Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

أَمْسَكْتُ أَحَدَ الرِّجالِ بِكِلْتا يَدَيَّ وَهَزَزْتُهُ بِعُنْفٍ:

Original text

في اللَّيْلِ الموحِشِ العَتِمِ كانوا يَتمترسونَ خَلْفَ الأَكْياسِ الرَّمْلِيَّةِ على الشّاطِئِ، أَيْديهمُ مُمْسِكَةٌ بِالبَنادِقِ العَتيقَةِ (أَبو فَتيل) وَبِالسُّيوفِ الحادَّةِ، وَوَنيسُهُمُ الوَحيدُ موسيقا تَبْعَـثُـها الرِّياحُ الخَريفِيَّةُ عَبْرَ أَمْواجِ البَحْرِ. وَهُناكَ بَعيدًا بَعيدًا تَنْتَصِبُ عَلى الرِّمالِ البُيوتُ السَّعَفِيَّةُ وَالطّينِيَّةُ -وَآخِرُ أَطْلالِها هذا الجِدارُ- تَخْتَزِنُ صَدى البُكاءِ وَالعَويلِ عَلى القَتْلى وَالجَرْحى بِتِلْكَ النّيرانِ، يَرْميها ذلِكَ الشَّيْءُ المُخيفُ الرّابِضُ في كَبِدِ البَحْرِ. الحَرائِقُ في كُلِّ مَكانٍ وَمَعَ النّيرانِ كانَ الوَحْشُ يُرْسِلُ جَراثيمَهُ بَيْنَ الحينِ وَالآخَرِ، عَبْرَ قَوارِبَ تَجْديفٍ تَتَسَلَّلُ إِلى الشّاطِئِ، وَتَنْشُرُ الذُّعْرَ وَالخَوْفَ. الرِّجالُ صامِدونَ يُحَرِّكُهُمْ مَصيرٌ واحِدٌ، فَالشَّهادَةُ مَطْلَبٌ في مُواجَهَـةِ الغَريبِ الّذي جاءَ يَنْهَبُ وَيَسْرِقُ اِبْتِسامَـةً تَأْبى أَنْ تُفارِقَ الأَرْضَ، رائِحَتُها عَطاءٌ دائِمٌ، وَمِياهُها خُبْزٌ وَحِكاياتٌ خالِدَةٌ، وَدُروبُها خُطُواتُ العاشِقينَ في اللَّيالي القَمرِيَّةِ. وَفي تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَصَلْتُ لأهنَأَ بِالرّاحَةِ بَعْدَ سَهَرِ اللَّيالي في الحُفَرِ الرَّطْبَةِ.. عَبَرْتُ الزُّقاقَ الضَّيِّقَ.. اِقْتَرَبْتُ، العَويلُ يَزْدادُ وُضوحًا، وَالصُّراخُ يَتَعالى.
امْتَلأَتِ السِّكَكُ السَّعفِيَّةُ بِالرَّوائِحِ العَفِنَةِ.. تَكاثَرَتِ الأَدْخِنَةُ.. وَغَطَّتْ سُحبُها الحيَّ كلَّه. أبدتِ الكِلابُ اسْتِياءها لِلأَعْمالِ القَذِرَةِ، وَهِيَ تَجْري عَبْرَ الأَزِقَّـةِ بِاتِّجاهِ ذلِكَ الوَحْشِ. أَحْسَسْتُ بِالدَّمِ يَتَصاعَدُ في عُروقي.


