Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

إن الفطرة السلمية هادية إلى االله، فالعاقل يفتح عينيه على وجوده، كل مخلوق في هذا الكون الفسيح، فيرى بعين بصيرته يد االله تعالى تصرف كل شيء في هذا الكون، ناهيــك بما في القرآن الكريم ـ كتاب االله تعالى الذي حفظه بعينه، ووقاه كل تحريف وتبديل ـ فكم تجد في تضاعيف آياته وإشراق بيناته ما يرد العقول الزائغة إلى الفطرة السوية، فكم من آية في كتاب االله تؤكد أن كل ما يصيب الإنسان من صحة أو ســقم، فإنما ذلك كله مرده إلى أمر االله 4، ولم يكن ما قدره االله له من خير أن يخطئه، فالخير والشــر والنفع والضر كل ذلك بقضاء االله وقدره، وقد وجه االله عباده إلى اعتقاد وإعلان أن كل مصيبة تلم بهم، فإنما هي بحسب ما كتبه االله تعالى، وأن كل عطاء أو حرمان فإنما هو بأمر االله تعالــى، وجاءت ســنة النبي ژ مؤكدة ما توحيه الفطر الزكية، فقد وجه النبي ژ خطابه التربوي العظيم إلى ابن عمه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد االله بن عباس ^ ، فقال له: »يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ االله يحفظك احفظ االله تجده تجاهك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه االله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه االله عليك، ألا أعلمك كلمات ينفعك االله بهن؟« قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه االله عليك، واعلم أن في الصبر على ما تكــره خيرا كثيرا، رقم ٢٥١٦( وقال: حسن صحيح. المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق وهو يؤكد أن النبي ژ كان حريصا على أن يربي هذه الأمة وفق هذا ال س َنن وبهذا كان يطهر عقولهم من كل لوثة من لوثات العقائد الجاهلية، التي رســخت في أتباعها أن االله سبحانه ُمزاَحمفيخلقهوأمرهمنقبلشــركاءيزعمونهم، ودوامغ آياته البينات ليخلص الإنسانية التعيســة الحائرة من هذه الأوهام، التي حالت بينها وبين إصاخة سمعها إلى نداء الفطرة، وغشــت أبصارها بأغشية أن تستهدي بأنوار العقل الكاشفة لهذه الحقائق من وراء حجب الأوهام، فقد أقام القرآن على الذيــن زاغت عقولهم بينــات لا تدفع ـ من أنفســهم، ومن كل ما يزخر به الوجود من عجائب خلق االله ـ على أن كل شــيء بيد االله، أو يدفع له حكما. كما في قوله سبحانه: ﴿ihgfedcba wvutsrqponmlkj z y x {| } ~ ے ¡ ¢ £¤ ¥ ¦ § ̈﴾ الأنعــام: ٧١، فكيف يترك الإنسان التوجه إلى االله في ملماته، ويتوجه إلى مخلوق مثله لا ينفع ولا يضر، بل لا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضرا، فضلا عن أن يفعل ذلــك لغيره؟! ومثله قولــه تعالى: ﴿N M L ^][ZYXWVUTSRQPO onmlkjihgfedcba zyxwvutsrqp{|﴾ الرعد: ١٦، فإذا كانت الربوبية الله 4 وحده؛ أو يدفع حكمه بحكمه، والتبســت عليها الحقائق، وقد تكررت مجادلة القرآن الكريم لهــؤلاء الذين عطلوا كل ما آتاهم االله تعالى من إدراك وأطفأوا كل ما أناره لهم من بصيرة كما في قوله تعالى: ﴿t zyxwvu{|}~ے¡¢£ 2±° ̄¬«a ̈§¦¥¤ 3 ́o1 ̧¶μ»1⁄41⁄2﴾ الزمر: ٣٨، وقولــه: ﴿=> NMLKJIHGFEDCBA@? ﴾^][ZYXWVUTSRQPO فاطر: ٤٠، وأتبعه بأن حفظ هذا الكون علويه وسفليه إنما هو إلى االله وحده، ومثل ذلك قــول االله تعالــى: ﴿{|}~ے¡¢£¤ ¶μ ́32±° ̄¬«a ̈§¦¥ ̧o1»﴾ الأحقاف: ٤، وأتبعه تسجيل الضلال المبين على أولئك الذين يؤمون غير االله تعالى بدعائهم! وهم لا يســتجيبون لهم بشيء إلى يوم القيامة، ١٥ المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق قوله: ﴿1⁄23⁄4¿ËÊÉÈÇÆÅÄÃÂÁÀ ÎÍÌ﴾ الأحقاف: ٥، أو مصنوعة من الخشب، وقد يدعون بشرا هم أنفســهم أحوج إلى عناية االله ولطفه، وأبلتهم الأرض، فيكونون لهم أعداء، #$%&'()﴾ الأحقاف: ٦. العجب كيف انحدرت هذه الأمة مع ما أوتيت إلى حضيض الجاهلية: وتشرح منهم الصدور للحق، وما ر باها عليه رسول االله ژ من التربية الإيمانية، التي ارتقت بها عن حضيض الجاهلية، وعرجت بها إلى ملكوت االله الأعلى، والانغماس في أوحالها، وبيــن ما تعيش فيه من الضلال والظلام، ويضرب فيهم أسوأ الأمثال عندما يقول: ﴿a_^]\[Z qponmlkjihgfedcb r﴾ الجمعة: ٥، وما يشــاكله من أمثال، ناهيك أن االله ســبحانه حفظ لهذه الأمة قرآنها، وينتشر هداه، ١٦ على قلب عبده ورسوله ژ ،  أو تغير شيئا من رســمه حوادث الزمن، فليت شعري؛ أو َي ْلبِس شــيئا منها؟ وكم ترى في أحوال الأمة ُ بل في كليات العقيدة وأسس الإيمان، أولا تعجب كيف أنهم نسوا االله ســبحانه فقصدوا غيره بالأمل والرجاء والتضرع والدعاء، أو حجبوا عن عطائه وآلائه، فكم كشــف عنهم من ضــر، وكم أغدق عليهــم من نفع لا يملك منه الخلق شــروى نقيــر، لال د'ء ا %$ $ دون االله: كثير من أولئك تستبد بهم الأوهام، والتقرب إليهم بالقرابين، واتبعوا الحق الذي أنزل: ﴿a_^][ZYXW﴾ الجــن: ٦، وكــم تفنن الجهال في ابتكار أنواع الضلال في هذا، ١٧ هؤلاء المدعوين، أو يجلبوا نفعا، فيا ترى؛ هل يعد من تردى في هذا الحضيض من الضلال من الإيمان في شيء؟ فإن الإيمان تصديق وطمأنينة وسكينة، فهو لا يتزعزع بما يلم بالمؤمن من زعازع القدر، وإنما يدفعه ذلك إلى التوجه إلى االله الذي بيده كل شــيء، ومحاسبة النفس وردها إلى جادة الحق إن زاغت، فالمحن والمنح تزيد المؤمن إيمانا وتصقل مرآة قلبه، +* $ ا : أن يعتقد الإنسان أنه لن يصيبه شيء مما يكدر صفو عيشه إلا بسبب من الخلق، أو سطو من الجن، بل جميع الأوجاع التي تلحق الأبدان لا يتصورونها أنها تكون إلا بســبب من هذه الأسباب، كأنما الدنيا هي جنة الخلد التي لا يعتري الإنسان فيها نصب ولا لغوب، وهو من طبيعة هذه الحياة، فقد ابتلي النبيون من قبل بالأمراض والأسقام والبلاوى، ١٨ ومن هو الذي يعيش حياته ســليما ممــا ينغصها عليه من الأســقام والأوجاع والبلاوى؟ مع أن الكدر هو جبلة هذه الحياة كما قال الشاعر: ُطبَِعت َعلىكدرٍَوأَنَتُتريُدها َصفوًا ِمــَنالأَقــذاِء َوالأَكدارِ َوُمَكلــفالأَيامِ ِضــد ِطباِعها ُمَتطلبفــيالماِء َجــذوةنارِ َوِإذاَرَجوَتالُمســَتحيلَفِإنما َتبنيالَرجــاءََعلىَشــفيٍرهارِ والرضا والتسليم لأمر االله، أن رســول االله ژ ، قال: »ما من مصيبة يصاب بها المســلم، وعن أبي ســعيد، وأن الإنسان رقم ٢٧٠(. ١٩ المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق متجاهلا أن الحياة تبدأ بضعف، وتنتهي إلى ضعف إذا أنسئ للإنسان في أجله، وقال تعالى: ﴿3 ́ o 1 ̧ ¶ μ »﴾ يــس: ٦٨، وينص عليها الوحي، مع أن الإنسان عندما يتجاوز سني القوة في عمره، ويبدأ في الانتكاس إن حاول معالجة أسقامه فلا يعدو ذلك أن يكون كترميم البيت المتداعي، وإلا فخير علاج له رضاه بقضاء االله وقدره، واحتســاب أجره على ما يلقاه من عنت ومشقة عند االله، وقد أحسن من قال: لِدائِــَكِإّلاأَنَتمــوَت َطبيُب ِإلىَمنَهــلٍِمــنوردِهَِلَقريُب َوُخلفَتفيَقــرنٍَفأَنَت َغريُب ِإذاكاَنتِالسبعوَنأمَكَلمَيُكن َوِإنِاِمَرءًاَقدساَرَسبعيَن ِحجًة ِإذامااِنَقضىالَقرُنالذيأَنَتِمنُهُم وهذا لا ينافي أن يأخذ الإنســان بالأســباب، ويســعى في علاج أسقامه وأمراضه ما دام حيا، عملا بوصية النبي ژ الذي قال: »إن االله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا«)١(، رقم ٢٣٥٢(، رقم ٢٣٤١٥(، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة )٥٠١/٥، ٢٠ وقد جعل له شــفاء علمه من علمــه وجهله من جهله«)١(، فــلا عتب على من تداوى مما ألم به بما جعل االله من دواء للأســقام، وإنما العتب على من ترك العلاج بما جعله االله ســببا للشــفاء، وعدل إلى العلاج بما يزيد الأسقام قوة ورســوخا عندما يصدق الأوهام فترســخ في نفســه حتى تصبح نفســها داء يستعصي على العلاج، ولا يجد المصاب به إلى الشفاء سبيلا، وطمس البصائر، وترك الناس يعيشون في أوهام لا يجدون إلى الخلاص منها ســبيلا، فيتعمق الوهم فــي نفســه، ولا يبالي أن يخســر مالــه للدجاليين المشعوذين، الذين فقدوا الإيمان فتجاهلوا سنة االله في خلقه. ولا تســأل عن حال هؤلاء عندما يصاب لهم مولود بشــيء من الأسقام، فإنهم لا يكادون يصدقون أن هذه ســنة من ســنن الحياة، وأن كل إنسان منذ ولادتهيســتقبلالحياةبحلوهاومرهاوســعدهاونحســها، أول وهلة بقوله: لِما ُتؤذنالدنيابهمنصروفها يكونبكاءالطفلســاعَةيوَلُد َُُ وجهلهم بسنته في الحياة، ٢١ المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق طالبين منهم كشف الضر عن أطفالهم، وينسون االله تعالى فلا يدعونه لكشف الضر، كما ينسون ســنته في الحياة في وصل المسببات بأسبابها، وما شرعه لعباده من علاج الأدواء بدوائها، وهم إن سعوا إلى العلاج الطبيعي فإنهم يسعون إليه ونفوســهم خالية من الرجاء بنجاحه، وإنما يعلقون النجاح على دجل الدجالين وشعوذة المشعوذين، أموالهم التي هم شحاح بها إلا في هذا السبيل. ولا يبالي الدجالون المشعوذون أن يستغلوا هذه العقلية الضالة أسوأ استغلال، وأبرهم قلبا، فقد نمى إلى سمعي منذ عقود من الســنين أن رجلا من هؤلاء البله المغفلين مرض له طفل، فذهــب به إلى أحد المشــعوذين، فخيل إليه الشــيطان أن تلك العجوز هي أمه، وعندما عاد إلى بيته حاملا طفله كانت الأم المسكينة أول من يستقبله بشفقتها وحنانها، وعطفها على حفيدها الطفل المصاب، فما كان منه إلا أن قابلها بأشــد قسوة وأعظم جفاء، فوقعت علــى الأرض وهوت في حفرة كانت بجنبها، وكال لها من الشتائم والكلام القاذع ما لو خوطبت به الجبال لتصدعت، فيا ترى؛ وتصديق الأوهام، وتكذيب الحق اليقين؟ فلــو أن هذا الرجل كان على خوف من ربه، وبصيرة فــي دينه، لما صدق هذا الإفــك الذي انتحله الدجال ليفرق بينه وبين أمه، وهي أحب الناس له وأبرهم به وأشفقهم عليه،

