Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (14%)

(Using the AI)

يتناول الفصل الثاني الفكر الإداري في الإسلام، محدداً مفهومه وموقعه ومصادره، بهدف بيان مكانة الإدارة في الفكر والتطبيق الإسلامي.

المبحث الأول يعرف الفكر الإداري الإسلامي بأنه "الآراء والمبادئ والنظريات الإدارية المستندة إلى القرآن والسنة ومصادر التشريع الإسلامي الأخرى"، ويمتد ليشمل الجانب الاجتماعي والإنساني في الإدارة.

المبحث الثاني يوضح أن الإسلام ثورة شاملة حثت على الفكر والعلم، معلياً من قيمة العقل والمعرفة. لذا حظي الفكر الإداري باهتمام المسلمين، وإن جاء في تطبيقات عملية للرسول والخلفاء، كإرساء أسس الدولة وتنظيم شؤونها. وتستدل الآية الكريمة "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" على وجوب التخطيط والتنظيم في كافة مجالات الحياة.

المبحث الثالث يستعرض مصادر الفكر الإداري، وهي مصادر الفكر الإسلامي عموماً، وتنقسم إلى اتفاقية ومختلف عليها: أولاً: المصادر الاتفاقية:

  1. القرآن الكريم: المصدر الأول والأساسي للشريعة والفكر الإداري، لدلالاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المنظمة للمجتمع.
  2. السنة النبوية: المصدر الثاني (قول، فعل، تقرير). تضمنت إسهامات إدارية واضحة كأهمية القيادة والتنظيم والمسؤولية. يرى المؤلف أن ما صدر عن الرسول بصفته الإنسانية (مثل قصة تأبير النخل) يقدم مبادئ إدارية قيمة كالمشورة والتخصص والنقد الذاتي، وإن لم يكن تشريعاً ملزماً.
  3. الإجماع: اتفاق المجتهدين على حكم شرعي بعد وفاة الرسول. يرى المؤلف جواز مخالفة الإجماع السابق بإجماع لاحق في غير العبادات، لمراعاة الظروف المتغيرة وتحقيق المصلحة.
  4. القياس: إلحاق حكم واقعة لا نص فيها بحكم واقعة ورد بها نص لتساويهما في العلة. هو حجة شرعية مفيدة لاستنباط الأحكام للمستجدات الإدارية.

ثانياً: المصادر المختلف عليها: وتشمل ستة مصادر تناولها المؤلف بإيجاز:

  1. الاستحسان: العدول عن حكم عام لمصلحة أو عدالة.
  2. المصالح المرسلة: جلب نفع أو دفع ضرر دون نص، معتبرة أصلاً شرعياً بشرط عدم تعارضها مع أسس الشريعة.
  3. العرف: ما اعتاده الناس، مقبول ما لم يخالف الشرع.
  4. الاستصحاب: استبقاء الحكم الشرعي الثابت في الماضي.
  5. مذهب الصحابي: فتاوى الصحابة، والرأي الراجح أنها غير ملزمة.
  6. شرع من قبلنا: أحكام الأمم السابقة غير المنسوخة، يرى الجمهور العمل بها.


Original text

الفصل الثاني


الفكر الإداري في الإسلام


تمهید


مفهومه - ومصادره


قلنا أننا نهدف من دراسة الإسلام والفكر الإداري إلى تحديد مكان الإدارة في الفكر الإسلامي وتطبيقاته، وكان لزاماً علينا لتحقيق هذا الهدف أن نتعرض لبحث مسألتين هما:


خصائص الشريعة الإسلامية، لتحديد دلالات وانعكاسات هذه الخصائص فيما يتعلق بموضوع دراستنا.


الفكر الإداري في الإسلام، وذلك للوصول إلى الهدف من هذا الباب.


أما وقد انتهينا من بحث المسألة الأولى فيبقي . لكي يتكامل الهدف . أن نبحث المسألة الثانية، وهي موضوع هذا الفصل، وعلينا أن نتعرض فيه للآتي:


المبحث الأول : مفهوم الفكر الإداري في الإسلام.


المبحث الثاني: مكان الفكر الإداري من الفكر الإسلامي.


المبحث الثالث: مصادر الفكر الإداري في الإسلام


أولاً: المصادر الاتفاقية.


ثانياً: المصادر المختلف عليها.


المبحث الرابع: الجانب البشري من الفكر الإداري الإسلامي


المبحث الأول


مفهوم الفكر الإداري في الإسلام


يعني الفكر أعمال الذهن تدبراً وتأملاً في أي شأن من شئون الدنيا أو الدين، فهو نشاط بشري أداته العقل وثمرته الرأي والعلم والمعرفة).


وهذا يعني أن الفكر ينصب أساساً على العمليات العقلية والذهنية ولس هو العلم والمعرفة التي تنتج عن هذه العمليات العقلية والذهنية، ومع ذلك فإن المفهوم الشائع لكلمة «فكر» هو الهيكل المنظم من المعلومات والمعارف والنظريات في مجالاتها المختلفة أي أن المعني انصرف إلى ثمرة أعمال الذهن وليس إلى أعمال الذهن» في حد ذاته.


(1) دكتور / حمدي أمين عبد الهادي، الفكر الإداري الإسلامي والمقارن، مرجع سابق، ص .


(۱۰)ويبدو أن المفهوم الأول بني على أساس الوضع اللغوي لكلمة «فكر » فقد ورد في تفسير المنار أن الفكر بالكسر » عبارة عن التأمل في المعاني وتدبرها وهو اسم من فكر يفكر فكراً من باب ضرب يضرب) وفكر (بالتشديد) وتفكر ومثله الفكرة والفكري وفسر أيضاً بأعمال الخاطر وأجالته في الأمور وقيل الفكرة مطرقة للعلم إلى المعلوم والفكر جولان تلك القوة، بحسب نظر العقل .. ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب، ولذا ورد في الحديث تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته


فتهلكوا » (1).


