Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (6%)
وإن التواضع الكريم الذي نراه متألقا في جميع أفعال سموك يجعلني على ثقة من أن الكلام البسيط الصريح الذي ينطق به رجل, غلب على الناس أن يقابلوا بين التهور والاستحياء كما يقابلون بين فضيلة ورذيلة، لا جرم يصلون إلى مرتبة من الحكمة أرفع من مرتبة غيرهم. فعنايتك بتثقيف نفسك تتجلى في أنه لا شيء من ملهيات البلاط ولا الأسلوب المألوف في تربية الأميرات, ومع أنها بدت وكأنها قد بذلت كل ما في وسعها لتحويلك عن طبعك الرضي- لم تستطع قط أن توغر صدرك أو تكسر قلبك. بل يقصد منها معرفة كاملة لكل ما يستطيع الإنسان أن يعرفه، جميعا؛ ويلزم بعد هذا أن نسعى إلى أن نستنبط من تلك المبادئ معرفة الأشياء المعتمدة عليها بحيث لا يكون في سلسلة الاستنباطات شيء إلا وهو بين كل البيان، وأنا واثق أنه لا شيء مما قد قلته الآن إلا ويقره جميع العلماء. وكنت أبغي بعد ذلك أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة, ولست أرى غيره خيرا يعدله في جلال قدره, والثانية تشتمل على كل ما تدلنا عليه تجربة الحواس، لقد وجد في كل العصور من فطاحل المفكرين من حاولوا في سعيهم إلى بلوغ الحكمة أن يجدوا طريقا خامسا أرفع وأوثق بمراحل من الطرق الأربعة الأخرى؛ وأول وأكبر من كل اكتشاف فيه يكون بمثابة مبدأ لتفسير المشكلة التي تليه.
Original text
إهداء المؤلف مدخل ... إهداء المؤلف: إهداء إلى حضرة صاحبة الشوكة 1 الأميرة إليزابث كبرى بنات فردريك، ملك بوهيميا، وكونت بالاتينا والأمير الناخب للإمبراطورية: سيدتي: إن أعظم نفع ظفرت به من المؤلفات التي نشرتها من قبل هو أنني قد نلت بسببها شرف الالتفات إليّ من سموك، وحظيت حينا بالتحدث إلى جنابك, فتيسر لي بهذا أن أتبين في شخصك خصالا قيمة نادرة جعلتني أعتقد أنني أسدي خدمة للجمهور إذا أنا قدمتها إلى الخلف قدوة تحتذى. لا يليق بي أن أتملق أو أن أكتب أشياء ليس لي بها معرفة يقينية، وعلى الخصوص في الصفحات الأولى لهذا الكتاب، الذي قصدت فيه إلى أن أضع مبادئ جميع الحقائق التي يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفها. وإن التواضع الكريم الذي نراه متألقا في جميع أفعال سموك يجعلني على ثقة من أن الكلام البسيط الصريح الذي ينطق به رجل, لا يكتب إلا ما يعتقد، سيلقي لديك من ارتياح أكثر مما تلقي خطب الثناء المنمقة بعبارات التفخيم، التي يعمد إليها من درسوا فن المديح. ولهذا لن أضع في هذه الرسالة شيئا ما لم تكن التجربة والعقل قد جعلاني مستيقنا منه. وسوف أكتب في الديباجة كما في بقية الكتاب على النحو الذي يلائم الفيلسوف.
_ 1 "صاحبة الشوكة" "Serenissime" لقب كان يمنح لبعض الشخصيات العالية, ولبعض الولادة.
