Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتًا بعينه، ويُرجِّح ذلك لأنه يذكر أنَّ وجهه تَلقَّى في ذلك الوقت هواءً فيه شيءٌ من البرد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس، يكاد يذكُر أنه تلقَّى حين خرج من البيت نورًا هادئًا خفيفًا لطيفًا كأنَّ الظلمة تَغشَى١ بعض حواشيه، وإذا كان قد بقى له من هذا الوقت ذِكرى واضحةٌ بينةٌ لا سبيل إلى الشك فيها، فإنما هي ذكرى هذا السِّياج٣ الذي كان يقوم أمامه من القصب، ٤ والذي لم يكن بينه وبين باب الدار إلا خُطواتٌ قِصارٌ. هو يذكر هذا السياج كأنه رآه أمس، فكان من العسير عليه أن يتخطَّاه إلى ما وراءه، ويذكر أنَّ قصب هذا السياج كان مقتربًا كأنما كان متلاصقًا، فلم يكن يستطيع أن ينسلَّ٥ في ثناياه، ويذكر أن قصبَ هذا السياج كان يمتد من شِماله إلى حيث لا يعلم له نهايةً، وكان يمتد عن يمينه إلى آخر الدنيا من هذه الناحية، فقد كانت تنتهي إلى قناةٍ عَرَفها حين تَقَدَّمت به السن، إلى حيثُ تَقرِضُ٧ ما كان وراءه من نَبْتٍ أخضر، فيعتمدُ على قصب هذا السِّياج مفكِّرًا مُغرقًا في التفكير، حتى يَرُدَّه إلى ما حوله صوت الشاعر قد جلس على مسافةٍ من شماله، والتفَّ حوله الناس وأخذ يُنشدهم في نَغْمةٍ عذْبةٍ غريبةٍ أخبارَ أبي زيد وخليفةَ ديابٍ، ثم يذكر أنه لا يخرج ليلةً إلى موقفه من السياج إلَّا وفي نفسه حسرةٌ لاذعةٌ؛ ١١ لأنه كان يُقدِّر أن سيقطعُ عليه استماعه لنشيد الشاعر حين تدعوه أخته إلى الدخول فيأبَى، فتحمِله بين ذِراعيها كأنه الثُمامة، ١٢ وتَعدو١٣ به إلى حيث تُنيمه على الأرض وتضع رأسه على فَخِذِ أمِّه، ثم تَعمِد١٤ هذه إلى عينيه المظلمتين فتفتحهما واحدةً بعد الأخرى، ثُم يُنقَل إلى زاوية في حُجرةٍ صغيرةٍ فتُنيمه أُخته على حصيرةٍ قد بُسط عليها لِحافٌ، وإنه لَيُمدُّ سمعه مدًّا يكاد يخترق به الحائط لعلَّه يستطيع أن يَصِلَه بهذه النغمات الحلوة التي يُردِّدها الشاعر في الهواء الطلق تحت السماء. فما يُحِسُّ إلا وقد استيقظ والناس نيامٌ، فيُلقِي اللحاف عن وجهه في خِفيةٍ وتردُّدٍ؛ فإذا أَوَتِ الشمس إلى كهفها، صعِدتْ هذه العفاريتُ من تحت الأرض وملأت الفضاء حركةً واضطرابًا وتهامسًا وصياحًا. ويجتهد في أن يميِّز بين هذه الأصوات المختلفة، فأمَّا بعضُها فكانت أصواتُ دِيَكَةٍ حقًّا، وأمَّا بعضُها الآخر فكانت أصوات عفاريت تتشكَّل بأشكال الدِّيكة وتُقلِّدها عبثًا وكيدًا، ولم يكن يحفِل بهذه الأصوات ولا يهابُها؛ إنما كان يخافُ الخوفَ كلَّه أصواتًا أخرى لم يكن يتبيَّنها إلا بمشقَّةٍ وجَهدٍ، ويمثِّل بعضُها الآخر حركةَ متاعٍ خفيفٍ يُنقَلُ من مكان إلى مكان، وكان يعتقد أن ليس له حصنٌ من كلِّ هذه الأشباح المَخُوفة والأصوات المُنْكَرة؛ إلَّا أن يلتفَّ في لِحافه من الرأس إلى القدم، دون أن يدع بينه وبين الهواء منفذًا أو ثُغْرةً، وكان واثقًا أنه إن ترك ثغرةً في لحافه فلا بدَّ من أن تمتد منها يدُ عِفريتٍ إلى جسمه فتناله بالغمز والعَبث. حتى إذا وصلتْ إلى سمعه أصوات النساء يَعُدْنَ إلى بيوتهنَّ وقد ملأن جِرارَهنَّ من القَناة وهنَّ يتغنَّيْنَ: «الله يا ليل الله …» عرَف أنْ قد بَزَغ الفجر، وأخذ يتحدَّث إلى نفسه بصوتٍ عالٍ، فهناك الصِّياح والغناء، ودعاؤه بالإبريق ليتوضَّأ. حينئذٍ تخفُت٢٣ الأصوات وتهْدأ الحركة، حتى يتوضَّأ الشيخ ويُصلِّي ويقرأ وِرْدَه ويشرب قهوته ويمضي إلى عمله، فإذا أغلق الباب من دونه نهضت الجماعة كلُّها من الفِرَاش، حتى تختلِط بما في البيت من طير وماشية.