وإذا أخذنا بالمفهوم الثاني للفكر - وهو المفهوم الشائع - ونظرنا إليه باعتباره ثمرة أعمال الذهن وهو العلم والمعرفة فإنه يمكن أن يقال: أن الفكر الإداري يشمل مجموعة الآراء والمبادئ والنظريات التي سادت حقل الإدارة دراسة وممارسة عبر العصور والأزمنة (۲)، وبناء عليه يمكننا أن نقول أنه يعتبر فكراً إدارياً إسلامياً «ما يصدر من هذه الآراء والمبادئ والنظريات بالاستناد إلى توجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية بالإضافة إلى مصادر التشريع الإسلامي الأخرى» (۳).


وإذا كان الفكر الإداري يمثل المبادئ والنظريات التي تحكم الإدارة وما تشتمل عليه من عناصر ووظائف فإن الفكر الإداري في الإسلام يمتد بالضرورة إلى سائر المجالات الإدارية بمفاهيمها المختلفة، وبوجه خاص المفهوم الاجتماعي والذي يتمثل في العلاقات الإنسانية التي تعني بتأكيد القيم الإنسانية في الإدارة وهو ما يحاول علماء الإدارة المحدثون الأخذ به كمدخل جديد في الإدارة الحديثة (1).


المبحث الثاني


مكان الفكر الإداري من الفكر الإسلامي


جاءت الدعوة الإسلامية ثورة اجتماعية شاملة قصد بها المشرع الحكيم أن يربط الأرض بالسماء عن طريق «صلاح النفس وصلاح المجتمع» ولذا فكان لا بد أن تقترن الدعوة منذ بدايتها بالنهضة العلمية والثقافية ولذلك كان الإسلام ثورة على الجهالة ودعوة إلى الفكر والعلم».


(۱) محمد رشيد رضا، تفسير المنار الطبعة الثانية، سنة ١٣٦٧هـ، ج 1، ص ٤٦٠.


(۲) دكتور / حمدي أمين عبد الهادي، الفكر الإداري الإسلامي والمقارن، مرجع سابق، ص ۹۰


( ۳) المرجع السابق.


(1) دكتور / محمد عبد المنعم خميس الإدارة في صدر الإسلام، دراسة مقارنة - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لجنة التعريف بالإسلام، ص .


(۱۱)


ومن دراسة القرآن الكريم يتبين أن مزية التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر العقيدة وأمر التبعة والتكليف . كما يقول الأستاذ / عباس العقاد إحدى المزايا الكثيرة الواضحة في القرآن» (1).


ويتكرر خطاب أولى الألباب في مواضع كثيرة من القرآن الكريم منها قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبَّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ ) ال


عمران : ۷] وقوله: «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَتْهُمُ اللَّهُ وَأَوْلَئِكَ هُمْ أُولُوا الألباب [الزمر : ١٨].


وقد على الإسلام بالعلم عناية فائقة فاعتبره من أرفع القيم الإسلامية، وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة، وحدد غايته في الوصول إلى معرفة الله سبحانه وتعالى في تحقيق سعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة (٢)، وحسبنا في ذلك أن بعض الباحثين يذكر أن لفظ العلم ومشتقاته ورد في القرآن الكريم حوالي ٧٦٥ مرة، كما بلغ عدد الآيات العلمية في القرآن ۷۵۰ آية في مختلف فروع العلم ونواحي المعرفة (۳).


والآيات الواردة في فضل العلم كثيرة ويكفي أن نورد منها على سبيل المثال قوله تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَحَيَّ ) [المجادلة: ١١]، وقوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألباب ) [الزمر : 9]، أما بالنسبة للأحاديث فكثيرة ومنها قوله : «العلماء ورثة الأنبياء»، وقوله أيضاً: «إن الله وملائكته - حتى النملة في حجرها ليصلون على معلمي الناس العلم».


ولما كانت الصلة بين العلم والفكر وثيقة فإن التأكيد على العلم يعني في الوقت نفسه التأكيد على الفكر، وحيث إن مفهوم العلم في الإسلام لا يقتصر على الجانب الديني فحسب بل يشمل أيضاً جانب الدنيا في مختلف الحياة، كما أن النشاط الإداري يمثل جانباً هاماً من جوانب الأنشطة الحياتية، فإنه يمكن القول أن الفكر الإداري حظي . أيضاً . باهتمام المسلمين ونال جانباً من بحوث علمائهم ومفكريهم وإن لم يأت بشكل مباشر كما وردت تطبيقاته العلمية المتعددة في سلوك الرسول ﷺ وخلفائه من بعده، وهذا ما قرره أحد الباحثين إذ يري أن رسول الله ﷺ أمر العناية بالزراعة وكذا الصناعة ... كما أدخل بعض الأمور النافعة التي يستعملها الفرس وغيره مثل عمل الخندق .. كما أمر بنشر العلوم والمعارف وتقسيم الوظائف، وإيجاب


(۱) حسن فتح الباب على طريق الهجرة، مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية، ۱۹۷۱م، ص ۲۷ (۲) جلال الدين الهجرسي، تنظيم الجامعات في ج.م.ع. رسالة ماجستير غير منشورة تجارة الأزهر، ١٩٧٥م،


المقدمة.


(۳) محمد منير شهوان الإسلام يدعو إلى العلم المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة ١٩٦٢م، ص ٢١.


(۱۲)الإخاء، وتنظيم القوى الدفاعية والهجومية.. وقرر مع كل هذا وظائف الأعمال الإدارية، والزم بالاقتصاد الإداري والمالي، وكل ما يكون في الأمم المتمدنة (1)، كما أن الرسول حينما هاجر إلى المدينة واستقر بها كان أول ما عمله هو إرساء أسس الدولة الإسلامية وتنظيم شئونها، كما جري على نهجه صلوات الله وسلامه عليه الخلفاء الراشدون والولاة الفاتحون فحينما كان يستقر بهم الأمر بعد فتح أحدى البلاد كانت الخطوة التالية هي بدء تنظيم شئون الدولة، والاهتمام بالعمل والإنتاج.


