Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (Using the clustering technique)

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم في عام 1971 م ترك أستاذنا مالك بن نبي - رحمه اللّٰه - في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان وصية، الثاني 1391ه الموافق 10 حزيران 1971 م، وتحملاً مني لهذه الرسالة ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي والتسمية هذه دعوة إلى أصدقاء مالك وقارئيه، وهي مشروع نطرحه بوصفه نواة لعلاقات فكريّة، وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، 18 ربيع الأول 1399ه كنا في الطبعة السابقة قد التزمنا الطبعة الثانية، فيلسوفنا مالك بن نبي - رحمه اللّٰه - حينما حضر إلى لبنان في حزيران/ ثم بدا لي من بعد ذلك أن أضيف إلى فصول الكتاب فصلاً جديدًا تمامًا على الذي أفاض في شرحه بن نبي، فقد سلمني - رحمه اللّٰه - عام 1971 م حين زيارته إلى طرابلس البيان الذي كان قد وجهه عام 1959م إلى مؤتمر الكتاب الإفريقيين السود في روما - وهو يمثل الفصل الأخير من هذا الكتاب - وبين لإفريقيين انعقد عام 1969م. وبالفرنسية عنوانا (ما ضد الثقافة)، فصل الأخير من هذا الكتاب عنوانًا (الثقافة والتاريخ). وإذ اشتمل هذا المقال على ما يتمم فكرة الأستاذ بن نبي عن مشكلة تنفيذاً لوصية المؤلف في تبليغ أفكاره إلى قراء العربية. وكتاب (مشكلة الثقافة) في أساسه قد فرّقت بين فصوله صدىً لما كان قد كتبه مالك بن نبي وأصدره بالعربية في (شروط النهضة) و(فكرة الإفريقية الآسيوية). ففي المعادي في القاهرة كان يسكن بن نبي عام 1959م، الطلاب يرتادون مجلسه بين الحين والحين، مفهوم الثقافة فيما كتب في (شروط النهضة) و(فكرة الإفريقية وظل في حديثه يوما بعد يوم يدلف من خلال مفهوم الثقافة عبر ولقد زكّى مبادرته ما كان قد حمل إليه أحد الطلاب السوريين الأمريكييْن (وليام أوجبرن ورالف لنتون) ثم ما كان قد وقع في يده من كتاب (دور الأفكار التقدمية) للماركسي (كونستانتينوف)، كمثله من منشورات الفكر الماركسي. وفي ظل امتداد (الأفكار التقدمية) عام 1959م، أهمية الحديث عن المفاهيم والمصطلحات التي كونت الفكر الجامعي في القاهرة وسواها من مدن العالم العربي. فقد جاءت أفكار بن نبي حول مفهوم الثقافة برؤية جديدة، تألفها المصطلحات المستوردة التي تمت صياغتها في إطار الفكر الليبرالي، أو في إطار الفكر الاشتراكي التقدمي. لذا شعر أستاذنا بن نبي بالحاجة إلى جمع أفكاره حول الثقافة وتحركه باتجاه اكتشاف الحقائق والمصطلحات، ووفق المعطيات النابعة من تجربته. وإذا كان كتاب (مشكلة الثقافة) قد ابتدأ فيض التجربة، اقتضته التطورات والأيام من توضيح وبيان، دفتيه البداية والنهاية معا، بواكير إنتاجه الفكري عام 1947م في (شروط النهضة)، بالفرنسية مع نظراته فيها عام 1969م، رحمه اللّٰه وأجزل ثوابه جزاء ما قدم من خير، طرابلس لبنان 27 شباط 1980 المتطلع إلى العودة بالمجتمع الإسلامي بسم اللّٰه الرحمن الرحيم إن الطبعة الأولى لهذا الكتاب صدرت بالقاهرة منذ اثنتي عشرة

