Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

\غير أن هذه الروح الاتحادية في الإمارات خفَّت منذ غياب الجيل المؤسس للدولة وظهور قيادات منغمسة في المصالح الشخصية ومتجهة إلى نماذج تنموية محلية مشوَّهة عمادها التوسع العقاري والمضاربات في الأسواق. ومع هذا التوجه الجديد تراجعت مساهمة إمارة أبو ظبي في الميزانية الاتحادية إلى 3 بالمئة من ناتجها، بينما تراجعت مساهمة إمارة دبي إلى أقل من 1 بالمئة من ناتجها‏[39]. ومع هذا التراجع في دور الإمارات الغنية في الموازنة الاتحادية، وقد يكون من أهم الانعكاسات السلبية لهذا التفاوت في الدخل بين الإمارات إضافة إلى التفاوت في نوعية الخدمات، فبينما يبلغ معدل البطالة في الدولة ككل نحو 14 بالمئة بحسب البيانات المتوافرة، فإن هذه النسبة تصل إلى أكثر من 20 بالمئة في بعض الإمارات الشمالية كالفجيرة ورأس الخيمة‏[41]. وفي بداية آب/أغسطس عام 2015 قررت حكومة الإمارات رفع الدعم عن وقود السيارات الذي كانت تكلفته السنوية بحسب صندوق النقد الدولي تصل إلى 7 مليارات دولار‏[42]. إلا أننا نعتقد أن كفاءة هذه الضرائب وعدالتها تتطلب أن تكون هناك شفافية تامة في الموازنات المحلية والاتحادية، بينما غيرها يهدر الثروة في وجوه ما أنزل الله بها من سلطان، 4 – الهدر والفساد وما يعنيه هذا المفهوم من تساوي أبناء المجتمع في الحقوق والواجبات، وضرورة عدم التمييز بينهم إلا على أساس الجدارة والإخلاص، وبخاصة مع وجود فوائض نفطية فلكية‏[44]. فاليوم وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً على تأسيس هذه الدول، لا تزال الأسَر الحاكمة تقتطع مبالغ من الموارد العامة، وهو ما يمكن تسميته «مؤشر النهب»، أو 17. أو 50. 4 بالمئة من قيمة الصادرات النفطية في قطر‏[45]. حتى ولو تضارب هذا الولاء مع ما تحتِّمه مصلحة الوطن‏[46]. والمظهر الثالث لهذا الفساد هو التداخل غير المقدس بين القطاع العام والقطاع الخاص، فهي توزع المشروعات على الموالين من رجال الأعمال، بل إن نسبة كبيرة من رجال السياسة أصبحوا رجال أعمال، بينما خريجو الجامعات ينتظرون سنوات للحصول على وظائفهم. لذلك ليس مستغرباً أن يظل القطاع الخاص طفيلياً وغير منتج، وكانت الأسر الحاكمة تعتمد على طبقة التجار وغيرهم من أبناء المجتمع، وإنما هو نتيجة ضغوط الدول الكبرى ورغبة سماسرة السلاح المحليين بتعظيم نصيبهم من الريع النفطي. فأحدث البيانات تشير إلى أنه من بين أكثر عشر دول في العالم من حيث الإنفاق العسكري للفرد الواحد خلال الفترة 2000 – 2011، والسعودية‏[48]. ومدى ما حققته أو أخفقت في تحقيقه. وإذا كان لهذا التكتّم على البيانات أسباب تاريخية في السابق، والمتعلقة بإخفاق هذه الحكومات في توطين الوظائف، كما تشير إلى ذلك النسب المتزايدة للبطالة ولا سيَّما بين خريجي الجامعات‏[49]. 5 – تآكل الأرصدة الأجنبية وبخاصة في ظل نضوب النفط في المناطق الأخرى من العالم، وحتى في ظل الاكتشافات من النفط غير التقليدي بأشكاله الذي يمثل في اعتقادنا ظاهرة وقتية لن يزيد عمرها على 25 عاماً على أكثر تقدير بسبب إشكالات المخزون والبيئة والتقنية التي يثيرها هذا النوع من النفط‏[51]. كما أن الفوائض النفطية المتراكمة هي نتيجة المدخل التنموي القطري الذي سلكته هذه الدول وغيرها من الدول النفطية، فلو أن هذه الفوائض استُثمرت في إطار رؤية تنموية عربية شاملة لكان عائدها كبيراً، سواء كان ذلك في الإنفاق على مشروعات البنية الأساسية