إن هناك فرقا بين الفضائل الحقيقية والفضائل التي ليست إلا ظاهرية، كما أن هنالك فرقا كبيرا بين الفضائل التي تصدر عن معرفة الحقيقة معرفة صحيحة والفضائل التي تكون مصحوبة بالجهل أو بالخطأ، والفضائل التي أسميها ظاهرية ليست في حقيقة الأمر إلا رذائل. ولكن من حيث إنها ليست من الشيوع بقدر الرذائل الأخرى التي هي أضداد لها، ومن حيث إنها أبعد عنها من الفضائل التي تشغل منزلة وسطى, فقد جرت عادة الناس أن يقدروها أكثر مما يقدرون من الفضائل؛ ولذلك لما كان عدد من يخافون المخاطر خوفا شديدا جدا أكثر من عدد من يخافونها قليلا جدا، غلب على الناس أن يقابلوا بين التهور والاستحياء كما يقابلون بين فضيلة ورذيلة، وزاد تقديرهم للتهور على تقديرهم للشجاعة الحقيقية. ولذلك أيضا وجدنا المبذرين يمدحون عادة أكثر مما يمدح أهل السخاء، ووجدنا الأخيار المخلصين حقا لا ينالون من الاشتهار بالبر والتقوى قدر ما ينال المخرفون والمنافقون. وكثير من الفضائل الحقيقية لا تصدر عن معرفة حقيقية, بل إن منها ما يصدر أيضا عن نقص أو خطأ, فغالبا ما تكون البساطة علة لرقة القلب، والخوف علة للتقوى، واليأس علة للشجاعة. والفضائل المصحوبة بنقص يختلف بعضها عن بعض ويسميها الناس أيضا بأسماء مختلفة. أما الفضائل الخالصة الكاملة التي لا تصدر إلا عن معرفة الخير, فهي كلها من طبيعة واحدة، ويمكن أن يشتمل عليها اسم الحكمة؛ لأن كل من صدقت عزيمته وثبتت إرادته على أن يستعمل عقله دوما أحسن ما وسعه من استعمال، وان يتوخى في جميع أفعاله ما يراه أحسن الأشياء، وهو حكيم حقا بقدر ما تهيئه له طبيعته. وبهذا وحده يكون عادلا ومعتدلا، ويكون مالكا لكل الفضائل الأخرى، وتكون كلها مجتمعة فيه بقسطاس مستقيم, فلا تطغى إحداها على الأخرى. وهذا هو السبب في أن هذه
الفضائل مع كونها أكمل جدا من الفضائل التي تلمع وتبرز بسبب امتزاجها ببعض النقص، غير أنه لما كانت العامة أقل التفاتا إليها، لم تجر العادة بأن تنظم لها عقود الثناء1. يضاف إلى هذا أن من بين الأمرين المطلوبين للحكمة على نحو ما وصفنا -أعني: إدراك الذهن لما هو خير، واستعداد الإرادة لأن تتبعه على الدوام- أن هنالك أمرا هو مناط الإرادة وحده يمكن أن يملكه الناس جميعا على السواء؛ نظرا إلى أن قرائح بعض الناس أقل جودة من قرائح غيرهم2. ولكن مع أن من لم يرزقوا جودة القريحة يستطيعون أن يبلغوا من الحكمة ما تؤهلهم له
_ 1 في هذه الفقرة الموجزة فرّق ديكارت بين الفضائل الظاهرية والفضائل الحقيقية. وفي الفضائل الحقيقية ميز بين تلك التي تصدر عن معرفة الحقيقة معرفة صحيحة وتلك التي تكون مصحوبة بجهل أو خطأ, والفضائل الظاهرية هي رذائل يظنها العوام فضائل كالتهور والتبذير. ومن الفضائل الحقيقية ما ينشأ أحيانا من عيب أو خطأ؛ فالبساطة يمكن أن تكون علة لرقة القلب، واليأس علة للشجاعة. أما الفضائل الكاملة فمصدرها معرفة الخير، ويرى ديكارت أن الخير لا يفترق عن الحق؛ فإنه "لما كانت إرادتنا لا تتجه إلى الإقدام على شيء أو تجنب شيء إلا حسبما يقدمه الذهن لنا على أنه حسن أو سيئ، فيكفي أن نحكم حكم حسنا لكي نعمل عملا حسنا". فلا فرق عند ديكارت بين حقيقة علمية وحقيقة أخلاقية؛ لأن الإرادة تتوجه بالأفكار، وهي تعمل حسنا حين تسترشد بأفكار واضحة متميزة, وتعمل سيئا حين تترك زمامها لأفكارها غامضة مبهمة. وإذن فالعلم والفضيلة شيء واحد, وكذلك الخطأ والرذيلة لا يفترقان، ودستور إرادتنا هو أن نريد أن نظلم العالم: "فليس هنالك أمر هو كله في مقدورنا إلا خطرات نفوسنا". وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن نسعى إلى تغيير رغباتنا بدلا من أن نفكر في تغيير نظام العالم. وينتج من ذلك أن الفضيلة واحدة لا تتجزأ، فمن ملك فضيلة واحدة فقد ملك الفضائل جميعا, ونتبين في هذا العرض الموجز للأخلاق الديكارتية أثر المذاهب الأخلاقية عند سقراط والرواقيين. "انظر كتابنا "الفلسفة الرواقية"، الطبعة الثانية، القاهرة 1959، وأيضا: كتابنا "ديكارت" الطبعة الرابعة، القاهرة 1957". 2 لكل إنسان ذهن، أي: ملكة يتصور بها الأفكار الواضحة المتميزة، لكن طاقة هذه الملكة ليست بدرجة واحدة عند الناس جميعا. غير أن هذا لا يعني أن بين الناس اختلافا في الماهية؛ لأن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس.