  • قد تناول القضية من زاوية جديدة، وفي الترابط الواضح بين بني جلدته ومجتمعهم، جوهره التزام متبادل بين المجموعة والفرد. بينما كان المؤلف مضطراً أن يقف موقف الباحث عن سبب أو التي وجدت فلسفتها في تلك الكلمة القتّالة (عليك بخاصة نفسك) التي رددتها أجيال مسلمة عبر قرون عصر ما بعد الموحدين. إذن كانت فعلاً الأفكار التي تعرضها هذه الدراسة غريبة، أولاً: لأنها لم تتوخ منهج الدراسات الغربية في الموضوع لأسباب منهجية قدمها المؤلف في الصفحات التالية. وثانيًا: لأن الأفكار المعروضة هنا ليست في جوهرها إلا امتدادًا أحد فصول كتابه (شروط النهضة)، تمتاز بالنسبة إلى الأولى بفصل جديد (الأزمة الثقافية)، الضروري إضافته حتى أطلع القارئ العربي على أغوار أخرى للقضية. إنني عندما أراجع نفسي بوصفي مؤلفا، على قاعدة (العالم بخير) أي إنه يكفي إبراز الجوانب الإيجابية للقضية ولكن الأيام تكمل التجربة وتتم الخبرة، الطبعة الأولى بينت لي أن الأمر ليس على هذا الجانب من اليسر، الدلالة على الخير - وإن كانت من الخير - لا تكفي لتحقيقه في الميدان إن الفصل الذي عقدته في هذه الطبعة ل (الأزمة الثقافية)، قصدت به أن أضع بعض معالم الإنذار على بعض تلك المطبات، تجعل سير المجتمع سيرا مستحيلاً، بيروت 16 ربيع الثاني 1391ه جرى العرف إذا ما أريد الحديث عن الثقافة أن تقتصر مشكلتها في ذهن القارئ على قضية الأفكار. والحق أن المشكلة هي كذلك في جانب من جوانبها؛ لا تضم في مفهومها الأفكار فحسب، ذلك المجتمع من ناحية أخرى. ومع ذلك فإذا لم يكن من دافع يدفعنا إلى هذه الدراسة سوى التي يعيشها العالم الإسلامي والبلاد العربية. وسيكون هذا المسوغ في الواقع صادقاً في نظرتين، كل هذه الأمور ذات علاقة وظيفية بنظام الأفكار المنتشرة في ذلك الخصائص الاجتماعية الأخرى تتعدل في الاتجاه نفسه. تكون في مجموعها جزءا هاما من أدوات التطور في مجتمع معين، أن مختلف مراحل تطوره هي في الحقيقة أشكال متنوعة لحركة تطوره ومثالنا على ذلك أننا نرى في أيامنا هذه مجتمعات معاصرة تطبق حلولاً مختلفة بصدد مشكلة بسيطة هي مشكلة الذباب، لا ينشأ عن سبب فني في المشكلة، تعالج المشكلة بتجنيد المجتمع لقتل الذباب، ولكن لو أننا رأينا في مجال معين أثر الأفكار في مقاومة الحشرات، فقد نرى في مجال آخر أثرها الناقل للمرض؛ الأجسام الحية قد تتناقل بعض الأمراض بواسطة العدوى، منذ (باستور) و(كوخ) عرفنا أن الجراثيم هي العوامل التي تنقل هذه ونحن نرى أن هناك شكلاً آخر من أشكال العدوى، ينقل الأمراض الاجتماعية من جيل إلى جيل، طبيعة المشكلة ذاتها أن نقرر أن هناك أيضًا أنواعًا من الجراثيم الناقلة كيان المجتمعات أو تعوق نموها. وعلى هذا نجد أن أهمية الأفكار في حياة مجتمع معين تتجلى في صورتين: فهي إما أن تؤثر بوصفها عوامل نهوض بالحياة الاجتماعية، وإما أن تؤثر على عكس ذلك بوصفها عوامل ممرضة، وهنالك فضلاً عن