Original text

إن الفطرة السلمية هادية إلى االله، فالعاقل يفتح عينيه على وجوده، ووجود
كل مخلوق في هذا الكون الفسيح، فيرى بعين بصيرته يد االله تعالى تصرف كل شيء في هذا الكون، نشرا وطيا، رفعا وخفضا، عطاء ومنعا، وجاءت شرائع االله تعالى وفق دلائل الفطرة، مصدقة لها فيما تشــهد به، ناهيــك بما في القرآن الكريم ـ كتاب االله تعالى الذي حفظه بعينه، ووقاه كل تحريف وتبديل ـ فكم تجد في تضاعيف آياته وإشراق بيناته ما يرد العقول الزائغة إلى الفطرة السوية، فيبدد عنها أغشــية الضلال التي حجبتها عن إدراك الحقيقة عندما مالت عن فطرتها، فكم من آية في كتاب االله تؤكد أن كل ما يصيب الإنسان من صحة أو ســقم، أو غنى أو فقر، أو راحة أو تعب، أو سعد أو نحس، أو إقبال أو إدبار، وكل ما يعتريه من موت أو حياة، أو قــوة أو ضعف، فإنما ذلك كله مرده إلى أمر االله 4، فهو الذين يهب من يشاء، ويحرم من يشاء، ﴿ ̈©a 1⁄21⁄4❁o1 ̧¶μ ́32±° ̄®¬«
3⁄4¿ÈÇÆÅÄÃÂÁÀ﴾ الشورى: ٤٩ ـ ٥٠.
ولم يكن ما قدره االله له من خير أن يخطئه، أو كتبه عليه من شر أن يجنبه،
فالخير والشــر والنفع والضر كل ذلك بقضاء االله وقدره، ﴿ Ã Â Á ÒÑÐÏÎÍÌËÊÉÈÇÆÅÄ﴾ الأنعــام: ١٧، ﴿!"#$%&'()+,-./10