خَطَوْتُ بِسُرْعَةٍ في الزُّقاقِ الرَّطْبِ المُؤَدّي إِلى المَنْزِلِ السَّعفِيِّ ذي الحُضْنِ الدّافِئِ، وَالابْتِسامَةِ البَريئَةِ. أَسْرَعْتُ إذْ مَرَّ أَحَدُ القَوْمِ وَهُوَ يُرَدِّدُ (لاحَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللّهِ). كَبُرَتِ الدَّهْشةُ وَتَفَجَّرَتْ، وَعِنْدَما وَصَلْتُ إِلى نِهايَةِ الزُّقاقِ...إِذا بي أَمامَ تَجَمُّعِ الحَيِّ..أَكْوامُ الرَّمادِ..أَضْواءُ المَصابيحِ...وَرائِحَةُ السَّعَفِ المَحْروقِ. وَقَفْتُ عِنْدَئِذٍ وَلَمْ أَجْرُؤْ عَلى السُّؤالِ فَقَدْ كانَ الجَوابُ ماثِلًا أَمامي.
تَسابَقَتْ أَيْدي القَوْمِ تُرَبِّتُ عَلى كَتِفَيَّ وَتُواسيني (أَحْسَنَ اللّهُ عَزاكَ يابو عَبْدَ اللّه)، تَجَمَّدَ الدَّمُ في عُروقي، وَفَجْأَةً..أَمْسَكْتُ أَحَدَ الرِّجالِ بِكِلْتا يَدَيَّ وَهَزَزْتُهُ بِعُنْفٍ:



  • الأَوْلادُ !!..أَيْنَ الأَوْلادُ وَأُمُّهُمْ؟
    لَزِمَ الرَّجُلُ الصَّمْتَ مُرْتَمِيًا عَلى صَدْري.. اِنْفَجَرَ باكِيًا وَهُوَ يُرَدِّدُ (أَحْسَنَ اللّهُ عَزاكَ فيهِم). اِغْرَوْرَقَتْ عَيْنايَ وَاحْتَضَنْتُهُ بِكُلِّ قُوَّتِي وَضَغَطْتُ بِجِسْمِهِ عَلى صَدْري. خَنَقْتُ بِداخِلي الصَّرْخَةَ الحادَّةَ، تَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ: كُنّا نُطْفِئُ حَريقًا..وَإذا بِنا نُشاهِدُ تَصاعُدَ اللَّهَبِ قَريبًا مِنْ دارِكَ.. هَرعَتْ مَجْموعَـةٌ مِنَ الرِّجالِ، وَإِذا بِالنّارِ قَدْ أَتَتْ عَلى الخَيْمَةِ الَّتي كانَ فيها الأَوْلادُ، وَبَذَلْنا كُلَّ ما اسْتَطَعْناهُ وَلَكِنْ....! إِنَّهُمْ هُناكَ..لَقَدْ غَطَّيْناهُمْ..مادَتِ الأَرْضُ مِنْ تَحْتي..اِتَّكَأْتُ عَلى أَكْتافِ مَنْ كانَ بِجانِبي.. حَرارَةُ المَكانِ تَلْفَحُني، وَتَزيدُ دَمي غَلَيانًا، اِقْتَرَبْتُ مِنَ الجُثَثِ المُلْقاةِ عَلى بَقايا السَّعفِ الَّذي تَمَّ إِنْقاذُهُ، جَثَوْتُ عَلى رُكْبَتَـيَّ وَالعَرَقُ يَنْضَحُ مِنْ جَسَدي بِغَزارَةٍ، نَزَعْتُ الغِطاءَ بِبُطْءٍ وَإِذا بِرائِحَةِ اللَّحْمِ المُحْتَرِقِ تَخْنُقُني..تَتَسَرَّبُ فيَّ..شَعَرْتُ بِالتَّقَيُّؤِ..أَعَدْتُ الغِطاءَ..نَهَضْتُ واقِفًا عَلى قَدَميَّ المُرْتَجِفَتَيْنِ خَطَوْتُ نَحْوَ الرُّكامِ..تَناوَلْتُ بِيَدَيَّ حَفْنَةً مِنَ الرَّمادِ السّاخِنِ..ضَغَطْتُ عَلَيْهِ بِشِدَّةٍ..أَحْسَسْتُ بِحَرارَتِهِ وَأَنا أُقَدِّمُهُ لِلْرِجالِ وَالأَلَمُ يَتَفَجَّرُ فِيَّ وَيَفْتِكُ بِأَوْصالي، وَتَتَدَفَّقُ مِنْ عَيْنَـيَّ دُموعٌ ما لَها مِنْ قَرارٍ:

  • شُمّوا رائِحَتَهُ..إِنَّهُ..
    وَاخْتَنَقْتُ بِالنَّشيجِ وَالغَضَبِ كَيْفَ أَقولُ لَهُمْ إِنَّ هذِهِ القَبْضَةَ مِنَ الرَّمادِ هِيَ الحَياةُ الَّتي خُنِقَتْ، وَالذِّكْرَياتُ الَّتي أُحْرِقَتْ، وَأَغاني المَراجيحِ وَضَحَكاتُ العاشِقينَ وَالسّمارِ في اللَّيالي الجَميلَةِ، وَقَدْ تَحَوَّلَتْ رَمادًا أَسْوَدَ؟وَجَمَ الرِّجالُ...


بِصَمْتٍ بكَوا، اِنْشَغَلْنا في إِعْدادِ الجُثَثِ لِدَفْنِها في الصَّباحِ الباكِرِ بَعْدَ صَلاةِ الغائِبِ، اِنْفَرَدْتُ بَعْدَها عَلى كَوْمَةٍ مِنَ الرِّمالِ عَلى بُعْدِ خُطُواتٍ مِنَ الشّاطِئِ..تَداعَتْ في مُخَيِّلَتي صورَةُ الأُمِّ وَالأَوْلادِ وَالحِكاياتُ الحُلْوَةُ عَلى (المَنامَةِ) المَزْروعَةِ وَسَطَ ذلِكَ المَنْزِلِ. اِفْتَرَشْتُ قِطْعَةَ قُماشٍ هِنْدِيَّةٍ كُنْتُ أَضَعُها عَلى رَأْسي(غُتْرَةً)..جَرَفَني بُكاءٌ حادٌّ..زَرَعْتُ وَجْهي في حُضْنِ الرِّمالِ..ثُمَّ اِسْتَلْقَيْتُ وَعَيْنايَ مَشْدودَتانِ تجاهَ ذلِكَ الوَحْشِ، اِنْهالَتْ مِطْرَقَةُ الأَفْكارِ عَلى رَأْسي.. مُبارَك...(الشّاحوفُ)...أَجَلْ الشّاحوفُ..لا بُدَّ أَنْ يَرْحَلَ قَبْلَ أَنْ أَواريهمُ التُّرابَ.
اِنْدَفَعْتُ بقُوَّةٍ نَحْوَ الخورِ، حَيْثُ يَرْسو شاحوفُ مُبارَكٍ الَّذي اِتَّخَذَ مِنْهُ مَسْكَنًا وَوَسيلَــةً لِرِزْقِهِ.
رَكَضْتُ عَبْرَ الظُّلْمَــةِ فَوْقَ الأَحْجارِ وَبَقايا عِظامِ الأَسْماكِ.. الأَشْباحُ في داخِلي وَمِنْ حَوْلي، وَالظُّلْمَـةُ تَشْتَدُّ. وَصَلْتُ الشّاطِئَ..تَراءى لي الشّاحوفُ يتَراقَصُ مَعَ الأَمْواجِ الصَّغيرَةِ، لَفَحَتْني نَسَماتُ الخَريفِ الآتِيَةُ مِنَ البَراري وَأَنا أَنْزَلِقُ إِلى الماءِ لأجْذِبَ الشّاحوفَ، قَفَزَ مُبارَكٌ مِنْ نَوْمِهِ مَرْعوبًا عَلى أَثَرِ ارْتِطامِ الشّاحوفِ بِرِمالِ الشّاطِئِ.



  • مَنْ...مَنْ هُناكَ؟
    وَثَبْتُ عَلى (الفَنَّـة) وَنَزَلْتُ في (الخنْ)، وَأَخَذْتُ أَبْحَثُ عَنْ سِكّينٍ بَيْنَ أَكْوامِ (الشّباك).

