Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

وهي: أن الشريعة الإسلامية لها روح مستلهم من مقاصد وكليات كبرى، إذ المقاصد تعبر عن هدف الشريعة، فإن ترتب على أي حكم ما يخالف هذه المقاصد فلا يمكن أن يأتي الإشكال في طبيعة هذه المقاصد التي يتحدث عنها، وفي كيفية التعرف إليها، فمقاصد الشريعة تعرف من خلال تصريح الشارع بأن تقرر الشريعة على أن هذا الأمر فمن مقاصد الشريعة تعبيد الخلق للخالق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات : ٥٦]. كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء : ٢٩]. أو تعرف من خلال استقراء الفروع الشرعية المتنوعة في كتاب الله وسنة رسوله ، والتي تمكننا من إدراك وجه الحكمة في تشريعها فتفضي بنا إلى إدراك مقاصد الشريعة ومتى تتبعنا هذه النصوص وتلك الفروع أمكننا العلم بأن من مقاصد الشريعة حفظ النفس مثلاً، ومنع أي تعد أو ضرر عليهم، وأن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة، وهكذا. فهذه المقاصد هي في الحقيقة خلاصة نظر في الأحكام الشرعية التفصيلية، لأن المقاصد إنما تعرف أصلا من خلال تتبع هذه الأحكام الشرعية التفصيلية، فإذا اتخذت من المقاصد ذريعة لرد الجزئيات فأنت في الحقيقة تقع في مشكلة منهجية واضحة، وهي أنك عمدت إلى وضع مقاصد جديدة، ثم حاكمت إليها نصوص الشريعة، هذه وصف الشرعية إذ فيه تقصيد للشارع، وكذبت عليه بعد ذلك بعدد ما سيتناسل من هذا المقصد المكذوب من فروع توهم نسبتها إلى الشريعة وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الأنعام: ٢١]. فعلم مقاصد الشريعة علم كاشف يكشف عن مقاصد الشريعة بالنظر إلى الشريعة ذاتها وما حددته من المقاصد نصاً، وهو مقام علمي رفيع يجب أن يتحلى صاحبه بالعلم الوافر، وقد كان الشاطبي مدركاً خطر هذا التوظيف المنحرف للمقاصد، لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد؛ حتى يكون ريان من علم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها و معقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب، خيف عليه أن ينقلب عليه ما أودع فيه فتنة بالعرض، وليس لأنه خالف المقصد الشرعي فعلاً؛ وبه يتضح حجم الجناية حين يأتي أحدهم مثلاً إلى قسمة الميراث الذي قال الله فيه: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ﴾ [النساء: ١١] ويقول: هذا مخالف لمقصد الشريعة في المساواة أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من البراءة من الكفار والنهي عن توليهم فيقول: هذا مناف لمقصد الشريعة من الانفتاح على الآخر ! أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من النهي عن الربا فيقول: هذا مناف لمقصد الشريعة في التيسير وتحريك الأموال فيجهز على الفروع الفقهية بسيف المقاصد، وهي في الحقيقة ليست مقاصد للشريعة، على الشريعة. وحتى تتأكد من حجم عبثية كثير من الخطابات المتعلقة بذيول المقاصدية وما يسمونه روح الشريعة، فإن كثيراً من المصطلحات التي يسوقونها في هذا الباب لم تحرر تحريراً علمياً، بل هي مجرد مصطلحات عائمة وفضفاضة وغير واضحة، فإذا ومصادم لمقاصد الإسلام، فإذا طلبت منه أن يشرح ما المقصد الشرعي هنا ؟ وما روح الشريعة ؟ جاء بكلام فضفاض عام، والتعامل مع الأحكام الشرعية لا يكون بهذه الطريقة الفوضوية العبثية، الأمر الأول: تحديد المقصد الشرعي بصورة واضحة بينة. الأمر الثاني: بيان وجه المخالفة والتناقض بين الفرع الجزئي والمقصد الكلي. الأمر الثالث: بيان سبب ترجيح المقصد، الأمر الرابع: بيان كيفية التعامل مع الفرع. وهذه الضوابط لا تكاد تجدها عند من يتحدث بأننا نريد التمسك بالمقاصد وروح الشريعة؛ لأنها لا تنطلق من طريقة موضوعية، بل من رؤية تتعامل مع كثير من المقررات الفقهية باعتبارها عبئاً يحتاج إلى التخلص منه وتجاوزه. إن وجود ما يظهر للناظر تعارضاً بين أدلة الأحكام الشرعية أمر واقع وسائغ، وهو ما ينكشف بمراجعة أبحاث الفقهاء، تتفاوت فيها أذهان الفقهاء في كيفية الترجيح، بمنهجية منضبطة ونظر دقيق، وهذه الحال العلمية الموضوعية كما ترى تختلف عن تلك العبثية التي تتساقط فيها كل الشروط الموضوعية ومناهج النظر والبحث، فيأتي أحدهم مثلاً إلى حديث صحيح عن النبي ﷺ يقول فيه : من بدل دينه فاقتلوه (۱) مع أ أدلة أخرى تمنع من وجود حرية الردة عن الإسلام، فيضع أولاً مقصداً من عنده يفسره بناءً على رأيه الخاص ليرد به حديثاً صحيحاً عن النبي ، ثم لا تجد هذا المقصد مفسراً بشكل واضح، منها: عدم الخروج عن الدين إلى غيره جهاراً، وإنما يبادر برد الحديث مباشرة، ثم لا يقدم أدلة صحيحة سالمة تثبت هذا المعنى الذي ذهب إليه، فالخلل هنا إذا ليس في توهم وجود تعارض في عين الناظر بين بعض أحكام الشريعة، فيبدو له أن حكماً يعارض حكماً آخر، أو أن حكماً يعارض قاعدة أقوى منه، فيجتهد في دفع ذلك وفق اجتهاد شرعي معتبر؛ وإنما حقيقة الأمر هدم أحكام وفروع ونصوص من خلال ضربها بالمقاصد بلا منهج موضوعي. ومما ينبغي التأكيد عليه أيضاً في هذا الشأن أن الفروع هي في الحقيقة مسرد شارح للتفاصيل الداخلية للمقاصد، إذ المقاصد قضايا كلية عامة، وكثيراً ما يقع الاتفاق بين الناس على اعتبار عدد من الكليات، لكنهم مع اتفاقهم عليها يختلفون كثيراً في سبل تحقيقها، وما يدخل فيها وما يخرج؛ وهو كذلك في نظر الشريعة، لكن حالة التوافق على هذا الشأن الكلي لا تعني إذ لكل مجتمع وثقافة ومذهب فروعه التفصيلية التي يحدد من خلالها حقائق العدل التفصيلية، فالليبرالية مثلاً ترى أن العدل إنما يتحقق في فتح الحرية للناس جميعاً دون تدخل للسلطات في منع أحد بسبب ضرر ديني، أما المسلم فالعدل عنده يكون في منع ما يلحق بالناس ضرراً بالدين، وهكذا ترى أن مقصد العدل يتأثر في تفاصيله بالمرجعية الحاكمة التي يعتمدها كل طرف، فإذا جاء أحد ورد حكماً شرعياً بدعوى أنه مخالف لمقصد العدل فهو في الحقيقة لا يعتمد العدل على وفق الشريعة، بل يأتي بالعدل متأثراً بثقافة أخرى ويريد محاكمة الشريعة إليها. إذ المقصد هو الذي يجب الاستمساك به، أما الوسائل فلا يصح أن تكون مقصودة لذاتها، فيتشدد في التمسك بها، بل يتمسك بها ما دامت محققة للمقاصد، فإذا كان هناك سبيل لتحقيق المقاصد هنا دونها، وهذه الإشكالية كما ترى هي فرع عن مشكلة منهج استخراج المقاصد الشرعية عند صاحب هذه المقولة وكيفية الاطلاع عليها ومعرفتها، فإذا ما انضاف إليها وهم أن مقاصد الشريعة محصورة في تحقيق المصالح الدنيوية فقط، تعاظمت المشكلة وصار من الطبيعي أن تتراجع قيمة المأمورات الشرعية والمنهيات التفصيلية في حس هذا الواهم. إن دعوى إمكانية استبدال أحكام الشريعة التفصيلية بأحكام أخر تحقق عين مقاصدها، تتضمن جرعة عالية من الغرور المعرفي بادعاء معرفة تفاصيل المقصد الشرعي لتلك الأحكام وحدودها، ثم ادعاء أن ثم وسائل أخر تحقق عين المقصد الذي قصدته الشريعة بتلك التشريعات، وأن هذه الوسائل يمكن الاستغناء بها عن الوسائل التي قررتها الشريعة. وهب أننا تنزلنا وقلنا : هذه التشريعات التفصيلية في مختلف أبواب الشريعة مجرد وسائل لغايات، وادعاء أنه بالإمكان إحداث وسائل أخرى تحقق عين تلك الغايات من غير زيادة أو نقص دعوى تحتاج إلى البرهنة والإثبات. وإذا تأملت في ممارسات هؤلاء في استحداث الوسائل ستلحظ أن ما اقترحوه من الوسائل البديلة لا يسلم من الاعتراض والنقد، فحين يتحدث أحدهم مثلاً عن أن قطع يد السارق شعيرة شرعت للردع عن السرقة ويمكن أن تستبدل بما يحقق الردع كالسجن، فهذا المثل لا يخلو من إخلال عظيم في معرفة تفاصيل ما يتعلق بمقصد (الردع) وحدوده،