بين البلدان العربية، وفي ظل تحويل الثروة النفطية الناضبة إلى أصول مالية، تم توجيه هذه الأصول إلى أسواق المال الغربية، وظلت هذه الاستثمارات كذلك مثاراً للشكوك والتخوف من جانب الأوساط الغربية لاعتبارات سياسية وأمنية، الأمر الذي جعلها عرضة لجميع السياسات، وقد تعرضت هذه الاستثمارات الورقية عبر السنوات الماضية لكثير من الخسائر، فبحسب بعض المصادر، فإن جهاز أبوظبي للاستثمار الذي يعتبر أكبر صندوق سيادي في العالم من حيث حجم الأصول، قد خسر نحو 40 بالمئة من أصوله خلال الأزمة المالية لعام 2008‏[53]. وحتى المبالغ الزهيدة التي استثمرتها هذه الصناديق السيادية في بعض البلدان العربية كانت نسبة 50 بالمئة منها في العقارات والسياحة، ولم تتجه إلى مشروعات التنمية الفعلية‏[54]. البحرين 9 مليارات، وعمان 8 مليارات، 6 – النموذج السنغافوري والنماذج الخليجية من غير أدنى تدبُّر للفوارق بين هذين النموذجين سواء في الآليات أو النتائج، ولا تخضع لأي نوع من المساءلة، أي أن النماذج الخليجية هي تعبير عن رؤى ومصالح القيادات السياسية وحدها‏[57]. ثانياً، يقوم النموذج السنغافوري على اقتصاد معرفي يعتمد على المهارات ذات الإنتاجية العالية، التي تم استثمارها في مشروعات طويلة المدى، وساعدت على قيام صناعات متنوعة؛ إذ ارتفع متوسط دخل الفرد في سنغافورة من نحو 400 دولار أمريكي عام 1959 إلى نحو 56286 دولاراً عام 2014، بينما ظل دخل الفرد في البلدان الخليجية متذبذباً مع التغيرات في أسعار النفط وإيراداته‏[58]. أي أن التنمية السنغافورية تمت بتعليم المواطنين وتدريبهم على إنزال النموذج التنموي على أرض الواقع بالممارسة، 8 بالمئة، بينما النماذج الخليجية هي أقرب إلى المشروعات الخدمية ذات الإنتاجية المنخفضة، التي يتم تنفيذها بأيدٍ أجنبية ذات مهارات منخفضة. لذلك استطاعت سنغافورة أن تحدث تحولاً ملموساً في نصيب الصادرات الصناعية والعمالة في القطاع الصناعي، إذ ارتفع نصيب الصادرات الصناعية فيها من 16. 6 بالمئة من الناتج المحلي عام 1960 إلى 27. 6 بالمئة عام 1992، 5 بالمئة من العمالة، وهي أغلبها عبارة عن إعادة تصدير، وقد يكون هذا التحول الهيكلي في النموذج السنغافوري هو الذي حال دون تأثر سنغافورة بالأزمة المالية الأخيرة مقارنة بالإمارات‏[59]. رابعاً، منذ انفصال سنغافورة عن ماليزيا واستقلالها عام 1965، 3 بالمئة. أما المقيمون فمنهم 3. 53 مليون مقيمون إقامة دائمة. هذا يعني أن المواطنين وحدهم يمثلون نحو 62 بالمئة من إجمالي سكان سنغافورة، كما أن حجمهم المطلق يزيد على إجمالي عدد المقيمين بصورة دائمة وغير المقيمين‏[60]. أي أن سنغافورة نجحت في تنويع هيكلها الإنتاجي بأيدٍ سنغافورية ولم تُحدث خلـلاً سكانياً، بينما أخفقت الحكومات الخليجية في كل هذه الأمور. مقارنة بالنماذج الخليجية كما أثبتت الأزمة المالية الأخيرة‏[61]. ليؤكدوا لشعبهم نيتهم الالتزام بالنظافة والأمانة في سلوكهم العام والخاص، ورفع الغرامة القصوى للإدانة بالفساد من 10 آلاف دولار إلى 100 ألف دولار عام 1989، وعدم التردد في محاكمة كل مسؤول، بما في ذلك بعض أعضاء الحزب والوزراء، حتى لا يكون هناك أحد فوق القانون‏[62]. لذلك ليس مستغرباً أن تكون سنغافورة اليوم في صدارة دول العالم في عدد من مؤشرات التنمية؛ فبحسب أحد تقارير BBC تعد سنغافورة من بين أقل دول العالم فساداً؛ وهي من بين أقل دول العالم في معدل الجريمة، وأكثر دول العالم سهولة في تأسيس الأعمال؛

