Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (58%)

إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً فَيَدْخُلَ فِيهِ النِّسَاءُ دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ ١). = وقفًا على البنينَ والبناتِ؛ لأنَّ المُوقفَ أَخرجَه عن ملكِه إلى ملكِ هؤلاءِ، لأنَّه عملٌ ليسَ عليهِ أمرُ اللهِ ورسولِه فِ، بل هوَ مُخالفٌ لأمرِ اللهِ ورسولِه وَلِهِ فإنَّه يَجوزُ ولا يَجبُ أن يَعدلَ بينَهم وهذا بالإجماعِ("، فإذا قالَ: هذا وقفٌ على بَني عبدِ اللهِ. فيُفرِّقُ النَّاسُ بينَ البنينَ والبناتِ، فإذا قالَ: هذا وقفٌ على بَني عبدِ اللهِ. فإنَّه يَكونُ للذُّكورِ دونَ الإناثِ، ويُعطَى الوقفُ بَني عبدِ اللهِ دونَ بناتِ عبدِ اللهِ. ١] قوله رَجَمَة لَهُ: ((إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً فَيَدْخُلَ فِيهِ النِّسَاءُ دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ) مثل بَني تميمٍ، فإذا قالَ: هذا وقفٌ على بَني تميمِ. ودليلُ ذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ( يَبَنِي ءَادَمَ لَا يَفْيِنَتَّكُمُ الشَّيْطَنُ ) [الأعراف: ٢٧]، وليسَ يُخاطبُ الذُّكورَ فقَطْ، وقولُ النَّبيِّ وَلفِهِ ( يَا بَنِي عَبْدِ وَالقَرَابَةُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَوْمُهُ ١) يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنَّثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ فإذا وقفَ شخصٌ على بَني تَمَيمٍ فهوَ لذُكورِهم وإنائِهم، ولكِنْ هل يَدخلُ أولادُ الإناثِ؟ يُنظرُ إن كانَ أولادُ الإناثِ مِن بَني تميمِ دخَلوا أصلا؛ وإن كانَ أولادُ البَناتِ التَّميميَّاتِ ليسَ آباؤُهم مِن بَني تَمَيم، فلا يُعطَوْن منَ الوَقفِ على بَني تميمٍ. ما الَّذي يَدخلُ في مَدلولِها؟ يَقولُ المؤلِّفُ: 2. («يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ»، فيَشملُ الذَّكرَ والأُنثَى مِنَ الفُروعِ إلى يومِ القيامةِ، ومنَ الأصولِ إلى الأبِ الثَّالثِ فقَطْ، فيَشملُ فروعَه وفروعَ أبيهِ وفروعَ جدِّه وفروعَ جدٍ أبيهِ، وعلى هذا: فإذا لم يَبقَ مِن هؤلاءِ أربعةِ البُطونِ إلَّا واحدٌ، والدَّليلُ على أنَّ القرابةَ تَختصُّ بهؤلاءِ أنَّ الَّبَّ وَلِلِوُ مُعْطِ مِن خُمسِ الغَنيمةِ إِلَّا مَن كانَ مِن بَني هاشمٍ وبَني المطَّلبِ )، وهاشمٌ بالنِّسبةِ للرَّسولِ وَالِ هوَ الأبُ الثَّالثُ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ القَرابةَ تَختصُّ بهؤلاءٍ، لأنَّ أولادَه أشدُّ لصوقًا بهِ مِن آبائِه، كما قالَ النَّبيُّ لِ في فاطمةَ رَمِمَ لِلَهُ عَنْهَا: ((إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»(١). وقالَ بعضُ أهلِ العِلمِ: إنَّ القَرابةَ تَشملُ كلَّ مَنِ اجتمعَ بهِ في جدِّه الَّذي يَنتمي إليهِ، فَأَوَّلُ جَدٍّ يَنتمي إليهِ هذا الشّعبُ مِنَ القبيلةِ فإنَّ ذُرّيَّتَه همُ القَرابةُ، وعلى هذا فلا يَتقيَّدُ بالأبِ الثَّالثِ، وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: القَرابةُ ليسَ لَها حدُّ مَحدودٌ، فما تَعارفَ النَّاسُ عليهِ أنَّه قريبٌ فهوَ قريبٌ ولا نُحدِدُه بحدِّ. لكِنَّ القولَ الأوَّلَ هوَ أقربُ الأقوالِ: إنَّهم مَن كانوا مِن ذرِّيَّةِ أبيهِ الثَّالثِ. ويَليهِ قولُ مَن قالَ: إنَّهم مَن يَجتمِعون بهِ في أوَّلِ جدٍّ يَنتسِبون إليهِ. أمَّا القولُ الأخيرُ فهوَ ضعيفٌ. وفُهِمَ مِن قولِنا: إنَّه يَشملُ هؤلاءِ. أنَّه لا يَشملُ الأقاربَ مِن جهةِ أمِّه، فلا يَدخلُ في ذلكَ أبو أُمّه، اَ ف وم معطِ أَخواله مِن بَني زُهْرَةَ، فلَمْ يُدخِلْهم في قوله: (وَلِذِي ٱلْقُرْبَى). وقالَ بعضُ أهلِ العِلمِ: إذا كانَ مِن عادتِه أنَّه يَصلُ قرابةَ أمِّه دخَلوا في لفظِ القرابةِ؛ لأنَّ كونَه قدِ اعتادَ أن يَصِلَهم يَدلُّ على أنَّه أَرادَ أن يَنتِفِعوا بهذا الوقفِ، وهذا والعَجيبُ أنَّ بعضَ العُلماءِ قالَ بعكسِه، قالَ: إذا كانَ مِن عادتِه أنَّه يَصلُ أَقاربَ أمّه فإنَّهم لا يَدخُلون؛ لأنَّ تَخصيصَهم بصلةٍ خارجَ الوقفِ يَدلُّ على أنَّه لا يُريدُ أن يَنتِفِعوا مِن هذا الوقفِ بشَيء، لكِنَّ القولَ الَّذي قبلَه أَقربُ إلى الصَّوابِ: إنَّه إذا كانَ مِن عادتِه أنَّه يَصلُ أقاربَ أُمِّه دخَلوا في الوقفِ الَّذي قالَ: إنَّه على أَقاربِه. لأنَّ أهلَ بيتِه مِثلُ القَرابةِ تمامًا، والصَّحيحُ أنَّ زوجاتِه إذا لم يُطلَّقْهنَّ يَدخُلْن في أهلِ بيتِه، إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيرًا ) [الأحزاب: ٣٣]، وَأَنَّا خَيْرُكُمْ لِأَهْلي»(٢)، لأنَّ هذا هوَ عُرفُ النَّاسِ، لا يَقولُ النَّاسُ: إنَّهما أهلُ بيتِك. فأهلُ البيتِ عُرفَا همُ الَّذينَ يَعولُهم مِنَ الزَّوجاتِ والبَنينَ والبَناتِ، ولا يَدخُلْن في القرابةِ. وقوله: ((وَقَوْمُهُ)» جعَلَها المؤلِّفُ كلفظِ القَرابةِ وأهلِ البيتِ، لأنَّ القومَ في عُرفِ النَّاسِ وفي اللُّغةِ -أيضًا- أوسعُ مِنَ القَرابةِ، فالفَخذُ منَ القَبيلةِ قرابةٌ، وجدٍ أبيهِ. فإنَّ القومَ بلا شكٍّ أوسعُ؛ وهُم ليسوا مِن قراباتِهم، فإذا كانَ للقومِ معنّى مطَّرِدٌ عرفًا لا يَنصرفُ الإطلاقُ إلَّا إليهِ وجبَ أن يُتَّبِعَ؛ لأنَّ القولَ الرَّاجحَ في أقوالِ الواقِفينَ والبائِعينَ والرَّاهنينَ وغيرِهم: إنَّ المرجعَ في ذلكَ إلى العُرفِ. وقوله: («يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنَثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدٍّ أَبِيهِ)»، يَعني: مِن أولادِه، وأولادِ أبيهِ الَّذينَ هم إخوانُه، وأولادِ جدِّه الَّذينَ هُم أَعمامُه، لكِنْ يُقدَّمُ بعضُهم على بعضٍ، فكلُّ مَن كانَ أقربَ فهوَ بالوقفِ أحقُّ، فإذا قُدِّرَ أنَّ أهلَ بيتِه خسُمائةٍ والوقفُ خمسُهائةِ درهمِ فهُنا لا يُمكنُ أن نُعطيَ الجميعَ؛ لأنَّ إعطاءَ كلِّ واحدٍ درهمًا لا يُفيدُ شيئًا، بل هُنا يَنبغي أن نَنظرَ إلى الأقربِ فالأقربِ، أو إلى الأحوج فالأحوج. أمَّا تَرتيبُهم فهذا يَرجِعُ إلى النَّاظرِ على الوقفِ. وَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي إِرَادَةَ الإِنَاثِ أَوْ حِرْمَا نَهُنَّ عُمِلَ بِهَاا١). وَإِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسَاوِي ٣)، ١] قوله رَجَمَهُ اللَّهُ: ((وَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي إِرَادَةَ الإِنَاثِ أَوْ حِرْمَانَهُنَّ عُمِلَ بِهَا»، يَعني: إذا وُجِدَت قرينةٌ تَقتَضي إرادةَ الإناثِ فيما يَدلُّ اللَّفظُ على إخراجِهنَّ، أَو حِرمانِهنَّ فيما يَدلُّ اللَّفظُ على دخولِهنَّ فإنَّه يُعملُ بها؛ وذلكَ لأنَّ الألفاظَ تَتحدَّدُ معانيها بحسبِ السِّياقِ والقرائنِ؛ وإن كانَ اللَّفظُ لا يَقتَضي دُخولَهنَّ، وإن كانَ اللَّفظُ يَشمَلهنَّ. فهُنا تَصريحٌ، فيَدخُلنَ وإذا قالَ: هذا وقفٌ على أَوْلادي الَّذينَ يُجاهدونَ في سبيلِ اللهِ. لأنَّ الجهادَ يَختصُّ بالرِّجالِ، فالمهمُّ أَنَّنا نَعملُ بالقرائنِ في شمولِ اللَّفظِ للإناثِ أو عدمِه. ٢] قوله: (وَإِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسَاوِي)»، والتَّساوِي. ويُعطَى كلُّ واحدٍ، لأنَّه يُمكنُ حصرُهم، وَإِلَّا جَازَ التَّفْضِيلُ وَالاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمْ )). فَصْلٌ وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمُ لا يَجُوزُ فَسْخُهُ٢)، فإن كانَ لا يُمكنُ حصرُهم فلهُ أن يُفضِّلَ بعضَهم على بعضٍ، ولهُ أن يُعطيَ بعضًا ويَحرمَ بعضًا؛ وذلكَ لأنَّه جرَتِ العادةُ أنَّ مَن لا يُمكنُ حصرُه لا تُمكنُ الإحاطةُ بهِ، وإذا وقفَ على ثلاثينَ فيُمكنُ حصرُهم، ويجبُ أن يُعمَّموا، فإن كثُرَ هؤلاءِ وصاروا قبيلةً لا يُمكنُ حصرُهم، وأن يُفضَّلَ بعضُهم على بعضٍ، لو قالَ: على بني فلانٍ. لأنَّ الحُكمَ يَدورُ معَ علَّتِه وجودًا وعدمًا. فهَلْ يَجبُ علَيْنا أن نُعمِّمَ الزَّكاةَ على الفُقراءِ جميعًا؟ وقَدْ قالَ النَّبُّ لِلَهِ لقَبِيصةَ رَمِلِلَهَنُ (أَقِمْ عِنْدَنَا حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ أو نُعطيَهم مُتفاضِلًا؛ ٢] قوله رَجَهَهُ اللَّهُ: ((وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ لا يَجُوزُ فَسْخُهُ» يَعني: ثابتًا لا يُمكنُ تَغييرُه، = ولا يَجوزُ فسخُه؛ أو وقَفْت كِتابي. فإنَّه يَلزمُ، فالوَصيَّةُ ليسَت عقدًا لازمًا في الحالِ، بل لا تكونُ إلَّا بعدَ الموتِ. ولا يُمكنُ فسخُه، فيَجعلونَه وَصيَّةً مِن وجهٍ ووَقْفًا مِن وجهِ"، وهذا غيرُ صحيحٍ، فإمَّا أن نَقولَ: إنَّه يَلزمُ في الحالِ. وإذا قُلْنا بأنَّه يَلزمُ في الحالِ لزمَ، وحينَتذٍ يَكونُ مِنَ الثُّلثِ فأقلَّ، وهذا هوَ الصَّحيحُ؛ لأنَّ الرَّجلَ علَّقَ الوَقفَ بشرطٍ وهوَ الموتُ، فلا يُمكنُ أن يُنفَّذَ قبلَ وجودِ الشَّرطِ، مِثالُ ذلكَ: قالَ رجلٌ: إذا مِتُّ فبَيْتِي وقفٌ. ولا يُمكنُ أن يَبيعَ شيئًا مِن هذا؛ لكِنْ إذا ماتَ فإن أَجازَ الورثةُ الوقفَ نفذَ، وإن لم يُجيزوهُ لم يُنفَّذْ مِنه إلَّا مقدارُ ثلثِ التَّركةِ. والصَّوابُ: أنَّه لا يُنفَّذُ إلَّا بعدَ الموتِ، وأنَّه ما دامَ حيًّا فلهُ التَّغييرُ والتَّبديلُ والإلغاءُ، فإذا ماتَ فإن أَجازَه الورَثةُ نفذَ، وإن لم يُجيزوهُ نفذَ مِنه قدرُ ثلثِ التَّركةِ فقَطْ. وقوله: ((وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ لا يَجُوزُ فَسْخُهُ»، لكِنْ إذا لم يُحجَرْ عليهِ وأَوقفَ، وكانَ عليهِ دَينٌ يَستغرقُ الوقفَ، فظاهرُ كلامِ المؤلَّفِ: أنَّ الوقفَ لازمٌ. لأنَّ قضاءَ الدَّينِ واجبٌ والوقفَ تَطوُّعُ، فهَلْ يَنفسخُ الوقفُ، أو نَقولُ: إنَّه لا يَنفسخُ؛ وقالَ شيخُ الإسلامِ رَجمَهُ اللَّهُ: لهُ أن يَبيعَه في دَينِه؛ لأنَّ هذا ليسَ أشدَّ مِنَ المدبَّرِ، وقد باعَه النَّبُّ وَلِلمِ في الدَّينِ وَلَا يُبَاعُ (١)، إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنافِعُهُ٢)، 1. قوله رَحَمَهُ اللَّهُ: ((وَلَا يُبَاعُ)) يَعني: لا يُباعُ الوَقفُ؛ لأنَّ بيعَه يَقتَضي إبطالَ الوقفِ، لأنَّ أُجرتَه منَ المنفعةِ الَّتي سُبَلَت، وإذا قُلنا: لا يُباعُ. وهذا يَلزمُ مِنه إبطالُ الوقفِ، لأنَّه لو صحَ فلا فائِدةَ مِنه، إِذَنْ لا يَجوزُ بيعُه، ولا عقدٌ يُرادُ به بيعُه. كرجُلٍ أَوقفَ دارَه على أولادِه فانهدَمَتِ الدَّارُ، فيَجوزُ أن تُباعَ. وقوله: ((وَلَا يُبَاعُ إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ)) ظاهرُه أَنَّه لا يُباعُ بأيّ حالٍ منَ الأحوالِ إلَّا في هذهِ الصُّورةِ؛ فعلى هذا لا يُباعُ بأيّ حالٍ منَ الأَحوالِ إلَّا في هذهِ الحالِ، فيَبقَى على ما هوَ عليهِ حتَّى تَتعطَّل، ولا يَكونَ فيه فائدةٌ. واختارَ شيخُ الإسلامِ رَجَمَه اللَّهُ جوازَ بيعِه للمصلحةِ بحيثُ يُنقلُ إلى ما هوَ أفضلُ (1)، واستَدلَّ لهذا بقصَّةِ الرَّجلِ الَّذي نذرَ إِنْ فتَحَ اللهُ على رَسولِه وَلِ مكَّةَ أن