ويضيف لوبون أن العلوم والفنون والصناعات والتجارة نهضت بسرعة في الدولة الإسلامية وبصفة خاصة في عهد أمير المؤمنين هارون الرشيد (۱۷۰ - ۱۹۳هـ /٧٨٦-١٠٩م) وكان من أثر هذا التقدم الحضاري زيادة الوظائف والأعمال في كل ولاية فإلى جانب الأمير كان يوجد صاحب الخراج ويختص بحمل خراج الولاية إلى خزانة الدولة بعد الإنفاق عليها مما يحصله من أموال» (۲).


ومن هنا يمكن القول بأن المجال الإداري والتنظيمي من المجالات التي نالت عناية الفكر الإسلامي بما يجعله من الأمور التي تقع في نطاق التكليف الواجب على الأمة الأخذ به، ويمكن أن يستدل على ذلك من قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا استطعتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم [الأنفال : ٦٠]. إذ يمكن الاستدلال من هذه الآية على وجوب التخطيط ليس في مجال الحرب وحده ولكن في غيره من مجالات الحياة. بل إننا نرى أن الاستدلال يمكن أن يمتد ليشمل عناصر العمل الإداري كلها لأن «الإعداد المطلوب لا بد أن يحتاج إلى تخطيط وتنظيم وتوجيه ورقابة وغير ذلك من مجالات النشاط الإداري.


المبحث الثالث


مصادر الفكر الإداري في الإسلام


استطعنا أن نحدد ماذا نقصد بالفكر الإداري الإسلامي» وقد وضح لنا أنه يعتبر فكراً إدارياً وإسلامياً ما يصدر من مجموعة الآراء والمبادئ والنظريات الإدارية بالاستناد إلى توجيهات القرآن والسنة النبوية وكذلك مصادر التشريع الإسلامي الأخرى.


ثم حين عرجنا على توضيح مجالات الفكر الإسلامي لتحدد مكان الفكر الإداري في الإسلام من الناحيتين النظرية والتطبيقية، تبين لنا . بصفة إجمالية . إن الإسلام


(۱) عبد الحي الكتاني، نظام الحكومة النبوية المسمي بالتراتيب الإدارية، حسن جعنا بيروب، جزء أول ص ١٣. (۲) لويون حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، مكتبة الحلبي، القاهرة، ١٩٦٩م، ص ٥٠.


( ۱۳ )


قد أفسح صدره للفكر الإداري ومنحه المنزلة التي تتفق مع أهمية الدور الذي يلعبه في تحقيق هدف الدعوة الإسلامية في إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع».


ويبقي أن تحدد مصادر الفكر الإداري في الإسلام، حتى يتكامل الهدف الذي نسعى إليه من هذا الجزء من الدراسة. وبادئ ذي بدء فإن مصادر الفكر الإداري في الإسلام هي ذاتها مصادر الفكر الإسلامي بعمومه حيث إن الفكر الإداري الإسلامي هو أحد جوانب ومظاهر الفكر الإسلامي..


ولم يكن هناك في وقت من الأوقات، اتفاق عام بين فقهاء الإسلام ومفكريه على كل مصادر الفكر الإسلامي، سواء فيما يتعلق ببعضها كمصدر مقبول للفكر أصلاً أم في درجة الاعتماد على قيمتها الاستدلالية (حجيتها) وبالتالي فيما يترتب عليها من أحكام. ومع ذلك فإننا سوف نشير إليها بإيجاز، فقد يكون سبب الخلاف ليس هو المصدر ذاته بقدر ما يكون الخلاف حول نوع الأحكام المستمدة منه . كما سيتضحذلك من المناقشة التالية:


تقسيمات مصادر الفكر الإسلامي


مصادر الفكر الإسلامي كثيرة ومتنوعة ويمكن تصنيفها وفق أكثر من أساس: فهناك مصدران رئيسيان أصليان وهما القرآن الكريم والسنة النبوية وهما ما يعبر عنهما البعض (بالوحي) (1) حيث إنه ما أوحى به الله سبحانه وتعالى من كتاب وسنة .. الأول بلفظه ومعناه والثاني بمعناه دون لفظه.


وهناك مصادر فرعية تابعة للمصدر الأصيل أو ملحقه به أو مستوحاة منه كالإجماع والقياس.. الخ.


كما يمكن تقسيمها إلى مصادر نصية، تتمثل في القرآن والسنة (الوحي) ومصادر غير نصية، تتمثل في الاجتهاد والرأي إجماعاً وقياساً.


كما يمكن تقسيمها وفق أساس آخر إلى مصادر اتفاقية وتشمل القرآن والسنة الوحي) والإجماع والقياس وما عداها يعتبر مصادر مختلف عليها بشأن الاستدلال بها والتعويل عليها بين أئمة المجتهدين ومنها : الاستحسان والمصالحالمرسلة، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، ومذهب الصحابي


وسوف نتبع هذا المنهج في التقسيم ومن ثم فإننا نتناول هذه المصادر على الوجه التالي :


(1) دكتور علي محمد جريشة المشروعية الإسلامية العلياء مكتبة وهبة (١٣٩٦هـ - ١٩٧٦م)، ص ٩٧ وما بعدها. ( ١٤ )أولاً: المصادر الاتفاقية (1):



  1. القرآن :


تعریف عرفه العلماء بأنه اللفظ العربي المنزل على محمد المنقول إلينا


بالتواتر (٢).


ويشار إلى القرآن أحياناً بكلمة «الذكر» أو «الكتاب» على أن كلمة «القرآن»


أشهر من الكلمتين الأخريين (۳).


والقرآن الكريم هو المصدر الأساسي الأول للشريعة الإسلامية، فالمصادر الاتفاقية الأربعة مرتبة في قوتها كالآتي: القرآن فالسنة فالإجماع، فالقياس (1) على أن القرآن هو المصدر الوحيد بالنسبة للعقيدة وذلك فيما كان من آياته قطعي


الدلالة ()، أي لا يحتمل أكثر من معنى.