طبائعهم، وأن ينالوا رضى الله بفضائلهم، ما داموا مستمسكين بعرا العزيمة الصادقة مصممين على أن يعملوا كل ما يرونه خيرا، وأن لا يدخروا جهدا في تعلم الواجبات التي يجهلونها. بيد أن من يقصدون إلى فعل الخير بعزم صادق، ويبذلون في تثقيف أنفسهم عناية خاصة، ويملكون أيضا قريحة نفاذة, لا جرم يصلون إلى مرتبة من الحكمة أرفع من مرتبة غيرهم. وإني لأرى أن هذه الأمور الثلاثة قد اجتمعت في سموك بغاية الكمال, فعنايتك بتثقيف نفسك تتجلى في أنه لا شيء من ملهيات البلاط ولا الأسلوب المألوف في تربية الأميرات, ذلك الأسلوب الذي يصرفهن عادة عن الدرس والتحصيل، قد استطاع أن يحول بينك وبين أن تدرسي بمزيد من العناية أحسن ما في العلوم، ونفاذ قريحتك الذي لا نظير له يتبين من أنك نفذت إلى أسرار العلوم وأحطت بها إحاطة دقيقة في زمن وجيز جدا. ولكن عندي دليل يخصني أنا، وهو أنني لم ألق قط شخصا قد استطاع أن يفهم، بمثل ما بلغت من إحاطة وإتقان، كل ما تشتمل عليه مؤلفاتي؛ فإن هنالك كثيرين، حتى من بين ذوي الأذهان الفذة والعلم الغزير، يجدونها غامضة جدا. وقد لاحظت عند جمهرة المتبحرين في الرياضيات أنهم غير مستعدين إطلاقا لهم مباحث الميتافيزيقا، ولاحظت من جهة أخرى أن من يستسهلون هذه لا قدرة لهم على أن يفهموا تلك؛ ولهذا أستطيع أن أقول محقا: إنني لم ألق قط إلا ذهن سموك وحده الذي يستسهل هذه وتلك على السواء، ولهذا يحق لي أن أصفه بأنه ذهن لا نظير له. ولكن الشيء الذي يزيد من إعجابي هو أن هذه الإحاطة بجميع العلوم على هذا النحو من التنوع والكمال, لم أجدها عند عالم من الشيوخ أنفق سنوات عديدة في الدرس والتحصيل، بل عند أميرة ما زالت شابة محياها أقرب إلى أن يمثل محيا إحدى
ربات الجمال1 اللواتي يتحدث عنهن الشعراء، من أن يمثل محيا إحدى ربات الشعر2 أو محيا العالمة "مينرفا"3. وختاما، ألاحظ في سموك كل ما هو مطلوب من جانب الذهن للحكمة الكاملة الفائقة، وليس هذا فحسب, بل كل ما يمكن أن يكون مطلوبا من جانب الإرادة أو الأخلاق، وفيها نرى علو الهمة والرقة، ملتئمتين مع الجلالة التئاما جعل صروف الدهر -مع أنها وجهت إليك ضرباتها المتواليات، ومع أنها بدت وكأنها قد بذلت كل ما في وسعها لتحويلك عن طبعك الرضي- لم تستطع قط أن توغر صدرك أو تكسر قلبك. وقد تضطرني هذه الحكمة الكاملة إلى إكبارك إكبارا يجعلني لا أقتصر على الاعتقاد أنك صاحبة الفضل في هذا الكتاب، إذ يبحث في الفلسفة التي هي دراسة الحكمة, بل يجعلني أشعر بأن حرصي على التفلسف، أي: السعي إلى تحصيل الحكمة، ليس أشد من حرصي على أن أكون يا سيدتي، لسموك, الخادم المتواضع جدا، والمطيع المتواضع جدا, ديكارت
_ 1 ربات الجمال Les Graces هن في أساطير اليونان ثلاث ربات يمثلن أفتن ما في جمال المرأة. 2 ربات الشعر Les Muses تسع أخوات يمثلن ربات الشعر, والفنون عند اليونان. 3 مينرفا Minerve من آلهة الرومان تمثل ربة الحكمة, وراعية للفنون والصناعات.