  • يُصلِّيَ في بيتِ المقدسِ، فأَعادَ عليهِ مرَّتينِ أو ثلاثًا فقالَ: (( فَشَأْنَكَ إِذَنْ))()). فهُنا أَباحَ لهُ النَّبيُّ وَلِيفِ أن يَتحوَّلَ عنِ النَّذرِ منَ المفضولِ إلى الأفضلِ، ومَعلومٌ أنَّ نذرَ الطَّاعةِ واجبٌ، وما اختارَه شيخُ الإسلامِ رَجَمَهُ ٱلَّهُ هوَ الصَّوابُ. لكِنْ في هذهِ الحالِ يَجبُ أن يُمنعَ مِن بيعِه أو إبدالِه إلَّا بإذنِ الحاكمِ؛ لأَنَّه قد يَتعجَّلُ الموقوفَ عليهِ، ويَقولُ: أبيعُه لأَنقلَه إلى ما هوَ أفضلُ، ويَكونُ الأمرُ على خلافِ ظنِّه، لثلًا يَتلاعَبَ النَّاسُ بالأوقافِ. مِثالُ ذلكَ: إنسانٌ أَوقفَ عمارةً على طلَبةِ العِلمِ في مكانٍ كانَ مِن أحسنِ الأمكِنةِ حينَ الإيقافِ، فهَلْ يَجوزُ أن يَبيعَ هذهِ العمارةَ؛ لأنَّ مَنافعَها لم تَتعطَّلْ، وأمَّا على القولِ الرَّاجحِ فيَجوزُ، ولكِنْ لا بُدَّ مِن مراجعةِ الحاكمِ؛ لئلَّا يَتلاعبَ النَّاسُ بالأوقافِ. لكِنْ على ما سبَقَ أنَّه يُباعُ إذا كانَ فيهِ حاجةٌ أو مصلحةٌ. وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ )، وَلَوْ أَنَّهُ مَسْجِدٌ ٢ وَالتُه ٣) وإذا بِيعَ فماذا نَفعلُ بثَمِنِه؟
  1. قال رَحَمَهُ اللَّهُ: ((وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) فإذا كانَ هذا وقفًا على الفقراءِ، لتَعطُّلِ مَنافعِه فنَصرفُ دراهِمَه إلى الفقراءِ، وأصلُ الوقفِ لا يُنقلُ ملكُه لا ببَيعٍ ولا بغيرِه. 2. قوله: (وَلَوْ أَنَّهُ مَسْجِدٌ)) يَعني: ولو كانَ الَّذي تَعطَّلَت مَنافعُه مسجدًا، كأَنْ يَكونَ المسجدُ في حيِّ ارتحلَ أهلُه عنه، لأنَّه صارَ ملكَه، والمهمُّ أنَّه زالَ عنهُ وصفُ المسجدِ، فيَجوزُ بيعُه والصَّدقةُ بِه وهِبتُه وغيرُ ذلكَ، وقوله: ((وَلَوْ أَنَّهُ مَسْجِدٌ» إشارةٌ إلى خلافٍ، لأنَّه وقفٌ لمصلحةِ المسلِمينَ، وما كانَ لمصلحةِ المسلِمينَ فإنَّ الفردَ لا يَتصرَّفُ فيهِ، ولكِنَّ هذا ليسَ بصَحيحٍ؛ ٣] قوله: ((وَالَتُهُ» أي: آلهُ المسجدِ، والمرادُ بناؤُه، أمَّا الآنَ فلا أَظنُّه يُمكنُ استِرجاعُ الآلةِ، اللَّهُمَّ إلَّا إن كانت أسياخَ الحديدِ فيُمكنُ، أمَّا الإِسمَنْتُ فلا، وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ جَازَ صَرْفُهُ إِلى مَسْجِدٍ آخَرَ ١) وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءٍ المُسْلِمِينَ (١٢. فهَلْ لَنا أن نَبيعَ الآلةَ ونَشتريَ آلةً جديدةً قويَّةً؟ الجوابُ: نعَمْ، وتكونُ الآلةُ الثَّانيةُ بدلًا عنِ الأُولى، وحينَئذٍ لا يَضيعُ حقُّ الواقفِ. ١] قوله رَحَمَهُ اللَّهُ: ((وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ جَازَ صَرْفُهُ إِلى مَسْجِدٍ آخَرَ))، فإنَّه يَجوزُ أن يُصرفَ إلى مسجدٍ آخرَ؛ لأنَّ هذا أقربُ إلى مَقصودِ الواقفِ، فإذا قدَّرْنا أنَّ هذا المسجدَ لَمَا هُدمَ حيثُ تَعطَّلَت مَنافعُه وأُعيدَ بناؤُه بقِيَ مِن آلتِه شيءٌ فإنَّنا نَصرفُه إلى مسجدٍ آخرَ، فإن لم يُمكِنْ صُرِفَ إلى جهةٍ عامَّةٍ يَنتفعُ فيها المسلمونَ عمومًا، ٢] قوله: ((وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ))، لكِنَّ هذا القولَ ضعيفٌ جدًّا، لأنَّ المساجدَ نفعُها مُستمرُّ والصَّدقةَ نفعُها مؤقَّتٌ؛ لأنَّ نفعَها مَقطوعٌ، يَنتفعُ بها الموجودونَ الحاضِرونَ، فالصَّوابُ أنَّ ما فضَلَ عَن حاجةِ المسجدِ يَجبُ أن يُصرفَ في مَسجدٍ آخرَ، ما لم يَتعذَّرْ أو ما لم يَكُنِ النَّاسُ في مجاعةٍ فهُمْ أَوْلى؛ لأنَّ حُرمةَ الآدَميِّ أشدُّ مِن حُرمةِ المسجدِ ولا شكَّ. حتَّى لو فُرِضَ أنَّ المسجدَ مَسجدٌ جامعٌ فيَجبُ أن يُصرفَ في مَسجدٍ جامعٍ إن تَيسَّرَ، لأنَّ المسجدَ الجامعَ أكثرُ أجرًا وثوابًا؛ حيثُ إنَّه تُصلَّى فيهِ الجُمعةُ، ثُمَّ إنَّه في صلاةِ الجُمعةِ يَكونُ أكثرَ عددًا منَ المساجدِ الأخرى. والخلاصةُ: أنَّه متَى جازَ بيعُ الوقفِ فإنَّه يَجبُ أن يُصرفَ إلى أقرب مَقصودٍ الواقفِ، بحيثُ يُساوِي الوقفَ الأوَّلَ أو يُقاربُه حسبَ الإمكانِ. مَسألةٌ: لو أنَّ النَّاسَ -مثلا- اختاروا أن يُحوِّلوا المسجدَ المَبنيَّ مِن لبِنِ الطِينِ إلى مسجدٍ مسلَّحِ فهَلْ لهُم أن يَنقُضوا الأوَّلَ أو لا؟ هذا يَنبَني على ما ذكَرْناء لأنَّ منافعَ مسجدِ الطِّينِ لم تَتعطَّلْ، فعَلى رأيٍ شيخ الإسلامِ رَحَمَهُ اللَّهُ لا بأسَ()، لأنَّه لا يُمكنُ أن نُبطلَ أجرَ الموقفِ الأوَّلِ معَ إمكانِ استِمرارِ أجرِه، فيَكونُ للبانِي الأوَّلِ في مدَّةٍ يُقدَّرُ فيها بقاءُ المسجدِ الأوَّلِ، أمَّا ما زادَ علَيْها فأجرُها لصاحبِ المسجدِ الثَّاني، مثلًا: وقفَ على زيدِ ثُمَّ عمرو، وماتَ زيدٌ وماتَ عمرُو،


