا البعض الذين قالوا بذلك عودة الأثر الرجعي لهذا النص بما ترتب عن الحادث الذي نزل فيه النص من آثار هدامة (2) إلا أن الدكتور محمد سليم العوا، يرفض هذا الرأي ويرى بأن مصدر هذا القول وهم سابق إلى قائله من تتابع الآيات في سورة النور مبينة حد الزني، ثم قصة حديث الإفك وبراءة السيدة عائشة. أما ما أوردته مراجع التفسير، فهو أن ما نزل في شأن السيدة عائشة هو آيات العشر التي تبدأ بقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وذلك ما ورد في كتب السنة الصحيحة وبذلك فإن آيات حد القذف تكون منفصلة في النزول عن آيات براءة السيدة عائشة، وإذا تبين هذا . فالحادثة تقع تتطلب حكماً وينزل النص القرآني أو يأتي الأمر النبوي بالحكم فيطبق عليها، وتطبيق الحكم على الحادثة سبب النزول، لا يقال عنه إنه من رجعية التشريع إلى الماضي أما بخصوص حد الحرابة، فإن ما عليه الجمهور من الفقهاء هو أن آية الحرابة نزلت في العربيين، وهم قوم من عربية - فقد قدم على النبي ﷺ نَفَرٌ مِن عُمْلٍ، فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِن أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا فَصَحُوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَها، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، وقيل: إن الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب قطعوا الطريق وأفسدوا في الأرض، لأنه قطع أيدي العربيين، وسمل أعينهم كما سملوا عين الراعي فنزلت الآية تحريماً للمثلة وتكون الآية قد نزلت بعد عقابهم طبقاً لقوله تعالى : ( وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) (3) وقد جاءت بحكم جديد ثابت لمثل الرواية الأولى أو الثانية، فإن الآية قد نزلت لعقوبة فعل سابق عليها، ومن ثم يكون لها أثر رجعي وإن كانوا قد أشاروا إلى أن وجود خلاف حول أسباب نزول الآيتين آية القذف والحرابة يدعو إلى الشك في أن الشريعة تجيز الرجعية في التشريع الجنائي وهذا الشك لا مبرر له بالنسبة لبعض الفقهاء لأن الآية قد نزلت بعد عقاب هؤلاء القوم من عكل وعرينه، وقد ورد التصريح في صحيح البخاري ومسند أحمد وسنن أبي داود عن ابن سيرين: " إن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود أما فيما يخص آية الظهار (2) ، فهناك اتفاقاً على سبب نزولها وأنها أطبقت على واقعة سابقة، مما يقطع بأن الشريعة تجيز أن يكون للتشريع الجنائي أثر رجعي. لأن الظهار من مسائل الأحوال الشخصية أو أحكام الأسرة، ولا علاقة بينها وبين الأحكام الجزائية حتى يستدل بها عليها وإنما يصح الاستدلال في هذا الشأن بالنصوص الجنائية في الشريعة الإسلامية، أو بالنصوص التي تقرر قواعد عامة وهو رأي الشيخ محمد أبو زهرة كذلك ويرى الدكتور عبود السراج وبغض النظر عن صحة التطبيق بأثر رجعي للنصوص التي وردت في جريمتي القذف والحرابة، لأن ما طبق من قبل الرسول ، المتروكة لولي الأمر كي يحددها حسب إرادته. فلا يُخشى من صدور تشريع جديد فيها يمكن أن يكون له أثر رجعي، حيث يمكن لولي الأمر أن يجد في فكرة سيادة أمن المجتمع ونظامه مبرراً، ليقرر تطبيق النصوص الجزائية على أفعال سبقت صدورها، ومن نتائج مبدأ "لا" جريمة ولا عقوبة إلا بنص "، والنص على عقوبات الحدود والقصاص في القرآن والسنة النبوية وإجماع المسلمين عليها، يجعل منها ضماناً شرعياً لحق أي مسلم ويحميه من تعسف المجتمع أو القضاء ويبث في نفوسهم الخوف من العقوبة التي تنتظرهم، وفي آية أخرى يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وخلاصة القول فإن مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات " أو لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص " لم تعرفه التشريعات الجنائية إلا حديثاً حيث أعلن عنه أول مرة بعد الثورة الفرنسية ونص عليه قانون العقوبات الفرنسية سنة 1810م (3)، أما قبل ذلك فكان القضاة يتحكمون في تحديد الجرائم وتعيين عقوبتها، تراعي في تقريره وتوقيعه ظروف الزمان والمكان وشخص الجاني ثانيا: القضائية 52 أو تكون الجريمة المنسوبة إليه متلبساً بها، أو يرضى هو بتنفيذ العقوبة، وصيرورة الاختصاص بتطبيق العقوبات الجنائية (2)- من احتكار السلطة القضائية (2). وقد كانت صلاحيات القاضي قبل الثورة الفرنسية واسعة في مجال التجريم والعقاب، وهذه السلطة التحكمية للقضاة كانت مخلة بالعدالة ومنتهكة لحقوق الإنسان. وأصبح القاضي بعد إقرار هذا المبدأ ناطقاً بالعقوبة فقط، والتي كانت ذات حد واحد في الغالب، ما انعكس بدوره سلباً على مفهوم المساواة والعدالة، ومن ثم طالبت بعض المدارس العقابية بتوسيع صلاحية القاضي ليس في التجريم أو إنشاء عقوبات جديدة لم ينص عليها المشرع أو القانون، وإنما في اختيار العقوبة المناسبة لكل جريمة ومجرم انطلاقاً من العقوبات المنصوص عليها، والقاضي الجزائي هو الذي يحاكم المتهم، أما في الشريعة الإسلامية فمما لا شك فيه أن السلطة القضائية كانت ولا تزال جزءاً من النظام الإسلامي لأن العدل هو الغاية من رسالات الله عز وجل، وإقامة الحق والعدل هي التي تشيع الطمأنينة وتنشر الأمن، وتحفظ الحقوق، القضائي الذي فرضه الإسلام لذلك فقد أجمع المسلمون على مشروعية تعيين القضاة والحكم بين الناس، لما في القضاء من إقامة العدل وإحقاق الحق، ونشر الأمن، وصون الدماء والأعراض