Original text

تمسك بروح الشريعة، وخذ بمقاصدها، وراع الكليات الكبرى فيها، وحافظ على الأصول، ونحو هذه العبارات التي تسعى لتقرير قضية واضحة ومباشرة، وهي: أن الشريعة الإسلامية لها روح مستلهم من مقاصد وكليات كبرى، يجب الحرص عليها، والتمسك بها، وتفسير كل حكم جزئي تفصيلي في ضوئها، بل تقييده أو رده وفقاً لذلك، إذ المقاصد تعبر عن هدف الشريعة، وغايتها، وما تسعى لتحقيقه من مصالح كبرى التي تقررها، فإن ترتب على أي حكم ما يخالف هذه المقاصد فلا يمكن أن


يكون حكماً شرعياً صحيحاً.


وهنا نتساءل: من أين يأتي الإشكال في مثل هذا ؟


يأتي الإشكال في طبيعة هذه المقاصد التي يتحدث عنها، وفي كيفية التعرف إليها،


فمقاصد الشريعة تعرف من خلال تصريح الشارع بأن تقرر الشريعة على أن هذا الأمر


من مقاصدها، فمن مقاصد الشريعة تعبيد الخلق للخالق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا


لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات : ٥٦]. ومن مقاصدها حفظ الأنفس: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ


كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء : ٢٩].


أو تعرف من خلال استقراء الفروع الشرعية المتنوعة في كتاب الله وسنة رسوله ،


والتي تمكننا من إدراك وجه الحكمة في تشريعها فتفضي بنا إلى إدراك مقاصد الشريعة


وكلياتها الكبرى.


فالمقاصد لا تدرك معزولة عن الشريعة، وإنما تعرف من خلال نصوصها وفروعها. ومتى تتبعنا هذه النصوص وتلك الفروع أمكننا العلم بأن من مقاصد
الشريعة حفظ النفس مثلاً، وأن من مقاصدها أيضاً : التشديد في حقوق الناس، ومنع أي تعد أو ضرر عليهم، وأن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة، وهكذا.


فهذه المقاصد هي في الحقيقة خلاصة نظر في الأحكام الشرعية التفصيلية، فهي التي توصلك لإدراك القواعد الكلية التي تقوم عليها هذه الشريعة.


وبناء على هذه المقدمة التي ينبغي أن تكون بدهية، لا يصح أ أن يقال في مواجهة حكم شرعي تفصيلي: دعونا نتمسك بالمقاصد؛ لأن المقاصد إنما تعرف أصلا من خلال تتبع هذه الأحكام الشرعية التفصيلية، فإذا اتخذت من المقاصد ذريعة لرد الجزئيات فأنت في الحقيقة تقع في مشكلة منهجية واضحة، وهي أنك عمدت إلى وضع مقاصد جديدة، ثم حاكمت إليها نصوص الشريعة، بل أسبغت على مقاصدك


هذه وصف الشرعية


وهو مزلق خطر، إذ فيه تقصيد للشارع، وادعاء أن الله حين أنزل الشريعة أراد منها ما أردت، فإذا لم يكن الأمر كذلك وقعت في الكذب المركب على الله تعالى فكذبت عليه حين ادعيت أن من مقاصده في إنزال الشريعة كذا وكذا، وكذبت عليه بعد ذلك بعدد ما سيتناسل من هذا المقصد المكذوب من فروع توهم نسبتها إلى الشريعة وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الأنعام: ٢١].