نـداء الحـق
١٢
98765432:;﴾ يونس: ١٠٧، وقد وجه االله عباده إلى اعتقاد وإعلان أن كل مصيبة تلم بهم، فإنما هي بحسب ما كتبه االله تعالى، كما في قولــه: ﴿ba_^]\[ZYXWV dc﴾ التوبة: ٥١، وأن كل عطاء أو حرمان فإنما هو بأمر االله تعالــى، ﴿«¬® ̄°±32 ́o1 ̧¶μ»1⁄4 1⁄23⁄4¿ÁÀ﴾ فاطر: ٢. وجاءت ســنة النبي ژ مؤكدة ما توحيه الفطر الزكية، وتدل عليه العقول السليمة، وتصدقه نصوص الكتاب العزيز، فقد وجه النبي ژ خطابه التربوي العظيم إلى ابن عمه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد االله بن عباس ^ ، عندما كان غلاما يافعا، فقال له: »يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ االله يحفظك احفظ االله تجده تجاهك، إذا سألت فاســأل االله، وإذا استعنت فاستعن باالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه االله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه االله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف«)١(. وجاء بلفظ: »يا غلام، أو يا غليــم، ألا أعلمك كلمات ينفعك االله بهن؟« فقلت: بلى. فقال: »احفظ االله يحفظك، احفظ االله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء، يعرفك في الشدة، وإذا سألت، فاسأل االله، وإذا استعنت، فاستعن باالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه االله عليك، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه االله عليك، لم يقدروا عليــه، واعلم أن في الصبر على ما تكــره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا«)٢(. )١( أخرجه أحمد )٢٩٣/١، رقم ٢٦٦٩(، والترمذي )٦٦٧/٤، رقم ٢٥١٦( وقال: حسن صحيح. والحاكم )٦٢٣/٣ رقم ٦٣٠٢( والضياء )٢٥/١٠، رقم ١٥(، أبو يعلى )٤٣٠/٤، رقم ٢٥٥٦(. )٢( أخرجهأحمد)١٨/٥رقم:٢٨٠٣(. ١٣ المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق وهو يؤكد أن النبي ژ كان حريصا على أن يربي هذه الأمة وفق هذا ال س َنن الذي ينسجم مع الفطرة، ويلتئم مع هداية القرآن، وبهذا كان يطهر عقولهم من كل لوثة من لوثات العقائد الجاهلية، التي رســخت في أتباعها أن االله سبحانه ُمزاَحمفيخلقهوأمرهمنقبلشــركاءيزعمونهم،وكمجــاءالقرآنالكريم بقوارع نذره، وصوادع حججه وبراهينه، ودوامغ آياته البينات ليخلص الإنسانية التعيســة الحائرة من هذه الأوهام، التي حالت بينها وبين إصاخة سمعها إلى نداء الفطرة، الذي يجلجل في جنبات الوجود، وغشــت أبصارها بأغشية أن تستهدي بأنوار العقل الكاشفة لهذه الحقائق من وراء حجب الأوهام، فقد أقام القرآن على الذيــن زاغت عقولهم بينــات لا تدفع ـ من أنفســهم، ومن كل ما يزخر به الوجود من عجائب خلق االله ـ على أن كل شــيء بيد االله، وما كان لأحد من خلق االله تعالى أن يتطاول عليه ســبحانه، فيرد له قضاء، أو يبدل له سنة، أو يدفع له حكما. وهو عندما يحاورهم في ذلــك يدفعهم إلى التأمل والنظــر في تصاريف الوجودوسننالخلق،وقدعجبهممندعاءغيرهتعالىلكشفضرأوتحقيق نفع، كما في قوله سبحانه: ﴿_ihgfedcba wvutsrqponmlkj z y x {| } ~ ے ¡ ¢ £¤ ¥ ¦ § ̈﴾ الأنعــام: ٧١، فكيف يترك الإنسان التوجه إلى االله في ملماته، ويتوجه إلى مخلوق مثله لا ينفع ولا يضر، بل لا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضرا، فضلا عن أن يفعل ذلــك لغيره؟! ومثله قولــه تعالى: ﴿N M L _^]\[ZYXWVUTSRQPO onmlkjihgfedcba zyxwvutsrqp{|﴾ الرعد: ١٦، فإذا كانت الربوبية الله 4 وحده؛ فمن الذي يزاحم قضاء االله بقضائه، أو يعاكس أمره بأمره، نـداء