والأموال، ورفع التظالم وفصل التخاصم ، بل صرح الفقهاء - كما نقل الماوردي في الأحكام السلطانية بأن أحد واجبات الإمام العشرة • تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين حتى تعم العدالة، وقد تحدثت كتب الفقه والحديث مطولاً عن وظيفة القضاء وصفات القضاة فإن عمل القاضي هنا هو الرجوع إلى هذين المصدرين التشريعيين لإعلان العقوبة المقررة بعدما تكتمل لديه شروط التجريم المعتبرة شرعاً كذلك لأنه لو فعل ذلك فسينطبق عليه قول الله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (1)، لكن النطق أو إعلان العقوبة ليس هو فقط ما يقوم به القاضي في عقوبات الحدود والقصاص، وإنما له دور مهم وأساسي في تحقيق العدالة، فقبل النطق بالعقوبة يقوم القاضي بالتأكد من توافر أركان الجريمة لتطبيق الحد كشهادة أربعة شهود عدول في الزنا، رأوا الفعل في وقت واحد كالميل في المكحلة»، وكذلك إمكانية تخفيف العقوبة وإن كان الأصل عدم تخفيف العقوبة في جرائم الحدود، لأن الحد حق الله تعالى، ويمكن المعاقبة عليها بعقوبة تعزيرية وفي القصاص لا بد للقاضي من التأكد من شروط توقيعه، ومعرفة قصد الجاني لأن عدم القصد يُحوّل فعل القتل من عمد إلى شبه العمد أو القتل الخطأ. وقد يتعذر استيفاء القصاص فتجب الدية، وهذه القضايا يفصل فيها القاضي ويحسم أسباب النزاع فيها بين المتخاصمين، وسنتحدث بعد قليل عن سلطة القاضي في التعازير وعلاقتها بقضائية هذه العقوبات بالإضافة إلى ذلك لديه سلطة تفسير النصوص، إذا وجد غموضاً أو خفاء في دلالتها، إذا كان مجتهداً، وإذا لم يكن مجتهداً فإن عليه أن يأخذ تفسيرها من أحد المجتهدين أو المذهب الفقهي الذي يقلده أو يعتمد تفسير المذهب الفقهي الرسمي للدولة إن مسؤولية القاضي في الشريعة تتجاوز كما قلنا سابقاً - النطق بالعقوبة الحدية أو إعلانها حكماً، لأن تحقيق العدالة وتطبيق أحكام الشريعة على الوجه الأكمل والحقيقي منوط بما يقوم به القاضي من تحر وبحث ومعرفة ظروف وملابسات كل جريمة ودرجة مسؤولية أي مجرم، وعدالة القاضي وصدقه ورغبته وحرصه الشديد على تحقيق العدالة الإلهية في الأرض، لذلك عد الإسلام منصب القضاء من المناصب الخطيرة وعد مسؤولية القاضي جسيمة ثالثا: مبدأ المساواة في العقوبة 56 يقصد به أن نصوص القانون التي تقرر العقوبات تسري على جميع الأفراد دون تفرقة بينهم، فالمشرع إذ ينص في القاعدة الجنائية على عقوبة ما فإن هذه الأخيرة تصبح قابلة للتطبيق على كافة الأفراد الذين ينتهكون هذه القاعدة وقد كان القانون الوضعي حتى أواخر القرن الثامن عشر يميز بين المواطنين في المحاكمة وفي توقيع العقوبة حتى جاءت الثورة الفرنسية فجعلت المساواة أساساً من الأسس الأولية في القانون لا فرق بين رئيس أو مرؤوس، أو بين رجل أو امرأة، وهذا ما أوضحه واكده الحديث الصحيح المروي عنه - عندما، طلب منه أن يعفو عن سارقة من قريش، فصعد المنبر وخاطبهم قائلاً: ": إنما هلك الذين قبلكم، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها إن فاطمة بنت الرسول - ما كان لها أن تسرق لكن الرسول -- بقوله إنما يرسخ في أذهان المسلمين أن حدود الله لا تجب فيها الشفاعة أبداً مهما بلغ شرف المعتدي لأنها من حقوق الله وأن فاطمة ابنته وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وقائد الدولة هي والمرأة المخزومية المتهمة بالسرقة سواسية أمام حكم الشريعة، وهناك أحاديث كثيرة تنهى بشدة عن الشفاعة في الحدود أو التمييز بي المسلمين في تطبيق الحدود في سائر العقوبات والمساواة في عقوبات الحدود واضحة لأن الشريعة عينت العقوبة وحددتها، ولا يجوز للقاضي أو الحاكم الشرعي استبدالها بغيرها فإذا اكتملت شروط التجريم أعتد بها شرعاً وجب تطبيق العقوبة المقررة للجريمة دون زيادة أو نقصان، أما في جرائم القصاص فالمماثلة والمساواة واضحة بين العقوبة والجريمة،
Original text
أهداف العقوبة في التشريع الإسلامي 38
العقوبات على الجرائم في الإسلام شرعت لتحقق ما يلي:
1- زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها
في تطبيق العقوبة الشرعية زجراً للمتهم ولأمثاله من الإقدام على الجريمة مرة أخرى. وذلك يساهم إلى حد كبير في إضعاف وتقليل نسبة الجريمة؛ لأن الحكمة من العقوبات أو الحدود الشرعية كما تبين هي زجر الناس، وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها، وصيانة المجتمع عن ممارسة ألوان الفساد، والتخلص من ظاهرة الإجرام بقدر الإمكان
2- صيانة المجتمع من الفساد، ومنع وقوع الجريمة أو تكرارها
3- الإصلاح والتهذيب والتقويم: إن من أهداف العقوبة أيضاً هو إصلاح النفوس. وتهذيب الحواس، وإقناع المتهم بخطئه، وحماية الجماعة من طبائع النفوس الشريرة، وليس تأديب المجرم بقصد الانتقام أو التشفي منه، قال الماوردي عن الحدود: «الحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر» (4) وقال عن التعازير: العقوبات المفوضة للحاكم وعن الحدود أيضاً: «إنها تأديب واستصلاح وزجر، يختلف بحسب اختلاف الذنب
4- قطع دابر الجريمة، وعدم إشاعة الفاحشة
5- الجريمة في واقعها ضرر بالنفس وبالمال وبالجماعة فهي وباء فتاك أو نار تقتضي الحصر في أضيق نطاق ممكن للحد من آثارها الفاحشة، وعدم إشاعتها، حتى لا يتجرأ الناس على اقتحامها ويستسهلوا أمر اقترافها أو ارتكابها ويستمرنوا فعلها.