ذلك جانب آخر لأهمية الأفكار في العالم الحديث: ففي القرن التاسع عشر كانت العلاقات بين الأمم والشعوب تخلفها ذاتها قد نصبت في طريقها ضربًا من الغرام السقيم بمقاييس فالرجل الذي يعيش في بلد متخلف يلاحظ دون ريب تخلفه بالنسبة إلى الرجل الذي يعيش في بلد متقدم، أن الذي يفصل ما بين الشعوب ليس هو المسافات الجغرافية، والمسلم بسبب عقدة تخلفه يرد هذه المسافة إلى نطاق (الأشياء)، أو هو بتعبير آخر يرى أن تخلفه متمثل في نقص ما لديه من مدافع وبذلك يفقد مركب النقص لديه فاعليته الاجتماعية، ينبغي أن يرد المسلم تخلفه إلى مستوى الأفكار لا إلى مستوى (الأشياء)، فإن تطور العالم الجديد دائمًا يتركز على المقاييس الفكرية. ولننظر كيف يفكر في هذا الصدد ممثلان من ممثلي (القوة)، أعني: رجلين يملك بلداهما أكبر قدر من الأشياء، ففي المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشيوعي الذي انعقد في موسكو أراد خروشوف أن يفحم خصومه فقال: «إن النجاح الاقتصادي هو أقوم مقياس لسلامة الأفكار) فها نحن أولاء نرى فاعلية الأفكار في إطار اقتصادي قومي، أما في المجال الدولي فإن لدينا حكمًا أصدره رجل آخر يمثل أيضًا عنصر القوة في المعسكر الغربي، الأمريكي تحليلاً هاما للوضع العالمي الراهن، ما ذهب إليه: أن هناك توازنًا في القوى بين كلا الجانبين، يضطر كليهما إلى الكف عن الاعتداد بالأسلحة، فالعالم قد دخل إذن في مرحلة لا يمكن أن تحل فيها أغلبية مشكلاته إلا على أساس نظم الأفكار، العربية والإسلامية أن تولي أكبر قدر من اهتمامها لمشكلة أفكارها، وخاصة تلك البلاد التي لا تملك كثيراً من أدوات القوة المادية. وربما وجد القارئ جوانب أخرى لم يكن يتوقعها في هذه الدراسة التي لا تمس السياسة من قريب أو بعيد، الثقافة نوعيتها التاريخية والاجتماعية في حدود الزمان والمكان، ثقافة بحكم هذه النوعية وجودها الخاص الذي يرسم حدودها على النظرية بالمشكلات السياسية التي تثير اهتمام العالم عامة، فإذا ما أخذنا مثلاً موقف البلاد التي اتبعت في سياستها الدولية روح مؤتمر باندونج المتمثلة في (الحياد الإيجابي)، أن هذه البلاد ينبغي أن تفكر في اقتصادها طبقاً لهذه الخطة السلوكية، بل أن تفكر في سياستها أيضا بذلك الروح. ولكن أليس من الطبيعي أن تتجه البلاد إلى أن تفكر في ثقافتها ومع ذلك فربما كان هذا السؤال عاريًا من المنطق أو خياليًا لو أنه كان متعارضا - في النظرة الأولى - مع العناصر الذاتية في المشكلة. ولكن الوضع الاجتماعي في البلاد الإفريقية الآسيوية - ومن بينها البلاد العربية الإسلامية - يحتوي في مرحلة تطورها الراهنة كثيرا من فمشكلة الثقافة في البلاد العربية والإسلامية تتصل في الحقيقة بعد موضوعها الرئيسي الذي يحمل عنوانًا (تحليل نفسي للثقافة)، أن أضيف بعض الأفكار التي نشرت من قبل في دراسات أخرى، فتجمع هنا تحت عنوان (تركيب نفسي للثقافة) وتحت عنوان (تعايش