  • مُبارَك أَيْنَ السّكينُ؟

  • مَنْ...؟ أَبو عَبْدُ اللّهِ..يا هَلا..السِّكينُ هُناكَ في السَّلَّـةِ، وَجَدْتُها وَأَمْسَكْتُ بِها شَهَرْتُها في وَجْهِـهِ..تَراجَعَ إِلى الخَلْفِ خائِفًا.

  • أَبو عَبْدُ اللّهِ ماذا جَرَى؟ تَناوَلْتُ طَرَفَ القُماشِ الَّذي كانَ يَلْتَحِفُ بِهِ مُبارَك، وَمَسَحْتُ السِّكّينَ مِنْ بَقايا الأَسْماكِ وَالأَعْشابِ البَحْرِيَّةِ. لا تَخَفْ يا مُبارَك..أَتَرى ذلِكَ الوَحْشَ الَّذي اِنْهالَ عَلَيْنا بِنيرانِهِ المُحْرِقَةِ..سَيَرْحَلُ اللَّيْلَـةَ.
    سَكَتَ مُبارَكٌ وَلَمْ يَرُدَّ بِكَلِمَـةٍ واحِدَةٍ، وكأنَّهُ شَعَرَ أَنَّ الأَمْرَ لا يَعْدو أَنْ يَكونَ دُعابَةً عابِرَةً.

  • وَكَيْفَ يا بو عَبْد اللّهِ وَهُوَ يُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، وَها قَدْ مَرَّتْ عَشْرَةُ أَيّامٍ وَلَمْ يَبْـقَ مِنَ البَلَدِ إِلّا أَطلالُها..البَحْرُ…
    لَمْ أَتْرُكْهُ يُكْمِلُ..سَحَبْتُ المِرْساةَ، وَضَعْتُها عَلى السَّطْحِ الأَمامِيِّ..ثَبَّتُ المَجاديفَ..وَدَفَعْتُ بِالشّاحوفِ إِلى أَعْماقِ الْبَحْرِ.

  • ما عَلَيْكَ يا مُبارَك الآنَ إِلّا أَنْ توصِلَني إِلى ذلِكَ الوَحْشِ.

  • وَلكِنْ يا بو عَبْد اللّهِ...!
    أَعْرِفُ أَنَّ الشّاحوفَ صَغيرٌ وَالأَمْواجَ بَدَأَتْ تَرْتَفِعُ لكِنَّها الفُرْصَـةُ الوَحيدَةُ الّتي سَتُساعِدُنا لِلوُصولِ بِقُرْبِهِ دونَ أَنْ يَشْعُروا.

  • أَبو عَبْدِ اللّهِ.... ما الَّذي يَدورُ في عَقْلِكَ؟

  • أَرْجوكَ يا مُبارَك... اِسْتَمِرَّ في التَّجْديفِ وَالزَمِ الصَّمْتَ حَتى نَصِلَ.


بَدَأْنا نَضْرِبُ تِلْكَ المَجاديفَ بِخِفَّـةٍ وَتَناسُقٍ وَالشّاحوفُ يَمْخُرُ عُبابَ المِياهِ بِانْسِيابٍ خَرَجْنا إِلى عرْضِ البَحْرِ، حَيْثُ الأَمْواجُ سَريعِةُ الاِنْكِسارِ، وَاسْتَمَرَّ الشّاحوفُ بِالانْزِلاقِ وَسَطَ الصَّمْتِ حَتّى اقْتربْنا..
يَتَراءى لَنا عَبْرَ الأُفُقِ كأنَّهُ الجَبَلُ المارِدُ..ابْتَعَدْنا قَليلًا حَتّى يَهْجَعوا لِلنّوْمِ.



  • مُبارَك.. تَكَلَّمْ لِماذا تَلْزَمُ الصَّمْتَ؟

  • لَقَدْ أَمَرْتَني بِأَنْ أَصْمتَ.