الحـق ١٤ أو يدفع حكمه بحكمه، أو يصرف عن أحد ما كتبه لــه أو عليه، أو يجلب إليه ما منعه منــه؟! وإنما العقول إذا زاغــت، والبصائر إذا أظلمــت، خفيت عليها البدائه، والتبســت عليها الحقائق، كما يجادل أعمى البصر في إشراق الشمس برابعة النهار، وهي لا يحجبها سحاب ولا قتر. وقد تكررت مجادلة القرآن الكريم لهــؤلاء الذين عطلوا كل ما آتاهم االله تعالى من إدراك وأطفأوا كل ما أناره لهم من بصيرة كما في قوله تعالى: ﴿t zyxwvu{|}~ے¡¢£ 2±° ̄®¬«a© ̈§¦¥¤ 3 ́o1 ̧¶μ»1⁄41⁄2﴾ الزمر: ٣٨، واحتج عليهم بسؤالهم عما عسى أن يكون أولئك الذين يدعونهم من دونه تعالى يملكونه في ملكوت االله تعالى الواسع، أو يشــاركونه فيه كما في قوله تعالى: ﴿ Á ÑÐÏÎÍÌËÊÉÈÇÆÅÄà ÛÚÙØ×ÖÕÔÓÒ﴾ ســبأ: ٢٢، وقولــه: ﴿=> NMLKJIHGFEDCBA@? ﴾^]\[ZYXWVUTSRQPO فاطر: ٤٠، وأتبعه بأن حفظ هذا الكون علويه وسفليه إنما هو إلى االله وحده، فلو تخلى عنه في أقل مــن لحظة لهوى إلى غير قرار، وذلــك في قوله: ﴿ b a srqponmlkjihgfedc ut﴾ فاطر: ٤١. ومثل ذلك قــول االله تعالــى: ﴿{|}~ے¡¢£¤ ¶μ ́32±° ̄®¬«a© ̈§¦¥ ̧o1»﴾ الأحقاف: ٤، وأتبعه تسجيل الضلال المبين على أولئك الذين يؤمون غير االله تعالى بدعائهم! وهم لا يســتجيبون لهم بشيء إلى يوم القيامة، بل لا يســمعون لهم دعاء ولا يدركون لهم مطلبا، فقد أتبع ما سبق ١٥ المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق قوله: ﴿1⁄23⁄4¿ËÊÉÈÇÆÅÄÃÂÁÀ ÎÍÌ﴾ الأحقاف: ٥، فقد يدعون أوثانا منحوتة من الصخر، أو مصنوعة من الخشب، وقد يدعون بشرا هم أنفســهم أحوج إلى عناية االله ولطفه، وقد يكونون أمواتا طواهم الزمن، وأبلتهم الأرض، فأنى لهم أن يسمعوا لهم دعاء فيكشفوا عنهم ضرا أو يجلبوا لهم نفعا؟! ثم أتبعه أن أولئك عندما يحشرون يوم القيامة يتبرأون إلى االله سبحانه من هؤلاء الذين دعوهم من دونه، فيكونون لهم أعداء، وقد تخيلوهم في حياتهم الدنيا أولياء! إذ قال بعد ذلك: ﴿ ! " #$%&'()﴾ الأحقاف: ٦. العجب كيف انحدرت هذه الأمة مع ما أوتيت إلى حضيض الجاهلية: إن الإنسان ليمتلكه العجب عندما يقارن بين ما أتى هذه الأمة من عند االله تعالى من الآيات البينــات؛ التي تفتح منهم المدارك، وتنــور منهم البصائر، وتشرح منهم الصدور للحق، وما ر باها عليه رسول االله ژ من التربية الإيمانية، التي ارتقت بها عن حضيض الجاهلية، وعرجت بها إلى ملكوت االله الأعلى، وبين ما آلت إليه الأمة من ضلال العقول وانطماس البصائر، والارتكاس في هوة الجاهلية الأولى، والانغماس في أوحالها، فكم يرى الناظر من بون سحيق بين ما أوتيت هذه الأمــة من الهدى والنور، وبيــن ما تعيش فيه من الضلال والظلام، فإذا كان االله تعالى ُي َق رع بني إسرائيل على إهمالهم التوراة، ويضرب فيهم أسوأ الأمثال عندما يقول: ﴿a^][Z qponmlkjihgfedcb r﴾ الجمعة: ٥، فإن الأمة التي أوتيت القرآن ثم أهملته وضيعته هي أولى بهذا المثل، وما يشــاكله من أمثال، ناهيك أن االله ســبحانه حفظ لهذه الأمة قرآنها، فهو في كل زمان تبزغ شمسه، ويســطع ضياؤه، وينتشر هداه، فكيف تعمى أمة القرآن عن هذا كله وهي تتلوه ويتلى عليها غضا طريا كما أنزله االله
نـداء الحـق
١٦
على قلب عبده ورسوله ژ ، مصونا محفوظا من أن تعدو عليه عوادي الدهر، أو تغير شيئا من رســمه حوادث الزمن، فكيف لا تتدبره فتميز به بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والإيمان والإلحاد، ﴿e d c b a
gf﴾ محمد: ٢٤. فليت شعري؛ هل على شيء من الآيات التي سقتها غيم أو قتر يحجب