Original text

الفصل الأول
لا يذكرُ لهذا اليوم اسمًا، ولا يستطيع أن يَضعَه حيثُ وضعه الله من الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتًا بعينه، وإنما يُقرِّب ذلك تقريبًا.


وأكبر ظنِّه أنَّ هذا الوقت كان يقع من ذلك اليوم في فجره أو في عِشائه، ويُرجِّح ذلك لأنه يذكر أنَّ وجهه تَلقَّى في ذلك الوقت هواءً فيه شيءٌ من البرد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس، ويُرجِّح ذلك لأنه على جهله حقيقةَ النور والظُّلمة، يكاد يذكُر أنه تلقَّى حين خرج من البيت نورًا هادئًا خفيفًا لطيفًا كأنَّ الظلمة تَغشَى١ بعض حواشيه، ثم يُرجَّح ذلك لأنه يكاد يذكر أنه حين تَلَقَّى هذا الهواء وهذا الضياء لم يُؤْنِسْ٢ من حولِه حركةَ يَقَظةٍ قويةٍ، وإنما آنس حركةً مُستيقظة من نومٍ أو مُقبلةً عليه، وإذا كان قد بقى له من هذا الوقت ذِكرى واضحةٌ بينةٌ لا سبيل إلى الشك فيها، فإنما هي ذكرى هذا السِّياج٣ الذي كان يقوم أمامه من القصب،٤ والذي لم يكن بينه وبين باب الدار إلا خُطواتٌ قِصارٌ. هو يذكر هذا السياج كأنه رآه أمس، يذكر أنَّ قصب هذا السياج كان أطول من قامته، فكان من العسير عليه أن يتخطَّاه إلى ما وراءه، ويذكر أنَّ قصب هذا السياج كان مقتربًا كأنما كان متلاصقًا، فلم يكن يستطيع أن ينسلَّ٥ في ثناياه، ويذكر أن قصبَ هذا السياج كان يمتد من شِماله إلى حيث لا يعلم له نهايةً، وكان يمتد عن يمينه إلى آخر الدنيا من هذه الناحية، وكان آخر الدنيا من هذه الناحية قريبًا؛ فقد كانت تنتهي إلى قناةٍ عَرَفها حين تَقَدَّمت به السن، وكان لها في حياته — أو قُل في خياله — تأثيرٌ عظيم.
يذكر هذا كله، ويذكر أنه كان يحسد الأرانب التي كانت تخرج من الدار كما يخرُج منها، وتتخطَّى السياج وَثْبًا من فوقه، أو انسيابًا٦ بين قَصَبه، إلى حيثُ تَقرِضُ٧ ما كان وراءه من نَبْتٍ أخضر، يَذْكُر منه الكُرُنْبَ خاصَّةً.
ثم يذكر أنه كان يحب الخروج من الدار إذا غَرَبَت الشمسُ وتعشَّى الناسُ، فيعتمدُ على قصب هذا السِّياج مفكِّرًا مُغرقًا في التفكير، حتى يَرُدَّه إلى ما حوله صوت الشاعر قد جلس على مسافةٍ من شماله، والتفَّ حوله الناس وأخذ يُنشدهم في نَغْمةٍ عذْبةٍ غريبةٍ أخبارَ أبي زيد وخليفةَ ديابٍ، وهم سكوتٌ إلا حين يَسْتخفُّهم٨ الطَّرب أو تَستفزُّهم الشهوة، فيستعيدون ويتمارَوْن٩ ويختصمون، ويسكت الشاعر حتى يفرُغوا من لغَطهم١٠ بعد وقتٍ قصيرٍ أو طويل، ثم يستأنف إنشادَه العذْبَ بنغْمته التي لا تكاد تتغيَّر.