هذا وقد دون القرآن ونشر على كافة المسلمين بصورة قانونية بحيث أصبح من أيسر الأمور على جميع المسلمين أن يطلعوا على آياته ولكن ذلك لم يتم إلا في عهد الخلفاء الراشدين، وعلى وجه الخصوص عندما نشبت حرب الردة في عهد خلافة أبي بكر الصديق وأصبح الاستشهاد في سبيل الله يتهدد الكثيرين ممن يحفظون بعض أجزاء مختلفة من القرآن.


وبعد تدوين القرآن وحفظه مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ الحجر : ٩) فلا يسع مسلماً إلا أن يسلم بكل ما جاء فيه من أحكام باعتبار أنه


المصدر الأول والأساسي للفكر الإسلامي.


وقد حوى القرآن وجوهاً كثيرة من وجوه الإعجاز ذكر منها السيوطي خمسة وثلاثين وجهاً وذلك في كتابه معترك الأقران في إعجاز القرآن)، وقد أشار السيوطي في معرض الكلام عن الإعجاز العلمي للقرآن الكريم إلى ما تضمنه من علوم الأوائل مثل الطب والفلك والهندسة والجبر وغيرها واستشهد في هذا الصدد


بكثير من أى الذكر الحكيم.


(1) انظر: الشيخ عمر عبد الله سلم الوصول لعلم الأصول، ص ١٥٧ انظر أيضاً : دكتور عبد الحميد متولى، مبادئ نظام الحكم في الإسلام، مرجع سابق ص ٤٩. ويلاحظ أن المصادر المتفق عليها لم يخالف فيها إلا من


شد في الإجماع والقياس (۲) الشيخ محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة، مرجع سابق، ص ٤٨٤


(۳) دكتور / عبد الحميد متولى مبادئ نظام الحكم في الإسلام، ص ٥٠.


(1) الشيخ عمر عبد الله سلم الوصول لعلم الأصول، مرجع سابق، ص ١٥٧


(2) الشيخ محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة، مرجع سابق، ص ٦٩


(1) راجع الطبعة الصادرة لهذا الكتاب، تحقيق الأستاذ/ علي محمد البجاوي، دار الفكر العربي، من ١٤ وما بعدها. ( ١٥ )


على أن جانب الإعجاز العلمي الذي يعنينا في موضوعنا يتمثل في مجال العلوم الاجتماعية فيما أورده من ارشادات إنسانية لتنظيم المجتمع الإسلامي على أسس سليمة سواء في علاقاته الداخلية أو الخارجية وسواء كانت تلك العلاقات اجتماعية أم


اقتصادية أم سياسية.


وإذا نظرنا إلى الإدارة من وجهة النظر الاجتماعية والتي تركز على تنظيم النشاط البشري الجماعي الهادف، فإننا نلمس في التوجيهات الاجتماعية الإنسانية للقرآن السند الطبيعي للفكر الإداري الإسلامي الذي ساد تطبيقه في صدر الإسلام منذ قيام الدولة الإسلامية. بل إنها كانت وراء نجاح الإدارة العامة في تلك الدول التي ترامت أطرافها فيما بعد وحينما بعدت الإدارة الإسلامية عن هذه التوجيهات تفككت الدولة


وانهارت (۱).


٢. السنة النبوية:


هي المصدر الثاني من المصادر المتفق عليها للفكر الإسلامي، والسنة لها وضعها الخاص بين هذه المصادر، والبحث فيها يتناول . فيما يتناول عدة أشياء منها:


تعريف السنة:


السنة لها أكثر من تعريف من وجهات نظر متغايرة فلها مفهومها اللغوي. ومفهومها عند علماء الفقه، ومفهومها عند الأصوليين أي علماء أصول الفقه. وهذا المعنى الاصطلاحي الأخير هو ما يهمنا. وهي بذلك تعني «ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير أو بعبارة أخرى هي ما روي عن النبي من أقوال


أو أفعال أو تقريرات. وبذلك تنقسم السنة إلى ثلاثة أنواع:


( أ ) السنة القولية: وهي ما ورد عن رسول الله قولاً.


(ب) السنة العملية وهي ما ورد عن الرسول من أعمال وأفعال وإن لم


يصاحبها قول.


(جـ) السنة التقريرية: وهي ما أقره الرسول الله ورضيه من أقوال أو أفعال للصحابة حتى ولو كان ذلك رضاء ضمنياً بسكوته وعدم انكاره لها.


وقد تناولت السنة النبوية المطهرة مختلف شئون الدين والدنيا، كما قدمت إسهامات واضحة في مجال الفكر الإداري الإسلامي (1).


(1) د. حمدي أمين عبد الهادي الفكر الإداري الإسلامي والمقارن، ص ۱۳۸ (۲) د/ حمدي أمين عبد الهادي الفكر الإداري الإسلامي، مرجع سابق، ص ١٤٤.


(١٦)والأمثلة على ذلك كثيرة يكفينا في هذا المجال ما ورد من تأكيد الرسول على أهمية القيادة والتنظيم لنجاح أي عمل من الأعمال ففي مسند أبي داود عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»، فإذا كان التنظيم والقيادة لمجموعة من ثلاثة أمراً واجباً فكيف به بالنسبة للجماعات الكبيرة. كما كان الرسول يدقق في اختيار الولاة ويعدهم للمهام التي يقومون بها بل ويراقب أعمالهم ومن ذلك أنه حينما أرسل سيدنا معاذ بن جبل إلى اليمن سأله: «بماذا تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله قال الرسول : فإن لم تجد ؟ قال: فمن سنة رسول الله.


قال: «فإن لم تجد ؟ قال معاذ اجتهد رأيي ولا آلو ، أي لا أقصر. عندئذ قال رسول الله : «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله (۱).


ولعل الحديث الوارد عن رسول الله كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (٢) أبلغ دليل على تحديد مسئولية العامل عن عمله في أي مستوى من مستويات التنظيم.