Original text

المقدمات


بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
في عام 1971 م ترك أستاذنا مالك بن نبي - رحمه اللّٰه - في المحكمة
الشرعية في طرابلس لبنان وصية، سجلت تحت رقم 275/67 ربيع
الثاني 1391ه الموافق 10 حزيران 1971 م، وقد حملني فيها مسؤولية
كتبه المعنوية والمادية.
وتحملاً مني لهذه الرسالة ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي
الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصيّة المؤلف ب (ندوة مالك بن
نبي).
والتسمية هذه دعوة إلى أصدقاء مالك وقارئيه، ليواصلوا نهجًا في
دراسة المشكلات كان قد بدأه.
وهي مشروع نطرحه بوصفه نواة لعلاقات فكريّة، كان - رحمه اللّٰه



  • يرغب في توثيقها.
    وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ
    حقوق المؤلف، في كل ما ينشر بالعربيّة أو غيرها مترجما من قبل
    المترجمين أو غير مترجم. فقد حمّلني - رحمه اللّٰه - مسؤوليّة حفظ
    هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيها
    إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو
    إبلاغنا عنها.
    طرابلس لبنان
    18 ربيع الأول 1399ه
    15 شباط (فبراير) 1979م
    عمر مسقاوي


تصدير
كنا في الطبعة السابقة قد التزمنا الطبعة الثانية، كما أشرف عليها
فيلسوفنا مالك بن نبي - رحمه اللّٰه - حينما حضر إلى لبنان في حزيران/
يونيو عام 1971م.
ثم بدا لي من بعد ذلك أن أضيف إلى فصول الكتاب فصلاً جديدًا
تمامًا على الذي أفاض في شرحه بن نبي، وهو يتحدث عن الثقافة في
اتجاه العالمية.
فقد سلمني - رحمه اللّٰه - عام 1971 م حين زيارته إلى طرابلس
لبنان مقالاً، نشر في إحدى المجلات الناطقة بالفرنسية، يجمع بين نص
البيان الذي كان قد وجهه عام 1959م إلى مؤتمر الكتاب الإفريقيين
السود في روما - وهو يمثل الفصل الأخير من هذا الكتاب - وبين
تعقيب عليه، يعبر عن رؤية أودعها المؤلف مؤتمراً آخر للكتاب
لإفريقيين انعقد عام 1969م. وقد وضع لهذا التعقيب بخط يده
وبالفرنسية عنوانا (ما ضد الثقافة)، كما وضع للبيان الأول المنشور في
فصل الأخير من هذا الكتاب عنوانًا (الثقافة والتاريخ).


وإذ اشتمل هذا المقال على ما يتمم فكرة الأستاذ بن نبي عن مشكلة
الثقافة، فقد عمدنا إلى ترجمته إلى العربية، وإضافته إلى هذا الكتاب
تنفيذاً لوصية المؤلف في تبليغ أفكاره إلى قراء العربية.
وكتاب (مشكلة الثقافة) في أساسه قد فرّقت بين فصوله
المناسبات؛ وإذا ذكرت دوافع إصداره عام 1959م، فذلك لأنني رأيتها
صدىً لما كان قد كتبه مالك بن نبي وأصدره بالعربية في (شروط
النهضة) و(فكرة الإفريقية الآسيوية).
ففي المعادي في القاهرة كان يسكن بن نبي عام 1959م، وكان
الطلاب يرتادون مجلسه بين الحين والحين، وأكثرهم يأتيه مستوضحًا
مفهوم الثقافة فيما كتب في (شروط النهضة) و(فكرة الإفريقية
الآسيوية).
وظل في حديثه يوما بعد يوم يدلف من خلال مفهوم الثقافة عبر
تطور الحضارات وتدافعُ الشعوب، إلى أن تكونت لديه فكرة الكتاب.
ولقد زكّى مبادرته ما كان قد حمل إليه أحد الطلاب السوريين
من تعريف للثقافة، تلقاه في محاضرات الجامعة نقلاً عن المفكريْن
الأمريكييْن (وليام أوجبرن ورالف لنتون) ثم ما كان قد وقع في يده من
كتاب (دور الأفكار التقدمية) للماركسي (كونستانتينوف)، وكان رائج
التداول ذلك الحين، كمثله من منشورات الفكر الماركسي.
وفي ظل امتداد (الأفكار التقدمية) عام 1959م، علينا أن ندرك
أهمية الحديث عن المفاهيم والمصطلحات التي كونت الفكر الجامعي
في القاهرة وسواها من مدن العالم العربي.