رسالة من المؤلف إلى مترجم الكتاب
رسالة من المؤلف إلى مترجم الكتاب: وهي بمثابة تقديم له: سيدي: إن ترجمة "مبادئ" التي بذلت جهدك في إخراجها قد بلغت من الوضوح والإتقان ما يجعلني أتوقع أن يكون قراء الكتاب في الفرنسية أكثر من قرائه في اللاتينية، ويجعلني آمل أن يكونوا له أحسن فهما. والذي أخشاه هو أن يصدّ العنوان كثيرين ممن لم ينشئوا على الدراسات, أو ممن ساء ظنهم بالفلسفة؛ لأن الفلسفة التي تلقنوها لم تفز برضاهم. وذلك يجعلني أرى أن من الخير أن أضيف إليها تقديما يبين لهم ما هو موضوع الكتاب؟ وما القصد الذي توخيته حين كتبته؟ وما المنفعة التي يمكن أن تنال منه؟ لكن مع أنه قد يكون من شأني أنا أن أكتب تقديما من هذا القبيل، إذ المفروض أني أعرف تلك الأمور خيرا من أي شخص آخر، إلا أني لا أستطيع أن أظفر من نفسي بشيء أكثر من أن أضع هنا موجزا للنقط الرئيسية التي يبدو لي أن من الواجب بحثها في ذلك التقديم، وأترك لحسن تصرفك أن تنشر منها على الجمهور ما تراه ملائما المقام. كنت أبغي أولا أن أشرح فيه معنى الفلسفة، مبتدئا بأقرب الأشياء إلى فهم الكافة، مثل أن لفظ "الفلسفة" معناه دراسة الحكمة، وأنه لا يقصد بالحكمة التحوط في تدبير الأمور فحسب، بل يقصد منها معرفة كاملة لكل ما يستطيع الإنسان أن يعرفه، إما لتدبير حياته، أو لحفظ صحته, أو لاستكشاف الفنون
جميعا؛ وأن المعرفة التي يتوسل بها إلى هاتيك الغايات لا بد أن تكون مستنبطة من العلل الأولى بحيث يكون من الضروري لاكتسابها "وهو ما يسمى على التحقيق تفلسفا" أن نبدأ بالفحص عن هاتيك العلل الأولى، أي: بالفحص عن "المبادئ"؛ وأن هاتيك المبادئ لا بد أن يتوافر فيها شرطان: أحدهما: أن يكون من الوضوح والبداهة بحيث لا يستطيع الذهن الإنساني أن يرتاب في حقيقتها متى أمعن النظر فيها, والثاني: أن تعتمد عليها معرفة الأشياء الأخرى، بحيث إنها يمكن أن تعرف بدون هذه الأشياء ولا تعرف هذه الأشياء الأخرى، بحيث إنها يمكن أن تعرف بدون هذه الأشياء ولا تعرف هذه الأشياء بدونها، ويلزم بعد هذا أن نسعى إلى أن نعرف بدون هذه الأشياء ولا تعرف هذه الأشياء بدونها، ويلزم بعد هذا أن نسعى إلى أن نستنبط من تلك المبادئ معرفة الأشياء المعتمدة عليها بحيث لا يكون في سلسلة الاستنباطات شيء إلا وهو بين كل البيان، والله وحده هو حقا الموجود الذي هو حكيم إطلاقا، أي: المحيط علنه بحقائق الأشياء جميعا. لكنا نستطيع أن نقول: إن مراتب الناس من الحكمة متفاوتة بمقدار تفاوتهم في معرفة أهم الحقائق، وأنا واثق أنه لا شيء مما قد قلته الآن إلا ويقره جميع العلماء. وكنت أبغي بعد ذلك أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة, وأن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين والهمجيين، وأن حضارة الأمة وثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها؛ ولذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. وكنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها وأن يشغل
