Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (39%)
إن ضعف النهج التعددي ليس خطأ الحكومة الأمريكية وحدها بأي حال من الأحوال. فقد سعت الصين إلى توسيع نطاق برنامج الأسلحة النووية الخاص بها، وتزايد اتسام السياسة الخارجية الروسية تحت حكم الرئيس بوتين بالنزعة الانتقامية؛ أي الرغبة في استعادة السيطرة — أو على الأقل الهيمنة — على ما فقدته من أراضٍ؛ فقد استند بوتين في اعتلائه سُدة الحكم في روسيا — إلى حدٍّ ما — على وعده باستخدام القوة العسكرية الروسية لمنع الشيشان من الانفصال عن الاتحاد الروسي، وساند بوتين أيضًا إقليمين انفصاليين في جورجيا، التي تأسست عام ١٩٩١ كإطار لحفظ الصلات بين روسيا والجمهوريات حديثة الاستقلال. قد تكوِّن تنظيمًا إقليميًّا خاصًّا بها لتعزيز القيم الديمقراطية. نرى في جميع تلك الاتجاهات دليلًا على أنه، فإن ما نراه حقيقةً هو الواقع الدائم لمنظومة الدول المستقلة ذات السيادة التي نعيش فيها: التنافس والصراع فيما بين القوى الكبرى، على الصعيدين العالمي والإقليمي على حد السواء. ويتغير الاستحواذ على الإمكانات العسكرية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية باستمرار، ثمة توازنات مهمة بين الصين واليابان، وبين إسرائيل والدول التي تتزعم العالم الإسلامي (مصر وإيران وباكستان والمملكة العربية السعودية). والنتيجة الطبيعية الحتمية المترتبة على وجود منظومة دولية من الدول التي تتسم بطبعها بالفوضى، دون وجود قوة واحدة قادرة على السيطرة على العالم في صورة نوع من الإمبراطورية العالمية — هي أن تواجه الدول «المعضلة الأمنية» التي ستفضي استجابتها لها إلى إطالة أمد انعدام الأمن والنزاع. وفي العلاقات بين الدول، عندما تقرر الدول التي تشعر بتزايد ضعفها وانعدام أمنها أن تستثمر في تعزيز أمنها الخاص، الذي استخدم فيه نظرية الألعاب ليبين أنه إذا كانت الحرب مكلفة والسلام مفيدًا، فإذا أمكن إثبات أن الحرب عالية التكلفة والخطورة، على العلاقات مع الجهات الفاعلة من غير الدول، عندما تطلب النصح من قيادات القوات المسلحة. ومن المفيد أن نذكر أن الحلفاء لم يتمكنوا من تحقيق النصر في الحرب العالمية الثانية إلا بشق الأنفس، وتفوقهم في مجال تكنولوجيا الأسلحة النووية، الذي عانته تشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية وبولندا والمجر، إن أكثر قواعد إدارة الدول حكمةً هي التي أدلى بها فيجيتيوس، فإن مجرد امتلاك كميات كبيرة من الأسلحة وأعداد كبيرة من القوات لا يعني بالضرورة أن مثل تلك الدولة الحصينة ستتحول إلى دولة معتدية. فأمور عديدة ستتوقف على الحنكة السياسية لزعماء الدول وعلى طريقة استجابتهم للضغط المتولِّد عن الأحداث. بل إنَّ الديمقراطيات القوية — كما سنرى في القسم التالي — لديها سجلٌّ حافل بالتدخلات القمعية في إطار سياساتها الخارجية والأمنية في السنوات الأخيرة. مستخدمةً في كثير من الأحيان قوة نارية واسعة النطاق، أي جلْب الموت والدمار على السكان المدنيين. ٤) الدول القمعية والدول الليبرالية إن القمع هو استخدام القوة المادية أو التهديد باستخدامها بغرض الإجبار أو الإقناع أو التقييد. وجميع الدول قمعية بطبعها؛ إذ إن جميع الحكومات والنظم تحتاج إلى استخدام القوة لفرض القانون، والحركة الوحيدة التي تعارضُ من حيث المبدأ سلطاتِ الحكومة وإعمال الدولة للأنظمة القانونية، التي تعضدها ضمنيًّا القوة القمعية؛ تُظهر دراسة أُجريت عن النظم السياسية الحالية في العالم الحديث أن ثمة اختلافات