فقد جاءت أفكار بن نبي حول مفهوم الثقافة برؤية جديدة، لم
تألفها المصطلحات المستوردة التي تمت صياغتها في إطار الفكر الليبرالي،
أو في إطار الفكر الاشتراكي التقدمي.
لذا شعر أستاذنا بن نبي بالحاجة إلى جمع أفكاره حول الثقافة
وعرضها من جديد، في صورة تحليلية تحفز الفكر العربي الإسلامي،
وتحركه باتجاه اكتشاف الحقائق والمصطلحات، بوسائله الخاصة،
ووفق المعطيات النابعة من تجربته.
وإذا كان كتاب (مشكلة الثقافة) قد ابتدأ فيض التجربة، وما
اقتضته التطورات والأيام من توضيح وبيان، فقد شاء اللّٰه أن يضم بين
دفتيه البداية والنهاية معا، وأن تجتمع كلمات بن نبي عن الثقافة في
بواكير إنتاجه الفكري عام 1947م في (شروط النهضة)، حتى أخرجه
بالفرنسية مع نظراته فيها عام 1969م، في السنوات الأخيرة من نضاله
في سبيل القضية.
رحمه اللّٰه وأجزل ثوابه جزاء ما قدم من خير، وضحَى من جهد.
طرابلس لبنان 27 شباط 1980
عمر مسقاوي


الإهداء
إلى الشباب
المتطلع إلى العودة بالمجتمع الإسلامي
إلى حلبة التاريخ
مالك


بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
إن الطبعة الأولى لهذا الكتاب صدرت بالقاهرة منذ اثنتي عشرة
سنة، وكانت الأفكار التي تعرضها - فيما أعتقد - غريبة في الوسط
المثقف العربي، إذ لم تكن سبقت دراسة في هذا الموضوع من دارس
عربي، خصوصاً إذا أضفنا أن المؤلف - كما تبين هذا في الفصول الأولى



  • قد تناول القضية من زاوية جديدة، لأنه كان في أثناء دراسته منقادًا
    بشعور من يبحث عن ضالة؛ بينما عالم الاجتماع في الغرب أو حتى في
    الشرق الأوربي، يتناول الموضوع وهو ممتلئ بشعوره أنه إنما يصف واقعاً
    اجتماعيًا شاخصا أمام عينيه في نظم بلاده، وفي فعالية السلوك حوله،
    وفي الترابط الواضح بين بني جلدته ومجتمعهم، ذاك الترابط الذي هو في
    جوهره التزام متبادل بين المجموعة والفرد.
    بينما كان المؤلف مضطراً أن يقف موقف الباحث عن سبب أو
    أسباب هذا الالتزام، في مجتمع فقده منذ شاعت فيه الروح الانعزالية
    التي وجدت فلسفتها في تلك الكلمة القتّالة (عليك بخاصة نفسك)
    التي رددتها أجيال مسلمة عبر قرون عصر ما بعد الموحدين.