Original text

إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً فَيَدْخُلَ فِيهِ النِّسَاءُ دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ ١).
= وقفًا على البنينَ والبناتِ؛ لأنَّ المُوقفَ أَخرجَه عن ملكِه إلى ملكِ هؤلاءِ، ولكِنَّ الاحتِمالَ الأوَّلَ أقربُ، وهوَ إبطالُ الوقفِ؛ لأنَّه عملٌ ليسَ عليهِ أمرُ اللهِ ورسولِه فِ، بل هوَ مُخالفٌ لأمرِ اللهِ ورسولِه وَلِهِ
وقوله: («أَوْ بَنِي فُلَانٍ»، أي: دونَ بناتِه، فإنَّه يَجوزُ ولا يَجبُ أن يَعدلَ بينَهم وهذا بالإجماعِ("، فإذا قالَ: هذا وقفٌ على بَني عبدِ اللهِ. فيَختصُّ بالذُّكورِ؛ لأنَّه يُقالُ: عبدُ اللهِ الهُبنونَ وبناتٌ. فيُفرِّقُ النَّاسُ بينَ البنينَ والبناتِ، فإذا قالَ: هذا وقفٌ على بَني عبدِ اللهِ.
وهوَ شخص، فإنَّه يَكونُ للذُّكورِ دونَ الإناثِ، وهذا مدلولُ اللَّفظِ، ويُنفَّذُ؛ لأنَّ العَطيَّةَ الآنَ ليسَتْ لأولادِه، بَلْ لأولادِ غيرِه فيُنفَّذُ، ويُعطَى الوقفُ بَني عبدِ اللهِ دونَ بناتِ عبدِ اللهِ.
[١] قوله رَجَمَة لَهُ: ((إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً فَيَدْخُلَ فِيهِ النِّسَاءُ دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ) مثل بَني تميمٍ، فإذا قالَ: هذا وقفٌ على بَني تميمِ. دخلَ فيهِ الذُّكورُ والإناثُ، ودليلُ ذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ( يَبَنِي ءَادَمَ لَا يَفْيِنَتَّكُمُ الشَّيْطَنُ ) [الأعراف: ٢٧]، فقولُه:
( يَبَنِى ءَادَمَ) يُخاطبُ الذُّكورَ والإناثَ، وليسَ يُخاطبُ الذُّكورَ فقَطْ، وقولُه تَعالى:
(يَبَنِي إسْرَءِيلَ ) [البقرة: ٤٠] يَشملُ الذُّكورَ والإناثَ، وقولُ النَّبيِّ وَلفِهِ ( يَا بَنِي عَبْدِ
مَنَافٍ)»(٢)، يَشملُ الذُّكورَ والإناثَ.


وَالقَرَابَةُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَوْمُهُ ١) يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنَّثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ
وَجَدِّهِ وَجَدٍّ أَبِيهِ ٢).


فإذا وقفَ شخصٌ على بَني تَمَيمٍ فهوَ لذُكورِهم وإنائِهم، ولكِنْ هل يَدخلُ أولادُ الإناثِ؟ يُنظرُ إن كانَ أولادُ الإناثِ مِن بَني تميمِ دخَلوا أصلا؛ لأنَّهم مِن بَني تَميمِ، وإن كانَ أولادُ البَناتِ التَّميميَّاتِ ليسَ آباؤُهم مِن بَني تَمَيم، فإنَّهم لا يَدخُلون؛ ولهذا قالَ: ((دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ))، أي: مِن غيرِ أبناءِ القَبيلةِ، فلا يُعطَوْن منَ الوَقفِ على بَني تميمٍ.



  1. قوله رَجَمَهُ ٱللَّهُ: ((وَالقَرَابَةُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَوْمُهُ)»، هذه ثلاثةُ أَلفاظِ، ما الَّذي يَدخلُ في مَدلولِها؟ يَقولُ المؤلِّفُ:

  2. («يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ»، فإذا قالَ:
    هذا وقفٌ على قَرابتي. دخلَ فيهِ هؤلاءِ الأربعةُ: أولادُه، وأولادُ أبيهِ، وأولادُ جدِّه، وأولادُ جدِّ أبيهِ، فيَشملُ الذَّكرَ والأُنثَى مِنَ الفُروعِ إلى يومِ القيامةِ، ومنَ الأصولِ إلى الأبِ الثَّالثِ فقَطْ، فيَشملُ فروعَه وفروعَ أبيهِ وفروعَ جدِّه وفروعَ جدٍ أبيهِ، ولكِنْ هَلْ يَستحقُّ الجميعُ أو لا يَستحقُّ؟ نَذكُرُه إن شاءَ اللهُ.
    وعلى هذا: فإذا لم يَبقَ مِن هؤلاءِ أربعةِ البُطونِ إلَّا واحدٌ، استَحقَّ الوقفَ كلَّه، والدَّليلُ على أنَّ القرابةَ تَختصُّ بهؤلاءِ أنَّ الَّبَّ وَلِلِوُ مُعْطِ مِن خُمسِ الغَنيمةِ إِلَّا مَن
    كانَ مِن بَني هاشمٍ وبَني المطَّلبِ )، وهاشمٌ بالنِّسبةِ للرَّسولِ وَالِ هوَ الأبُ الثَّالثُ، والله عزَّوَجَلَّ يَقولُ: (وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ) [الأنفال:٤١]، فدلَّ ذلكَ على أنَّ القَرابةَ تَختصُّ بهؤلاءٍ،


= هذا ما ذهَبَ إليهِ المؤلّفُ، وهذا دليلُه
وبعضُ العُلماءِ أَخرجَ الأولادَ منَ القَرابةِ، لكِنَّ الصَّحيحَ أنَّهم لا يَخرُجون؛ لأنَّ أولادَه أشدُّ لصوقًا بهِ مِن آبائِه، إذ إنَّهم بَضعةٌ منهُ، كما قالَ النَّبيُّ لِ في فاطمةَ رَمِمَ لِلَهُ عَنْهَا: ((إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»(١).
وقالَ بعضُ أهلِ العِلمِ: إنَّ القَرابةَ تَشملُ كلَّ مَنِ اجتمعَ بهِ في جدِّه الَّذي يَنتمي إليهِ، ومَعلومٌ أنَّ القبائلَ فيها شُعَب، فَأَوَّلُ جَدٍّ يَنتمي إليهِ هذا الشّعبُ مِنَ القبيلةِ فإنَّ ذُرّيَّتَه همُ القَرابةُ، وعلى هذا فلا يَتقيَّدُ بالأبِ الثَّالثِ، فقَدْ يَكونُ في الرَّابعِ، أوِ الخامسِ.
وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: القَرابةُ ليسَ لَها حدُّ مَحدودٌ، فما تَعارفَ النَّاسُ عليهِ أنَّه قريبٌ فهوَ قريبٌ ولا نُحدِدُه بحدِّ. لكِنَّ القولَ الأوَّلَ هوَ أقربُ الأقوالِ: إنَّهم مَن كانوا مِن ذرِّيَّةِ أبيهِ الثَّالثِ. ويَليهِ قولُ مَن قالَ: إنَّهم مَن يَجتمِعون بهِ في أوَّلِ جدٍّ يَنتسِبون إليهِ. أمَّا القولُ الأخيرُ فهوَ ضعيفٌ.
وفُهِمَ مِن قولِنا: إنَّه يَشملُ هؤلاءِ. أنَّه لا يَشملُ الأقاربَ مِن جهةِ أمِّه، فلا يَدخلُ في ذلكَ أبو أُمّه، ولا أَخو أمّه، ولا عمُّها، ولا جَدُّها، ولا أُمُّها؛ ووجه ذلكَ: أنَّ الرَّسولَ
اَ ف وم معطِ أَخواله مِن بَني زُهْرَةَ، فلَمْ يُدخِلْهم في قوله: (وَلِذِي ٱلْقُرْبَى).
وقالَ بعضُ أهلِ العِلمِ: إذا كانَ مِن عادتِه أنَّه يَصلُ قرابةَ أمِّه دخَلوا في لفظِ القرابةِ؛ لأنَّ كونَه قدِ اعتادَ أن يَصِلَهم يَدلُّ على أنَّه أَرادَ أن يَنتِفِعوا بهذا الوقفِ، وهذا