بيِّنة في درجة القمع الذي تُعمله الدول. فمن ناحية ثمة دول تتميز بعناصر قوية من الليبرالية والديمقراطية، وتُصان سيادة القانون في ظِل سلطة قضائية مستقلة. وفي هذه الدول الديمقراطية الليبرالية لا تمثِّل القدرات القمعية لدى الحكومة وقوات الأمن التابعة لها — في الأوقات العادية — جانبًا مخيفًا ودائم الوجود في الحياة اليومية، وتكون الشرطة مُدرَّبة على استخدام الحد الأدنى من القوة، وعلى الرغم من أن الحرب على الإرهاب التي شُنَّت منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر أدَّت بالعديد من الديمقراطيات إلى اتخاذ تدابير أقوى لمكافحة الإرهاب، فلم يسفر ذلك في أي حالة عن الانقلاب على المؤسسات الديمقراطية والتخلي عن القيم الليبرالية. وتمثِّل رواية أورويل «١٩٨٤» رواية أخلاقية ثمينة بالنسبة إلى زمننا، فيما يتعلق باحترام القيم الديمقراطية الليبرالية، فثمة أمثلة عديدة على إساءة استخدام السلطات القمعية. وحتى أعظم ديمقراطية في العالم — الولايات المتحدة الأمريكية — تحمل سجلًّا حافلًا بإساءات استخدام خطيرة للسلطات القمعية لدى الدولة، فعلى سبيل المثال، بل أمَدَّتها في كثير من الأحيان بمساعدات مادية ولوجيستية وعسكرية جوهرية لمواصلة انتهاكاتها لحقوق الإنسان. على سبيل المثال: احتجاز السجناء طويل الأمد دون محاكمة بزعم ضلوعهم في جرائم إرهاب، وتسليم المشتبه بهم بغرض استجوابهم إلى نُظُم يمارَس فيها التعذيب بصورة اعتيادية. ونظام بول بوت في كمبوديا. بيد أن ثمة بعض التحذيرات المهمة التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تصنيف الدول استنادًا إلى درجة إعمالها للقمع؛ أولًا: ستكون تفاوتات هائلة في مقدار القمع المستخدم داخليًّا استنادًا إلى التغيرات الحادثة في نوع النظام. على سبيل المثال: انطوت نيجيريا على مستويات مرتفعة للغاية من القمع عندما تأسست ولاية بيافرا الانفصالية لفترة وجيزة، حيث واجهت المملكة التي سادها السلام سابقًا تمرد جماعات ماوية مسلحة. ثمة تفاوتات هائلة في استخدام الدول المقْدمة على حرب كاملة — أو متورطة فيها — للقمع. على سبيل المثال: كانت عملية الصدمة والرعب — التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة عند غزو العراق عام ٢٠٠٣ — أحدَ أوضحِ الأمثلة على استخدام القوة العسكرية على نحو واسع النطاق؛ إذ مثلت استخدامًا متعمدًا للقوة العسكرية القمعية لإشعال فتيل حرب لم تحصل على أمر رسمي بالموافقة عليها من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تقعان ضمن فئة الديمقراطيات الأقل اعتمادًا على استخدام القوة القمعية، أو على التهديد باستخدامها في الحكم الداخلي؛ فكلاهما ضالع في استخدام القمع الشديد كأداة من أدوات السياسة الخارجية. تصنيف الدول حسب مدى اعتمادها على القمع في سياساتها ٥) القمع الاقتصادي من الخطأ أن ننظر إلى استخدام قوات الجيش أو الشرطة على أنه الشكل الوحيد للقمع المتاح للدولة. ففي السياسات الداخلية قد تقْدم الدولة على تطبيق تدابير اقتصادية تعسفية، واستغلال سيطرة الدولة على الاقتصاد استغلالًا ضاريًا إلى حد بعيد في بلدان مثل كوريا الشمالية وروسيا البيضاء. على سبيل المثال: بين العامل وصاحب العمل، قد لا يتاح أمامه بديل واقعي سوى القبول بوظيفة متدنية الأجر بظروف عمل متدنية كي يعول أسرته. ولكنه أيضًا ليس قمعًا تفرضه الدولة، لذا فأنا أستبعد ما يسمى «العنف الهيكلي» في المجتمعات الرأسمالية من السلطات القمعية التي تستخدمها الدول. إلا أن ثمة نماذج