إذن كانت فعلاً الأفكار التي تعرضها هذه الدراسة غريبة، وغريبة
من ناحيتين:
أولاً: لأنها لم تتوخ منهج الدراسات الغربية في الموضوع لأسباب
منهجية قدمها المؤلف في الصفحات التالية.
وثانيًا: لأن الأفكار المعروضة هنا ليست في جوهرها إلا امتدادًا
وشرحا تحليليًا من ناحية، وتركيبًا من أخرى للأفكار التي قدمها في
أحد فصول كتابه (شروط النهضة)، الذي نشر منذ ربع قرن باللغة
الفرنسية، أي عندما كان الموضوع بكرًا لا بالنسبة إلى العالم الإسلامي
فحسب، بل أيضًا في بلاد الغرب.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن نضيف أن هذه الطبعة
تمتاز بالنسبة إلى الأولى بفصل جديد (الأزمة الثقافية)، رأيت من
الضروري إضافته حتى أطلع القارئ العربي على أغوار أخرى للقضية.
إنني عندما أراجع نفسي بوصفي مؤلفا، أراني سرت في الطبعة الأولى
على قاعدة (العالم بخير) أي إنه يكفي إبراز الجوانب الإيجابية للقضية
لوضع يد القارئ على حلها، أو على الأقل لوضع قدميه في طريق حلها.
ولكن الأيام تكمل التجربة وتتم الخبرة، فالسنوات التي مرت منذ
الطبعة الأولى بينت لي أن الأمر ليس على هذا الجانب من اليسر، وأن
الدلالة على الخير - وإن كانت من الخير - لا تكفي لتحقيقه في الميدان
العملي، إن لم تصحب هذه الإشارة الخيرة إشارة أخرى، تدل على
مطبات الشر التي قد يتعثر السير عليها، وربما يستحيل أمامها.
إن الفصل الذي عقدته في هذه الطبعة ل (الأزمة الثقافية)، إنما
قصدت به أن أضع بعض معالم الإنذار على بعض تلك المطبات، التي
تجعل سير المجتمع سيرا مستحيلاً، فلعل القارئ العربي يعيره بعض
الاهتمام.
بيروت 16 ربيع الثاني 1391ه
مالك بن نبي


مقدمة الطبعة الأولى
جرى العرف إذا ما أريد الحديث عن الثقافة أن تقتصر مشكلتها في
ذهن القارئ على قضية الأفكار.
والحق أن المشكلة هي كذلك في جانب من جوانبها؛ ولكن الثقافة
لا تضم في مفهومها الأفكار فحسب، وإنما تضم أشياء أعم من ذلك
كثيراً، تخص - كما سنرى خلال عرضنا - أسلوب الحياة في مجتمع معين
من ناحية، كما تخص السلوك الاجتماعي الذي يطبع تصرفات الفرد في
ذلك المجتمع من ناحية أخرى.
ومع ذلك فإذا لم يكن من دافع يدفعنا إلى هذه الدراسة سوى
مشكلة الأفكار، فإن مسوغًا كهذا قد يكون كافيًا في الظروف الراهنة
التي يعيشها العالم الإسلامي والبلاد العربية.
وسيكون هذا المسوغ في الواقع صادقاً في نظرتين، ومن المحتمل أن
يصدق في نظرة ثالثة.
إن تنظيم المجتمع وحياته وحركته، بل فوضاه وخموده وركوده،
كل هذه الأمور ذات علاقة وظيفية بنظام الأفكار المنتشرة في ذلك
المجتمع؛ فإذا ما تغير هذا النظام بطريقة أو بأخرى فإن جميع


الخصائص الاجتماعية الأخرى تتعدل في الاتجاه نفسه. إن الأفكار
تكون في مجموعها جزءا هاما من أدوات التطور في مجتمع معين، كما
أن مختلف مراحل تطوره هي في الحقيقة أشكال متنوعة لحركة تطوره
الفكري؛ فإذا ما كانت إحدى هذه المراحل تنطبق على ما يسمى
بالنهضة، فإن معنى هذا أن المجتمع في هذه المرحلة يتمتع بنظام رائع
من الأفكار، وإن هذا النظام يتيح لكل مشكلة من مشاكله الحيوية حلا
مناسباً.
ومثالنا على ذلك أننا نرى في أيامنا هذه مجتمعات معاصرة تطبق
حلولاً مختلفة بصدد مشكلة بسيطة هي مشكلة الذباب، هذا الاختلاف
لا ينشأ عن سبب فني في المشكلة، بل هو ناشئ عن اختلاف نظم
الأفكار؛ ومن أجل هذا اختلفت فاعلية الحلول التي تطبقها، ففي الصين
تعالج المشكلة بتجنيد المجتمع لقتل الذباب، بينما في أمريكا تواجه ب
(د. د. ت).
ولكن لو أننا رأينا في مجال معين أثر الأفكار في مقاومة الحشرات،
فقد نرى في مجال آخر أثرها الناقل للمرض؛ فمن المعلوم مثلاً أن
الأجسام الحية قد تتناقل بعض الأمراض بواسطة العدوى، ولكنا
منذ (باستور) و(كوخ) عرفنا أن الجراثيم هي العوامل التي تنقل هذه
الأمراض.
ونحن نرى أن هناك شكلاً آخر من أشكال العدوى، هو الذي
ينقل الأمراض الاجتماعية من جيل إلى جيل، الأمر الذي يضطرنا تبعًا
طبيعة المشكلة ذاتها أن نقرر أن هناك أيضًا أنواعًا من الجراثيم الناقلة