ثم يذكر أنه لا يخرج ليلةً إلى موقفه من السياج إلَّا وفي نفسه حسرةٌ لاذعةٌ؛١١ لأنه كان يُقدِّر أن سيقطعُ عليه استماعه لنشيد الشاعر حين تدعوه أخته إلى الدخول فيأبَى، فتخرج فَتشُدُّه من ثوبه فيمتنع عليها، فتحمِله بين ذِراعيها كأنه الثُمامة،١٢ وتَعدو١٣ به إلى حيث تُنيمه على الأرض وتضع رأسه على فَخِذِ أمِّه، ثم تَعمِد١٤ هذه إلى عينيه المظلمتين فتفتحهما واحدةً بعد الأخرى، وتقطُر فيهما سائلًا يُؤذيه ولا يُجدِي عليه خيرًا،١٥ وهو يألمُ ولكنه لا يشكو ولا يبكي؛ لأنه كان يكره أن يكون كأخته الصغيرة بكَّاءً شكَّاءً.١٦
figure
ثُم يُنقَل إلى زاوية في حُجرةٍ صغيرةٍ فتُنيمه أُخته على حصيرةٍ قد بُسط عليها لِحافٌ، وتُلقِي عليه لحافًا آخرَ، وتَذَرُه وإنَّ في نفسه لحسراتٍ، وإنه لَيُمدُّ سمعه مدًّا يكاد يخترق به الحائط لعلَّه يستطيع أن يَصِلَه بهذه النغمات الحلوة التي يُردِّدها الشاعر في الهواء الطلق تحت السماء. ثم يأخذه النوم، فما يُحِسُّ إلا وقد استيقظ والناس نيامٌ، ومن حولِه إخوته وأخواته يَغُطُّون١٧ فيُسرفون في الغطيط، فيُلقِي اللحاف عن وجهه في خِفيةٍ وتردُّدٍ؛ لأنه كان يكره أن ينام مكشوف الوجه، وكان واثقًا أنه إن كشَف وجهه أثناء الليل أو أخرج أحد أطرافه من اللِّحاف، فلا بُدَّ من أن يعبَث به عِفريتٌ من العفاريت الكثيرة التي كانت تعمُر أقطار البيت١٨ وتملأ أرجاءه ونواحيه، والتي كانت تهبط تحت الأرض ما أضاءت الشمسُ واضطرب الناس. فإذا أَوَتِ الشمس إلى كهفها، والناسُ إلى مضاجعهم، وأُطفئت السُّرُج، وهدأت الأصواتُ، صعِدتْ هذه العفاريتُ من تحت الأرض وملأت الفضاء حركةً واضطرابًا وتهامسًا وصياحًا.
وكان كثيرًا ما يستيقظ فيسمع تجاوُبَ الدِّيَكَةِ وتصايحَ الدَّجاج، ويجتهد في أن يميِّز بين هذه الأصوات المختلفة، فأمَّا بعضُها فكانت أصواتُ دِيَكَةٍ حقًّا، وأمَّا بعضُها الآخر فكانت أصوات عفاريت تتشكَّل بأشكال الدِّيكة وتُقلِّدها عبثًا وكيدًا، ولم يكن يحفِل بهذه الأصوات ولا يهابُها؛ لأنها كانت تصل إليه من بعيد، إنما كان يخافُ الخوفَ كلَّه أصواتًا أخرى لم يكن يتبيَّنها إلا بمشقَّةٍ وجَهدٍ، كانت تنبعث من زوايا الحُجرة نحيفةً ضئيلةً، يمثِّل بعضُها أزيزَ المِرْجَل١٩ يغلي على النار، ويمثِّل بعضُها الآخر حركةَ متاعٍ خفيفٍ يُنقَلُ من مكان إلى مكان، ويمثِّل بعضُها خَشَبًا ينقصم أو عُودًا ينحطم.٢٠
وكان يخاف أشدَّ الخوف أشخاصًا يتمثَّلها قد وقفتْ على باب الحجرة فَسَدَّته سدًّا وأخذتْ تأتي بحركاتٍ مختلفةٍ أشبهَ شيءٍ بحركات المتصوِّفة في حلَقات الذِّكْر. وكان يعتقد أن ليس له حصنٌ من كلِّ هذه الأشباح المَخُوفة والأصوات المُنْكَرة؛ إلَّا أن يلتفَّ في لِحافه من الرأس إلى القدم، دون أن يدع بينه وبين الهواء منفذًا أو ثُغْرةً، وكان واثقًا أنه إن ترك ثغرةً في لحافه فلا بدَّ من أن تمتد منها يدُ عِفريتٍ إلى جسمه فتناله بالغمز والعَبث.