لا حصر لها لدول تستخدم تدابير اقتصادية قمعية في صورة عقوبات كأداة من أدوات السياسة الخارجية، عندما أعلن استقلاله عام ١٩٦٥؛ وكان مثالًا صارخًا آخر على قوة العقوبات الاقتصادية، فثمة اتفاق سائد على أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي عام ١٩٩١، فيما يتعلق بليبيَّين متهمَين بالتورط في التفجير التخريبي لطائرة بان آم ١٠٣ فوق لوكيربي في اسكتلندا في ديسمبر ١٩٨٨، لعبت دورًا كبيرًا في إقناع العقيد القذافي بتسليم الشخصين المشتبه بهما للمحاكمة على يد قضاة اسكتلنديين في هولندا. حظرَ تصدير المواد الحيوية لتكنولوجيا صناعة الطاقة إلى ليبيا، وفرض قيود على التجارة منعت ليبيا من توسيع نطاق تجارتها مع بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في وقت كان النظام فيه في أمسِّ الحاجة إلى تعميق الروابط الاقتصادية التي تربطه بالبلدان الغربية، وإلى اجتذاب الاستثمارات الرأسمالية الغربية. وكان حظر الطيران المباشر إلى ليبيا أقل أهمية بكثير من منطلق اقتصادي، ولكنه كان مهينًا بالنسبة إلى نظام القذافي. ويمكن للعقوبات الاقتصادية المنتقاة بعناية والموجَّهة أن تقمع أنظمة بعينها في ظروف محددة،
Original text
) ميزان القوى والمعضلة الأمنية
إن ضعف النهج التعددي ليس خطأ الحكومة الأمريكية وحدها بأي حال من الأحوال. فقد سعت الصين إلى توسيع نطاق برنامج الأسلحة النووية الخاص بها، وأيضًا قواتها العسكرية التقليدية متَّبِعة تفكيرًا أحادي الجانب يثير قلق العديد من جيرانها. وتزايد اتسام السياسة الخارجية الروسية تحت حكم الرئيس بوتين بالنزعة الانتقامية؛ أي الرغبة في استعادة السيطرة — أو على الأقل الهيمنة — على ما فقدته من أراضٍ؛ فقد استند بوتين في اعتلائه سُدة الحكم في روسيا — إلى حدٍّ ما — على وعده باستخدام القوة العسكرية الروسية لمنع الشيشان من الانفصال عن الاتحاد الروسي، ومؤخرًا اصطدمت حكومة بوتين صراحةً مع أوكرانيا، باذلةً أقصى ما في وسعها، لمعاونة منافس الرئيس يوشينكو في الانتخابات الأوكرانية، وموقِفةً مبيعات الغاز، ومسبِّبةً أزمة طاقة، ليس في أوكرانيا فحسب، وإنما في أوروبا بصفة عامة. وساند بوتين أيضًا إقليمين انفصاليين في جورجيا، مثيرًا جام غضب السلطات في تبليسي. ويبدو مرجَّحًا أن يؤدي العداء المتنامي بين موسكو وحكومات أذربيجان وأرمينيا وجورجيا وأوكرانيا ومولدوفا إلى تفكيك رابطة الدول المستقلة، التي تأسست عام ١٩٩١ كإطار لحفظ الصلات بين روسيا والجمهوريات حديثة الاستقلال. وقد بدا مرجحًا بالفعل في مايو ٢٠٠٦ أن الدول الموالية للغرب؛ جورجيا ومولدوفا وأذربيجان وأوكرانيا، قد تكوِّن تنظيمًا إقليميًّا خاصًّا بها لتعزيز القيم الديمقراطية.
وقد شرع الرئيس بوتين أيضًا في برنامج إعادة تسليح كبير؛ فمن الواضح أن الحكومة الروسية قد انتابها القلق بشأن توسيع عضوية الناتو لتضم دول أوروبا الشرقية، وبشأن قرار الولايات المتحدة المتعلق بوضع صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية في أوروبا الشرقية.
نرى في جميع تلك الاتجاهات دليلًا على أنه، على النقيض من أن نشهد تعزيز المؤسسات متعددة الأطراف والتكامل السياسي العالمي، فإن ما نراه حقيقةً هو الواقع الدائم لمنظومة الدول المستقلة ذات السيادة التي نعيش فيها: التنافس والصراع فيما بين القوى الكبرى، وحتى القوى متوسطة الحجم والصغرى، والآثار المستمرة للمعضلة الأمنية، وبقاء ميزان القوى سمةً محوريةً للمنظومة، على الصعيدين العالمي والإقليمي على حد السواء.