متى تعتبر السنة مصدراً للفكر والتشريع


الرأي الغالب أن السنة تلي القرآن في المرتبة . كمصدر من مصادر الفكر والتشريع الإسلامي. وتستمد قوتها من القرآن الذي أثبت حجيتها حيث يقول تعالى: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله [النساء : ۸۰] ويقول تعالى: ﴿وَمَا عَالَيْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) [الحشر : 7]، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية التي تثبت السنة. وإن كان هناك من يري أن السنة في منزلة القرآن باعتبار إنها جزء من الوحي ولأن الله سبحانه وتعالى سوي بين طاعته وطاعة رسوله فسوي بذلك بين الكتاب والسنة، ولأن الرسول جعل التمسك بها مع التمسك بالكتاب دونهما الضلال (۳).


والسؤال الآن: هل تعتبر السنة بمفهومها الذي تحدد بأنه ما صدر عن الرسول قولاً أو فعلاً أو تقريراً هل تعتبر كلها مصدراً للفكر والتشريع الإسلامي؟


تتضح الإجابة على هذا السؤال لو استطعنا تحديد صفة الرسول حين تصدر عنه السنة بأشكالها الثلاثة (القول والفعل والتقرير ) وذلك على الوجه التالي:



  1. ما يصدر عن الرسول بصفته (رسولاً) فيما تدل عليه الفرائن، كان يبين مجملاً في القرآن، أو يخصص عاماً، أو يقيد مطلقاً وما إلى ذلك، فذلك ما يعد في


(۱) راجع محمد كرد على الإسلام والحضارة العربية القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية سنة ١٩٣٦م، الجزء الثاني، ص ٢.


(۲) رواه الخمسة الصحاح. (۳) د. علي محمد جريشة المشروعية الإسلامية العليا، مرجع سابق، ص ۱۱۷


(۱۷)


نظر علماء الفقه الإسلامي . مصدراً للفكر والتشريع.


ما يصدر عن الرسول بغير هذه الصفة (رسول) أي باعتباره إنساناً أو باعتبار ما له من الإمامة والرئاسة أو بمقتضي الخبرة الإنسانية أو باعتبارها خصوصية من خصوصياته فذلك ما لا يعد . في نظر الفقهاء الإسلاميين . مصدراً


للفكر والتشريع (1).


غير أننا يمكن أن يعطي وجهة نظرنا الخاصة في هذا المسألة، والتي تتلخص في أنه وإن كانت السنة التي صدرت عن الرسول بغير صفته (كرسول) أي بصفته السياسية أو بمقتضى الخبرة والتجارب وما إلى ذلك، لا تعد تشريعاً «ملزما» يجب اتباعه، إلا أن مثل هذه السنة قد تعطي مدلولات واتجاهات أخرى في شئون الحياة وإضافات إلى الفكر الإسلامي.


ولنأخذ على ذلك مثلاً حديث تأبير النخل المشهور والذي يستدل به دائماً على أن ما يصدر عن الرسول بمقتضي الخبرة والتجارب ليس تشريعاً ملزماً (وهو كذلك).


فمما يروى عن الرسول أنه مر بقوم بالمدينة يؤبرون النخل أي (يلقحونه) فقال لهم: «لو لم تفعلوا لصلح فتركوه فلم يثمر النخل إلا شيصاً (أي تمراً يابساً ردينا) ثم مر بهم بعد ذلك فسألهم ما لنخلكم ؟ فلما علم منهم ما كان من أمر النخل قال لهم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»(1).


ذلك مما يستدل به على أن السنة ليست كلها سنة أحكام وهو كذلك) وقد يستدل به البعض على أن الرسول ربما يكون عرضة للخطأ في معالجة بعض الأمور الدنيوية، لكننا لو تجاوزنا منطوق الحديث إلى دلالاته ومغزاه لعلمنا أن الرسول . والذي قال الله سبحانه وتعالى في وصفه - وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم: ٣] لا يجوز عليه أن يدلي بتوصياته اعتباطاً في أمر لا يعلم عنه شيئاً، بل لابد أن يكون قصد من ذلك حكمة معينة ودلالة خاصة، ولذلك . فمن وجهة نظرنا لعل الرسول كان يقصد من وراء تلك الواقعة أن يقرر بصورة عملية جانباً من المبادئ الأخلاقية والإنسانية وما إلى ذلك، ولو أننا التمسنا معطيات الحديث في الجانب الإداري


(۱) انظر: د. عبد الحميد متولي مبادئ نظام الحكم في الإسلام، مرجع سابق، ص ۷۱ وما بعدها. أيضا الشيخ محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة، مرجع سابق، ص ٥١٢ وما بعدها.


(۲) صحيح مسلم شرح النووي، طبعة حديثة، جزء ١٥، ص ١١٦.


(۱۸)والقيادي، فإنه يمكن أن يقال أنه يمنحنا بعض الأسس والقواعد الإدارية والتي يمكن


أن يكون منها الآتي:


التأكيد . بطريق غير مباشر . على أهمية المشورة قبل اتخاذ القرار وإصدار الأوامر والتعليمات مصداقاً لقوله تعالى : فلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [الأنبياء : ٧]، فقد اتضح بصورة مقصودة من جانب الرسول القائد نتيجة


مخالفة هذه القاعدة.


. توضيح أهمية التخصص وتقسيم العمل، وبالتالي أهمية وضع الرجل المناسب


في المكان المناسب.


ليس من العيب أن يقع الإنسان في الخطأ، ولكن المهم هو عدم التمادي في الخطأ، والتراجع السريع عنه، وتلك قيمة لها أهميتها في عالم الإدارة الصحيح.


. التأكد على قيمة النقد الذاتي خاصة في المستويات القيادية العليا.


ه التأكد على أصحاب السلطة التنفيذية بضرورة مناقشة القرار . وليس مجرد


190/20


رة . مع السلطة الاستشارية وهي هنا الرسول ( حيث كان يشير عليهم ولا م في هذه الحالة، حيث تقع مسئولية القرار على من يتخذه، ويكون رأي السلطة الاستشارية غير ملزم للسلطة التنفيذية وهي هنا أصحاب النخل ومن ثم إذا أخذت السلطة التنفيذية برأي السلطة الاستشارية، فإن من حقها أن تفكر وتناقش حتى إذا اتخذت القرار كان ذلك على مسئوليتها.