للأمراض الاجتماعية، هذه الجراثيم الخاصة أفكار معدية، أفكار تهدم
كيان المجتمعات أو تعوق نموها.
وعلى هذا نجد أن أهمية الأفكار في حياة مجتمع معين تتجلى في
صورتين: فهي إما أن تؤثر بوصفها عوامل نهوض بالحياة الاجتماعية،
وإما أن تؤثر على عكس ذلك بوصفها عوامل ممرضة، تجعل النمو
الاجتماعي صعبًا أو مستحيلاً.
وهنالك فضلاً عن ذلك جانب آخر لأهمية الأفكار في العالم
الحديث: ففي القرن التاسع عشر كانت العلاقات بين الأمم والشعوب
علاقات قوة، وكان مركز الأمة يقدر بعدد مصانعها ومدافعها وأساطيلها
البحرية ورصيدها من الذهب، ولكن القرن العشرين قد سجل في هذا
الصدد تطورا معلومًا، هو أنه قد أعلى من الفكرة باعتبارها قيمة قومية
ودولية. هذا التطور لم تشعر به البلدان المتخلفة كثيرًا، لأن عقدة
تخلفها ذاتها قد نصبت في طريقها ضربًا من الغرام السقيم بمقاييس
القوة، أي بالمقاييس القائمة على (الأشياء).
فالرجل الذي يعيش في بلد متخلف يلاحظ دون ريب تخلفه
بالنسبة إلى الرجل الذي يعيش في بلد متقدم، وهو يلاحظ شيئًا فشيئا
أن الذي يفصل ما بين الشعوب ليس هو المسافات الجغرافية، وإنما هي
مسافات ذات طبيعة أخرى.
والمسلم بسبب عقدة تخلفه يرد هذه المسافة إلى نطاق (الأشياء)،
أو هو بتعبير آخر يرى أن تخلفه متمثل في نقص ما لديه من مدافع
وطائرات ومصارف.


وبذلك يفقد مركب النقص لديه فاعليته الاجتماعية، إذ ينتهي من
الوجهة النفسية إلى التشاؤم، كما ينتهي من الوجهة الاجتماعية إلى ما
أطلقنا عليه (التكديس)1]، فلكي يصبح مركب النقص لديه فعالاً مؤثرًا
ينبغي أن يرد المسلم تخلفه إلى مستوى الأفكار لا إلى مستوى (الأشياء)،
فإن تطور العالم الجديد دائمًا يتركز على المقاييس الفكرية.
ولننظر كيف يفكر في هذا الصدد ممثلان من ممثلي (القوة)،
أعني: رجلين يملك بلداهما أكبر قدر من الأشياء، ابتداء بالثلاجة
الكهربية حتى الصاروخ.
ففي المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشيوعي الذي انعقد في
موسكو أراد خروشوف أن يفحم خصومه فقال: «إن النجاح
الاقتصادي هو أقوم مقياس لسلامة الأفكار) فها نحن أولاء نرى فاعلية
الأفكار في إطار اقتصادي قومي، أي عندما تكون الأفكار سليمة يصبح
الاقتصاد ناجحاً.
أما في المجال الدولي فإن لدينا حكمًا أصدره رجل آخر يمثل أيضًا
عنصر القوة في المعسكر الغربي، فلقد نشر (جورج كينان) الدبلوماسي
الأمريكي تحليلاً هاما للوضع العالمي الراهن، كان قد ألقاه في عدة
محاضرات، ثم نشره في كتاب بعنوان (روسيا والذرة والغرب)، وخلاصة
ما ذهب إليه: أن هناك توازنًا في القوى بين كلا الجانبين، وهذا التوازن
يضطر كليهما إلى الكف عن الاعتداد بالأسلحة، وأن يكون اعتدادهما
بالأفكار؛ ففي البلاد المتخلفة التي ما زالت حتى الآن ضمن مناطق
النفوذ، لم يعد السلاح أو عائدات البترول بكافيين في تدعيم هذا النفوذ،
وإنما هي الأفكار وحدها.