بها؛ كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته واستمتاعه عن هذا الطريق بجمال اللون والضوء, أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين وليس له من مرشد إلا نفسه. ولأن يحيا المرء دون تفلسف هو حقا كمن يظل مغمضا عينيه لا يحاول أن يفتحهما؛ والتلذذ برؤية كل ما يستكشفه البصر لا يمكن أن يقارن بالرضى الذي ينال من معرفة الأشياء التي تتكشف لنا بالفلسفة. وأود أن أقول أخيرا: إن هذه الدراسة ألزم لإصلاح أخلاقنا وهداية سلوكنا في الحياة من استعمال عيوننا لهداية خطواتنا. والبهائم العجماوات التي لا هم لها إلا حفظ جسومها، لا تكل عن الدأب والسعي في طلب أقواتها. أما الناس الذين أهم جزء فيهم هو الذهن, فيجب عليهم أن يجعلوا طلب الحكمة همهم الأكبر؛ لأن الحكمة هي القوت الصحيح للعقول. وأستطيع أيضا أن أقنع نفسي أن هنالك كثيرين ما كان يفوتهم هذا الطلب لو أنهم أملوا شيئا من النجاح فيه, وعرفوا مبلغ مقدرتهم عليه. وليس من النفوس نفس مهما تكن من قلة النبل، تظل متعلقة بالحواس تعلقا شديدا فلا تتحول عنها حينا من الدهر، متشوقة إلى خير آخر أعظم وإن تكن في الغالب تجهل ماهية ذلك الخير. والذين آتاهم الله حظا عظيما، فأنعم عليهم بالعافية والمناصب والأموال ليسوا أقل من غيرهم رغبة في ذلك الخير، بل إني لأحسبهم أشد لهفة واشتياقا إلى خير آخر أكمل, وأسمى من كل ما يملكون من خيرات. وهذا "الخير الأسمى" إذا نظر إليه بالنور الفطري دون نور الإيمان، لم يكن شيئا سوى معرفة الحقيقة عن طريق عللها الأولى، أعني: الحكمة التي تدرسها الفلسفة1. ولما كانت هذه الأمور كلها حقا لا مراء فيها، لم يصعب إقناع الناس بها, متى أحسنا عرضها والتدليل عليها.
_ 1 إن فضل التفلسف عند ديكارت ليس مقصورا على سمو النظر وشرف الرتبة، بل إن فيه أيضا منفعة عملية، والفلسفة ضرورية لإصلاح عقولنا ولهداية حياتنا، إذ ترشدنا إلى ماهية "الخير الأسمى". والخير الأسمى لكل واحد عبارة عن التصميم على فعل الخير، وما يحدثه ذلك من رضى في النفس. ولست أرى غيره خيرا يعدله في جلال قدره, ويكون في مقدور كل واحد؛ فإن خيرات البدن والحظ والمال ليست في مقدورنا على الإطلاق؛ والخير الأسمى، كما رأينا في إهداء "المبادئ" إلى الأميرة إليزابث، لا يفترق عن معرفة الحقيقة.
لكن من حيث إنه قد حِيل بيننا وبين أن نعتقد هذه الأمور، بسبب التجربة التي تدلنا على أن محترفي الفلسفة هم غالبا أقل حكمة وأقل اعتصاما بالعقل من غيرهم ممن لم يشتغلوا بتلك الدراسة قط، فيلزمني ههنا أن أشرح بإيجاز: مم تتألف كل المعرفة التي نملكها الآن؟ وإلى أي درجات الحكمة وصلنا؟ الأولى لا تشتمل إلا على تصورات بلغ من وضوحها بذاتها أن أصبح اكتسابها ميسورا دون تأمل، والثانية تشتمل على كل ما تدلنا عليه تجربة الحواس، والثالثة ما نتعلمه من أحاديثنا مع غيرنا من الناس، ويصح أن نضيف إلى ما سبق درجة رابعة، وهي مطالعة الكتب لا أقول جميعا، بل على الخصوص تلك التي كتبها أشخاص قادرون على تزويدنا بإرشادات حسنة؛ لأن مطالعة الكتب ضرب من التحدث مع مؤلفيها. ويبدو لي أن كل الحكمة التي يقع امتلاكها في مألوفنا مكتسبة بهذه الطرق الأربعة فقط؛ لأني لا أضع الوحي الإلهي من بينها؛ إذ إن هدايته ليست على درجات، وإنما يرفعنا دفعة واحدة إلى إيمان لا يتزعزع. نعم, لقد وجد في كل العصور من فطاحل المفكرين من حاولوا في سعيهم إلى بلوغ الحكمة أن يجدوا طريقا خامسا أرفع وأوثق بمراحل من الطرق الأربعة الأخرى؛ ذلك هو البحث عن العلل الأولى والمبادئ الحقة التي يستطيع المرء أن يستنبط منها أسباب كل ما في مقدورنا أن نعرفه، وعلى هؤلاء الذين اشتغلوا بهذا البحث على الخصوص أطلق الناس اسم الفلاسفة1. وأول وأكبر من
_ 1 لقد كان مطمع الفلسفة على الدوام أن تحقق الوحدة بين المعارف الإنسانية المختلفة؛ ولذلك عمدت إلى تفسير الأشياء بواسطة مبدئها الأول. ومثل هذا المقصد يقتضي أن تكون الفلسفة استنباطية، بمعنى أن تكون نسقا واحدا، كل اكتشاف فيه يكون بمثابة مبدأ لتفسير المشكلة التي تليه.