ولا مفر من أن يتضمن تحليل ميزان القوى تقييم الوضع دائم التغير؛ إذ تتغير عضوية التحالفات، ويتغير الاستحواذ على الإمكانات العسكرية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية باستمرار، إلا أنه ما زال ثمة توازنات عالمية مهمة بين روسيا وحلفائها، وبين الولايات المتحدة وحلفائها، وبين الصين والولايات المتحدة وحلفائها. وعلى الصعيد الإقليمي، ثمة توازنات مهمة بين الصين واليابان، والصين والهند، والهند وباكستان، وبين إسرائيل والدول التي تتزعم العالم الإسلامي (مصر وإيران وباكستان والمملكة العربية السعودية).
والنتيجة الطبيعية الحتمية المترتبة على وجود منظومة دولية من الدول التي تتسم بطبعها بالفوضى، دون وجود قوة واحدة قادرة على السيطرة على العالم في صورة نوع من الإمبراطورية العالمية — هي أن تواجه الدول «المعضلة الأمنية» التي ستفضي استجابتها لها إلى إطالة أمد انعدام الأمن والنزاع. وفي العلاقات بين الدول، تنشأ معضلة أمنية، حينما تولِّد الدول التي تنتهج سياسات تستهدف تعزيز أمنها الخاص (على سبيل المثال: عن طريق برامج إعادة التسليح أو تكوين التحالفات) عن غير قصد؛ شعورًا بزيادة عدم الأمان، ويسفر ذلك عن حلقة مفرغة من الأمن وانعدامه، عندما تقرر الدول التي تشعر بتزايد ضعفها وانعدام أمنها أن تستثمر في تعزيز أمنها الخاص، مما يستثير بدوره رد فعل من خصمها المنظور، يستتبع تعزيز وضعه الأمني الجديد.
تقدِّم المعضلة الأمنية تفسيرًا جزئيًّا على الأقل لمسألة «سباقات التسلح»، ويوجد أكثر الفكر أصالةً فيما يتعلق بالمعضلة الأمنية ضمن أدبيات العلاقات الدولية في مؤلَّف روبرت جيرفيس المسمى «الإدراك والإدراك الخاطئ في السياسة الدولية» (١٩٧٦)، الذي استخدم فيه نظرية الألعاب ليبين أنه إذا كانت الحرب مكلفة والسلام مفيدًا، فسيكون الهروب من المعضلة الأمنية ممكنًا؛ فإذا أمكن إثبات أن الحرب عالية التكلفة والخطورة، فقد تُتَّبَع السياسات المصمَّمة لتخفيضِ التوترات القائمة بين الدول لا مفاقمتِها، وللتغلب على انعدام الثقة والخوف. ويمكن تطبيق مبدأ المعضلة الأمنية، على نحو مفيد، على العلاقات مع الجهات الفاعلة من غير الدول، وهو ما ستجري مناقشته في الفصل الثاني.
وفي ضوء تلك السمات الدائمة للمنظومة الدولية للدول التي نعيش فيها، يجدر إسداء النصح لوزير خارجية المملكة المتحدة وزملائه بدعم سياسة تبقي على تأييد وجود أسلحة وقوات مسلحة كافية لحماية المنطقة ضد أي معتدٍ محتمل، حتى إن لم يكن ثمة معتدٍ حقيقي ضالع في تهديد أمن المملكة المتحدة حاليًّا. فحكومة الولايات المتحدة تنفق مبالغ طائلة على الدفاع، ولكنها مع ذلك تعاني استنزافًا بالغًا فيما يتعلق بالأفراد والتمويل؛ نتيجة التكاليف الباهظة للحرب على العراق واحتلاله.
ومن المؤكد أن تلك هي السياسة الدفاعية التي ستُشَجَّع أيُّ حكومة واعية على تبنيها، عندما تطلب النصح من قيادات القوات المسلحة. وهذا هو الدرس الأكبر الذي ينبغي أن يستخلصه صانعو السياسة الخارجية في المملكة المتحدة من تجربتَي الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. فالنزعة إلى السلام ما كانت لِتصلُحَ في مواجهة التهديد الصادر عن هتلر في الحرب العالمية الثانية، ولا في مواجهة محاولة ستالين مد حدود إمبراطوريته الشيوعية السوفييتية عبر أوروبا عقب هزيمة هتلر.
ومن المفيد أن نذكر أن الحلفاء لم يتمكنوا من تحقيق النصر في الحرب العالمية الثانية إلا بشق الأنفس، ولم تكن المملكة المتحدة لتحققَه دون مساعدة الولايات المتحدة. وعلى نحو مشابه في الحرب الباردة: لولا الدعم الذي قدَّمه حلفاء الولايات المتحدة، بقدرتهم المثيرة للإعجاب على نشر قواتهم العسكرية بعيدًا، وتفوقهم في مجال تكنولوجيا الأسلحة النووية، لكان مرجحًا أن تعاني مناطق كبيرة من أوروبا المصيرَ ذاته، الذي عانته تشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية وبولندا والمجر، وغيرها من بلدان أوروبا الشرقية ووسط أوروبا، ولكان الدب الروسي ابتلعها.