  • يا رَجُلُ أَكادُ أَخْتَنِقُ...حَدِّثْني عَنْ أَيِّ شَيْءٍ.
    لَمْ تُخْبِرْني يا بو عَبْد اللّهِ عَمّا أَنْتَ مُقْدِمٌ عَلَيْهِ؟

  • اِسْمَعْ يا مُبارَكُ بَعْدَ أَنْ يَناموا سَأَسْبَحُ حَتّى ذلِكَ الوَحْشِ.

  • أَبو عَبْدِ اللّه إِنَّ هذا لَجُنونٌ...سَيَقْتُلونَكَ.

  • يَقولونَ إِنَّهُمْ أَقْوِياءُ، وَأَبْدانَهُمْ حَمْراءُ، وَمُكْتَمِلو البِنْيَةِ، وَإِنَّهُمْ يَمْلِكونَ المَعْرِفَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَلكِنْ...!

  • وَماذا أَفْعَلُ بَعْدَ ذلِكَ...أَأَنْتَظِرُكَ؟

  • لا ...لا تَنْتَظِر يا مُبارَكُ..لَقَدْ قُمْتَ بِعَمَلٍ جَبّارٍ مَدينٌ لَكَ بِهِ.

  • تَدينُ لي بِهِ.....وَهَلْ تَسْتَكْثِرُ عَلَيَّ هذا العَمَلَ وَالرِّجالُ يقَدِّمونَ أَرْواحَهُمْ؟

  • حالمَا أَنْزِلُ اِبْتَعِدْ بِالشّاحوفِ وَعُدْ إِلى الشّاطِئِ، وَلا تُخْبِرْ أَحَدًا، وَأَنا سَأَتَدَبَّرُ أَمْري وَأَعودُ سابِحًا.
    الانْتِظارُ لا يُطاقُ..رائِحَةُ الحَريقِ وَالرَّمادُ السَّعفِيُّ تَتَفاعَلُ بِدَمي، وَتُثيرُ فيَّ عَطَشَ اللَّحْظَـةِ الّتي سَأُطْفِئُ فيها نارَ الخَرابِ. بَعْدَ أَنْ اِسْتَدَرْنا..تَوَقَّفْنا..خَلَعْتُ الفانيلَةَ وَ(الوَزارَ)...لَبِسْتُ سُرْوالَ مُبارَكٍ الّذي يَسْتَخْدِمُهُ في الغَوْصِ، نَزَلْتُ إِلى الماءِ بعْدَ أَنْ ثَبَّتُّ السّكّينَ بِالحِزامِ الَّذي هُوَ عِبارَةٌ عَنْ خُيوطٍ صوفِيَّةٍ مُحاكَةٍ بِإِتْقانٍ، تَقَدَّمْتُ سِباحَةً عَبْرَ تَلاطُمِ الأَمْواجِ... اقْتَرَبْتُ مِنْ حَبْلِ الِمرْساةِ..تَعَلَّقْتُ بِهِ..سَرَتْ فيَّ رَعْشَةٌ عِنْدَما لامَستْ رِجْلايَ هَيْكَلَـهُ الحَديدِيَّ البارِدَ.. سَيْطَرَ الخَوْفُ، ظَللْتُ أَرْتَجِفُ، لكِن سُرْعانَ ما اسْتَدْرَكْتُ إِحْساسي أَنَّ (مُبارَك) يُراقِبُني.. بَعْدَ أَنِ اِقْتَنَصْتُ فُرْصَةَ نَوْمِهِمْ جَميعًا...تَسَلَّقْتُ بِواسِطَـةِ حَبْلِ المِرْساةِ، وَضَرَباتُ قَلْبي تَزْدادُ قُوَّةً، وَبَعْدَ جُهْدٍ مَشوبٍ بِالحَذَرِ، وَضَعْتُ قَدَمي عَلى السَّطْحِ.
    وَقَفْتُ مُنْحَنِيًا أُراقِبُ الحارِسَ، وَهُوَ يَتَحَرَّكُ في الظَّلامِ جيئَــةً وَذَهابًا في خُطُواتٍ مُنَسَّقَـةٍ وَوَقْعُ أَقْدامِهِ يُثيرُ فيَّ الرُّعْبَ... فَحَصْتُ كُلَّ شَيْءٍ..تَقَدَّمْتُ إِلى (الغَمارَةِ) وَإذا بي أُشاهِدُ حارِسًا عَلى بابِها وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ اِفْتَرَسْني الخَوْفُ، بَيْدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لي خَيارٌ. تَسَلَّلْتُ إِلَيْهِ بِحَذَرٍ، وَبادَرْتُـهُ بِضَرْبَـةٍ قَوِيَّـةٍ بِالسّكينِ في صَدْرِهِ.....كَتَمْتُ أَنْفاسَهُ بِيَدي الأُخْرى، وَسَقَطَ مُتَّكِئًا عَلى ذِراعي. دَخَلْتُ بَعْدَها الغُرْفَةَ وَإِذا بِجَسَدِ رَجُلٍ ضَخْمِ البِنْيَـةِ طَويلِ القامَـةِ غارِقٍ في نَوْمٍ عَميقٍ.. سَيْطَرَ عَلَيَّ الخَوْفُ، وَتوجّسْتُ في حَقيقَتِهِ..رُبّما لا يَكونُ القائِدَ بعَيْنِهِ...تَدَفَّقَ الدَّمُ في رَأْسي..صُوَرُ المَآسي وَالحَرائِقِ وَالأَطْفالِ اليَتامى والمَراجيحِ الَّتي شُنِقَتْ عَلَيْها الأَغاني. هَوَيْتُ بِيَدي المُرْتَجِفَةِ بِالسِّكينِ عَلى صَدْرِهِ، وَحَبَسْتُ أَنْفاسَهُ بِمَخَدَّةٍ قُطْنِيَّـةٍ مَنْعًا لِلضَّوْضاءِ وَالصُّراخِ.