وصلت إلينا مؤلفاتهم هما أفلاطون وأرسطو, ولم يكن بينهما من فرق سوى أن أفلاطون قد سار على آثار أستاذه سقراط, فاعترف في خلوص نية بأنه لم يهتد بعد إلى شيء يقيني، وأنه قد اكتفى بتحرير ما بدا له شيئا محتمل الصدق, وتخيل لهذا الغرض بعض مبادئ حاول بواسطتها أن يفسر الأشياء الأخرى. أما أرسطو فكان أقل صراحة، ومع أنه تتلمذ على أفلاطون عشرين سنة ولم يكن لديه مبادئ غير مبادئ أستاذه, فقد غير طريقة عرضها تغييرا تاما، وقدمها على أنها صحيحة ومؤكدة، ولو أن الأرجح أنها لم تكن قط في تقديره كذلك1. ولقد أصاب هذان الرجلان من الألمعية والحكمة التي تكتسب بالوسائل الأربع السابقة ما أضفى عليهما سلطانا كبيرا جعل من جاءوا بعدهما يقفون عند متابعة آرائهما أكثر مما يسعون إلى شيء أفضل. والنزاع الكبير الذي نشب بين تلاميذهما إنما كان مداره أن يتبينوا: هل ينبغي أن توضع الأشياء كلها موضع الشك أم أن هناك أشياء يقينية؟ وهو خلاف أفضى بالفريقين إلى ضلال بعيد؛ لأن فريقا ممن ذهبوا إلى الشك قد وسعوا نطاقه وجعلوه يمتد إلى أفعل الحياة،
_ 1 ذهب "ليار" في طبعته لكتاب "المبادئ" "الطبعة الرابعة، مارس سنة 1926" إلى أن حكم ديكارت هنا على أفلاطون وأرسطو حكم سطحي وغير دقيق وغير عادل. وقد تابعه "دوراندان" في طبعته لكتاب "المبادئ" "باريس 1950" فقال: إن ديكارت لم يكن محقا في اتهام أرسطو بقلة الصراحة. أما نحن, فنرى أنه قد فات كلا الباحثين أن ديكارت لم يكن بصدد حكم عام على فلسفتي أفلاطون وأرسطو، وإنما الذي كان يعنيه هو مشكلة البحث عن الحقيقة أو مشكلة اليقين, وإذن, فقد جاء حكمه على آرائهما من هذا الوجه فحسب. ويبدو لنا خلافا لليار ودوراندان أن هذا الحكم في غاية النفاذ والسداد؛ فالذي يستخلص من محاورات أفلاطون كلها هو الاعتراف الصريح بأنه ليس لدينا يقين, وإنما الذي نناله من المعرفة هو شيء شبيه بالحق، وحتى محاورة "فيدون" إنما نخرج منها، لا بأدلة يقينية، بل بأسباب تدعونا إلى الاعتقاد بخلود الروح بعد مفارقتها للبدن. أما أرسطو, فبعد مجهود طويل شاق لتفنيد أقوال أفلاطون رجع إلى ما ذهب إليه أستاذه, ولكن في صورة جديدة. وهذا هو الذي جعله يقف في فلسفته مواقف مختلفة ومتعارضة؛ فهو في المنطق صوري، وفي الميتافيزيقا واقعي, وفي الأخلاق وسط بين المثالية والواقعية "انظر كتابنا: "ديكارت" الطبعة الرابعة، القاهرة 1958".
بحيث إنهم أهملوا استعمال الحيطة والتبصر في سلوكهم، أما من ناصروا مذهب اليقين فقد افترضوا أنه يعتمد على الحواس، فاطمأنوا إليها كل الاطمئنان، حتى إنه يقال: إن "أبيقور" بلغت به الجرأة في أقواله أن صرح، خلافا لجميع استدلالات علماء الفلك، بأن الشمس ليست أكبر حجما مما تبدو لنا. وهناك عيب يمكن أن يلاحظ في جميع المنازعات، وهو أنه لما كانت الحقيقة وسطا بين الرأيين المتقابلين، فإن كل طرف يبعد عنها بمقدار ما يكون ميله إلى معارضة الطرف الآخر. لكن خطأ من مالوا كل الميل إلى جانب الشك لم يجد من تابعه زمنا طويلا. أما خطأ الفريق الآخر فقد تيسر تصحيحه شيئا ما، حين تبين أن الحواس تخدعنا في كثير من الأشياء. غير أني لا أحسب أن ذلك الخطأ قد زال زوالا تاما؛ لأن أحدا لم يبين أن اليقين ليس في الحواس بل في الذهن وحده حين يكون لديه مدركات بديهية، وأنه حين لا يكون لدينا إلا معارف اكتسبناها عن طريق درجات الحكمة الأربع الأولى، حينذاك لا ينبغي أن نشك في الأشياء التي تبدو لنا حقيقة إذا كانت متصلة بسلوكنا في الحياة، ولكن لا ينبغي كذلك أن نعدها يقينية يقينا يمتنع معه أن نغير رأينا فيها, إذا اضطرتنا إلى ذلك بداهة من بداهات العقل1.