إن أكثر قواعد إدارة الدول حكمةً هي التي أدلى بها فيجيتيوس، الذي كتب في القرن الرابع الميلادي: «إذا أردت السلام فلتستعد للحرب.»
وكما سنرى في القسم التالي، فإن مجرد امتلاك كميات كبيرة من الأسلحة وأعداد كبيرة من القوات لا يعني بالضرورة أن مثل تلك الدولة الحصينة ستتحول إلى دولة معتدية. فأمور عديدة ستتوقف على الحنكة السياسية لزعماء الدول وعلى طريقة استجابتهم للضغط المتولِّد عن الأحداث. صحيحٌ أنَّ النظم الاستبدادية ودكتاتوريات الحزب الواحد تتسم بطبعها بزيادة ميلها إلى استخدام العنف القمعي — لا سيما ضد مواطنيها — إلا أنه ليس ضروريًّا أن تتسم الديمقراطيات بغياب السلوك العنيف القمعي لديها، بل إنَّ الديمقراطيات القوية — كما سنرى في القسم التالي — لديها سجلٌّ حافل بالتدخلات القمعية في إطار سياساتها الخارجية والأمنية في السنوات الأخيرة. وتتمتع الديمقراطيات بسمعة طيبة مستحقَّة عن جدارة؛ لتجنبها استخدام العنف ضد الديمقراطيات الشقيقة. وهي من ناحية أخرى، تمتلك سجلًّا حافلًا بالتدخلات العسكرية المتكررة في دول العالم الثالث، مستخدمةً في كثير من الأحيان قوة نارية واسعة النطاق، ومتسببةً في «أضرار غير مباشرة» هائلة؛ أي جلْب الموت والدمار على السكان المدنيين.
(٤) الدول القمعية والدول الليبرالية
إن القمع هو استخدام القوة المادية أو التهديد باستخدامها بغرض الإجبار أو الإقناع أو التقييد. وجميع الدول قمعية بطبعها؛ إذ إن جميع الحكومات والنظم تحتاج إلى استخدام القوة لفرض القانون، وحفظ النظام الداخلي، والدفاع عن الدولة ضد أي أخطار خارجية مدركة. والحركة الوحيدة التي تعارضُ من حيث المبدأ سلطاتِ الحكومة وإعمال الدولة للأنظمة القانونية، التي تعضدها ضمنيًّا القوة القمعية؛ هي اللاسلطوية.
تُظهر دراسة أُجريت عن النظم السياسية الحالية في العالم الحديث أن ثمة اختلافات بيِّنة في درجة القمع الذي تُعمله الدول. فمن ناحية ثمة دول تتميز بعناصر قوية من الليبرالية والديمقراطية، وفيها تختار الشعوب المجالس التشريعية والحكومات في إطار انتخابات حرة، وتتعرَّض الحكومات والمجالس التشريعية للمساءلة من المواطنين، وفيها تُراعى حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتُصان سيادة القانون في ظِل سلطة قضائية مستقلة. وفي هذه الدول الديمقراطية الليبرالية لا تمثِّل القدرات القمعية لدى الحكومة وقوات الأمن التابعة لها — في الأوقات العادية — جانبًا مخيفًا ودائم الوجود في الحياة اليومية، وتكون الشرطة مُدرَّبة على استخدام الحد الأدنى من القوة، ويُنشَر الجيش عمومًا بغرض الدفاع الخارجي في المقام الأول، لا القمع الداخلي. وعلى الرغم من أن الحرب على الإرهاب التي شُنَّت منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر أدَّت بالعديد من الديمقراطيات إلى اتخاذ تدابير أقوى لمكافحة الإرهاب، فلم يسفر ذلك في أي حالة عن الانقلاب على المؤسسات الديمقراطية والتخلي عن القيم الليبرالية.