Original text

\غير أن هذه الروح الاتحادية في الإمارات خفَّت منذ غياب الجيل المؤسس للدولة وظهور قيادات منغمسة في المصالح الشخصية ومتجهة إلى نماذج تنموية محلية مشوَّهة عمادها التوسع العقاري والمضاربات في الأسواق. ومع هذا التوجه الجديد تراجعت مساهمة إمارة أبو ظبي في الميزانية الاتحادية إلى 3 بالمئة من ناتجها، بينما تراجعت مساهمة إمارة دبي إلى أقل من 1 بالمئة من ناتجها‏[39].


ومع هذا التراجع في دور الإمارات الغنية في الموازنة الاتحادية، بدأ التراجع في توفير كثير من الخدمات كالصحة والتعليم والتوظيف ودعم الكهرباء والوقود، وكانت هناك بوادر تذمر من هذه التغيرات تم استيعابها بالجزرة والعصا معاً‏[40]. وقد يكون من أهم الانعكاسات السلبية لهذا التفاوت في الدخل بين الإمارات إضافة إلى التفاوت في نوعية الخدمات، هو تفاوت معدلات البطالة فيها، فبينما يبلغ معدل البطالة في الدولة ككل نحو 14 بالمئة بحسب البيانات المتوافرة، فإن هذه النسبة تصل إلى أكثر من 20 بالمئة في بعض الإمارات الشمالية كالفجيرة ورأس الخيمة‏[41].


وفي بداية آب/أغسطس عام 2015 قررت حكومة الإمارات رفع الدعم عن وقود السيارات الذي كانت تكلفته السنوية بحسب صندوق النقد الدولي تصل إلى 7 مليارات دولار‏[42]. وهناك كذلك توجه لدى الحكومة لفرض ضريبة على القيمة المضافة. ونحن وإن كنا لا نعترض على هذه السياسات (سواء سحب الدعم، أو فرض الضرائب) لأنها ستؤدي إلى ترشيد الاستهلاك، وتوليد إيرادات، وهي كذلك تمثل لبنات ضرورية في بناء نظام ضريبي تحتاج إليه الدولة؛ وبخاصة مع تراجع دور النفط، إلا أننا نعتقد أن كفاءة هذه الضرائب وعدالتها تتطلب أن تكون هناك شفافية تامة في الموازنات المحلية والاتحادية، ليطمئن المواطن إلى أن إيرادات الدولة ونفقاتها ليست عرضة للعبث والفساد بأشكاله، كما أنه لا بد من التأكد من أن هناك استثناءات للفئات الفقيرة في المجتمع من هذا العبء الضريبي حتى لا تتضرر معيشتها، بينما غيرها يهدر الثروة في وجوه ما أنزل الله بها من سلطان، وكلا المطلبين؛ أي العدالة والكفاءة في السياسات المالية، يصعب تحققهما في ظل حكومات غير مساءلة من جانب مواطنيها‏[43].


4 – الهدر والفساد


عندما يغيب مفهوم المواطَنة الواحدة في الدستور، وما يعنيه هذا المفهوم من تساوي أبناء المجتمع في الحقوق والواجبات، وضرورة عدم التمييز بينهم إلا على أساس الجدارة والإخلاص، فإنه من الصعب إدارة موارد المجتمع بكفاءة وعدالة تقود إلى تنمية فعلية، بل إنه من المتوقع في بيئة كهذه أن يتفشى الفساد بأشكاله، والهدر بدرجاته، وبخاصة مع وجود فوائض نفطية فلكية‏[44]. فاليوم وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً على تأسيس هذه الدول، لا تزال الأسَر الحاكمة تقتطع مبالغ من الموارد العامة، وهذا الاقتطاع يظهر على شكل فجوة بين صادرات الدولة النفطية، وما يظهر منها في الموازنات العامة، وهو ما يمكن تسميته «مؤشر النهب»، ويقدره علي خليفة الكواري في عام 2007 بنحو 14.6 مليار دولار، أو 17.3 بالمئة من الصادرات النفطية في الإمارات، ونحو 20.5 مليار دولار، أو 50.4 بالمئة من قيمة الصادرات النفطية في قطر‏[45].