= قولٌ قويٌّ، والعَجيبُ أنَّ بعضَ العُلماءِ قالَ بعكسِه، قالَ: إذا كانَ مِن عادتِه أنَّه يَصلُ أَقاربَ أمّه فإنَّهم لا يَدخُلون؛ لأنَّ تَخصيصَهم بصلةٍ خارجَ الوقفِ يَدلُّ على أنَّه لا يُريدُ أن يَنتِفِعوا مِن هذا الوقفِ بشَيء، لكِنَّ القولَ الَّذي قبلَه أَقربُ إلى الصَّوابِ: إنَّه إذا كانَ مِن عادتِه أنَّه يَصلُ أقاربَ أُمِّه دخَلوا في الوقفِ الَّذي قالَ: إنَّه على أَقاربِه.
وقوله: ((وَأَهْلُ بَيْتِه)) يَشملُ الذَّكرَ والأُنتَى مِن أَولادِه، وأولادِ أَبيهِ، وأولادٍ جدِّه، وأولادِ جدٍّ أبيهِ.
وهَلْ يَشملُ الزَّوجاتِ؟
المذهبُ أنَّهنَّ لا يَدخُلْنَ (١)؛ لأنَّ أهلَ بيتِه مِثلُ القَرابةِ تمامًا، والصَّحيحُ أنَّ زوجاتِه إذا لم يُطلَّقْهنَّ يَدخُلْن في أهلِ بيتِه، ولا شكَّ في هذا لقولِه تَعالى في نساءِ النَّبِّ لهو
(إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيرًا ) [الأحزاب: ٣٣]، وقالَ النَّبيُّ وَاخي (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَّا خَيْرُكُمْ لِأَهْلي»(٢)، بل لو قيلَ: إنَّ أهلَ بيتِه هُم زوجاتُه ومَن يَعولُهم فقَطْ، لكانَ قولًا قويًّا؛ لأنَّ هذا هوَ عُرفُ النَّاسِ، فالآنَ عمُّك وأَخوكَ إذا انفَرَدا في بيتِ، لا يَقولُ النَّاسُ: إنَّهما أهلُ بيتِك. فأهلُ البيتِ عُرفَا همُ الَّذينَ يَعولُهم مِنَ الزَّوجاتِ والبَنينَ والبَناتِ، لكِنْ مَهما كانَ الأمرُ فإنَّ الزَّوجاتِ بلا شكِّ إذا لم يُطلَّقْهنَّ يَدخُلْن في أهلِ البيتِ، ولا يَدخُلْن في القرابةِ.


وقوله: ((وَقَوْمُهُ)» جعَلَها المؤلِّفُ كلفظِ القَرابةِ وأهلِ البيتِ، لكِنَّ هذا القولَ بعيدٌ منَ الصَّوابِ؛ لأنَّ القومَ في عُرفِ النَّاسِ وفي اللُّغةِ -أيضًا- أوسعُ مِنَ القَرابةِ، اللَّهمَّ الَّا على قولِ مَن يَقولُ: إنَّ القَرابةَ تَشملُ كلَّ مَن يَجتمعُ معَه في الاسمِ الأوَّلِ.
فالفَخذُ منَ القَبيلةِ قرابةٌ، فهُنا ربَّما نَقولُ: إنَّ القومَ والقرابةَ بمَعنَّى واحدٍ، أمَّا إذا قُلْنا:
إنَّ القَرابةَ هُم أولادُه، وأولادُ أبيهِ، وجدِّه، وجدٍ أبيهِ. فإنَّ القومَ بلا شكٍّ أوسعُ؛ ولهذا يُرسلُ اللهُ الرُّسلَ إلى أقوامِهم، وهُم ليسوا مِن قراباتِهم، فإذا كانَ للقومِ معنّى مطَّرِدٌ عرفًا لا يَنصرفُ الإطلاقُ إلَّا إليهِ وجبَ أن يُتَّبِعَ؛ لأنَّ القولَ الرَّاجحَ في أقوالِ الواقِفينَ والبائِعينَ والرَّاهنينَ وغيرِهم: إنَّ المرجعَ في ذلكَ إلى العُرفِ.
وقوله: («يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنَثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدٍّ أَبِيهِ)»، يَتعيَّنُ في قولِه: (جَدِّهِ)) الجدُّ، يَعني: مِن أولادِه، وأولادِ أبيهِ الَّذينَ هم إخوانُه، وأولادِ جدِّه الَّذينَ هُم أَعمامُه، وأولادِ جدِّ أبيهِ الَّذينَ هُم أعمامُ أبيهِ.
ولكِنْ هل هَؤلاءِ كلُّهم يَستَحِقُّون؟
الجوابُ: نعَمْ يَستحقُّون، لكِنْ يُقدَّمُ بعضُهم على بعضٍ، فكلُّ مَن كانَ أقربَ فهوَ بالوقفِ أحقُّ، فإذا قُدِّرَ أنَّ أهلَ بيتِه خسُمائةٍ والوقفُ خمسُهائةِ درهمِ فهُنا لا يُمكنُ أن نُعطيَ الجميعَ؛ لأنَّ إعطاءَ كلِّ واحدٍ درهمًا لا يُفيدُ شيئًا، بل هُنا يَنبغي أن نَنظرَ إلى الأقربِ فالأقربِ، أو إلى الأحوج فالأحوج.
لكِنَّ مرادَ المؤلِّفَ رَجَمَهُاللَّهُ: أنَّ كلَّ هؤلاءِ مِن ذَوي الاستحقاقِ، أمَّا تَرتيبُهم
فهذا يَرجِعُ إلى النَّاظرِ على الوقفِ.


وَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي إِرَادَةَ الإِنَاثِ أَوْ حِرْمَا نَهُنَّ عُمِلَ بِهَاا١).
وَإِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسَاوِي ٣)،.
[١] قوله رَجَمَهُ اللَّهُ: ((وَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي إِرَادَةَ الإِنَاثِ أَوْ حِرْمَانَهُنَّ عُمِلَ بِهَا»، يَعني: إذا وُجِدَت قرينةٌ تَقتَضي إرادةَ الإناثِ فيما يَدلُّ اللَّفظُ على إخراجِهنَّ، أَو حِرمانِهنَّ فيما يَدلُّ اللَّفظُ على دخولِهنَّ فإنَّه يُعملُ بها؛ وذلكَ لأنَّ الألفاظَ تَتحدَّدُ معانيها بحسبِ السِّياقِ والقرائنِ؛ فلذلكَ إذا وُجِدَت قرينةٌ تَدلُّ على أنَّ الإناثَ داخلاتٌ في الوقفِ دَخَلْنَ، وإن كانَ اللَّفظُ لا يَقتَضي دُخولَهنَّ، وإذا وُجِدَت قرينةٌ تَدلُّ على حِرمانِهنَّ فإنَّهنَّ لا يَدخُلنَ، وإن كانَ اللَّفظُ يَشمَلهنَّ.
فإذا قالَ: هذا وقفٌ على أولادي التُّكورِ والإناثِ. فهُنا تَصريحٌ، وليسَ قرينةً بأنَّ الإناثَ داخلاتٌ، فيَدخُلنَ
وإذا قالَ: هذا وقفٌ على أَوْلادي الَّذينَ يُجاهدونَ في سبيلِ اللهِ. فهُنا القرينةُ تَدلُّ على أنَّ المرادَ الذُّكورُ؛ لأنَّ الجهادَ يَختصُّ بالرِّجالِ، فالمهمُّ أَنَّنا نَعملُ بالقرائنِ في شمولِ اللَّفظِ للإناثِ أو عدمِه.
[٢] قوله: (وَإِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسَاوِي)»، إذا وقفَ على جماعةٍ يُمكنُ حصرُهم وجبَ شيئانِ: التَّعميمُ، والتَّساوِي.
مثالُه: إذا وقفَ على أولادِ فلانٍ وهُم عشَرةٌ فهُنا يُمكنُ حصرُهم، فيَجبُ أن يُعمَّموا، ويُعطَى كلُّ واحدٍ، ويَجبُ أن يُساوَى بينَهم: الذُّكورُ والإناثُ سواءٌ، والغَنيُّ والفقيرُ سواءٌ، والضَّعيفُ والقويُّ سواءٌ، والشَّيخُ والصَّغيرُ سواءٌ؛ لأنَّه يُمكنُ حصرُهم، وإن كانَ لا يُمكنُ كبَني تَمَيمٍ مثلا يَقولُ المؤلَّفُ رَجِمَهُ اللَّهُ:
وَإِلَّا جَازَ التَّفْضِيلُ وَالاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمْ )).
فَصْلٌ
وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمُ لا يَجُوزُ فَسْخُهُ٢)،.............
(وإلَّا جَازَ التَّفْضِيلُ وَالاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمْ)، فإن كانَ لا يُمكنُ حصرُهم فلهُ أن يُفضِّلَ بعضَهم على بعضٍ، ولهُ أن يُعطيَ بعضًا ويَحرمَ بعضًا؛ وذلكَ لأنَّه جرَتِ العادةُ أنَّ مَن لا يُمكنُ حصرُه لا تُمكنُ الإحاطةُ بهِ، وإذا لم تُمكِنِ الإحاطةُ بِه لم يَجِبْ أن نُعطيهم، وإذا وقفَ على ثلاثينَ فيُمكنُ حصرُهم، ويجبُ أن يُعمَّموا، فإن كثُرَ هؤلاءِ وصاروا قبيلةً لا يُمكنُ حصرُهم، فلا يَجبُ تَعميمُهم ولا التَّساوِي، بل يَجوزُ الاقتصارُ على واحدٍ مِنهم، وأن يُفضَّلَ بعضُهم على بعضٍ، وبالعكسِ، لو قالَ: على بني فلانٍ. وهُم قبيلةٌ، لكِنَّ هذهِ القبيلةَ انقرَضَت ولم يَبقَ إلَّا عشَرةٌ فإنَّه يَجبُ التَّعميمُ والتَّساوي؛ لأنَّ الحُكمَ يَدورُ معَ علَّتِه وجودًا وعدمًا.
ودليلُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَكِينِ ) [التوبة: ٦٠]،
فهَلْ يَجبُ علَيْنا أن نُعمِّمَ الزَّكاةَ على الفُقراءِ جميعًا؟
الجوابُ: لا، وقَدْ قالَ النَّبُّ لِلَهِ لقَبِيصةَ رَمِلِلَهَنُ (أَقِمْ عِنْدَنَا حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ
فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا»)، فلا يَجبُ أن نُسوِّيَ بينَ عشَرةِ فقراءَ أمامَنا الآنَ في الزَّكاةِ، فيَجوزُ أن نُعطىَ واحدًا ونَحرمَ التِّسعةَ، أو نُعطيَهم مُتفاضِلًا؛ لأنَّ الأصلَ أنَّه لا يَجبُ التَّعميمُ ولا التَّساوِي.
[٢] قوله رَجَهَهُ اللَّهُ: ((وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ لا يَجُوزُ فَسْخُهُ» يَعني: ثابتًا لا يُمكنُ تَغييرُه،


= ولا يَجوزُ فسخُه؛ لأنَّه مِمَّا أُخرِجَ للهِ تَعالى فلا يَجوزُ أن يُرجَعَ فيهِ كالصَّدقةِ، فمِن حينِ أن يَقولَ الرَّجلُ: وقَفْتُ بَيْتي، أو وَقَفْت سيَّارتي، أو وقَفْت كِتابي. فإنَّه يَلزمُ، وليسَ فيهِ خيارُ مَجلسٍ بخِلافِ الوَصيَّةِ، فالوَصيَّةُ ليسَت عقدًا لازمًا في الحالِ، بل لا تكونُ إلَّا بعدَ الموتِ.
أمَّا الوقفُ المعلَّقُ بالموتِ كما لو قالَ: هذا وقفٌ بعدَ مَوْتي. فالمذهبُ أنَّه لازمٌ مِن حينِ قولِه، ولا يُمكنُ فسخُه، لكِنْ معَ ذلكَ لا يُنفَّذُ مِنه إلَّا ما كانَ مِن ثلثِ المالِ فأقلَّ، فيَجعلونَه وَصيَّةً مِن وجهٍ ووَقْفًا مِن وجهِ"، وهذا غيرُ صحيحٍ، فلا يُمكنُ أن نُعطيَ عقدًا حُكمَينِ مُختِلِفينِ، فإمَّا أن نَقولَ: إنَّه يَلزمُ في الحالِ. ونُلغيَ التَّعليقَ، وإذا قُلْنا بأنَّه يَلزمُ في الحالِ لزمَ، سواءٌ كانَ الثُّلثَ أو أكثرَ أو أقلَّ، وإمَّا أن نَقولَ: لا يَلزمُ إلَّا بعدَ الموتِ، وحينَتذٍ يَكونُ مِنَ الثُّلثِ فأقلَّ، وهذا هوَ الصَّحيحُ؛ لأنَّ الرَّجلَ علَّقَ الوَقفَ بشرطٍ وهوَ الموتُ، فلا يُمكنُ أن يُنفَّذَ قبلَ وجودِ الشَّرطِ، فلا يُنفَّذُ إلَّا بعدَ الموتِ ويَكونُ مِنَ التُّلثِ فأقلَّ.
مِثالُ ذلكَ: قالَ رجلٌ: إذا مِتُّ فبَيْتِي وقفٌ. أو إذا متُّ فمَكتَبتي وقفٌ. فالمذهبُ أنَّه يُنفَّذُ مِنَ الآنَ، ولا يُمكنُ أن يَبيعَ شيئًا مِن هذا؛ لأنَّه نفذَ، لكِنْ إذا ماتَ فإن أَجازَ الورثةُ الوقفَ نفذَ، وإن لم يُجيزوهُ لم يُنفَّذْ مِنه إلَّا مقدارُ ثلثِ التَّركةِ.
والصَّوابُ: أنَّه لا يُنفَّذُ إلَّا بعدَ الموتِ، وأنَّه ما دامَ حيًّا فلهُ التَّغييرُ والتَّبديلُ والإلغاءُ، فإذا ماتَ فإن أَجازَه الورَثةُ نفذَ، وإن لم يُجيزوهُ نفذَ مِنه قدرُ ثلثِ التَّركةِ فقَطْ.


وقوله: ((وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ لا يَجُوزُ فَسْخُهُ»، ظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه لا فرقَ بينَ أن يَكونَ الإنسانُ مَدينًا أو غيرَ مَدينٍ، ومنَ المعلومِ أنَّ المدينَ إذا كانَ قد حُجِرَ عليهِ فإنَّ وقفَه لا يَصحُّ، لكِنْ إذا لم يُحجَرْ عليهِ وأَوقفَ، وكانَ عليهِ دَينٌ يَستغرقُ الوقفَ، فظاهرُ كلامِ المؤلَّفِ: أنَّ الوقفَ لازمٌ.
والقولُ الثَّاني وهوَ الرَّاجعُ: إنَّ الوقفَ في هذهِ الصَّورةِ ليسَ بلازمٍ ولا يَجوزُ تَنفيذُه؛ لأنَّ قضاءَ الدَّينِ واجبٌ والوقفَ تَطوُّعُ، ولا يَجوزُ أن نُضيِّقَ على واجبٍ لتَطوُّعِ، وهذا اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ رَجَمَه اللَّهُ ).
فإِنْ طرأَ الدَّينُ بعدَ الوقفِ، كما لو وقَفَ بيتَه، ثُمَّ افتقَرَ واستَدانَ، فهَلْ يَنفسخُ الوقفُ، أو نَقولُ: إنَّه لا يَنفسخُ؛ لأنَّه تمَّ بدونِ وجودِ المانعِ فيَستمرُّ؟ الأقربُ الثَّاني، وقالَ شيخُ الإسلامِ رَجمَهُ اللَّهُ: لهُ أن يَبيعَه في دَينِه؛ لأنَّ هذا ليسَ أشدَّ مِنَ المدبَّرِ، وهوَ العبدُ الَّذي عُلِّقَ عتقُه بموتِ سيِّدِه (٣)، وقد باعَه النَّبُّ وَلِلمِ في الدَّينِ
لكنَّ الأرجحَ الأوَّلُ، يَعني: أَنَّه إذا حدثَ الدَّينُ بعدَ الوقفِ فإنَّ الوقفَ يَمضي،
والدَّيْنُ يُيسِّرُ اللهُ أمرَه.