وتمثِّل رواية أورويل «١٩٨٤» رواية أخلاقية ثمينة بالنسبة إلى زمننا، ولكن الواقع أن المواطنين في الديمقراطيات الليبرالية ما زالوا يتمتعون بقدر هائل من الحرية الشخصية. ولا يعني ذلك أن جميع الديمقراطيات الليبرالية سجلَّاتها لا تشوبها شائبة؛ فيما يتعلق باحترام القيم الديمقراطية الليبرالية، وإبقاء القوى القمعية لديها تحت قيود فعالة تصحبها إجراءات تدقيق ومساءلة موثوق بها تمامًا. فثمة أمثلة عديدة على إساءة استخدام السلطات القمعية. وإنَّ القول المأثور للُّورد أكتون الذي جاء فيه أنَّ «كل سلطة مَفسَدَة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة»، ما زال اليوم صائبًا بالقدر ذاته، كما كان عندما صاغه. وحتى أعظم ديمقراطية في العالم — الولايات المتحدة الأمريكية — تحمل سجلًّا حافلًا بإساءات استخدام خطيرة للسلطات القمعية لدى الدولة، لا سيما في ممارسة سياستها الخارجية.
فعلى سبيل المثال، اشتركت الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن العشرين في مؤازرة نظم دكتاتورية كريهة عدة في أمريكا اللاتينية، ولم تَغُضَّ بذلك الطرفَ عن انتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق التي ارتكبتها تلك النظم فحسب، بل أمَدَّتها في كثير من الأحيان بمساعدات مادية ولوجيستية وعسكرية جوهرية لمواصلة انتهاكاتها لحقوق الإنسان. وفي الآونة الأخيرة كان ثمة نماذج لانتهاكات واضحة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان؛ على سبيل المثال: احتجاز السجناء طويل الأمد دون محاكمة بزعم ضلوعهم في جرائم إرهاب، وإساءة معاملة سجناء أبو غريب، وتسليم المشتبه بهم بغرض استجوابهم إلى نُظُم يمارَس فيها التعذيب بصورة اعتيادية.
من ناحية أخرى، علينا أن نضع في حسباننا أن الولايات المتحدة كانت نصيرًا كبيرًا لعملية التحول الديمقراطي وتعزيز حماية حقوق الإنسان في بلدان عديدة. وأثناء الحرب الباردة، حرَّرت زعامة الولايات المتحدة للبلدان الديمقراطية — بغية الدفاع عن قيمها ومؤسساتها — الملايين من بؤس الحياة في ظل الحكم الشيوعي ذي الحزب الواحد.
وإلى حد بعيد فإن أسوأ صور استغلال السلطة القمعية في التاريخ الحديث اقترفتها نظم القرن العشرين الشمولية: كنظام هتلر النازي المسئول عن الهولوكوست، الذي احتل معظم أوروبا في أربعينيات القرن العشرين، ودكتاتورية ستالين الشيوعية، التي فرضت على الاتحاد السوفييتي السابق — وبلدان أوروبا الشرقية المنتمية إلى حلف وارسو — أحد أكثر نظم الحكم الشمولي التي عرفها العالم قمعًا، والنظام الشيوعي في الصين، ونظام بول بوت في كمبوديا. فملايين الناس فقدوا أرواحهم في ظل تلك النظم الوحشية، وهي تقف على أقصى النقيض من الديمقراطيات الليبرالية الموصوفة سابقًا ضمن مقياس تصنيف الدول القمعية في العصر الحديث.
بيد أن ثمة بعض التحذيرات المهمة التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تصنيف الدول استنادًا إلى درجة إعمالها للقمع؛ أولًا: ستكون تفاوتات هائلة في مقدار القمع المستخدم داخليًّا استنادًا إلى التغيرات الحادثة في نوع النظام. على سبيل المثال: انطوت نيجيريا على مستويات مرتفعة للغاية من القمع عندما تأسست ولاية بيافرا الانفصالية لفترة وجيزة، ولكن فور انقضاء تلك الأزمة انخفض مستوى القمع انخفاضًا ملحوظًا. ويقدم وقف إطلاق النار وعملية السلام المبدئية في سريلانكا — اللذان كان يؤمل أن يضعا نهاية دائمة للنزاع بين نمور التاميل والحكومة السريلانكية — مثالًا آخر على حدوث انخفاض جذري في استخدام القمع. وقد حدث العكس في بعض المناطق؛ أي حدثت زيادة كبيرة في استخدام القمع، كما حدث في نيبال؛ حيث واجهت المملكة التي سادها السلام سابقًا تمرد جماعات ماوية مسلحة. وثانيًا: كما يمكن للمرء أن يتوقع، ثمة تفاوتات هائلة في استخدام الدول المقْدمة على حرب كاملة — أو متورطة فيها — للقمع. على سبيل المثال: كانت عملية الصدمة والرعب — التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة عند غزو العراق عام ٢٠٠٣ — أحدَ أوضحِ الأمثلة على استخدام القوة العسكرية على نحو واسع النطاق؛ إذ مثلت استخدامًا متعمدًا للقوة العسكرية القمعية لإشعال فتيل حرب لم تحصل على أمر رسمي بالموافقة عليها من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. إذن، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تقعان ضمن فئة الديمقراطيات الأقل اعتمادًا على استخدام القوة القمعية، أو على التهديد باستخدامها في الحكم الداخلي؛ فكلاهما ضالع في استخدام القمع الشديد كأداة من أدوات السياسة الخارجية.