إلى غير ذلك مما يمكن أن يحتمله الحديث الشريف، وبنفس الصورة يمكن التحليل والاستنتاج من كل الأحاديث التي صدرت عن الرسول ، وذلك ما يتسق تماماً مع ما يمكن أن يكون عليه خاتم الأنبياء الذي أرسل إلى كافة الأمم برسالة عامة وخالدة صالحة لكل زمان ومكان.


الإجماع:


انحصر التشريع - في الحقبة الأولى من حياة الدولة الإسلامية في الرسول ﷺ إما تبليغاً مباشراً عن ربه (القرآن) أو بطريق غير مباشر (السنة).


وقد مرت الدولة الإسلامية بتطورات مختلفة، وظهرت مسائل جديدة لم تكن موجودة في الصدر الأول من الإسلام، وكان أن وضع الإمام الشافعي علم أصول الفقه لكي يقوم التشريع الإسلامي على أسس ثابتة. ومن أهم ما حققه هذا العلم تقرير أصل الإجماع»، حيث أوضح قيمته وأثبت حجيته وجعل منزلته - كمصدر


(۱۹)


للفكر والتشريع الإسلامي - بعد القرآن والسنة، ومعتمداً عليهما في الوقت نفسه (۱).


تعريف الإجماع:


يعرف الإمام الغزالي الإجماع بأنه اتفاق أمة محمد على أمر من الأمور


الدينية » (٢).


وقد يبدو للوهلة الأولى بالنظر لهذا التعريف - أن الإجماع لا ينعقد إلا إذا تم اتفاق جميع أفراد الأمة المحمدية، الخواص والعوام على المسألة محل النظر، وفي ذلك يقول الآمدى بأن ما ذكره الغزالي يؤدي إلى عدم انعقاد الإجماع إلى يوم


القيامة، فإن أمة محمد جملة من أتبعه إلى يوم القيامة (۳).


ولكن الغزالي (1) يوضح في موضوع آخر مقصده، فيبين أنه يقصد اتفاق «كل مجتهد مقبول الفتوى» أو «أهل الحل والعقد ولذلك فإن الرأي بين الأصوليين يكاد يجمع على أن الإجماع هو اتفاق جملة المجتهدين من الفقهاء المسلمين في عصر من العصور بعد موت الرسول على حكم شرعي لواقعة من الوقائع أو مسألة من المسائل» ().


حجية الإجماع:


إذا استوفي الإجماع شروطه وأركانه، يصبح حجة شرعية وهو يستند في حجيته إلى القرآن والسنة وحسبنا أن نشير إلى قوله تعالى: كأنها الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمر مِنكُمْ [النساء : ٥٩] فأولو الأمر الديني هم «المجتهدون» أو «أهل الفتيا» وأولى الأمر الدنيوى هم المسئولون على مختلف مستوياتهم ما دام أمرهم متمشياً مع ما يقضي به الإسلام، كذلك من الحديث قوله : «لا تجمع أمتي على ضلالة وقوله: «يد الله مع الجماعة» (1).


سريان حجية الإجماع:


والمسألة هنا تتعلق بالسؤال الثاني: هل يجوز أن يخالف إجماع لاحق إجماعاً سابقاً ؟ وهنا فإننا نجد أنفسنا أمام رأيين مختلفين هما :الرأي الأول: يري أنه لا يجوز للمجتهدين . حتى في عصر لاحق ، مخالفة إجماع سابق، وذلك لأن الحكم الذي ثبت بهذا الإجماع السابق إنما هو حكم شرعي قطعي لا مجال لمخالفته ولا لنسخه» (۱).


الرأي الثاني: يري أن للمجتهدين أنفسهم أو لمن يأتي بعدهم، إذا تغيرت ظروف الإجماع أن يعيدوا النظر في المسألة، وأن ينقضوا الإجماع السابق بإجماع لاحق ومن باب أولى لا يكون الإجماع في عصر من العصور ملزماً للمجتهدين في عصر


)۲( تال


ونحن نميل إلى تأييد الرأي الثاني ، في غير المسائل المتعلقة بالعبادات . وذلك لأن الرأي الأول يتنافي مع مرونة الشريعة الإسلامية ويصفها بصفة الجمود ويقف حائلاً أمام قابليتها للتلائم والاستجابة للظروف المتجددة والمتطورة باستمرار .


فإذا كان من أسس الإجماع اتفاق النظر في تقرير المصلحة وهي مما يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال، فإنه يجوز للمجتهدين أنفسهم أو لمن يأتي بعدهم إذا تغيرت ظروف الإجماع الأول، أن يعيدوا النظر على ضوء الظروف الجديدة، وأن يقرروا ما يحقق المصلحة التي تقتضيها تلك الظروف ويكون ذلك الاتفاق الثاني إجماعاً منهياً لأثر الإجماع الأول ويصير هو الحجة التي يجب اتباعها، وإذا وجدت المصلحة فثم شرع الله» (۳).


القياس:


المصدر الرابع من مصادر الشريعة الإسلامية التي ورد عليها اتفاق علماء المسلمين هو «القياس» فإذا لم يكن هناك نص من القرآن أو السنة في مسألة من المسائل أو لم يوجد إجماع من جمهور المجتهدين بصدد هذه المسألة فسبيلنا عندئذ أن نلجأ إلى استنباط الحكم الشرعي بطريق القياس أو غيره من طرق الاستنباط، وقد عرف العلماء القياس بأنه الحاق واقعة لا نص على حكمها الشرعي بواقعة ورد نص في القرآن أو السنة - بحكمها وذلك في الحكم الذي ورد به نص لتساوى الواقعتين في علة هذا الحكم» (1).


(1) الشيخ / عبد الوهاب خلاف أصول الفقه، مرجع سابق، ص ٤٨.


أيضاً: الغزالي المستصفي، جزء ۱، ص ۱۲۲


(۲) الشيخ محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة، مرجع سابق، ص ٥٥٩.