لذا كان العقاب عليها أمراً لازماً، لاستئصالها من جنبات المجتمع، قال الماوردي: الجرائم محظورات شرعية، زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير، ولها عند التهمة حال استبراء تقتضيه السياسة الدينية، ولها عند ثبوتها وصحتها حال استيفاء توجيه الأحكام الشرعية
6- منع عادة الأخذ بالثأر التي توسع رقعة انتشار الجريمة
7- إطفاء نار الحقد والغيظ المضطرمة لدى المعتدى عليه أو أقاربه
8- حصول الأمن وتحقيق العدل في شعب الحياة كلها. قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (3)
فلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية 39
لقد اتفقت كلمات العلماء على اختلاف مذاهبهم في أن الشريعة الغراء إنما جاءت لحفظ الأمور التالية
- حفظ الدين.
- حفظ النفس
- حفظ النسل
- حفظ المال
- وحفظ العقل
وقد قام بعض علماء الإسلام بالتقسيم التالي لتكاليف الشريعة في قوله: (تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدوا أن تكون: (ضرورية) أو (حاجية) أو (تحسينية)
ويعنى بالضرورية تلك الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل). إن المتأمل في الشريعة الإسلامية الغراء يرى مدى حكم الشارع حين تشدد في وضع الحدود اللازمة التي يمكن من خلالها حفظ هذه الضروريات
فالشريعة الإسلامية تختلف عن غيرها في طريقة التجريم فهي لم تكن قد وضعت الإجراءات الاعتباطية في طريقة تجريم الإنسان كما فعل غير من أشرنا إليه سابقاً. وإنما كان الدين الإسلامي أحرص على تبرئة ساحة المتهم قبل أن يدان بالجرم الذي اتهم فيه امتثالاً للقواعد العامة التي تقوم على العدل والرحمة في آن واحد من قبيل: (ادرؤوا الحدود بالشبهات). و ادرؤوا الحد عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام لئن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة). فالعقوبة في الإسلام هي الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع والمقصود من فرض عقوبة على عصيان أمر الشارع هو إصلاح حال البشر وحمايته من المفاسد، واستنقاذهم من الجهالة، وإرشادهم من الضلالة، وكفهم عن المعاصي وبعثهم على الطاعة ولم يرسل الله رسوله للناس ليسيطر عليهم أو ليكون عليهم جباراً وإنما أرسله رحمة للعالمين وذلك في قوله تعالى: ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) . (1) وقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) (2) وقوله كذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (1) فالعقاب إذن في الشريعة الإسلامية إنما هو الإصلاح الفرد، ولحماية المجتمع وصيانة نظامه من الانهدام
خصائص العقوبة 41
تقسم العقوبة في الفقه الإسلامي بعدة سمات كلها لها أصل مستمد من جوهر الشريعة الإسلامية الغراء، تلك الشريعة التي أتت لتكون خاتمة الشرائع جميعها، ومن هنا كانت صلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان.. وتتميز العقوبة الجنائية بعدة خصائص تعبر عن جوهرها وتميزها في ذاتها عن غيرها من كل أنواع الجزاءات الأخرى، ومن بين هذه الخصائص ما يأتي
- أنها شرعية
- أنها قضائية
- أنها شخصية
- أنها جزاء على فعل يعده المشروع جريمة
- مبدأ تفريد العقوبة
أولا: مبدأ شرعية العقوبة 41
عرف الفقيه الماوردي الجرائم بأنها: محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو ومن خلال هذا التعريف نجد أن الجرائم التي يعاقب عليها حداً هيى محظورات شرعية" أي محرمات وجرائم والشرع الإسلامي هو الذي جرم هذه الأفعال على عقوباتها كذلك، فهي معينة بوصفها جرائم ومقدرة بوصفها عقوبات، بنصوص من القرآن والسنة واضحة الدلالة لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل وهذا ما يسمى في القوانين الوضعية بمبدأ " قانونية الجرائم والعقوبات" أو مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وجرائم الحدود وعقوباتها كلها منصوص عليها إما في القرآن أو السنة أو هما معاً.
فبخصوص النص على جريمة الزنا يقول تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاء سَبِيلاً) (1)
وأما بخصوص الحد أو عقوبة الزاني غير المحصن فيقول تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) (2).
أما عقوبة الزاني المحصن فقد وردت في السنة المطهرة القولية والفعلية، حيث رجم النبي - ماعزاً، والغامدية اللذين أقرا بالزنا، والمرأة التي اعترفت بزنا العسيف (الأجير) بها (3)
وفي جريمة القذف وعقوبتها يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (4)
وفي تجريم شرب الخمر يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (5) ، وروي عن رسول الله - - قوله : " كل مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وكل مُسْكِرٍ حرام ،
وحول عقوبة شرب الخمر، روى أبو هريرة قال: أتي النبي -- برجل قد شرب فقال: اضربوه، قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله، ومنا الضارب بثوبه، فلما انصرف، قال بعض القوم أخزاك الله، قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان" (1)
وفي تجريم السرقة وعقوبتها يقول عز من قائل: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (2)
وفي البغي والحرابة والردة هناك عشرات الآيات والروايات والأحاديث النبوية التي تنص على تجريم هذه الأفعال وتحدد لها عقوبات خاصة، بل لقد عينت الشريعة العقوبة في جرائم الحدود تعييناً دقيقاً، بحيث لم تترك للقاضي أية حرية في اختيار نوع العقوبة أو تقديرها، حتى يمكن القول بأن هذه العقوبات ذات حد واحد حكماً - وإن كان بعضها يحتمل أن يكون ذا حدين فلا تسمح الشريعة للقاضي أن ينقص العقوبة أو يستبدل غيرها بها أو يوقف تنفيذها
كما وردت أحاديث كثيرة تتحدث عن تفاصيل تنفيذ عقوبات الحدود مثل كيفية الرجم والجلد في الزنا أو القذف، وكيفية قطع يد السارق وتفاصيل أخرى حول حدود الجاني أو المقام عليه الحد
وكذلك الأمر بالنسبة لجريمة القتل فقد أكدت النصوص القرآنية الواردة في عدة مواضع (سورة الإسراء، الآية 33 وسورة المائدة، الآية (45) على شرعية القصاص القائم على المماثلة في الاعتداء على النفس وما دونها، وجاءت السنة النبوية تتعرض لتفصيلات المبدأ في الحض على عفو ولي الدم، وفي تحديد تفصيلات الدية، أنواعها ومقدارها