لذلك كان يقضي ليلَه خائفًا مضطربًا إلا حين يغلبه النوم، وما كان يغلبه النوم إلا قليلًا. كان يستيقظ مُبَكِّرًا، أو قُل: كان يستيقظ في السَّحَر، ويقضي شَطْرًا طويلًا من الليل في هذه الأهوال والأوجال٢١ والخوف من العفاريت؛ حتى إذا وصلتْ إلى سمعه أصوات النساء يَعُدْنَ إلى بيوتهنَّ وقد ملأن جِرارَهنَّ من القَناة وهنَّ يتغنَّيْنَ: «الله يا ليل الله …» عرَف أنْ قد بَزَغ الفجر، وأن قد هَبَطَتِ العفاريت إلى مستقرِّها من الأرض السُّفلى، فاستحال هو عِفريتًا، وأخذ يتحدَّث إلى نفسه بصوتٍ عالٍ، ويتغنَّى بما حفِظَ من نشيد الشاعر، ويَغْمِز مَن حولَه من إخوته وأخواته، حتى يُوقظهم واحدًا واحدًا. فإذا تمَّ له ذلك، فهناك الصِّياح والغناء، وهناك الضجيج والعَجيج،٢٢ وهناك الضوضاء التي لم يكن يضع لها حدًّا إلَّا نهوض الشيخ من سريره، ودعاؤه بالإبريق ليتوضَّأ.
حينئذٍ تخفُت٢٣ الأصوات وتهْدأ الحركة، حتى يتوضَّأ الشيخ ويُصلِّي ويقرأ وِرْدَه ويشرب قهوته ويمضي إلى عمله، فإذا أغلق الباب من دونه نهضت الجماعة كلُّها من الفِرَاش، وانسابت٢٤ في البيت صائحةً لاعبةً، حتى تختلِط بما في البيت من طير وماشية.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

مقدمة تُعدّ ال...

مقدمة تُعدّ المشكلة االقتصادية من الموضوعات األساسية التي يقوم عليها علم االقتصاد، الرتباطها بالعال...

The Concept of ...

The Concept of Business and Profit • Business– organization that provides goods or services to earn ...

وقد تم التطرق ...

وقد تم التطرق لمنهجية تعبئة التقرير التركيبي من خلال استثمار "بطاقة نتائج تفريغ التقويم التشخيصي ال...

والتأكيد على أن...

والتأكيد على أن المظاهر الأثرية (مثل المساكن والجرار) هي نتاج تفاعل بيئي واقتصادي محلي استمر منذ الع...

خلاصةً، تُظهر ا...

خلاصةً، تُظهر الدراسات السابقة أن تبني خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول والاستمرار في استخدامها يمثلان...

- 2- قالَ بُزَر...

- 2- قالَ بُزَرْ جَمِهْرُ لِوَلِيِّ العَهْدِ: - لا بُدَّ، أَيُّها الأَمِيرُ السَّعيدُ، أَنَّكَ سَمِع...

أسباب تناول الم...

أسباب تناول المشكلة الحالية : ١- التحول الرقمي في الإعلام الرياضي : مع انتشار الإعلام الرياضي الإلكت...

قصة الشيوخ الثل...

قصة الشيوخ الثلاث المحبة والثروة والنجاح ذات مرة خرجت امرأة من بيتها فرأت ثلاثة شيوخ لهم لحى بيضاء ط...

مة: إنّ ال...

مة: إنّ التعليم مهنةٌ سامية تُسهم في بناء الأمم ورقيّها، إذ يُعدّ التعليم الجيّد الركيزة الأساس...

ارتفعت معدالت إ...

ارتفعت معدالت إكمال الدراسة في المرحلة االبتدائية من 75 في المائة في عام 2000 إلى 85.4 في المائة في...

تعتبر السلطة ال...

تعتبر السلطة اللامركزية الإقليمية من أهم الأساليب التي تستخدمها الدولة لتنظيم إدارتها. تهدف هذه السل...

باريس - لقد أضح...

باريس - لقد أضحى اسمها على جميع الشفاه منذ أن قام الرئيس إيمانويل ماكرون بزيارة مفاجئة للمعهد الاستش...

Tech news