وهذه الإشكالية تمثل ثغرة منهجية هائلة نتجت عن الفقر الشديد في استقراء نصوص الشريعة، أو - وهو الأسوأ - توهم أنه لا داعي لهذا أصلاً.


فعلم مقاصد الشريعة علم كاشف يكشف عن مقاصد الشريعة بالنظر إلى الشريعة ذاتها وما حددته من المقاصد نصاً، أو ما يمكن تحصيله منها عن طريق النظر والاستقراء لجزئياتها، وهو مقام علمي رفيع يجب أن يتحلى صاحبه بالعلم الوافر، والاستقراء التام، والورع الشديد، خوفاً من أن يقول العبد على الله وشريعته بلا علم.
وقد كان الشاطبي مدركاً خطر هذا التوظيف المنحرف للمقاصد، فأكد أهمية التحلي بهذه الخصائص والمؤهلات، فقال في مقدمة أشهر كتاب مؤلف في شأن المقاصد، وهو الموافقات ومن هنا، لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد؛ حتى يكون ريان من علم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها و معقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب، فإنه إن كان هكذا؛ خيف عليه


أن ينقلب عليه ما أودع فيه فتنة بالعرض، وإن كان حكمة بالذات (۱).


فحين يأتي أحد فيرد حكماً شرعياً متعلقاً بالمرأة أو بالتعامل مع الكفار أو بالعقوبات بدعوى معارضتها مقاصد الشرعية، فهو يرد الحكم لأنه خالف مقصدا وضعه هو، وليس لأنه خالف المقصد الشرعي فعلاً؛ لأن المقصد الشرعي إنما يعرف من خلال فروع الشريعة كما مرّ، وبه يتضح حجم الجناية حين يأتي أحدهم مثلاً إلى قسمة الميراث الذي قال الله فيه: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ﴾ [النساء: ١١] ويقول: هذا مخالف لمقصد الشريعة في المساواة أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من البراءة من الكفار والنهي عن توليهم فيقول: هذا مناف لمقصد الشريعة من الانفتاح على الآخر ! أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من النهي عن الربا فيقول: هذا مناف لمقصد الشريعة في التيسير وتحريك الأموال فيجهز على الفروع الفقهية بسيف المقاصد، وهي في الحقيقة ليست مقاصد للشريعة، بل مقاصد جديدة للأهواء والأذواق أصبحت حاكمة


على الشريعة.


وحتى تتأكد من حجم عبثية كثير من الخطابات المتعلقة بذيول المقاصدية وما يسمونه روح الشريعة، فإن كثيراً من المصطلحات التي يسوقونها في هذا الباب لم تحرر تحريراً علمياً، بل هي مجرد مصطلحات عائمة وفضفاضة وغير واضحة، فإذا
وجد أحدهم نصاً مشكلاً عليه في كتاب الله أو سنة رسوله وقف في وجهه بأن هذا مخالف لروح الشريعة، ومصادم لمقاصد الإسلام، فإذا طلبت منه أن يشرح ما المقصد الشرعي هنا ؟ وما روح الشريعة ؟ جاء بكلام فضفاض عام، وهو ما يكشف عن كسل معرفي في تأدية الواجبات البحثية المتعلقة بالدعوى، فإن الدعاوى مجردة


عن الأدلة والحجج والبراهين مجرد عبث علمي لا قيمة له.


والتعامل مع الأحكام الشرعية لا يكون بهذه الطريقة الفوضوية العبثية، بل يتطلب الأمر دقة علمية ومنهجاً بيناً ونظراً موضوعياً حتى يتمكن المسلم من إثبات أن هذا


الحكم يخالف المقصد الفلاني، ولا يكون إلا ببيان أمور:


الأمر الأول: تحديد المقصد الشرعي بصورة واضحة بينة.