دلالتها على تلك المعاني، أو َي ْلبِس شــيئا منها؟ وكم ترى في أحوال الأمة ُ
وتصرفاتها ممــا يناقض القرآن وينأى بها عن هديــه، لا في جزئيات الأمور وحدها، بل في كليات العقيدة وأسس الإيمان، أولا تعجب كيف أنهم نسوا االله ســبحانه فقصدوا غيره بالأمل والرجاء والتضرع والدعاء، كأنما أغلقت أبوابه دونهم، أو حجبوا عن عطائه وآلائه، أولا ينظرون إلى ما يســاق إليهم من رزق، وما يكتنفهم من ألطاف، وما يغشــاهم من رحمات، أ َوأتاهم ذلك من غيره تعالى، فكم كشــف عنهم من ضــر، وكم أغدق عليهــم من نفع لا يملك منه الخلق شــروى نقيــر، فكيف ينســونه ويذكــرون غيره ممن
لا يملكون ضرا ولا نفعا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا؟؟!.
)لال د'ء ا %$ $ دون االله:
كثير من أولئك تستبد بهم الأوهام، حتى يتسارعوا عند كل ملمة أو رجاء إلى دعاء الجن، والتقرب إليهم بالقرابين، مــع أن االله تعالى حكى عن الجن أنفســهم أنهم قالوا عندما أدركتهم عناية االله فآمنوا، واتبعوا الحق الذي أنزل: ﴿a`
^][ZYXW﴾ الجــن: ٦، وكــم تفنن الجهال في ابتكار أنواع الضلال في هذا، فقد أدركنــا من الذين غرقوا في الجهــل والعمى إلى أذقانهم مــن يذهب ببخوره إلى الخرابــات أو غيرها ليشكو إلى الجن ما أصابه، ويعرض عليهم أن يمنحوه الخير ويكشفوا عنه الضر، استجابة لدعائه، وتقديرا لوســيلته، وأنه إن كان السخط من قبل غير
١٧
المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق
هؤلاء المدعوين، فهم يطالبونهم أن ينقلوا هذه الوسيلة إلى أولئك الساخطين ليرفعوا عنهم الضر؟!.
فليت شــعري؛ أولا يدرك هؤلاء أن الجن أنفسهم لا يعلمون الغيب، ولا
يملكون ذرة من أمر هذا الكون، فأنى لهم أن يسمعوا دعاء أو يدفعوا ضرا، أو يجلبوا نفعا، وأن هذا الدعاء نفسه لن ينتج عنه إلا زيادة الرهق الذي يأتي من
قبل الجن، كما حكى االله عنهم؟؟!.
فيا ترى؛ هل يعد من تردى في هذا الحضيض من الضلال من الإيمان في شيء؟ فإن الإيمان تصديق وطمأنينة وسكينة، فهو لا يتزعزع بما يلم بالمؤمن من زعازع القدر، وإنما يدفعه ذلك إلى التوجه إلى االله الذي بيده كل شــيء، ومحاسبة النفس وردها إلى جادة الحق إن زاغت، فالمحن والمنح تزيد المؤمن إيمانا وتصقل مرآة قلبه، فيشــرق عليها من أنواره القدســية ما يزكيه، ويقوي
صلته باالله 8 . !-3 أن 01  
الإ.,ن إ. -! ,+* $ ا :
إن مما يزعزع الإيمان وينقض أسس اليقين؛ أن يعتقد الإنسان أنه لن يصيبه شيء مما يكدر صفو عيشه إلا بسبب من الخلق، فيرد كل سقم يلم به أو بلوى تصيبه أو محنة يكابدها إما إلى ســحر ساحر، أو حسد حاســد، أو سطو من الجن، حتى الأمراض المعهودة كالحمى وأوجاع المفاصل والرأس والأسنان، بل جميع الأوجاع التي تلحق الأبدان لا يتصورونها أنها تكون إلا بســبب من هذه الأسباب، كأنما الدنيا هي جنة الخلد التي لا يعتري الإنسان فيها نصب ولا لغوب، فلا يكاد من أصيب بهذه اللوثــة يصدق أن هذا هو ابتلاء من االله، وهو من طبيعة هذه الحياة، فقد ابتلي النبيون من قبل بالأمراض والأسقام والبلاوى، وما كانوا يعلقون أملهم في كشف الضر عنهم إلا على االله وحده، كما حكى االله تعالى عن الخليل إبراهيم ‰ قوله: ﴿ Å Ä Ã Â﴾ الشــعراء: ٨٠،
نـداء الحـق
١٨
ومن هو الذي يعيش حياته ســليما ممــا ينغصها عليه من الأســقام والأوجاع والبلاوى؟ مع أن الكدر هو جبلة هذه الحياة كما قال الشاعر:
ُطبَِعت َعلىكدرٍَوأَنَتُتريُدها َصفوًا ِمــَنالأَقــذاِء َوالأَكدارِ َوُمَكلــفالأَيامِ ِضــد ِطباِعها ُمَتطلبفــيالماِء َجــذوةنارِ َوِإذاَرَجوَتالُمســَتحيلَفِإنما َتبنيالَرجــاءََعلىَشــفيٍرهارِ