_ 1 أراد ديكارت هنا أن يقسم الفلسفة فريقين: فريق من رأوا الصعوبة في إقامة علم أكيد، لكنهم لم يحاولوا أن يتغلبوا عليها, فوقفوا عند الشك وقفة نهائية، في حين أن الشك ما هو إلا مرحلة يتلوها مراحل. وفريق من لم يروا الصعوبة، ووثقوا بوسيلة للمعرفة سهلة لكنها خداعة، وهي الحواس, والعيب المشترك عند الفريقين، أنهم لم يقدروا على مجاوزة مرتبة المعرفة الحسية، ولم يروا أن هنالك ضربا من المعرفة صعبا لكنه أكيد وهو الفهم.
وقد نشأ عن الجهل بهذه الحقيقة, أو عن عدم استعمالها ممن عرفوها أن معظم من أرادوا في هذه القرون الأخيرة أن يكونوا فلاسفة قد تابعوا أرسطو متابعة عمياء، حتى إنهم كثيرا ما أفسدوا معنى كتاباته، ناسبين إليه آراء مختلفة ما كان ليقر نسبتها إليه لو أنه عاد إلى هذه الدنيا. أما من لم يتابعوه -ومنهم كثيرون من ذوي العقول الراجحة1- فلم يبرءوا من التشبع بآرائه في شبابهم؛ لأنه لا يعلم في المدارس سواها، وقد شغلهم ذلك شغلا حال دون وصولهم إلى معرفة المبادئ الحقة. ومع أني أقدرهم جميعا ولا أريد أن أعرض نفسي للخزي بتوجيه اللوم إليهم، فإني أستطيع أن أقدم على قولي دليلا لا أظن أن منهم من ينكره، وهو أنهم قالوا بشيء لم يكونوا على معرفة كاملة به وافترضوه مبدأ. فأنا مثلا لا أعرف منهم من يفترض الثقل في الأجسام الأرضية، ولكن مع أن التجربة تدلنا بوضوح على أن الأجسام التي تسمى ثقيلة تهبط نحو مركز الأرض, فإننا لا نعلم مع ذلك ما هي طبيعة ما يسمى ثقلا، أي: طبيعة العلة أو المبدأ الذي يجعلها تهبط على هذا النحو، وعلينا أن نستقي معرفتنا بذلك من مصدر آخر. ويمكن أن يقال مثل هذا عن الخلاء والذرات، وعن الحار والبارد، وعن الجاف والرطب، وعن الملح والكبريت والزئبق وما شابه ذلك مما افترضه بعضهم مبادئ2. لكن جميع النتائج التي تستنبط من مبدأ ليس ببديهي, لا يمكن أن تكون بديهية مهما يكن الاستنباط من حيث صورته صحيحا. ويترتب على هذا أن
_ 1 لعل ديكارت قد انصرف باله, وهو يكتب هذه العبارة إلى الفلاسفة الأفلاطونيين من أهل "عصر النهضة" أو إلى بعض معاصريه مثل "جاليليو". 2 أنكر ديكارت على "المدرسيين" التجاءهم إلى "الكيفيات الحسية" -كالحار والبارد ... إلخ- واتخاذها مبادئ لتفسير الأشياء. فمن حيث إن تلك الكيفيات ليست معاني بسيطة, بل مركبة لاعتمادها في وقت واحد على طبيعة الموضوع وطبيعة الذات المدركة، فهي ليست بالمعاني الواضحة بذاتها. إن التجديد الأكبر عند ديكارت -كما يقول ليار- أنه أراد أن لا يستخدم إلا مبادئ بديهية، وجعل بداهة العقل وحدها معيارا للحق. "ليار: طبعة "المبادئ" ص14".