وَلَا يُبَاعُ (١)، إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنافِعُهُ٢)،



  1. قوله رَحَمَهُ اللَّهُ: ((وَلَا يُبَاعُ)) يَعني: لا يُباعُ الوَقفُ؛ لأنَّ بيعَه يَقتَضي إبطالَ الوقفِ، فلو قُلنا بجوازِ البيعِ انتقَلَ إلى المشتَري وبطَلَ الوقفُ، والوقفُ عقدٌ لازمٌ فلا يَجوزُ بيعُه، ويَجوزُ تَأجيرُه؛ لأنَّ أُجرتَه منَ المنفعةِ الَّتي سُبَلَت، ولا يَجوزُ رهنُه؛ لأنَّ الرَّهنَ يُرادُ لبيع المرهونِ واستيفاءِ الدَّينِ مِنه، وإذا قُلنا: لا يُباعُ. بقِيَ الرَّهنُ عديمَ الفائِدةِ، فإمَّا أن يُقالَ: إنَّ الرَّهنَ صحيحٌ. ويُباعَ في قضاءِ الدَّينِ، وهذا يَلزمُ مِنه إبطالُ الوقفِ، وإمَّا أن نَقولَ: إنَّ الرَّهنَ لا يَصحُّ؛ لأنَّه لو صحَ فلا فائِدةَ مِنه، إِذَنْ لا يَجوزُ بيعُه، ولا عقدٌ يُرادُ به بيعُه.

  2. قوله: (إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ)) ففي هذهِ الحالِ يَجوزُ أن يُباعَ، كرجُلٍ أَوقفَ دارَه على أولادِه فانهدَمَتِ الدَّارُ، فيَجوزُ أن تُباعَ.
    وقوله: ((وَلَا يُبَاعُ إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ)) ظاهرُه أَنَّه لا يُباعُ بأيّ حالٍ منَ الأحوالِ إلَّا في هذهِ الصُّورةِ؛ لأنَّ منَ القواعدِ المقرَّرةِ (أنَّ الاستثناءَ مِعيارُ العمومِ) يَعني: يَدلُّ على العمومِ فيما عدا الصورةَ المُستثناةَ، فعلى هذا لا يُباعُ بأيّ حالٍ منَ الأَحوالِ إلَّا في هذهِ الحالِ، وهيَ إذا تَعطَّلَت مَنافعُه.
    فإِنْ نقَصَتِ المنافعُ ولم تَتعطَّلْ فإنَّه لا يُباعُ، فيَبقَى على ما هوَ عليهِ حتَّى تَتعطَّل،
    ولا يَكونَ فيه فائدةٌ.
    واختارَ شيخُ الإسلامِ رَجَمَه اللَّهُ جوازَ بيعِه للمصلحةِ بحيثُ يُنقلُ إلى ما هوَ أفضلُ (1)، واستَدلَّ لهذا بقصَّةِ الرَّجلِ الَّذي نذرَ إِنْ فتَحَ اللهُ على رَسولِه وَلِ مكَّةَ أن



  • يُصلِّيَ في بيتِ المقدسِ، فقالَ لهُ النَّبيُّ الَلية (صَلِّ هَاهُنَا»، فأَعادَ عليهِ مرَّتينِ أو ثلاثًا فقالَ: (( فَشَأْنَكَ إِذَنْ))()).
    فهُنا أَباحَ لهُ النَّبيُّ وَلِيفِ أن يَتحوَّلَ عنِ النَّذرِ منَ المفضولِ إلى الأفضلِ، ومَعلومٌ أنَّ نذرَ الطَّاعةِ واجبٌ، فيَجوزُ أن يُنقلَ الوقفُ أو يُباعَ ليُنقلَ إلى ما هوَ أنفعُ، وما اختارَه شيخُ الإسلامِ رَجَمَهُ ٱلَّهُ هوَ الصَّوابُ.
    لكِنْ في هذهِ الحالِ يَجبُ أن يُمنعَ مِن بيعِه أو إبدالِه إلَّا بإذنِ الحاكمِ؛ لأَنَّه قد يَتعجَّلُ الموقوفَ عليهِ، ويَقولُ: أبيعُه لأَنقلَه إلى ما هوَ أفضلُ، ويَكونُ الأمرُ على خلافِ ظنِّه، فلابُدَّ مِنَ الرُّجوعِ إلى الحاكمِ -يَعني: القاضِي - في هذهِ الحالِ؛ لثلًا يَتلاعَبَ النَّاسُ بالأوقافِ.
    مِثالُ ذلكَ: إنسانٌ أَوقفَ عمارةً على طلَبةِ العِلمِ في مكانٍ كانَ مِن أحسنِ الأمكِنةِ حينَ الإيقافِ، لكِنْ تَغيَّرَ الوضعُ وصارَ محلُّ الطَّلبِ في جهةٍ أُخرى، فهَلْ يَجوزُ أن يَبيعَ هذهِ العمارةَ؛ ليَشتريَ عمارةَ أُخرى قريبةً مِن مَواطنِ العلمِ؟ أمَّا على المذهبِ فلا؛ لأنَّ مَنافعَها لم تَتعطَّلْ، وأمَّا على القولِ الرَّاجحِ فيَجوزُ، ولكِنْ لا بُدَّ مِن مراجعةِ الحاكمِ؛ لئلَّا يَتلاعبَ النَّاسُ بالأوقافِ.
    وعُلِمَ مِن قولِه: ((إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ)) أَنَّه لو تَعطَّكَت بعضُ المنافعِ فإنَّه لا يَجوزُ بيعُه، فما دامَ يُوجدُ فيهِ مَنفعةٌ ولو واحدٌ في العشَرةِ فإنَّه لا يُباعُ، لكِنْ على ما سبَقَ أنَّه يُباعُ إذا كانَ فيهِ حاجةٌ أو مصلحةٌ.


وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ )، وَلَوْ أَنَّهُ مَسْجِدٌ ٢ وَالتُه ٣)
وإذا بِيعَ فماذا نَفعلُ بثَمِنِه؟



  1. قال رَحَمَهُ اللَّهُ: ((وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) فإذا كانَ هذا وقفًا على الفقراءِ، وتَعطَّلَت منافعُه وبِعْناه فماذا نَفعلُ بالتَّمنِ؟ هل نَتصدَّقُ بهِ على الفقراءِ، أو نَشتري بِهِ وقفًا يَكونُ للفُقراءِ؟ يَتعيّنُ الثَّاي، فلا يجوزُ أن نَقولَ: إنَّ هذا وقفٌ على الفقراءِ، والآنَ بِعناهُ؛ لتَعطُّلِ مَنافعِه فنَصرفُ دراهِمَه إلى الفقراءِ، فهَذا لا يَجوزُ؛ لأنَّ هذهِ الدَّراهمَ عوضٌ عَن أصلِ الوقفِ، وأصلُ الوقفِ لا يُنقلُ ملكُه لا ببَيعٍ ولا بغيرِه.