والنص على هذه الجرائم وعقوباتها في القرآن والسنة لا يؤكد فقط شرعيتها وإنما يشير إلى خطورة هذه الجرائم وكونها اعتداء على ما اعتبرته الشريعة ضرورات لا تتحقق مقاصد الشريعة بالاعتداء عليها. لذلك لم تُترك لتعيين الخلق أو تقديرهم بل تكفل الله سبحانه وتعالى وهو العليم بما خلق وبما يضر الإنسان وما ينفعه بتعيين هذه الجرائم وتقدير عقوبات مناسبة لخطورتها ومدى تأثيرها السلبي على حياة الفرد والمجتمع الإسلامي بل الإنساني ككل. ومن الأهمية التذكير بأن مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" من المبادئ الإسلامية الأساسية والشاملة، وليس فقط بما يتعلق بجرائم وعقوبات الحدود والقصاص والتعزير، وإنما نجد أن الإسلام لا يعاقب بعقوبة دنيوية أو أخروية إلا إذا سبق الإنذار والتبليغ والتجريم، يقول عز من قائل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (1). وقوله تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِ) (2). ومن خلال هاتين الآيتين الكريمتين استخلص الفقهاء قاعدتين أصوليتين تفيدان معنى واحداً ومضموناً واحداً وهو مبدأ " لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" أي لا يمكن عد فعل أو تركه جريمة إلا بنص صريح يحرم الفعل أو الترك، فإذا لم يرد نص صريح فلا مسؤولية ولا عقاب على فعل أو ترك، وهاتان القاعدتان هما:
الأولى: " لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص، والثانية: " الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة (3). ولما كانت الأفعال المحرمة لا تُعد جريمة في الشريعة بتحريمها وإنما بتقرير عقوبة عليها سواء كانت العقوبة حداً أو تعزيراً، فإن المعنى الذي يستخلص من ذلك كله هو أن قواعد الشريعة الإسلامية تقتضي: ألا جريمة ولا عقوبة إلا بنص
ويترتب على قاعدة " لا جريمة ولا عقاب إلا بنص "نتائج منها
- عدم رجعية القانون 45
والمقصود به أن المشرع لا يتناول بالعقاب أفعالاً ارتكبت قبل صدور التجريم، وهذا واضح في عقوبات الحدود، فالمسلمون كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها وقد نزل هذا التحريم متدرجاً، لكن بعدما نزل النهي وتأكد على لسان الرسول - الذي حرم كل مسكر، فقد أصبح شرب الخمر والمسكرات محرماً ومعاقباً عليه، وكذلك الأمر بالنسبة لباقي جرائم الحدود، بل وغيرها من الجرائم والمعاصي وهذا يؤكد أن الأصل في الشريعة الإسلامية هو أن استحقاق العقاب متوقف على سبق الإنذار به، وأن من يرتكب فعلاً ما أو يسلك سلوكاً ما لا يعاقب على هذا الفعل أو السلوك إلا إذا كان قد سبقه نص تشريعي يوجب ذلك العقاب
فقد حرم الله سبحانه وتعالى الجمع بين الأختين في النكاح وقد كان معمولاً به، يقول تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) (2). كما حرم نكاح زوجة الأب قائلاً: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً
وفي الآيتين معاً تكررت صيغة إلا مَا قَدْ سَلَفَ، وهذا يعني استثناء هذه الأفعال السابقة عند التحريم وعدم المعاقبة عليها بعد الإسلام، أما وقد نزل التحريم والنهي فإن المقترف لها ولغيرها مما نهي عنه يعتبر عاصياً يستحق العقاب حداً أو تعزيراً إذا كان هذا الفعل من جرائم الحدود أو التعازير أو الكفارة إذا كان الفعل من معاصي الكفارات. وهناك أمثلة أخرى كثيرة جاءت بصيغة عامة، لا يقتصر أثرها على موضع واحد، أو بمعنى آخر إنها وردت لتضع قاعدة عامة لها صفة الشمول، وهذه القاعدة هي أنه لا أثر رجعي للنصوص الجزائية على ما وقع من أفعال سابقة للعمل بها في الإسلام
لكن الشريعة الإسلامية تتفق مع أغلب القوانين الوضعية على وجود استثناءين القاعدة عدم رجعية التشريعات الجزائية
• . أولهما يتعلق بمصلحة المتهم
• والثاني بتطبيق قواعد الإجراءات الجزائية
• لكن عدداً من الفقهاء المسلمين يضيف استثناء ثالثاً، في حالة ما إذا كان النص الجزائي متعلق بأمن المجتمع ونظامه، وهذا الاستثناء قال به بعض فقهاء القانون حيث قالوا: أنه " يجوز أن يكون للتشريع الجنائي الإسلامي أثر رجعي في حالة الجرائم الخطيرة التي تمس الأمن أو النظام العام ومن الأمثلة على هذا الاستثناء: جرائم القذف والحرابة والظهار
ففي حد القذف يرى بعض فقهاء القانون أن الرأي الراجح يؤكد أن قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (4)، قد نزل بمناسبة حادثة الإفك، فإذا صح هذا الرأي كان لنص القذف أثر رجعي، إذ الثابت الذي لا خلاف فيه أن رسول الله ﷺ حد القذفة، فكأنه طبق النص على وقائع سابقة على نزوله (1) وقد عللوا البعض الذين قالوا بذلك عودة الأثر الرجعي لهذا النص بما ترتب عن الحادث الذي نزل فيه النص من آثار هدامة (2) إلا أن الدكتور محمد سليم العوا، يرفض هذا الرأي ويرى بأن مصدر هذا القول وهم سابق إلى قائله من تتابع الآيات في سورة النور مبينة حد الزني، فحد القذف فأحكام اللعان، ثم قصة حديث الإفك وبراءة السيدة عائشة. أما ما أوردته مراجع التفسير، فهو أن ما نزل في شأن السيدة عائشة هو آيات العشر التي تبدأ بقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ
وذلك ما ورد في كتب السنة الصحيحة
وبذلك فإن آيات حد القذف تكون منفصلة في النزول عن آيات براءة السيدة عائشة، وإذا تبين هذا .. فإن الرسول - إذا عاقب قذفة السيدة عائشة (رضي الله عنها ) يكون قد عاقبهم على فعل وقع منهم بعد أن جرمه القرآن وقرر عقوبته ويضيف الدكتور العوا بأن دعوى الرجعية هنا - وفي مثل تلك الحالة من حالات التشريع في العهد النبوي لا تصح لأن أحكام الإسلام نزلت متدرجة مع الحوادث. فالحادثة تقع تتطلب حكماً وينزل النص القرآني أو يأتي الأمر النبوي بالحكم فيطبق عليها، وتطبيق الحكم على الحادثة سبب النزول، لا يقال عنه إنه من رجعية التشريع إلى الماضي