أما المظهر الثاني للفساد الناتج من غياب مفهوم المواطنة الواحدة فيتعلق بتقلد المناصب الذي لا يعتمد على الجدارة والإخلاص بقدر اعتماده على الانتماء إلى الأسرة الحاكمة أو الولاء لها، حتى ولو تضارب هذا الولاء مع ما تحتِّمه مصلحة الوطن‏[46].


والمظهر الثالث لهذا الفساد هو التداخل غير المقدس بين القطاع العام والقطاع الخاص، فتركز الإيرادات النفطية في خزينة الدولة يدفع القيادات السياسية في غياب الرقابة المجتمعية إلى أن تجعل من هذه الثروات آلية للإبقاء على الأوضاع الراهنة؛ فهي توزع المشروعات على الموالين من رجال الأعمال، كما توزع المناصب الرسمية على المؤيدين من المثقفين والإعلاميين وغيرهم، بل إن نسبة كبيرة من رجال السياسة أصبحوا رجال أعمال، ونسبة كبيرة من رجال الأعمال يتقلدون مناصب رسمية أو شبه رسمية، بينما خريجو الجامعات ينتظرون سنوات للحصول على وظائفهم. لذلك ليس مستغرباً أن يظل القطاع الخاص طفيلياً وغير منتج، وكل ما يقوم به هو دور السمسار الذي يروِّج المنتجات الأجنبية، وليس له دور في تنمية المجتمع من خلال التوظيف أو التدريب أو دفع الضرائب أو استنبات التقنية. وهذا واقع يختلف عن دور رجال الأعمال أيام اقتصاد اللؤلؤ الذي كان فيه دور التجار وشيوخ القبائل هو الدور الأهم، وكانت الأسر الحاكمة تعتمد على طبقة التجار وغيرهم من أبناء المجتمع، وترضخ لإجماعهم في كل الأمور، لأنها كانت معتمدة على هذه الشرائح، ليس فقط في إيراداتها، وإنما كذلك في أمنها وبقائها، ذلك قبل مجيء القواعد الأجنبية طبعاً‏[47].


أما المظهر الرابع لهدر الموارد في هذه البلدان فهو الإنفاق العسكري الذي لا يتم في إطار رؤية أمنية خليجية أو عربية واضحة لطبيعة الأخطار، وإنما هو نتيجة ضغوط الدول الكبرى ورغبة سماسرة السلاح المحليين بتعظيم نصيبهم من الريع النفطي. فأحدث البيانات تشير إلى أنه من بين أكثر عشر دول في العالم من حيث الإنفاق العسكري للفرد الواحد خلال الفترة 2000 – 2011، هناك خمسة بلدان خليجية هي على التوالي: الإمارات، والكويت، وقطر، وعمان، والسعودية‏[48]. فلو أن هذين البلدين وغيرهما من بلدان المجلس سلكت مسلكاً تكاملياً في رؤيتها الأمنية، لكان إنفاقها على التسلح أقل مما هو عليه الآن، ولكانت أكثر أمناً، ولوفرت موارد لتحقيق تنمية فعلية في المنطقة تعالج الفقر والبطالة وتقلل فرص العنف، وتحقق نتيجة لذلك الأمن بمفهومه الشامل.