الأمر الثاني: بيان وجه المخالفة والتناقض بين الفرع الجزئي والمقصد الكلي.


الأمر الثالث: بيان سبب ترجيح المقصد، وإلى ماذا استند.


الأمر الرابع: بيان كيفية التعامل مع الفرع.


وهذه الضوابط لا تكاد تجدها عند من يتحدث بأننا نريد التمسك بالمقاصد


وروح الشريعة؛ لأنها لا تنطلق من طريقة موضوعية، أو منهجية متماسكة، بل من رؤية تتعامل مع كثير من المقررات الفقهية باعتبارها عبئاً يحتاج إلى التخلص منه وتجاوزه.


إن وجود ما يظهر للناظر تعارضاً بين أدلة الأحكام الشرعية أمر واقع وسائغ،


وهو ما ينكشف بمراجعة أبحاث الفقهاء، فكتب الفقهاء مليئة بالخلاف والجدال في أحكام ونصوص كثيرة، تتفاوت فيها أذهان الفقهاء في كيفية الترجيح، لكنها محكومة


بمنهجية منضبطة ونظر دقيق، فيجتهدون وفق معايير موضوعية في تطلب الحق، وهم


فيها بين الأجر والأجرين.
وهذه الحال العلمية الموضوعية كما ترى تختلف عن تلك العبثية التي تتساقط فيها كل الشروط الموضوعية ومناهج النظر والبحث، فيأتي أحدهم مثلاً إلى حديث صحيح عن النبي ﷺ يقول فيه : من بدل دينه فاقتلوه (۱) مع أ أدلة أخرى تمنع من وجود حرية الردة عن الإسلام، فيردها بناءً على أن هذا يخالف مقصد الشريعة في الحرية.


فيضع أولاً مقصداً من عنده يفسره بناءً على رأيه الخاص ليرد به حديثاً صحيحاً عن النبي ، ثم لا تجد هذا المقصد مفسراً بشكل واضح، فكل شخص يفسر الحرية وفق حدوده وضوابطه، ولا ينظر في وجه الجمع الذي يدفع التعارض، بأنه يمكن أن تجعل الحرية في الإسلام مقيدة بضوابط، منها: عدم الخروج عن الدين إلى غيره جهاراً، وإنما يبادر برد الحديث مباشرة، ثم لا يقدم أدلة صحيحة سالمة تثبت هذا المعنى الذي ذهب إليه، ولا يجيب عن الأدلة الأخرى التي تثبت أن الحرية التي


يتحدثون عنها غير موجودة في الإسلام أصلاً.


فالخلل هنا إذا ليس في توهم وجود تعارض في عين الناظر بين بعض أحكام الشريعة، فيبدو له أن حكماً يعارض حكماً آخر، أو أن حكماً يعارض قاعدة أقوى منه، فيجتهد في دفع ذلك وفق اجتهاد شرعي معتبر؛ وإنما حقيقة الأمر هدم أحكام وفروع ونصوص من خلال ضربها بالمقاصد بلا منهج موضوعي.


ومما ينبغي التأكيد عليه أيضاً في هذا الشأن أن الفروع هي في الحقيقة مسرد شارح للتفاصيل الداخلية للمقاصد، إذ المقاصد قضايا كلية عامة، وكثيراً ما يقع الاتفاق بين الناس على اعتبار عدد من الكليات، لكنهم مع اتفاقهم عليها يختلفون كثيراً في سبل تحقيقها، وما يدخل فيها وما يخرج؛ فالناس مثلاً لا يتنازعون في حسن العدل، وهو كذلك في نظر الشريعة، لكن حالة التوافق على هذا الشأن الكلي لا تعني
أن هناك توافقاً على مضامين العدل الداخلية، إذ لكل مجتمع وثقافة ومذهب فروعه التفصيلية التي يحدد من خلالها حقائق العدل التفصيلية، وهذه التفصيلات هي ما يُشكل إطار العدل في الواقع ويحدد ملامحه وصورته؛ فالليبرالية مثلاً ترى أن العدل إنما يتحقق في فتح الحرية للناس جميعاً دون تدخل للسلطات في منع أحد بسبب ضرر ديني، أما المسلم فالعدل عنده يكون في منع ما يلحق بالناس ضرراً بالدين، وهكذا ترى أن مقصد العدل يتأثر في تفاصيله بالمرجعية الحاكمة التي يعتمدها كل طرف، فإذا جاء أحد ورد حكماً شرعياً بدعوى أنه مخالف لمقصد العدل فهو في الحقيقة لا يعتمد العدل على وفق الشريعة، بل يأتي بالعدل متأثراً بثقافة أخرى ويريد


محاكمة الشريعة إليها.