تصنيف الدول حسب مدى اعتمادها على القمع في سياساتها
الأقل قمعًا
الديمقراطيات الليبرالية الفاعلة (مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي).
معتدلة القمع
أنظمة الحكم الفردي التقليدية (مثل المملكة العربية السعودية والأردن والمغرب).
شديدة القمع
الأنظمة الدكتاتورية التي تفرض بعض الضوابط المضادة على السلطة (مثل نظام موجابي ونظام كاسترو).
الأكثر قمعًا
الأنظمة الاستبدادية الفردية (مثل نظام صدام حسين في العراق).
الدول الشمولية ذات الحزب الواحد (مثل الاتحاد السوفييتي السابق وألمانيا النازية ونظام بول بوت).
(٥) القمع الاقتصادي
من الخطأ أن ننظر إلى استخدام قوات الجيش أو الشرطة على أنه الشكل الوحيد للقمع المتاح للدولة. ففي السياسات الداخلية قد تقْدم الدولة على تطبيق تدابير اقتصادية تعسفية، على سبيل المثال: مصادرة موجابي أراضي المزارعين البيض، و«التنظيم الجماعي» للزراعة تحت حكم ستالين في ثلاثينيات القرن العشرين، واستغلال سيطرة الدولة على الاقتصاد استغلالًا ضاريًا إلى حد بعيد في بلدان مثل كوريا الشمالية وروسيا البيضاء. وقد تضمنت أدبيات الماركسية الجديدة نقاشًا حول نظرية ما يسمى «العنف الهيكلي»، كصورة من صور القمع داخل الديمقراطيات الرأسمالية. ويُشار إلى أن ما يوصَف في كثير من الأحيان بأنه «تفاوض حر»، على سبيل المثال: بين العامل وصاحب العمل، ليس كذلك في الواقع؛ لأن سلطة الطرفين في العملية التفاوضية شديدة التفاوت، فالرجل الفقير الذي ربما يكون العائل الوحيد لأسرته، والذي يصبح عاطلًا في زمن الركود؛ قد لا يتاح أمامه بديل واقعي سوى القبول بوظيفة متدنية الأجر بظروف عمل متدنية كي يعول أسرته. فلا يمثِّل ذلك «تفاوضًا حرًّا» بالتأكيد، ولكنه أيضًا ليس قمعًا تفرضه الدولة، وينبغي وصفه بقدر أكبر من الدقة على أنه استغلال اقتصادي من صاحب العمل. وإضافةً إلى ذلك، علينا أن نضع في اعتبارنا أن أغلب الديمقراطيات تبنَّت سياسات رعاية اجتماعية، لطَّفت على الأقل من آثار البطالة وانخفاض الدخل على أفقر أعضاء المجتمع (على سبيل المثال: أشكال التأمين الوطني، والرعاية الصحية، والتعليم المجاني، ودعم الدخل، وغيرها من إعانات الرعاية الاجتماعية). لذا فأنا أستبعد ما يسمى «العنف الهيكلي» في المجتمعات الرأسمالية من السلطات القمعية التي تستخدمها الدول.