أما المظهر الخامس والأخير من مظاهر الفساد في هذه البلدان فهو حجب المعلومات التفصيلية، وبخاصة حول المتغيرات المهمّة المتعلقة ببنود الإنفاق، والتركيبة السكانية، والاستثمارات الأجنبية وغيرها من البيانات، التي يعتبر توافرها شرطاً لتقييم أداء الحكومات، ومدى ما حققته أو أخفقت في تحقيقه. وإذا كان لهذا التكتّم على البيانات أسباب تاريخية في السابق، فإن ندرة هذه البيانات في السنوات الأخيرة تعود إلى قرارات سياسية تهدف إلى كتم الحقائق، وبخاصة المتعلقة منها بحجم السكان الأجانب في هذه الدول، والمتعلقة بإخفاق هذه الحكومات في توطين الوظائف، كما تشير إلى ذلك النسب المتزايدة للبطالة ولا سيَّما بين خريجي الجامعات‏[49]. كما أن نشر البيانات الأخرى وبخاصة المتعلقة منها بالكيفية التي تنفق بها أو «تنهب» بها ثروات المجتمع. بمعنى أدق، سيكشف حجم الفساد الذي تعانيه هذه الدول ودور النخب الحاكمة فيه‏[50].


5 – تآكل الأرصدة الأجنبية


من جانب آخر، تعتبر الفوائض النفطية المتراكمة للإمارات وقطر التي تدار من جانب الصناديق السيادية، وسيلة من وسائل تنويع الدخل، ولكنها في الوقت نفسه انعكاس لخلل في السياسات النفطية، حيث كان ولا يزال من الأفضل لهذه الدول أن لا تنتج نفطاً أكثر من طاقتها على استيعاب إيراداته، لأن بقاءه في باطن الأرض يحقق عائداً متزايداً من هذه الثروة، وبخاصة في ظل نضوب النفط في المناطق الأخرى من العالم، وحتى في ظل الاكتشافات من النفط غير التقليدي بأشكاله الذي يمثل في اعتقادنا ظاهرة وقتية لن يزيد عمرها على 25 عاماً على أكثر تقدير بسبب إشكالات المخزون والبيئة والتقنية التي يثيرها هذا النوع من النفط‏[51].


كما أن الفوائض النفطية المتراكمة هي نتيجة المدخل التنموي القطري الذي سلكته هذه الدول وغيرها من الدول النفطية، فلو أن هذه الفوائض استُثمرت في إطار رؤية تنموية عربية شاملة لكان عائدها كبيراً، سواء كان ذلك في الإنفاق على مشروعات البنية الأساسية بين البلدان العربية، أو بتوفير الخدمات الصحية والتعليمية التي ترفع إنتاجية الفرد العربي، أو عبر مشروعات عربية مشتركة في الزراعة والصناعة والسلاح وتقنية المعلومات أو غيرها من القطاعات.


لذلك، وفي ظل تحويل الثروة النفطية الناضبة إلى أصول مالية، ومع غياب الرؤية التنموية العربية الموحدة، تم توجيه هذه الأصول إلى أسواق المال الغربية، حيث بقيت هذه الثروة الورقية تحرك الاقتصادات الغربية، وتساعد على علاج أزماتها المالية، وتدار من قبل خبرائه، وتتصف بالسرية والكتمان، ولكنها لا تحقق أياً من أهداف التنمية المستدامة في المنطقة، كما أنها بقيت تتعرض لتقلبات الدولار والتضخم، وانخفاض العائد، وظلت هذه الاستثمارات كذلك مثاراً للشكوك والتخوف من جانب الأوساط الغربية لاعتبارات سياسية وأمنية، الأمر الذي جعلها عرضة لجميع السياسات، التي قد تتبناها تلك الحكومات كالتقييد والتجميد وحتى المصادرة؛ فقد هددت الولايات المتحدة بتجميد الثروات العربية بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001‏[52].


وقد تعرضت هذه الاستثمارات الورقية عبر السنوات الماضية لكثير من الخسائر، فبحسب بعض المصادر، فإن جهاز أبوظبي للاستثمار الذي يعتبر أكبر صندوق سيادي في العالم من حيث حجم الأصول، قد خسر نحو 40 بالمئة من أصوله خلال الأزمة المالية لعام 2008‏[53]. وحتى المبالغ الزهيدة التي استثمرتها هذه الصناديق السيادية في بعض البلدان العربية كانت نسبة 50 بالمئة منها في العقارات والسياحة، ولم تتجه إلى مشروعات التنمية الفعلية‏[54]. واليوم وبحسب بيانات عام 2012 ونتيجة للطفرة النفطية الأخيرة، فإن الأصول المالية المستثمرة من قبل الصناديق السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي الست تقدر بنحو 1659 مليار دولار موزعة على النحو التالي: الإمارات 783 ملياراً، السعودية 478 ملياراً، الكويت 296 ملياراً، قطر 85 ملياراً، البحرين 9 مليارات، وعمان 8 مليارات، ولن يكون مصيرها مختلفاً عن مصير الأرصدة السابقة إذا استمر المسار التنموي الحالي‏[55].