أما بخصوص حد الحرابة، فإن ما عليه الجمهور من الفقهاء هو أن آية الحرابة نزلت في العربيين، وهم قوم من عربية - فقد قدم على النبي ﷺ نَفَرٌ مِن عُمْلٍ، فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِن أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا فَصَحُوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَها، واسْتَافُوا الإِبلَ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمُهُمْ حَتَّى مَاتُوا. فأنزل الله تعالى في ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (1)
وقيل: إن الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب قطعوا الطريق وأفسدوا في الأرض، وروى ابن جرير أن الآية نزلت عتاباً للنبي، لأنه قطع أيدي العربيين، وتركها دون حسم، وسمل أعينهم كما سملوا عين الراعي فنزلت الآية تحريماً للمثلة
وتكون الآية قد نزلت بعد عقابهم طبقاً لقوله تعالى : ( وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) (3) وقد جاءت بحكم جديد ثابت لمثل الرواية الأولى أو الثانية، فإن الآية قد نزلت لعقوبة فعل سابق عليها، ومن ثم يكون لها أثر رجعي
ويعلل الفقهاء ذلك بالمصلحة العامة التي اقتضت ذلك، وإن كانوا قد أشاروا إلى أن وجود خلاف حول أسباب نزول الآيتين آية القذف والحرابة يدعو إلى الشك في أن الشريعة تجيز الرجعية في التشريع الجنائي
وهذا الشك لا مبرر له بالنسبة لبعض الفقهاء لأن الآية قد نزلت بعد عقاب هؤلاء القوم من عكل وعرينه، وقد ورد التصريح في صحيح البخاري ومسند أحمد وسنن أبي داود عن ابن سيرين: " إن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود
وهنا كذلك لم يكن ثمة أي أثر رجعي لتطبيق آيتي الحرابة وتبقى القاعدة المقررة في التشريع الجنائي أنه " لا جريمة ولا عقوبة بغير نص ". أما فيما يخص آية الظهار (2) ، فهناك اتفاقاً على سبب نزولها وأنها أطبقت على واقعة سابقة، مما يقطع بأن الشريعة تجيز أن يكون للتشريع الجنائي أثر رجعي.
ويرى بعض فقهاء القانون أن الاستدلال بحكم الظهار على رجعية التشريع الجنائي إلى الماضي مما لا يمكن التسليم به، لأن الظهار من مسائل الأحوال الشخصية أو أحكام الأسرة، ولا علاقة بينها وبين الأحكام الجزائية حتى يستدل بها عليها
وإنما يصح الاستدلال في هذا الشأن بالنصوص الجنائية في الشريعة الإسلامية، أو بالنصوص التي تقرر قواعد عامة وهو رأي الشيخ محمد أبو زهرة كذلك
ويرى الدكتور عبود السراج وبغض النظر عن صحة التطبيق بأثر رجعي للنصوص التي وردت في جريمتي القذف والحرابة، فإن هذا التطبيق لا يصلح أن يشكل قاعدة يبنى عليها القول بإمكانية رجعية النصوص الجزائية المتعلقة بأمن المجتمع ونظامه. وفضلاً عن ذلك فاستثناء النصوص الجزئية المتعلقة بأمن المجتمع ونظامه من مبدأ عدم رجعية التشريعات الجزائية فيه خطر وضرر لا يتفق مع قواعد الشريعة الإسلامية، لأن ما طبق من قبل الرسول ، في جرائم الحدود والقصاص، لا يمكن أن يتخذ قاعدة في جرائم التعزير، المتروكة لولي الأمر كي يحددها حسب إرادته. ولما كانت جرائم الحدود والقصاص والديات قد فرغ منها نهائياً في عهد الرسول
فلا يُخشى من صدور تشريع جديد فيها يمكن أن يكون له أثر رجعي، ولكن الذي يُخشى منه هو جرائم التعزير، حيث يمكن لولي الأمر أن يجد في فكرة سيادة أمن المجتمع ونظامه مبرراً، ليقرر تطبيق النصوص الجزائية على أفعال سبقت صدورها، فيخل بقاعدة أساسية من قواعد الشريعة
ومن نتائج مبدأ "لا" جريمة ولا عقوبة إلا بنص "، بالإضافة إلى عدم رجعية القانون، قصر التجريم وترتيب العقوبات على القانون المكتوب دون غيره من المصادر القانونية، والنص على عقوبات الحدود والقصاص في القرآن والسنة النبوية وإجماع المسلمين عليها، يجعل منها ضماناً شرعياً لحق أي مسلم ويحميه من تعسف المجتمع أو القضاء
كما أن النص على تجريم هذه الأفعال وإعلان عقوباتها وشيوع ذلك بين أفراد المجتمع الإسلامي يساهم في تحذير المسلمين من اقترافها، ويبث في نفوسهم الخوف من العقوبة التي تنتظرهم، وهذا ما قامت به آيات كثيرة عندما حذرت المسلمين والمؤمنين بشكل واضح ومباشر من هذه الجرائم وغيرها يقول عز من قائل: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ) (1) ، وفي آية أخرى يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا
وخلاصة القول فإن مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات " أو لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص " لم تعرفه التشريعات الجنائية إلا حديثاً حيث أعلن عنه أول مرة بعد الثورة الفرنسية ونص عليه قانون العقوبات الفرنسية سنة 1810م (3)، أما قبل ذلك فكان القضاة يتحكمون في تحديد الجرائم وتعيين عقوبتها، والناس لا يعرفون ما لهم وما عليهم، وهذا يعني أن القوانين الوضعية لم تتوصل إلى ما وصل إليه الفقه الإسلامي إلا بعد أكثر من عشرة قرون
وهذه القاعدة أو المبدأ يتم تطبيقه في الفقه الإسلامي في أحد إطارين، إطار جامد " جرائم الحدود والقصاص " حيث أتى النص مفصلاً للفعل المكون للجريمة ومحدداً للعقوبة، وإطار مرن في " جرائم التعزير " حيث تبين النصوص الأفعال التي تُعد - أو يمكن أن تُعد جرائم تعزيرية ويترك تحديد العقاب عليها للسلطة المختصة في الدولة الإسلامية، تراعي في تقريره وتوقيعه ظروف الزمان والمكان وشخص الجاني
ثانيا: القضائية 52
المقصود من قضائية العقوبة هو أن السلطة القضائية هي المسؤولة عن توقيع العقوبات الجنائية والقاضي أو المحكمة المعنية من طرف السلطة القضائية هي التي تعلن وتفرض العقوبات الجزائية لأن قضائية العقوبة تتمة لشرعيتها " فلا عقوبة إلا بنص ولا عقوبة إلا بحكم قضائي (1). ولا يقدح في الالتزام بهذا المبدأ أن يعترف المتهم بجريمته اعترافاً صريحاً، أو تكون الجريمة المنسوبة إليه متلبساً بها، أو يرضى هو بتنفيذ العقوبة، ففي كافة الأحوال تمتنع إدانته والحكم عليه بعقوبة دون أن يجسد هذه العقوبة حكم قضائي. وليس ذلك المبدأ الحديث سوى اللازمة المنطقية لمبدأ الفصل بين السلطات، كما أنه تعبير عن اندثار نظام الانتقام الفردي، وصيرورة الاختصاص بتطبيق العقوبات الجنائية (2)- من احتكار السلطة القضائية (2). وقد كانت صلاحيات القاضي قبل الثورة الفرنسية واسعة في مجال التجريم والعقاب، وهذه السلطة التحكمية للقضاة كانت مخلة بالعدالة ومنتهكة لحقوق الإنسان.