شَعَرَ الحارِسُ بِالأَمْرِ وَشاهَدْتُهُ يَقْتَرِبُ مِنْ خِلالِ الأُفُقِ البَعيدِ.
أَسْرَعْتُ بِاتِّجاهِ البابِ مُتَعَثِّـرًا بِأَكْوامِ الحِبالِ.. قَفَزْتُ إِلى البَحْرِ غائِصًا في الأَعْماقِ، وَهَواجِسُ الخَوْفِ وَالارْتِباكِ تَمْلُكُ مِنّي النّواصي..وَحالمَا طَفَوْتُ إِلى السَّطْحِ أَمْطَرَني الجُنودُ بِرَصاصِ بَنادِقِهِمْ..أُصِبْتُ في ذِراعي اليُسْرى..فَقَدْتُ عَلى إِثْرِها قُوايَ، غَيْرَ أَنَّني ظَلَلْتُ أُصارِعُ الأَمْواجَ، وَأَلَمَ الجُرْحِ حَتّى اِرْتَطَمْتُ بِالشّاطِئِ..زَحَفْتُ عَلى الرِّمالِ مُتَلَبِّسًا بِهِسْتيريا لَمْ أَحْتَمِلْها..اِخْتَلَطَ فيها البُكاءُ بِالضَّحِكِ.
حَمْلَقْتُ بِالوُجوهِ المُحيطَةِ..وَإِذا بِمُبارَكٍ واقِفٌ وَالابْتِسامَةُ تَمْلأُ ثغْرَهُ، وَدُموعُـهُ السّاخِنَةُ تَنْثالُ عَلى وَجْهِهِ..اِمْتَدَّتْ أَيْدي القَوْمِ وَعِباراتُ الأَسى تَعْلو الأَفْواهَ المَكْلومَةَ، حَمَلوني إِلى الحَيِّ الحَزينِ وَالجُرْحُ يَنْزِفُ بِغَزارَةٍ. وكَأَنَّي بِالكَلِماتِ المَحْفورَةِ عَلى الجِدارِ القَديمِ تَتَحَرَّكُ، وَتَنْطِقُ لِكُلِّ الأَجْيالِ أَنَّ هذا الجِدارَ يَعْرِفُ حِكايَةَ أَبي عَبْد اللّهِ..وَتَحْتَهُ تَمَّ غَسْلُ جُثَّـةِ أَبي عبدِ اللّهِ..وَتَحْتَهُ أَيْضًا قالَ أَبو عَبْد اللّهِ لِلرِّجالِ (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّ الوَحْشَ لا بُدَّ أَنْ يَرْحَلَ)... وَتَحْتَ هذا الجِدارِ اِحْتَضَنْتُ أَبا عَبْدِ اللّهِ، وَبَكَيْتُ عَلى صَدْرِهِ كَثيرًا عِنْدَما شاهَدْتُ الوَحْشَ يَرْحَلُ. وَأَنا الآنَ أُناهِزُ التِّسْعينَ عامًا وَلا يَحْلو لي ظِلٌّ لِلرّاحَةِ إِلّا..تَحْتَ هذا الجِدارِ..وَالقَوْمُ اليَوْمَ يَسْخَرونَ مِنّي وَيُطْلِقونَ عَلَيَّ مُبارَكاً عاشِقَ الجِدارِ لا يُدْرِكونَ أنَّهُ عَلى هذا الجِدارِ..رَأَيْتُ المُطَوَّعَ إِبْراهيمَ يَكْتُبُ آخرَ عِبارَةٍ نَطَقَ بِها أَبو عَبدِ اللّهِ…(راحَ الوَحْشُ...راحَ المنور).
م 1979 / 6/ 12