على أن محن الحياة لا تلبــث أن تتحول إلى منح عندمــا تقابل بالصبر
والرضا والتسليم لأمر االله، فعن عائشة # ، أن رســول االله ژ ، قال: »ما من مصيبة يصاب بها المســلم، إلا كفر بها عنه حتى الشوكة يشاكها«)١(، وعنها: »ما يصيب المؤمن يكفر االله عنه من ســيئاته حتى الشــوكة تشوكه«)٢(، وعنها أيضا: »لا يصيب العبد المؤمن حتى الشوكة يشــاكها والنكبة ينكبها أو شدة الكظم حيث يوجد بــه إلا كفر االله به عنه«)٣(، وعن أبي ســعيد، وأبي هريرة أنهما سمعا رســول االله ژ ، يقول: »ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب،
ولا سقم، ولا حزن حتى الهم يهمه، إلا كفر به من سيئاته«)٤(.
وتجد الناس يتصورون أن الحياة الدنيا خالية من المنغصات، وأن الإنسان
فيها يتمتع بكامل قواه البدنية والذهنية في جميــع مراحل عمره، من غير أن يطرأ عليه ضعف بعد قوة، فتجــد أحدهم قد بلغ من العمــر ثمانين عاما أو
)١( أخرجه أحمــد )٨٨/٦، رقم ٢٤٦١٧(، والبخــاري )٢١٣٧/٥، رقم ٥٣١٧(، ومســلم )١٩٩٢/٤، رقم ٢٥٧٢(.
)٢( أخرجهالحاكم)٣٨٥/١،رقم٩٣٦(وقال:صحيحعلىشرطمسلم.والبيهقيفيشعبالإيمان )٢٥٢/١، رقم ٢٧٠(. وإسحاق بن راهويه )٣٦٧/٢، رقم ٩٠٩(، وأحمد )٤٨/٦، رقم ٢٤٢٦١(، وابن خزيمة )٣٠/٢، رقم ٨٤٩(، وابن حبان )٣٧٢/١٦، رقم ٧٣٧٢(.
)٣( أخرجه البيهقي في شعب الإيمان )١٥٧/٧، رقم ٩٨٢٨(. )٤( أخرجهمسلم)١٩٩٢/٤،رقم٢٥٧٣(وأخرجهبلفظقريب:أحمد)٣٠٣/٢،رقم٨٠١٤(،وعبدبن
حميد )ص ٢٩٨، رقم ٩٦١(، والبخاري )٢١٣٧/٥، رقم ٥٣١٨(.
١٩
المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق
تسعين عاما يشكو من ضعف سمعه أو بصره أو جوارحه ويعزو ذلك إلى سحر ساحر، أو حسد حاسد، متجاهلا أن الحياة تبدأ بضعف، وتنتهي إلى ضعف إذا أنسئ للإنسان في أجله، فقد قال تعالى: ﴿ NMLKJIH YXWVUTSRQPO﴾ الــروم: ٥٤، وقال تعالى: ﴿3 ́ o 1 ̧ ¶ μ »﴾ يــس: ٦٨، فكيــف يرجــو ابن التسعين أن يكون كما كان في شــبابه عندما كان ابن عشرين أو ابن ثلاثين، وإنما هي الأوهام تدع الإنسان يتجاهل سنن الحياة، التي تدل عليها الطبيعة، وينص عليها الوحي، مع أن الإنسان عندما يتجاوز سني القوة في عمره، ويبدأ في الانتكاس إن حاول معالجة أسقامه فلا يعدو ذلك أن يكون كترميم البيت المتداعي، وإلا فخير علاج له رضاه بقضاء االله وقدره، واحتســاب أجره على ما يلقاه من عنت ومشقة عند االله، إذ لا يكون تأثير العلاج عليه في شيخوخته
كما كان إبان شبابه وقوته، وقد أحسن من قال:
لِدائِــَكِإّلاأَنَتمــوَت َطبيُب ِإلىَمنَهــلٍِمــنوردِهَِلَقريُب َوُخلفَتفيَقــرنٍَفأَنَت َغريُب
ِإذاكاَنتِالسبعوَنأمَكَلمَيُكن َوِإنِاِمَرءًاَقدساَرَسبعيَن ِحجًة ِإذامااِنَقضىالَقرُنالذيأَنَتِمنُهُم
وهذا لا ينافي أن يأخذ الإنســان بالأســباب، ويســعى في علاج أسقامه وأمراضه ما دام حيا، عملا بوصية النبي ژ الذي قال: »إن االله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا«)١(، وعنه ژ : »ما أنزل االله من داء إلا وقد أنزل معه شفاء علمه من علمه وجهله من جهله«)٢(، وعنه ژ : »ما وضع من داء في الأرض إلا
)١( أخرجه أحمد )١٥٦/٣، رقم ١٢٦١٨(، والضياء )٣٣٠/٦، رقم ٢٣٥٢(، وابن أبي شــيبة )٣١/٥، رقم ٢٣٤١٥(، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة )٥٠١/٥، رقم ٥٢٧٦( وقال: هذا إسناد حسن.
)٢( أخرجهأحمــد)٣٧٧/١،رقم٣٥٧٨(،والحكيــم)٤٠٢/١(،والحاكــم)٢١٨/٤،رقم٧٤٢٤(، والبيهقي )٣٤٣/٩، رقم ١٩٣٤٤(.