لذا طالبت المدارس العقابية بتحديد هذه السلطة عن طريق مبدأ " شرعية الجرائم والعقوبات، وأصبح القاضي بعد إقرار هذا المبدأ ناطقاً بالعقوبة فقط، والتي كانت ذات حد واحد في الغالب، ما انعكس بدوره سلباً على مفهوم المساواة والعدالة، لأن لكل جريمة ظروفها ودوافعها الخاصة ولكل مجرم درجة مسؤولية تختلف عن غيره، لذلك ليس من العدل أو المساواة أن تكون هناك عقوبة واحدة لكل المجرمين
ومن ثم طالبت بعض المدارس العقابية بتوسيع صلاحية القاضي ليس في التجريم أو إنشاء عقوبات جديدة لم ينص عليها المشرع أو القانون، وإنما في اختيار العقوبة المناسبة لكل جريمة ومجرم انطلاقاً من العقوبات المنصوص عليها، والتي تحقق أهداف السياسات العقابية المعتمدة، وبالتالي فالعقوبة الجزائية لا يمكن توقيعها إلا بناء على حكم قضائي صادر عن محكمة جزائية، والقاضي الجزائي هو الذي يحاكم المتهم، ويقرر جرميته، ويحدد مقدار وجنس العقوبة التي يستحقها، ويشرف على تنفيذها
أما في الشريعة الإسلامية فمما لا شك فيه أن السلطة القضائية كانت ولا تزال جزءاً من النظام الإسلامي لأن العدل هو الغاية من رسالات الله عز وجل، وإقامة الحق والعدل هي التي تشيع الطمأنينة وتنشر الأمن، ومن أهم الوسائل التي يتحقق بها القسط، وتحفظ الحقوق، وتصان الدماء والأعراض والأموال هي إقامة النظام
القضائي الذي فرضه الإسلام
وقد ثبت أن النبي -- كان القاضي الأول في الدولة الإسلامية وجاء في عدد من الروايات أنه بعث الإمام علي رضي الله عنه وأبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن للقضاء وبعد انتقاله - إلى الرفيق الأعلى باشر الخلفاء من بعده القضاء بأنفسهم. لذلك فقد أجمع المسلمون على مشروعية تعيين القضاة والحكم بين الناس، لما في القضاء من إقامة العدل وإحقاق الحق، وإشاعة الطمأنينة، ونشر الأمن، وصون الدماء والأعراض والأموال، ورفع التظالم وفصل التخاصم ، بل صرح الفقهاء - كما نقل الماوردي في الأحكام السلطانية بأن أحد واجبات الإمام العشرة
• تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين
• وقطع الخصام بين المتنازعين، حتى تعم العدالة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم
وقد تحدثت كتب الفقه والحديث مطولاً عن وظيفة القضاء وصفات القضاة
والشروط المطلوب توافرها فيمن يتولى القضاء في المجتمع الإسلامي
وبما أن عقوبات جرائم الحدود والقصاص منصوص عليها في القرآن والسنة، فإن عمل القاضي هنا هو الرجوع إلى هذين المصدرين التشريعيين لإعلان العقوبة المقررة بعدما تكتمل لديه شروط التجريم المعتبرة شرعاً كذلك
فإذا ثبتت الجريمة سواء بالإقرار أو البيئة وانتفت جميع الشبهات، لم يبق للقاضي من دور سوى النطق بالعقوبة المقدرة شرعاً ومباشرة تنفيذها، ولا يحق له أن يعطل حداً من حدود الله، أو يشرع عقوبة جديدة غير منصوص عليها، لأنه لو فعل ذلك فسينطبق عليه قول الله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (1)، وقوله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (2). لكن النطق أو إعلان العقوبة ليس هو فقط ما يقوم به القاضي في عقوبات الحدود والقصاص، وإنما له دور مهم وأساسي في تحقيق العدالة، فقبل النطق بالعقوبة يقوم القاضي بالتأكد من توافر أركان الجريمة لتطبيق الحد كشهادة أربعة شهود عدول في الزنا، رأوا الفعل في وقت واحد كالميل في المكحلة»، أو التأكد من صحة الإقرار السقوط الحد برجوع المقر عن إقراره
وكذلك إمكانية تخفيف العقوبة وإن كان الأصل عدم تخفيف العقوبة في جرائم الحدود، لأن الحد حق الله تعالى، وليس للقاضي المساس بهذا الحق، لكن فقهاء المسلمين أقروا الخروج على هذه القاعدة في جريمة السرقة، عندما تقع للحاجة فلا يستوجب القطع، ويمكن المعاقبة عليها بعقوبة تعزيرية
وفي القصاص لا بد للقاضي من التأكد من شروط توقيعه، مثل البلوغ، ومعرفة قصد الجاني لأن عدم القصد يُحوّل فعل القتل من عمد إلى شبه العمد أو القتل الخطأ. وقد يتعذر استيفاء القصاص فتجب الدية، أو أي عقوبة تعزيرية أخرى، وكذلك هناك العفو والصلح (5) ، وهذه القضايا يفصل فيها القاضي ويحسم أسباب النزاع فيها بين المتخاصمين، وكذلك التأكد من خلو الفعل الجرمي من أية شبهة تدرأ عقوبة الحد لأن مع أي شبهة تتحول العقوبة الحدية إلى عقوبة تعزيرية، فتتسع سلطة القاضي في اختيار العقوبة الملائمة لخطورة الجريمة أو الحق المعتدى عليه والكفيلة بتحقيق الردع والانزجار، وسنتحدث بعد قليل عن سلطة القاضي في التعازير وعلاقتها بقضائية هذه العقوبات
بالإضافة إلى ذلك لديه سلطة تفسير النصوص، إذا وجد غموضاً أو خفاء في دلالتها، أو تضارياً بين عباراتها، إذا كان مجتهداً، وإذا لم يكن مجتهداً فإن عليه أن يأخذ تفسيرها من أحد المجتهدين أو المذهب الفقهي الذي يقلده أو يعتمد تفسير المذهب الفقهي الرسمي للدولة