ومن الإشكاليات المولدة من تصور القطيعة بين الفروع والمقاصد التعامل مع الفروع والتشريعات الجزئية باعتبارها مجرد وسائل المقاصد يمكن استبدالها بغيرها من الوسائل متى ما حققت تلك الوسائل المستحدثة المقاصد المطلوبة، إذ المقصد هو الذي يجب الاستمساك به، أما الوسائل فلا يصح أن تكون مقصودة لذاتها، فيتشدد في التمسك بها، بل يتمسك بها ما دامت محققة للمقاصد، فإذا كان هناك سبيل لتحقيق


المقاصد هنا دونها، فليس من العقل التشدد في شأن الوسائل.


وهذه الإشكالية كما ترى هي فرع عن مشكلة منهج استخراج المقاصد الشرعية عند صاحب هذه المقولة وكيفية الاطلاع عليها ومعرفتها، فإذا ما انضاف إليها وهم أن مقاصد الشريعة محصورة في تحقيق المصالح الدنيوية فقط، تعاظمت المشكلة وصار من الطبيعي أن تتراجع قيمة المأمورات الشرعية والمنهيات التفصيلية في حس


هذا الواهم.
إن دعوى إمكانية استبدال أحكام الشريعة التفصيلية بأحكام أخر تحقق عين مقاصدها، تتضمن جرعة عالية من الغرور المعرفي بادعاء معرفة تفاصيل المقصد الشرعي لتلك الأحكام وحدودها، ثم ادعاء أن ثم وسائل أخر تحقق عين المقصد الذي قصدته الشريعة بتلك التشريعات، وأن هذه الوسائل يمكن الاستغناء بها عن


الوسائل التي قررتها الشريعة.


وهب أننا تنزلنا وقلنا : هذه التشريعات التفصيلية في مختلف أبواب الشريعة مجرد وسائل لغايات، فإننا جازمون بأن هذه الوسائل المنصوص عليها محققة لغاياتها؛ لأن الشارع الذي وضعها أراد بها تحقيق تلك الغايات مع كمال علمه سبحانه وحكمته، وادعاء أنه بالإمكان إحداث وسائل أخرى تحقق عين تلك الغايات من غير زيادة أو


نقص دعوى تحتاج إلى البرهنة والإثبات.


وإذا تأملت في ممارسات هؤلاء في استحداث الوسائل ستلحظ أن ما اقترحوه من الوسائل البديلة لا يسلم من الاعتراض والنقد، فحين يتحدث أحدهم مثلاً عن أن قطع يد السارق شعيرة شرعت للردع عن السرقة ويمكن أن تستبدل بما يحقق الردع كالسجن، فهذا المثل لا يخلو من إخلال عظيم في معرفة تفاصيل ما يتعلق بمقصد (الردع) وحدوده، فليس المقصود هو تحقيق مطلق الردع، بل تحقيقه بالقدر الذي يتحقق من خلال تشريع القطع من غير زيادة أو نقصان، فالقتل يحقق الردع أيضاً، فهل


يسوغ أن تستبدل شريعة القطع به لمجرد اشتراكهما في مطلق الردع.


ومن جهة أخرى، فثم ملابسات تتصل بالعقوبة الشرعية (القطع) والعقوبة البديلة المقترحة (السجن) يجزم الناظر فيها أن استعمال هاتين العقوبتين وإن تقاطعتا في شيء من النتائج فثم قدر من الافتراق يوجب القول بأن الوسيلة الثانية لا توصل لعين


ما توصل إليه النتيجة الأولى.
فمجرد الإعلان عن إقرار عقوبة القطع مثلاً يؤدي إلى الزجر عن السرقة بما لا يحققه الإعلان عن عقوبة السجن. كما أن السجن قد يشكل محضناً لبث ثقافة الإجرام والفساد بين السجناء، ففيه من المفاسد ما ليس في عقوبة القطع.. وغير ذلك من الفوارق الموضوعية بين ما يترتب على إقرار حد القطع وإقرار عقوبة السجن


المعالجة مشكلة السرقة.