جميع الاستدلالات التي أقاموها على مثل تلك المبادئ لم تستطع أن تؤديهم إلى المعرفة اليقينية لشيء واحد، ولم تستطع بالتالي أن تجعلهم يقدمون خطوة واحدة في البحث عن الحكمة. وإذا كانوا قد وجدوا أية حقيقة, فمرجع ذلك إلى بعض الطرق الأربعة المشار إليها فيما تقدم. وعلى الرغم من هذا لا أريد أن أنتقص شيئا مما قد يدعيه كل واحد منهم لنفسه من فضل، لكني مضطر إلى أن أقول تهدئة لخواطر من لم ينصرفوا إلى الدرس: إن مثلنا كمثل المسافر، إذا أدار ظهره إلى المكان الذي يبتغي الذهاب إليه نأى عنه بقدر مضيه في الاتجاه الجديد زمانا أطول وبسرعة أشد، بحيث إنه لو عاد بعد ذلك إلى الطريق السوي لم يستطع أن يدرك المكان المقصود في نفس الوقت الذي كان يدركه فيه لو أنه لم يشرع في السير إطلاقا. وكذلك شأن الفلسفة، إذا اصطنعنا فيها مبادئ فاسدة كان ابتعادنا عن معرفة الحقيقة ومعرفة الحكمة بمقدار ما نبذل من عناية في تعهدهما, وما ننفق من جهد في استخلاص مختلف النتائج منهما، ونحن نظن أننا نحسن التفلسف، مع أننا نكون قد أمعنا في الابتعاد عن الحق. ويتعين أن نستخلص من هذا أن أولئك الذين تعلموا أقل قدر من كل ما خصّ حتى الآن باسم الفلسفة, هم أقدر الناس على إدراك الفلسفة الحقة. وأود, بعد إيضاح هذه الأمور، أن أورد هنا الأدلة اللازمة لإثبات أن المبادئ التي تعيننا على الوصول إلى مراتب الحكمة هذه -وهو قوام الخير الأسمى في الحياة الإنسانية- هي المبادئ التي وضعتها في هذا الكتاب. وحسبنا لإثبات ذلك دليلان اثنان: الأول: أن هذه المبادئ واضحة جدا. والثاني: أن باستطاعتنا أن نستنبط منها جميع الحقائق الأخرى؛ لأن هذين الشرطين وحدهما هما المطلوبان في المبادئ. ومن الميسور لي أن أثبت أنها
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
لفصل الأول: تأسيس الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا 1. العوامل التي ساعدت على نشر الدعوة الإسماعيلية و...
نظمت السلطة الم...نظمت السلطة المحلية والمقاومة الشعبية والمكونات السياسية والاجتماعية بمحافظة إب، اليوم، في محافظة مأ...
برع الشعراء الع...برع الشعراء العرب في فن الاعتذار، واستخدموا أجمل الكلمات وأصدق المشاعر لاستعطاف الآخرين وطلب الصفع م...
لقد ترك مصطلح "...لقد ترك مصطلح "بنات الصدور" بصمة واضحة ومستمرة في تاريخ الأدب العربي، حيث استُخدم كأداة بلاغية قوية ...
تعتبر الإدارة ا...تعتبر الإدارة العمومية العصب الحساس والواجهة الأساسية التي من خلالها تقدم الدولة خدماتها المختلفة لل...
إذا كان الفصل ا...إذا كان الفصل السابق قد تناول الإطار المفاهيمي للجريمة الدوائية الرقمية، والقيمة الجنائية للبيانات ا...
ps://doi.org/10...ps://doi.org/10.53656/ped2022-6.09 Research Insights Изследователски проникновения TEACHER-PARENT RE...
*هل هو مجدي اقت...*هل هو مجدي اقتصاديا ؟ ولماذا؟* نعم، وبقوة لثلاثة أسباب رئيسية: لا تحتاجين إلى محل أو موظفين يمكنك ...
جهة الدار البيض...جهة الدار البيضاء-سطات، التي تقود القاطرة الاقتصادية للبلاد، تستأثر بنسبة 13.5% من إجمالي فقراء المغ...
يقدّم هذا المشر...يقدّم هذا المشروع البحثي دراسة شاملة حول سيرة الشاعر الكبير أبي الطيب المتنبي، الذي ملأ الدنيا وشغل ...
*Thinking...* ...*Thinking...* > **Developing a balanced response** > > I’m preparing a polished academic answer ab...
Structure de l'...Structure de l'amidon 2.1. Structure chimique L'amidon est essentiellement un homo-polymère de D-g...