إن مسؤولية القاضي في الشريعة تتجاوز كما قلنا سابقاً - النطق بالعقوبة الحدية أو إعلانها حكماً، لأن تحقيق العدالة وتطبيق أحكام الشريعة على الوجه الأكمل والحقيقي منوط بما يقوم به القاضي من تحر وبحث ومعرفة ظروف وملابسات كل جريمة ودرجة مسؤولية أي مجرم، وعدالة القاضي وصدقه ورغبته وحرصه الشديد على تحقيق العدالة الإلهية في الأرض، لذلك عد الإسلام منصب القضاء من المناصب الخطيرة وعد مسؤولية القاضي جسيمة
ثالثا: مبدأ المساواة في العقوبة 56
يقصد به أن نصوص القانون التي تقرر العقوبات تسري على جميع الأفراد دون تفرقة بينهم، فالمشرع إذ ينص في القاعدة الجنائية على عقوبة ما فإن هذه الأخيرة تصبح قابلة للتطبيق على كافة الأفراد الذين ينتهكون هذه القاعدة
وقد كان القانون الوضعي حتى أواخر القرن الثامن عشر يميز بين المواطنين في المحاكمة وفي توقيع العقوبة حتى جاءت الثورة الفرنسية فجعلت المساواة أساساً من الأسس الأولية في القانون
أما في الشريعة الإسلامية فإن مبدأ المساواة أمام القانون يرتكز على مبدأ المساواة العامة التي أقرها الإسلام حين اعتبر الناس سواسية كأسنان المشط، "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى (1) وكل الناس من آدم وآدم من تراب والتفاضل الحقيقي بينهم هو في التقوى وهو مقياس إلهي فالله سبحانه وتعالى هو الأعلم بمن هو المتقي والمطيع لأوامره والملتزم بشريعته التزاماً حقيقياً، والشريعة منزلة من طرف الله سبحانه وتعالى والناس أمامها متساوون، لا فرق بين رئيس أو مرؤوس، أو بين غني أو فقير، أو بين رجل أو امرأة، بل تطبق عليهم جمعياً دون محاباة لأحد أو تمييز لسبب من الأسباب
وهذا ما أوضحه واكده الحديث الصحيح المروي عنه - عندما، طلب منه أن يعفو عن سارقة من قريش، فصعد المنبر وخاطبهم قائلاً: ": إنما هلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها
إن فاطمة بنت الرسول - ما كان لها أن تسرق لكن الرسول -- بقوله إنما يرسخ في أذهان المسلمين أن حدود الله لا تجب فيها الشفاعة أبداً مهما بلغ شرف المعتدي لأنها من حقوق الله وأن فاطمة ابنته وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وقائد الدولة هي والمرأة المخزومية المتهمة بالسرقة سواسية أمام حكم الشريعة، فمن تلبس بالجرم طبق في حقه الحد كائناً من كان (3). وهناك أحاديث كثيرة تنهى بشدة عن الشفاعة في الحدود أو التمييز بي
المسلمين في تطبيق الحدود في سائر العقوبات
والمساواة في عقوبات الحدود واضحة لأن الشريعة عينت العقوبة وحددتها، ولا يجوز للقاضي أو الحاكم الشرعي استبدالها بغيرها فإذا اكتملت شروط التجريم أعتد بها شرعاً وجب تطبيق العقوبة المقررة للجريمة دون زيادة أو نقصان، ودون الأخذ بالحسبان أوضاع الجاني الشخصية، ومرتبته الاجتماعية ومدى تجاوبه مع العقوبة. فالحدود تخضع لمبدأ المساواة المطلقة في إقامتها (1). أما في جرائم القصاص فالمماثلة والمساواة واضحة بين العقوبة والجريمة، يقول تعالى : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصِ) (2) وإذا كان المسلمون متساوين أمام الشريعة فهم متساوون أمام القضاء، من جهة خضوعهم لولايته، والإجراءات المتبعة في إقامة الدعوى، وأصول المرافعة، وقواعد الإثبات وتطبيق النصوص وتنفيذ الأحكام، ووجوب تحري العدالة بين الخصوم فلا فرق بين فرد و فرد، بل حتى الأعداء يظفرون بعدالة القضاء والمساواة أمامه، قال تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (3) ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(4). بل إن المساواة التي أعلنها الإسلام في عالم القضاء وطبقتها رجاله الصلحاء، لا يوجد لها نظير في سائر الأنظمة الأخرى .. يقول رسول الله ﷺ: " من ابتلي بالقضاء
بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظته وإشارته ومقعده ومجلسه (1) ويقول الماوردي الشافعي: يتميز مجلس الحكام عن مجالس غيره في أن الحاكم يساوي بين الخصمين في مقعدهما والنظر إليهما، وكلامه معهما، ولا يخص أحدهما بترتيب، ولا نظر ولا كلام
بل طالب العلماء بالتسوية بين الخصمين، ليس فقط في السلام والكلام والإذن بالدخول في المجلس والتكريم، بل " يستحب للقاضي أن يساوي بينهما حتى في الميل القلبي (3)، وهذا أقصى درجات المساواة أمام القضاء. كما جرت السنة الإسلامية على محاكمة الخلفاء والولاة، وتقديمهم إلى ساحة القضاء فيما إذا كان لهم خصم، وإذا كانت لهم دعوى على أحد فإنهم يرفعون أمرهم إلى القاضي ليحكم بينهم. فهذا الإمام علي رضي الله عنه في أيام خلافته، فَقَد درعاً له فوجده عند يهودي فادعى ملكيته، فرفع الإمام علي رضي الله عنه أمره إلى القاضي فحكم لصالح اليهودي فما تأثر الإمام علي وانصاع للقضاء
وخلاصة القول فإن مبدأ المساواة من أهم المبادئ الإسلامية المستفادة من نصوص الشريعة العامة المقررة للمساواة بين الناس، وقد قررت الشريعة الإسلامية هذا المبدأ أمام النصوص الجنائية تطبيقاً كاملاً. ولم تقر أيا من الاستثناءات الموجودة في القوانين الوضعية
رابعا: شخصية العقوبة 59