(۳) نفس المرجع السابق ونفس الصفحة


(٤) الشيخ عبد الوهاب خلاف أصول الفقه، مرجع سابق، ص ٥٥، ٣١٨


(۲۱)


وبهذا يتضح أن القياس لا يجوز إلا على حكم شرعي ثبت بنص من القرآن أو السنة، حيث يمكن إدراك العلة، وبالتالي يمكن القياس إذا كان هناك اشتراك في هذه العلة.


لكن في حالة الحكم الشرعي الذي ثبت بالإجماع، فهل يجوز القياس عليه؟ المسألة موضع خلاف والرأي الذي يمنع القياس في تلك الحالة مبني على أن الإجماع لا يشترط أن يذكر مع الحكم الشرعي المجمع عليه مستنده. ولا سبيل إلى إدراك العلة بدون هذا المستند، ولا سبيل إلى القياس بدون إدراك تلك العلة.


لكن لنا أن نتساءل لماذا لا يصح القياس على الحكم الشرعي المجمع عليه، إذا


ذكر مع ذلك الحكم أسبابه ؟ (۱).


حجية القياس:


القياس - بمفهومه السابق - له حجية في الاستدلال كمصدر من مصادر


الشريعة الإسلامية بعد القرآن والسنة والإجماع.


وقد استدل الفقهاء على حجية القياس بالقرآن والسنة (٢) وبأقوال الصحابة وأفعالهم (۳)، وأيضاً بالدليل العقلي، وخلاصته أن الأخذ بالقياس هو ما تقضي به مبادئ العدالة والمساواة، والصالح العام وذلك كله مما تهدف الأحكام الشرعية إلى


تحقيقه.


ومع تعدد المصادر المثبتة لحجية القياس، فقد وجد من يرفض الاعتماد عليه كمصدر من مصادر الشريعة وهؤلاء فئة عرفت باسم نفاة القياس (4)، زاعمين أن الأخذ بالقياس يؤدى أحياناً إلى الحرج، وتنتفي معه المصلحة أنه قد يؤدي إلى


حدوث الاختلاف، الذي حذر منه في كتاب الله الكريم ().


ومع ذلك فإن حجج نفاة القياس لا تقوى أمام حجج المثبتين ولذلك شاع إدراجه ضمن المصادر المتفق عليها.ونحن نميل إلى الرأي الأول الذي يثبت حجية القياس» إذ لا يستطيع أحد أن يدعى أن القرآن والسنة قد نصاً في المسائل الجزئية على كل ما كان وما هو كائن وما سوف يكون فلم يكن بد من الالتجاء إلى القياس وتحكيم القواعد العامة وروحالشريعة وسوف يفيدنا القياس كثيراً في مجال الفكر الإداري، حيث إنه بالنسبة للمسائل التي تستجد يمكن عن طريق الاجتهاد الحاقها وقياسها على مسائل أخرى أقرها الإسلام بأدلة أخرى، ومن ذلك قياس عمليات الإعداد والتخطيط لأي أمر من الأمور أو مشروع من المشروعات على ما ورد في القرآن من الأمر بالإعداد للحرب في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوق [الأنفال : ٦٠].


ثانياً : المصادر المختلف عليها :


لم يتفق علماء أصول الفقه على عدد المصادر المختلف عليها، فمنهم من عدها ستة مصادر ومنهم من جعلها تسعة مصادر ومنهم من زاد على ذلك (1)، ولكن ما جرى عليه غالبية الفقهاء أن هذه المصادر عددها ستة مصادر وهي:



  1. الاستحسان.


٢. المصالح المرسلة.


العرف.


. الاستصحاب.


ه شرع من قبلنا.


٦. مذهب الصحابي.


ويهمنا أن نشير إلى هذه المصادر الستة في هذه العجالة السريعة بالقدر الذي


نعول عليه في دراستنا.



  1. الاستحسان


اشتهر بالأخذ به علماء الحنفية، ويعرفه بعضهم بأنه العدول بمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي هذا العدول ويدفع أصحاب الاستحسان إلى هذا العدول الرغبة في تقرير استثناء لأحدى الجزئيات من القواعد الكلية أو من الأقيسة الفقهية وذلك لأن العدالة أو المصلحة تتطلب تقرير هذا الاستثناء، ودفعاً المشقة أو رفعاً لحرج أو جلباً لمصلحة (٢).


(1) انظر: الشيخ محمد مصطفي شلبي، بحث: الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، مجلة الحقوق، العدد الأول والثاني من السنة التاسعة ٦٠/٥٩، ص ١٠٢. (۲) الشيخ عبد الوهاب خلاف السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية، طبعة ١٣٥٠هـ، ص ١٢.


( ۲۳ )


ولذلك يقول صاحب المنار (۱) إن ما نفهمه من الاستحسان هو أنه ما يوافق


المصلحة العامة من الأحكام».


٢. المصالح المرسلة:


عرفها الإمام الغزالي بقوله أنها المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظوا عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم » (٢).


ويعرفها الشيخ خلاف بأنها المصلحة التي لم يشرع الشارع حكماً لتحقيقها ولم


يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها » (۳).


ويستخلص من هذين التعريفين وغيرهما مما أورده العلماء، إن المصلحة المرسلة يراد بها كل مصلحة غير مقيدة بنص من الشارع يدعو إلى اعتبارها أو عدم اعتبارها وفي اعتبارها مع هذا جلب لنفع أو دفع لضرر ، بشرط ألا تعارض مقصداً من مقاصد الشريعة ولا دليلاً من أدلتها المعروفة، وأن تكون مصلحة حقيقية للمجتمع أو على


الأقل فيها تحصيل نفع أو درء ضرر حقيقي (1).


هذا وقد ثار الخلاف بين العلماء حول حجية «المصالح المرسلة كمصدر من


مصادر الشريعة الإسلامية.