  2. قوله: (وَلَوْ أَنَّهُ مَسْجِدٌ)) يَعني: ولو كانَ الَّذي تَعطَّلَت مَنافعُه مسجدًا، كأَنْ يَكونَ المسجدُ في حيِّ ارتحلَ أهلُه عنه، فإنَّه يُباعُ ويُصرفُ ثَمنُه في مِثلِه.
    وإذا بِعْنا المسجدَ وصرَفْنا ثمنَه في مسجدٍ آخرَ، فيجوزُ لمشتَرِي المسجدِ أن يَبيعَه؛ لأنَّه صارَ ملكَه، ويَجوزُ أن يَجعلَه دَكاكينَ للبَيع والشَّراءِ، والمهمُّ أنَّه زالَ عنهُ وصفُ المسجدِ، فيَجوزُ بيعُه والصَّدقةُ بِه وهِبتُه وغيرُ ذلكَ، ويُصرفُ ثمنُه في مثِلِه.
    وقوله: ((وَلَوْ أَنَّهُ مَسْجِدٌ» إشارةٌ إلى خلافٍ، فمِن أهلِ العِلمِ مَن قالَ: إنَّ المسجدَ لا يُباعُ؛ لأنَّه وقفٌ لمصلحةِ المسلِمينَ، وما كانَ لمصلحةِ المسلِمينَ فإنَّ الفردَ لا يَتصرَّفُ فيهِ، ولكِنَّ هذا ليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ المسجدَ الآنَ زالَ الانتفاعُ بِه، فالحيُّ كلُّهم رحَلوا وما بَقِيَ أحدٌ، فهوَ سيُباعُ ويُعمَرُ في مكانٍ آخرَ بثمنِه.
    [٣] قوله: ((وَالَتُهُ» أي: آلهُ المسجدِ، والمرادُ بناؤُه، وأَبوابُه وما أَشبهَ ذلكَ، وهذا فيما سبقَ لََّما كانَ البناءُ بلبِنِ الطِينِ كانَ يُمكنُ أن يُنتفَعَ بآلتِه الَّتي تَكوَّنَ مِنها وهيَ لبِنُ الطِّينِ، أمَّا الآنَ فلا أَظنُّه يُمكنُ استِرجاعُ الآلةِ، اللَّهُمَّ إلَّا إن كانت أسياخَ الحديدِ فيُمكنُ، أمَّا الإِسمَنْتُ فلا، على كلِّ حالٍ إذا بقِيَ آلةً فإنَّنا نُعيدُها فيما نُريدُ أن نَبنيَه.


وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ جَازَ صَرْفُهُ إِلى مَسْجِدٍ آخَرَ ١) وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءٍ المُسْلِمِينَ (١٢.
فإذا قالَ الَّذي باعَ المسجدَ: آلَتُه الآنَ إذا نَقْضناها وبنَيّنا بها المسجدَ الآخرَ
سيَخرجُ غيرَ قويِّ، فهَلْ لَنا أن نَبيعَ الآلةَ ونَشتريَ آلةً جديدةً قويَّةً؟ الجوابُ: نعَمْ، وتكونُ الآلةُ الثَّانيةُ بدلًا عنِ الأُولى، وحينَئذٍ لا يَضيعُ حقُّ الواقفِ.
[١] قوله رَحَمَهُ اللَّهُ: ((وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ جَازَ صَرْفُهُ إِلى مَسْجِدٍ آخَرَ))، فما فضلُ عَن حاجةِ المسجدِ، فإنَّه يَجوزُ أن يُصرفَ إلى مسجدٍ آخرَ؛ لأنَّ هذا أقربُ إلى مَقصودِ الواقفِ، وهذا لا إشكالَ فيهِ.
فإذا قدَّرْنا أنَّ هذا المسجدَ لَمَا هُدمَ حيثُ تَعطَّلَت مَنافعُه وأُعيدَ بناؤُه بقِيَ مِن آلتِه شيءٌ فإنَّنا نَصرفُه إلى مسجدٍ آخرَ، فإن لم يُمكِنْ صُرِفَ إلى جهةٍ عامَّةٍ يَنتفعُ فيها المسلمونَ عمومًا، كالسِّقايةِ والمدرسةِ وما أَشبهَ ذلكَ.
[٢] قوله: ((وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ))، يَعني: وجازَتِ الصَّدقةُ بهِ على فُقراءِ المسلِمينَ؛ لأنَّ المسجدَ مَصلحةٌ عامَّةٌ والصَّدقةَ على الفُقراءِ -أيضًا- مصلحةٌ عامَّةٌ، فنَحنُ لم نَخرُجْ عَن مَقصودِ الواقفِ؛ لأنَّها كلَّها عامَّةٌ في انتِفاع المسلِمينَ عُمومًا، لكِنَّ هذا القولَ ضعيفٌ جدًّا، لأنَّ المساجدَ نفعُها مُستمرُّ والصَّدقةَ نفعُها مؤقَّتٌ؛ لأنَّ نفعَها مَقطوعٌ، يَنتفعُ بها الموجودونَ الحاضِرونَ، ولا يَنتفعُ بها مَن بعدَهم، فالصَّوابُ أنَّ ما فضَلَ عَن حاجةِ المسجدِ يَجبُ أن يُصرفَ في مَسجدٍ آخرَ، ما لم يَتعذَّرْ أو ما لم يَكُنِ النَّاسُ في مجاعةٍ فهُمْ أَوْلى؛ لأنَّ حُرمةَ الآدَميِّ أشدُّ مِن حُرمةِ المسجدِ ولا شكَّ.


حتَّى لو فُرِضَ أنَّ المسجدَ مَسجدٌ جامعٌ فيَجبُ أن يُصرفَ في مَسجدٍ جامعٍ إن تَيسَّرَ، وإلَّا ففي مسجدِ بقيَّةِ الصَّلواتِ، وإنَّما قُلنا: مسجدٌ جامعٌ؛ لأنَّ المسجدَ الجامعَ أكثرُ أجرًا وثوابًا؛ حيثُ إنَّه تُصلَّى فيهِ الجُمعةُ، وبقيَّةُ المساجدِ لا تُصلَّى فيها الجمعةُ، ثُمَّ إنَّه في صلاةِ الجُمعةِ يَكونُ أكثرَ عددًا منَ المساجدِ الأخرى.
والخلاصةُ: أنَّه متَى جازَ بيعُ الوقفِ فإنَّه يَجبُ أن يُصرفَ إلى أقرب مَقصودٍ
الواقفِ، بحيثُ يُساوِي الوقفَ الأوَّلَ أو يُقاربُه حسبَ الإمكانِ.
مَسألةٌ: لو أنَّ النَّاسَ -مثلا- اختاروا أن يُحوِّلوا المسجدَ المَبنيَّ مِن لبِنِ الطِينِ إلى مسجدٍ مسلَّحِ فهَلْ لهُم أن يَنقُضوا الأوَّلَ أو لا؟ هذا يَنبَني على ما ذكَرْناء لأنَّ منافعَ مسجدِ الطِّينِ لم تَتعطَّلْ، لكِنْ يُنقلُ إلى ما هوَ أفضلُ وأحسنُ، فعَلى رأيٍ شيخ الإسلامِ رَحَمَهُ اللَّهُ لا بأسَ()، ويَكونُ أجرُ المسجدِ الثَّاني لباني المسجدِ الأوَّلِ؛ لأنَّه لا يُمكنُ أن نُبطلَ أجرَ الموقفِ الأوَّلِ معَ إمكانِ استِمرارِ أجرِه، فيَكونُ للبانِي الأوَّلِ في مدَّةٍ يُقدَّرُ فيها بقاءُ المسجدِ الأوَّلِ، أمَّا ما زادَ علَيْها فأجرُها لصاحبِ المسجدِ الثَّاني، وكذا لو كانَ لمسجدُ الثَّاني أنفعَ مِن جهةِ التَّكييفِ ونحوِه فأجرُ النَّفعِ الزَّائدِ للمُوقِفِ الثَّاني.
فائدةٌ: الوقفُ المنقطعُ هوَ الَّذي يَنقطعُ مِنَ الموقوفِ عليهِ، مثلًا: وقفَ على زيدِ ثُمَّ عمرو، وماتَ زيدٌ وماتَ عمرُو، فالآنَ انقطَعَتِ الجهةُ، فإذا انقَطَعَت ففيهِ خلافٌ، وأقربُ شيء عِندي أنَّه إذا عُلمَ أن قصدَ الواقفِ البِرُّ والأجرُ فإنَّ الوقفَ المنقطعَ يَرجعُ إلى المساكينِ أو المصالحِ العامَّةِ.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

حذرت مؤسسة "عرا...

حذرت مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية، اليوم الجمعة، من تداعيات خفض قيمة الدينا...

وتتناول الاسترا...

وتتناول الاستراتيجية كافة أسس نظام الصحّة النفسية بهدف تحسين صحّة الأفراد النفسية بشكل عام والوقاية ...

As a core compo...

As a core component of the combustor, the gas turbine swirler’s thermomechanical behavior directly i...

لاستراتيجية الو...

لاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية 2024-2030 ملخّّص تنفيذي يمكننا القيام بالكثير ولكلّّ منا دوره في ...

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...