وهذا المبدأ الذي تنبته القوانين الوضعية نتيجة لمبدأي المسؤولية الأخلاقية والحرية الفردية وهو كذلك من المبادئ العامة الأساسية في الشريعة وليس فقط في عقوبات الحدود والقصاص، يقول تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (2)، ويقول أيضاً: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى
وقال تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) (4) وهذا إخبار من الله تعالى على أن المسيء يتحمل نتيجة إساءته والله مجازيه بذنبه، ولا يعذب غيره. فأفادت النصوص القرآنية السابقة أن العقوبة تثبت على مستحقها، ولا تتعدى إلى غيره. وفي آية أخرى يقول جل شأنه: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (5) ، أي لا يحمل أحد ذنب غيره، ولا يجازي بذنب غيره
وفي الحديث عنه - : " لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه (6)، وفيه إشارة الشريعة الانتقام التي كانت سائدة في العصر الجاهلي حيث المنتقم فرداً كان أم (قبيلة) يسرف في القتل ويطلب في سبيل ذلك غير القاتل بالقاتل والعدد بالواحد والرجل بالمرأة، والحر بالعبد، بل كان العرب في الجاهلية كثيراً ما يأخذون الإنسان بالبهيمة
وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله - يقول في حجة الوداع: " لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده (1). وعن طارق المحاربي قال: أن رجلا قال: يا رسول الله، هؤلاء بنو ثَعْلَبَةَ الذين قتلوا فلانًا في الجاهلية، فخُذ لنا بثأرنا فرفع يديه حتى رأيتُ بياض إبطيه وهو يقول: لا تجني ام على ولد مرتين
ومبدأ شخصية المسؤولية الجنائية تعد من القواعد المطلقة في الشريعة الإسلامية وقد طبق تطبيقاً دقيقاً، فلا يسأل الشخص عن فعل غيره مهما كنت صلة قرابته أو صداقته به (3)، ولم يعرف هذا المبدأ إلا استثناء واحداً وهو تحميل العاقلة الدية (4)، مع الجاني في القتل شبه العمد والخطأ، بل من الفقهاء من عده تطبيقاً للمبدأ وليس استثناء منه
فإذا ثبتت الجريمة بالإقرار أو بالبيئة أو بالوسائل الأخرى المعتد بها، وجب عليه إعلان العقوبة المقررة وتنفيذها، وإذا تخلف ركن أو شرط من شروط التجريم الشرعية أو ظهرت له شبهة ما هنا فقط تكون لدى القاضي سلطة أوسع في اختيار عقوبات تعزيرية بديلة، يراعي فيها الردع والزجر. ع والزجر، والتأهيل والإصلاح، بالإضافة - طبعاً - إلى تحقيق العدالة ورد المظالم وإحقاق الحق
خامسا: العقوبة جزاء على فعل يعده المشروع جريمة 62
وهذا يعني أن العقوبة جزاء رادع لما يرتكبه الجاني من جرم وبذلك فإن العقوبة يراعى فيها جسامة الجرم الذي أرتكبه المجرم إعمالاً لمبدأ العدالة والعقوبة توقع على الجميع بلا تفرقة وهذا أيضاً مظهر من مظاهر المساواة
سادسا: مبدأ تفريد العقوبة 62
ومقتضى هذا المبدأ أن العقوبة لها حدود دنيا وحدود قصوى وهذا المبدأ أيضاً ثمرة من ثمرات مبدأ العدالة فكل مجرم ينال الجزاء المناسب حسب جسامة الجرم الذي ارتكبه. ويراعى المشرع في فرض العقوبة مصلحة المجتمع ويفرض تدابير معينة وهذا المبدأ له أثره الفعال في إصلاح المجرم وحماية المجتمع وحماية المجرم ذاته في الوقت نفسة
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
Au cours de notre vie, nous pouvons être confrontés à des millions de composés chimiques. Au cours d...
سيرت اللجنة الإ...سيرت اللجنة الإشرافية للدعم والإسناد المجتمعي للجبهات، اليوم الأحد، قوافل غذائية وطبية إلى جبهات الق...
Chapter 1 Intro...Chapter 1 Introduction 1.1 Overview The relationship between serum uric acid (SUA) levels and...
يشير مصطلح الإد...يشير مصطلح الإدارة الاستراتيجية إلى العملية المستمرة التي تقوم من خلالها الشركات بوضع الاستراتيجيات ...
المقدمة لزم الع...المقدمة لزم العديد من الدول المتقدمة المشروعات الصناعية بمراقبة ما تُحدثه من تلوث بيئي، وتضع حدودًا ...
2. According to...2. According to the hosts, why does waiting longer than 3 to 5 seconds during a conversation make it...
AIVIA Studio is...AIVIA Studio is a feasible business project with good potential in the Omani market. It has a clear ...
لما كانت العلام...لما كانت العلامات اللغوية وحدات ائتلافية منظمة، فذلك يعني أن المتكلمين بإمكانهم أن يجزئوا تلك العلام...
This type is pr...This type is provited with 3phase double Layer distributed windings consisting of Coils as used in a...
زَرَعَ زياد قُر...زَرَعَ زياد قُرْبَ مَنْزِلِهِ شَجَرَةَ زَيْتون. وَيَتَناوَلُ زادَهُ مِنْ خُبْزٍ طازَجٍ وَزَيْتٍ وَزَ...
Family Values a...Family Values and Society Saudi Arabia has many assets.Saudi Arabia provides families with support f...
The instrument ...The instrument demonstrates strong content correspondence with the diagnostic criteria from which it...