فالعالم قد دخل إذن في مرحلة لا يمكن أن تحل فيها أغلبية
مشكلاته إلا على أساس نظم الأفكار، وفي مرحلة كهذه يتحتم على البلاد
العربية والإسلامية أن تولي أكبر قدر من اهتمامها لمشكلة أفكارها،
وخاصة تلك البلاد التي لا تملك كثيراً من أدوات القوة المادية.
وعليه؛ فلو افترضنا أن موضوع ثقافة معينة يرجع إلى مشكلة
الأفكار فحسب، فإن ذلك كاف بوصفه مسوغاً نضعه بين يدي هذه
الدراسة.
وربما وجد القارئ جوانب أخرى لم يكن يتوقعها في هذه الدراسة
التي لا تمس السياسة من قريب أو بعيد، بيد أننا إذا ما قررنا أن لمشكلة
الثقافة نوعيتها التاريخية والاجتماعية في حدود الزمان والمكان، وأن لأية
ثقافة بحكم هذه النوعية وجودها الخاص الذي يرسم حدودها على
الخريطة، إذا ما قررنا ذلك فمن العسير علينا ألا نربط هذه الملاحظة
النظرية بالمشكلات السياسية التي تثير اهتمام العالم عامة، والبلاد التي
تخصها تلك المشكلات خاصة.
فإذا ما أخذنا مثلاً موقف البلاد التي اتبعت في سياستها الدولية
روح مؤتمر باندونج المتمثلة في (الحياد الإيجابي)، فمن الطبيعي أن نتصور
أن هذه البلاد ينبغي أن تفكر في اقتصادها طبقاً لهذه الخطة السلوكية،
بل أن تفكر في سياستها أيضا بذلك الروح.
ولكن أليس من الطبيعي أن تتجه البلاد إلى أن تفكر في ثقافتها
بالطريقة نفسها، أعني بذلك أن تكون ثقافتها متجاوبة مع فكرة (الحياد
الإيجابي)؟!.


ومع ذلك فربما كان هذا السؤال عاريًا من المنطق أو خياليًا لو أنه
كان متعارضا - في النظرة الأولى - مع العناصر الذاتية في المشكلة.
ولكن الوضع الاجتماعي في البلاد الإفريقية الآسيوية - ومن بينها
البلاد العربية الإسلامية - يحتوي في مرحلة تطورها الراهنة كثيرا من
العناصر النوعية، التي تتفق مع مقتضيات فكرة (الحياد الإيجابي) بحكم
ضرورة داخلية، فهناك إذن ثقافة تتفق مع هذا الاتجاه السياسي بصورة
طبيعية، وربما استطاع القارئ أن يلحظ ذلك ضمنًا في أثناء هذا
العرض،
فمشكلة الثقافة في البلاد العربية والإسلامية تتصل في الحقيقة
اليوم بجوانب مختلفة، جعلتني أرى من المفيد في هذه الدراسة
بعد موضوعها الرئيسي الذي يحمل عنوانًا (تحليل نفسي للثقافة)،
أن أضيف بعض الأفكار التي نشرت من قبل في دراسات أخرى،
فتجمع هنا تحت عنوان (تركيب نفسي للثقافة) وتحت عنوان (تعايش
الثقافات). فهذه الإضافة تمليها طبيعة المنهج ووحدة الموضوع.
القاهرة: 26/2/1959م
م.ب.ن


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...

يُمثل الفضاء ال...

يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...

The study deals...

The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...