نـداء الحـق
٢٠
وقد جعل له شــفاء علمه من علمــه وجهله من جهله«)١(، فــلا عتب على من تداوى مما ألم به بما جعل االله من دواء للأســقام، وإنما العتب على من ترك العلاج بما جعله االله ســببا للشــفاء، وعدل إلى العلاج بما يزيد الأسقام قوة ورســوخا عندما يصدق الأوهام فترســخ في نفســه حتى تصبح نفســها داء يستعصي على العلاج، ولا يجد المصاب به إلى الشفاء سبيلا، فعندما ترسخ هذه المفاهيــم الباطلة والأفكار الزائغة تروج تجارة الدجالين والمشــعوذين، الذين لا يألون جهدا في إضلال العقول، وطمس البصائر، وترك الناس يعيشون في أوهام لا يجدون إلى الخلاص منها ســبيلا، فلا يكاد يأتيهم مستشف من أمراضه إلا ويضاعفون من مرضه بدعواهم أنه أصيب بسحر ساحر، أو حسد حاســد، فيتعمق الوهم فــي نفســه، ولا يبالي أن يخســر مالــه للدجاليين المشعوذين، الذين يعيشون على ما يأخذونه بالباطل من أموال ذوي الأوهام،
الذين فقدوا الإيمان فتجاهلوا سنة االله في خلقه.
ولا تســأل عن حال هؤلاء عندما يصاب لهم مولود بشــيء من الأسقام، فإنهم لا يكادون يصدقون أن هذه ســنة من ســنن الحياة، وأن كل إنسان منذ ولادتهيســتقبلالحياةبحلوهاومرهاوســعدهاونحســها،كماصوربعض الشعراء ما يواجه كل مولود من نذر لأواء الحياة ساعة ولادته، فيصرخ باكيا من
أول وهلة بقوله:
لِما ُتؤذنالدنيابهمنصروفها يكونبكاءالطفلســاعَةيوَلُد َُُ
وإلافمــايبكيــهمنهــاوإنها لأْفَســُحمماكانفيــهوأْرَغُد إذاأبصــَرالدنيااْســَتهلكأنه بماسوفيلقىمنأذاها ُيَهدُد
فإن هؤلاء لحرمانهم من العقل الهادي، وبعدهم عن الإيمان باالله وقدره،
وجهلهم بسنته في الحياة، لا يكادون يصدقون أن ما يصاب به الأطفال إنما هو
)١( أخرجه الطبراني )١٦٣/١٠، رقم ١٠٣٣١(. قال الهيثمي )٨٤/٥(: رجاله ثقات.
٢١
المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق
ابتلاء من االله تعالى لآبائهم وأمهاتهم، وإنما يستبد بهم الجزع، فيهرعون إلى الدجالين، طالبين منهم كشف الضر عن أطفالهم، وينسون االله تعالى فلا يدعونه لكشف الضر، كما ينسون ســنته في الحياة في وصل المسببات بأسبابها، وما شرعه لعباده من علاج الأدواء بدوائها، وهم إن سعوا إلى العلاج الطبيعي فإنهم يسعون إليه ونفوســهم خالية من الرجاء بنجاحه، وإنما يعلقون النجاح على دجل الدجالين وشعوذة المشعوذين، فكم أغنوا من دجال بما يمطرونهم به من
أموالهم التي هم شحاح بها إلا في هذا السبيل.
ولا يبالي الدجالون المشعوذون أن يستغلوا هذه العقلية الضالة أسوأ استغلال،
فيستحوذوا على آخر ما عســى أن يتبقى عندهم من مال، ولا يكفيهم ذلك، بل يضاعفون من إضلال عقولهم حتى يغرسوا فيهم عداوة من هم أحب الناس لهم، وأكثرهم صفاء، وأعظمهم حقا، وأبرهم قلبا، فقد نمى إلى سمعي منذ عقود من الســنين أن رجلا من هؤلاء البله المغفلين مرض له طفل، فذهــب به إلى أحد المشــعوذين، فما كان منه إلا أن أجابه بأن امرأة عجوزا ساحرة هي مصدر ضره وسبب بلائه، فخيل إليه الشــيطان أن تلك العجوز هي أمه، وعندما عاد إلى بيته حاملا طفله كانت الأم المسكينة أول من يستقبله بشفقتها وحنانها، وعطفها على حفيدها الطفل المصاب، فما كان منه إلا أن قابلها بأشــد قسوة وأعظم جفاء، إذ دفعها بيده بكل ما يملك من قوة، فوقعت علــى الأرض وهوت في حفرة كانت بجنبها، وكال لها من الشتائم والكلام القاذع ما لو خوطبت به الجبال لتصدعت،
ولو وزع على أهل الأرض لملأ صدورهم أسى وقلوبهم حزنا.
فيا ترى؛ هل كان هذا التصرف الأحمق الأرعن إلا ثمرة للجهل، وانحسار الإيمان، وتصديق الأوهام، وتكذيب الحق اليقين؟ فلــو أن هذا الرجل كان على خوف من ربه، وبصيرة فــي دينه، لما صدق هذا الإفــك الذي انتحله الدجال ليفرق بينه وبين أمه، وهي أحب الناس له وأبرهم به وأشفقهم عليه، ولكن ما تراكم علــى عقله وقلبه من الضلال والجهل أنســاه قول االله تعالى:
نـداء الحـق
٢٢
﴿ 987:;?@EDCBA﴾ النمــل: ٦٥،


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

مقدمة يُعتبر ا...

مقدمة يُعتبر القانون الدولي العام الهيكل القواعدي والنظمي الذي يحكم العلاقات بين ذوات الشخصية الدول...

ב. דיסגרפיה (Dy...

ב. דיסגרפיה (Dysgraphia) דיסגרפיה היא הפרעה שבה עיבוד חזותי-מוטורי וארגון שפתי משפיעים על ההבעה בכתב...

0:22 okay today...

0:22 okay today we're going to talk about 0:24 carb cycling 0:25 what it is how it works why it work...

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

يستدعي استشراف ...

يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...

حذر مركز التنبؤ...

حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...

الاجابة علي تسا...

الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...

مقدمة التعريف ب...

مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...

دروس في المال: ...

دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...

درك الإمام أن ط...

درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...

2 - بداية عصر ا...

2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...

بالقرب من مدينة...

بالقرب من مدينة أور الأثرية. كان من المقرر أن يمتد موسم التنقيب لهذا العام من منتصف شهر سبتمبر/أيلول...

Tech news