إلا أن ثمة نماذج لا حصر لها لدول تستخدم تدابير اقتصادية قمعية في صورة عقوبات كأداة من أدوات السياسة الخارجية، وتتعمَّد تلك التدابير إكراه الدولة المستهدفة على تغيير سياساتها، ويبيِّن التاريخ الحديث أن مثل تلك التدابير — وإن كان سجلها متضاربًا — يمكن أن تكون فعالة أحيانًا. وقد كانت المحاولات التي بذلتها المملكة المتحدة للضغط على نظام روديسيا الجنوبية، عندما أعلن استقلاله عام ١٩٦٥؛ غيرَ فعالة؛ لأن حكومة إيان سميث تمكنت من تأمين إمدادات المواد الحيوية — كالنفط — عن طريق جنوب أفريقيا، إلا أن العقوبات الاقتصادية التي فُرِضت على نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في جنوب أفريقيا؛ أسهمت إلى حد بعيد بالفعل في حمل حكومة الحزب الوطني على التفاوض بشأن إنهاء الفصل العنصري؛ نظرًا لأن الضغوط الاقتصادية الدولية — التي تضمنت الولايات المتحدة بصفة خاصة — خلَّفت عظيم الأثر على مجتمع الأعمال الجنوب أفريقي. وكان مثالًا صارخًا آخر على قوة العقوبات الاقتصادية، كتدبير قمعي يستهدف إحداث إعادة توجيه كبرى في سياسة الدولة، هو الحالة الليبية؛ فثمة اتفاق سائد على أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي عام ١٩٩١، فيما يتعلق بليبيَّين متهمَين بالتورط في التفجير التخريبي لطائرة بان آم ١٠٣ فوق لوكيربي في اسكتلندا في ديسمبر ١٩٨٨، لعبت دورًا كبيرًا في إقناع العقيد القذافي بتسليم الشخصين المشتبه بهما للمحاكمة على يد قضاة اسكتلنديين في هولندا. وتضمنت التدابير، التي شكَّلت ضغطًا حقيقيًّا على نظام القذافي، حظرَ تصدير المواد الحيوية لتكنولوجيا صناعة الطاقة إلى ليبيا، التي تحتاجها في استغلال مخزوناتها من الغاز والنفط، وفرض قيود على التجارة منعت ليبيا من توسيع نطاق تجارتها مع بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في وقت كان النظام فيه في أمسِّ الحاجة إلى تعميق الروابط الاقتصادية التي تربطه بالبلدان الغربية، وإلى اجتذاب الاستثمارات الرأسمالية الغربية. وكان حظر الطيران المباشر إلى ليبيا أقل أهمية بكثير من منطلق اقتصادي، ولكنه كان مهينًا بالنسبة إلى نظام القذافي. ويمكن للعقوبات الاقتصادية المنتقاة بعناية والموجَّهة أن تقمع أنظمة بعينها في ظروف محددة، لا سيما حينما تحظى التدابير بتأييد وتطبيق واسِعَيِ النطاق من المجتمع الدولي.
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
قصة الشيوخ الثلاث المحبة والثروة والنجاح ذات مرة خرجت امرأة من بيتها فرأت ثلاثة شيوخ لهم لحى بيضاء ط...
مة: إنّ ال...مة: إنّ التعليم مهنةٌ سامية تُسهم في بناء الأمم ورقيّها، إذ يُعدّ التعليم الجيّد الركيزة الأساس...
ارتفعت معدالت إ...ارتفعت معدالت إكمال الدراسة في المرحلة االبتدائية من 75 في المائة في عام 2000 إلى 85.4 في المائة في...
تعتبر السلطة ال...تعتبر السلطة اللامركزية الإقليمية من أهم الأساليب التي تستخدمها الدولة لتنظيم إدارتها. تهدف هذه السل...
باريس - لقد أضح...باريس - لقد أضحى اسمها على جميع الشفاه منذ أن قام الرئيس إيمانويل ماكرون بزيارة مفاجئة للمعهد الاستش...
مقدمة: تبدأ ال...مقدمة: تبدأ الوظائف التي تتيح للإنسان الحركة وممارسة النشاط البدني من تفاعلات دقيقة داخل الخلايا؛ ف...
# الترجمة الكام...# الترجمة الكاملة للبحث: نظام التكاليف على أساس الأنشطة (ABC) عنوان البحث: نظام التكاليف على أساس ا...
لبُزُق (أو الغل...لبُزُق (أو الغلما) هي آلة موسيقية وترية خشبية تشبه العود ذات عنق طويل وجسم أصغر من العود. وكانت تسمى...
تطوير لوحة مؤشر...تطوير لوحة مؤشرات تشمل إجمالي العقود والكميات المتعاقد عليها، ونسب التعاقد بحسب الجهات والدول، إضافة...
في عصر الضعف لم...في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...
مقدمة يُعتبر ا...مقدمة يُعتبر القانون الدولي العام الهيكل القواعدي والنظمي الذي يحكم العلاقات بين ذوات الشخصية الدول...
ב. דיסגרפיה (Dy...ב. דיסגרפיה (Dysgraphia) דיסגרפיה היא הפרעה שבה עיבוד חזותי-מוטורי וארגון שפתי משפיעים על ההבעה בכתב...