6 – النموذج السنغافوري والنماذج الخليجية


يطيب للبعض أن يقارن بين نماذج التنمية الخليجية الحالية وبين النموذج السنغافوري، من غير أدنى تدبُّر للفوارق بين هذين النموذجين سواء في الآليات أو النتائج، وفي اعتقادنا أن هناك فوارق جوهرية بين النموذجين جديرة بالتأمل لتطوير النماذج الخليجية‏[56]. أولاً، إن النموذج السنغافوري تبناه حزب حاكم منتخب، وخاضع للمساءلة من جانب المجتمع، ويعمل في إطار مؤسسات قائمة وفاعلة، أما النماذج الخليجية فقد أقرتها قيادات سياسية ليست عليها رقابة مجتمعية، ولا تخضع لأي نوع من المساءلة، أي أن النماذج الخليجية هي تعبير عن رؤى ومصالح القيادات السياسية وحدها‏[57].


ثانياً، يقوم النموذج السنغافوري على اقتصاد معرفي يعتمد على المهارات ذات الإنتاجية العالية، وعلى استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، التي تم استثمارها في مشروعات طويلة المدى، وساعدت على قيام صناعات متنوعة؛ بينما النموذج الخليجي هو نموذج ريعي يعتمد على أموال مضاربة وفرتها الطفرات النفطية، وبالتالي فإن النمو الذي حققه النموذج السنغافوري كان أكثر استقراراً منذ نشأة الدولة، إذ ارتفع متوسط دخل الفرد في سنغافورة من نحو 400 دولار أمريكي عام 1959 إلى نحو 56286 دولاراً عام 2014، بينما ظل دخل الفرد في البلدان الخليجية متذبذباً مع التغيرات في أسعار النفط وإيراداته‏[58].


ثالثاً، يعتمد النموذج السنغافوري بالدرجة الأولى على تنمية قطاعات صناعية ذات إنتاجية مرتفعة وبأيدٍ عاملة مواطنة ومدرَّبة، أي أن التنمية السنغافورية تمت بتعليم المواطنين وتدريبهم على إنزال النموذج التنموي على أرض الواقع بالممارسة، ولم يتجاوز نصيب العمالة الأجنبية في هذا النموذج – في أسوأ الحالات – نسبة 32.8 بالمئة، بينما النماذج الخليجية هي أقرب إلى المشروعات الخدمية ذات الإنتاجية المنخفضة، التي يتم تنفيذها بأيدٍ أجنبية ذات مهارات منخفضة. لذلك استطاعت سنغافورة أن تحدث تحولاً ملموساً في نصيب الصادرات الصناعية والعمالة في القطاع الصناعي، إذ ارتفع نصيب الصادرات الصناعية فيها من 16.6 بالمئة من الناتج المحلي عام 1960 إلى 27.6 بالمئة عام 1992، وفي العام نفسه كان القطاع الصناعي يوظف نحو 27.5 بالمئة من العمالة، بينما لم تزد الصادرات الصناعية للنموذج الإماراتي على 4 بالمئة عام 2010، وهي أغلبها عبارة عن إعادة تصدير، وقد يكون هذا التحول الهيكلي في النموذج السنغافوري هو الذي حال دون تأثر سنغافورة بالأزمة المالية الأخيرة مقارنة بالإمارات‏[59].