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

ل لمعنى مترادفا...

ل لمعنى مترادفات ونحوهما، وابتكار ، إبداع كلمات تعد جاء كما اللغة في الإبداع َ ُ ّف ر ع وي ، جديدة ب...

(مسألة 208): إذ...

(مسألة 208): إذا صلّى جاهلاً بنجاسة البدن أو اللباس ثُمَّ علم بها بعد الفراغ منها صحّت صلاته إذا لم ...

دشنت السلطة الم...

دشنت السلطة المحلية بمحافظة لحج، اليوم الجمعة، تسيير قافلة إغاثية وإسناد كبرى موجهة لدعم أبطال القوا...

دور القضاء التج...

دور القضاء التجاري في معالجة صعوبات المقاولة ولا يقتصر نظام المساطر العابرة للحدود على الاعتراف با...

كان الرّحيل هاج...

كان الرّحيل هاجسا لا يقرّ و لا يهدأ في ضمير الشاعر الجاهليّ . فهو راحل أو متأمّل من يرحل و ما يرحل :...

فصاحب اللقطه ال...

فصاحب اللقطه الشهيره قالك ايه قالك الموبايل اي موبايل من الموبايلات اللي ابو 100 الف و150 الف دول ال...

يقولون «لو ضاع ...

يقولون «لو ضاع علم الأشاعرة لضاع بعض ميراث الأمة» ونقول لو ضاع علم القرون الثلاثة الخيرية الأولى لضا...

وقد أسهمت هذه ا...

وقد أسهمت هذه التجربة في تطوير نظرتي إلى دوري كمعلمة؛ فأصبحت أرى التقويم بوصفه وسيلة للتأمل في ممارس...

قمتُ مؤخرًا بتد...

قمتُ مؤخرًا بتدريس درس «أين؟» لطلبة الصف الثالث من غير الناطقين باللغة العربية. وقد جاء اختيار هذا ا...

المرجع الشامل ل...

المرجع الشامل للتاريخ والجغرافيا (السنة أولى متوسط) - للعلامة الكاملة 🏛️ الجزء الأول: التـــاريــــخ...

من فضلك أدخل ال...

من فضلك أدخل النص المراد تلخيصه سواء كان نص عربي إو إنجليزي أو خليط من اللغتين، أيضا من فضلك تأكد من...

ويتوقفون عند ال...

ويتوقفون عند الحيرة في التساوي والتفاوت، فإن الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاس...

Tech news