وبتمحيص الآراء التي ثارت حول هذه المسألة، فإننا نرى أنه:


ليس هناك خلاف حقيقي في الرأي بين الأئمة حول الأخذ بمبدأ المصلحة فالعمل بالمصلحة إنما هو على حد تعبير بعض العلماء - أصل من أصول الشريعة وذلك لأن المقصود بتشريع الأحكام هو تحقيق مصالح الناس (). وذلك . بلا ريب يتيح لنا أن نستحدث من نظم العمل والمعاملات كل ما يدفع ضرراً أو يجلب مصلحة كزيادة الكفاءة الإنتاجية في مجال الإنتاج أو رفع مستوى الخدمة المدنية في مجال الإدارة العامة وما إلى ذلك - بشرط ألا يصطدم ذلك بحكم شرعي ثبت بنص أو إجماع أو قياس.ولذلك فإن الخلاف القائم بين العلماء يمكن تفسيره على أنه خلاف حول مدى التوسع في الأخذ بالمصلحة أو في الطرق التي يجب اتباعها لتحقيقها. ومن هنا فإن البعض قد يميل إلى التشدد وعدم الأخذ بها خشية سواء استغلال تلك المصادر في إصدار أحكام شرعية طوعاً لنزوات أو أهواء شخصية تحت ستار «المصلحة».


العرف


أورد علماء الشريعة تعريفات كثيرة يفهم منها أن العرف هو ما اعتاده الناس، أي ما تكرر سيرهم على مقتضاه والعرف والعادة لدي فقهاء الإسلام بمعنى واحد (۱).


ولا يحتج بالعرف، إذا كان مخالفاً لأصل شرعي، ولكنه يؤخذ في الاعتبار إذا لم يكن مخالفاً للأصول الشرعية المعروفة.


والمخالفون في حجية العرف لا ينكرون العرف أصلاً ولكنهم لا يعتبرونه مصدراً مستقلاً وينظرون إليه باعتباره صورة من صور المصالح المرسلة» (٢) أو هو ما يعمل به اتباعاً للمبدأ الموجب لنفي الحرج» (۳).


وعموماً يمكن إن يقال : أنه سواء نظرنا إلى العرف كمصدر مستقل أم على اعتبار أنه صورة من صور مراعاة المصالح المرسلة أم الأخذ به . فيما يري البعض . هو اتباع لمبدأ نفي الحرج فأنه يبقي في النهاية مصدراً من مصادر الشريعة ومظهراً من مظاهر مسايرتها لمصالح الناس ومن دلائل اليسر والسماحة فيها. . الاستصحاب:


يعرف علماء أصول الفقه الاستصحاب بأنه استبقاء الحكم الشرعي الذي كان ثابتاً في الماضي لمسألة من المسائل، أي اعتباره باقياً وذلك حتى يتم تعديله أو إلغاؤه (1). وخير مثال لذلك قاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يقوم الدليل على العكس وكذا براءة الذمة حتى يثبت العكس .. الخ ).


والذين يقولون بعدم حجية الاستصحاب تتخلص حجتهم في أنه كما أن الحكم الشرعي يحتاج إلى دليل ابتداء دليل يثبت قيامه في الماضي فإنه يحتاج إلى دليل


(۱) راجع في ذلك الشيخ عمر عبد الله سلم الوصول لعلم الأصول، مرجع سابق، ص ۳۱۷، ۳۱۸. حيث يذكر


تعاريف مختلفة للعرف لا تخرج في معناها عن هذا التعريف. .


(۲) الشيخ عبد الوهاب خلاف مرجع سابق، ص ۱۰۰


(۳) الشيخ المراغي الاجتهاد في الإسلام، ص ٥١، نقلاً عن د. عبد الحميد متولي، مبادئ نظام الحكم في الإسلام مرجع سابق، ص ۱۳۷


(٤) المستصفي للغزالي، جزء ۱، ص ۱۲۸ وأصول الفقه للشيخ خلاف، ص ۱۰۰.


(3) د. سليمان الطماوي، عمر بن الخطاب، مرجع سابق، ص ۱۵۲


(٢٥)


دواماً وبقاء أي دليل يثبت بقاءه ودوامه في الحاضر) (1).


ونحن نرى أن حجية المثبتين للاستصحاب تبدو أكثر قبولاً لأنها تستند إلى قواعد ثابتة لا يستطيع المخالف أن يقول بعكسها مثل أن الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الذمة البراءة .. الخ). فضلاً عن أن الأخذ بالاستصحاب إنما هو في الحقيقة ضرب من ضروب ابتاع مبدأ نفي الحرج أحد المبادئ العامة التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية.


ه. مذهب الصحابي


يقصد بمذهب الصحابي تلك الفتاوي التي كانت تصدر بعد وفاة الرسول ، ومن بعض الصحابة الذين عرفوا بالاجتهاد وبطول الملازمة للرسول، والمقصود هنا هو ما أفتى به واحد أو بعض من أولئك الصحابة ولم تتفق عليه كلمة المجتهدين من الصحابة، أما ما اتفقت عليه كلمة المجتهدين من الصحابة فإنه يعد إجماعاً» (1).


وجميع العلماء متفقون على أن مذهب الصحابي ليس حجة على أحد من الصحابة المجتهدين، ولكن الخلاف فيما يتعلق بحجيته على التابعين (۳).


ويبدو أن الرأي الراجح هو الرأي القائل بعدم حجية مذهب الصحابي» وهو يعتمد على أدلة وحجج قوية في مقدمتها أن من يجوز عليه السهو والخطأ ولم تثبت عصمته لا حجة في قوله ملزمة لغيره وممن يقول بهذا العلامة الأمدي (1)، والإمام الغزالي () وكذا الشوكاني (٢).


٦. شرع من قبلنا :


يقصد به الأحكام التي شرعها تعالى للأمم السابقة بواسطة أنبيائه الذين أرسلهم إلى تلك الأمم والتي لم تنسخها شريعة الإسلام ).


فهو يعد مما فرض على المسلمين، وإن لم ينص على ذلك صراحة على خلاف في ذلك، إذ يري البعض أنه لا يكون شرعاً لنا إلا إذا نص على ذلك صراحة. والرأي الأول هو رأي جمهور علماء الحنفية وبعض علماء المالكية والشافعية (1).


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...

يُمثل الفضاء ال...

يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...

The study deals...

The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...