رابعاً، منذ انفصال سنغافورة عن ماليزيا واستقلالها عام 1965، ظلت الهوية الصينية طاغية على التركيبة السكانية لسنغافورة؛ فبحسب بيانات 2012 تعادل نسبة الصينيين 74.2 بالمئة من السكان تتبعها الأقلية المالاوية بنسبة 13.3 بالمئة، ثم الأقلية الهندية بنسبة 9.25، ثم الأقليات الأخرى بنسبة 3.3 بالمئة. كما أن السنغافوريين بفئاتهم المختلفة ظلوا مهيمنين في وطنهم خلال تطبيقهم نموذجهم التنموي؛ فبحسب أرقام 2012، كان عدد سكان سنغافورة يعادل 5.31 مليون، منهم 3.82 مليون مقيمون، والبقية أي 1.49 غير مقيمين. أما المقيمون فمنهم 3.29 مليون مواطن و0.53 مليون مقيمون إقامة دائمة. هذا يعني أن المواطنين وحدهم يمثلون نحو 62 بالمئة من إجمالي سكان سنغافورة، كما أن حجمهم المطلق يزيد على إجمالي عدد المقيمين بصورة دائمة وغير المقيمين‏[60]. أي أن سنغافورة نجحت في تنويع هيكلها الإنتاجي بأيدٍ سنغافورية ولم تُحدث خلـلاً سكانياً، بينما أخفقت الحكومات الخليجية في كل هذه الأمور.


وأخيراً اتصف النموذج السنغافوري بالفصل التام بين المال العام والمال الخاص، مقارنة بالنماذج الخليجية كما أثبتت الأزمة المالية الأخيرة‏[61]. فعندما تولى لي كوان يو رئاسة الوزراء عام 1959 وكانت دول آسيا بما فيها سنغافورة تعاني شتى أنواع الفساد، لبس هو وأعضاء حزبه البنطلونات والقمصان البيض، ليؤكدوا لشعبهم نيتهم الالتزام بالنظافة والأمانة في سلوكهم العام والخاص، وقد ترجموا هذا الشعار إلى سياسات منها تحديد صلاحيات الموظفين في كل المراتب، حتى لا يُساء استغلال المسؤولية، وتبسيط المعاملات حتى لا تكون مدخـلاً إلى الفساد، ودعم موقف جهاز محاربة الفساد، وتركيز المساءلة على المناصب العليا بخاصة، وتضييق الثغرات القانونية التي تعيق إدانة الفاسدين، ورفع الغرامة القصوى للإدانة بالفساد من 10 آلاف دولار إلى 100 ألف دولار عام 1989، وعدم التردد في محاكمة كل مسؤول، بما في ذلك بعض أعضاء الحزب والوزراء، حتى لا يكون هناك أحد فوق القانون‏[62].


لذلك ليس مستغرباً أن تكون سنغافورة اليوم في صدارة دول العالم في عدد من مؤشرات التنمية؛ فبحسب أحد تقارير BBC تعد سنغافورة من بين أقل دول العالم فساداً؛ فهي في المرتبة الخامسة على قائمة الدول الأقل فساداً في العالم؛ وهي من بين أقل دول العالم في معدل الجريمة، وأكثر دول العالم سهولة في تأسيس الأعمال؛ وهي الدولة المتصدرة في صناعة المنصات البحرية للتنقيب عن النفط في دولة لا توجد في أرضها قطرة نفط؛ وهي الدولة التي تنفق 20 بالمئة من دخلها على التعليم، وأخيراً هي أقل دول العالم استعمالاً للمخدرات‏[63].


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

مقدمة يُعتبر ا...

مقدمة يُعتبر القانون الدولي العام الهيكل القواعدي والنظمي الذي يحكم العلاقات بين ذوات الشخصية الدول...

ב. דיסגרפיה (Dy...

ב. דיסגרפיה (Dysgraphia) דיסגרפיה היא הפרעה שבה עיבוד חזותי-מוטורי וארגון שפתי משפיעים על ההבעה בכתב...

0:22 okay today...

0:22 okay today we're going to talk about 0:24 carb cycling 0:25 what it is how it works why it work...

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

يستدعي استشراف ...

يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...

حذر مركز التنبؤ...

حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...

الاجابة علي تسا...

الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...

مقدمة التعريف ب...

مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...

دروس في المال: ...

دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...

درك الإمام أن ط...

درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...

2 - بداية عصر ا...

2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...

بالقرب من مدينة...

بالقرب من مدينة أور الأثرية. كان من المقرر أن يمتد موسم التنقيب لهذا العام من منتصف شهر سبتمبر/أيلول...

Tech news