ثم إن كان الكل يوصل إلى نتيجة واحدة حقيقة والغرض تحقيق تلك النتيجة المعبر عنها بالمقاصد، فلم هذا الإصرار على تعطيل الوسيلة التي اعتبرها الشارع


واستبدالها بوسيلة أخرى ؟!


إن السبب في الحقيقة ينكشف بما سبق ذكره من استحضار بواعث هذا الخطاب في التعلق بنظرية المقاصد، فليس القصد هو الاستمساك الموضوعي بهذه النظرية


وإنما الأخذ منها بالقدر الذي يحقق هدر ما أرادوا هدره من أحكام الشريعة، ولذا فمتى


ما أفضى التمسك بهذه النظرية إلى ما يتوهمونه تشدداً فقهياً رأيت أولئك ينقلبون على


هذه النظرية ويصبحون حرفيين ظاهريين جداً، وبه ينكشف حضور الهوى كموجه


للشخص في خياراته الدينية، لا أن تكون الشريعة ذاتها هي الموجه.


إذا، نخلص مما سبق إلى أن التمسك بمقاصد الشريعة يقتضي في الوقت نفسه


التمسك بفروعها، وأن من يدعو إلى التمسك بمقاصدها لهدم بعض الفروع فهو لم


يتمسك بالمقاصد من الأساس، فما يدعو إليه ليس روح الشريعة ولا مقاصدها ولا


كلياتها، بل هو شيء أجنبي عنها يتخذه تكأة لإسقاط بعض أحكام الشريعة بلا حق، وهو


من جنس الهوى الذي يجب على المسلم الحذر منه عند التعامل مع الأحكام الشرعية


لأنه يصد عن الحق، والله يقول: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلُّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ ص: ٢٦].


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

أسباب تناول الم...

أسباب تناول المشكلة الحالية : ١- التحول الرقمي في الإعلام الرياضي : مع انتشار الإعلام الرياضي الإلكت...

قصة الشيوخ الثل...

قصة الشيوخ الثلاث المحبة والثروة والنجاح ذات مرة خرجت امرأة من بيتها فرأت ثلاثة شيوخ لهم لحى بيضاء ط...

مة: إنّ ال...

مة: إنّ التعليم مهنةٌ سامية تُسهم في بناء الأمم ورقيّها، إذ يُعدّ التعليم الجيّد الركيزة الأساس...

ارتفعت معدالت إ...

ارتفعت معدالت إكمال الدراسة في المرحلة االبتدائية من 75 في المائة في عام 2000 إلى 85.4 في المائة في...

تعتبر السلطة ال...

تعتبر السلطة اللامركزية الإقليمية من أهم الأساليب التي تستخدمها الدولة لتنظيم إدارتها. تهدف هذه السل...

باريس - لقد أضح...

باريس - لقد أضحى اسمها على جميع الشفاه منذ أن قام الرئيس إيمانويل ماكرون بزيارة مفاجئة للمعهد الاستش...

مقدمة: تبدأ ال...

مقدمة: تبدأ الوظائف التي تتيح للإنسان الحركة وممارسة النشاط البدني من تفاعلات دقيقة داخل الخلايا؛ ف...

# الترجمة الكام...

# الترجمة الكاملة للبحث: نظام التكاليف على أساس الأنشطة (ABC) عنوان البحث: نظام التكاليف على أساس ا...

لبُزُق (أو الغل...

لبُزُق (أو الغلما) هي آلة موسيقية وترية خشبية تشبه العود ذات عنق طويل وجسم أصغر من العود. وكانت تسمى...

تطوير لوحة مؤشر...

تطوير لوحة مؤشرات تشمل إجمالي العقود والكميات المتعاقد عليها، ونسب التعاقد بحسب الجهات والدول، إضافة...

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

مقدمة يُعتبر ا...

مقدمة يُعتبر القانون الدولي العام الهيكل القواعدي والنظمي الذي يحكم العلاقات بين ذوات الشخصية الدول...

Tech news