Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (50%)

بعث اتفاق واشنطن الموقع بين حكومتي رواندا والكونغو الديمقراطية، الأمل في إمكانية إنهاء الصراع في منطقة البحيرات الكبرى. ويعود هذا الأمل إلى مستوى الاهتمام الدولي الذي عكسه حضور الرئيس الأميركي ووزير خارجيته مراسم توقيع الاتفاق بين وزيرة خارجية الكونغو الديمقراطية ونظيرها الرواندي في البيت الأبيض. فقد تحول الصراع في البحيرات الكبرى إلى حرب منسية تكاد لا تجد لها ذكرًا في المحافل العالمية، ولا تحظى بأي اهتمام على الأجندة الدولية. وجاء هذا الاتفاق ثمرة وساطة قطرية-أميركية بدأت رسميًّا بقمة ثلاثية في الدوحة بين رئيسي الكونغو الديمقراطية ورواندا، وجاءت الوساطة القطرية-الأميركية في ضوء تطورات ميدانية متسارعة، أبرزها سيطرة حركة "أم23 " على حواضر الأقاليم الثلاثة لشرقي الكونغو؛ وعجز الوساطة الإفريقية عن جمع رئيسي البلدين، والواقع أن المعطيات الميدانية التي جاءت في خضمها هذه الوساطة الدولية، تتنزل في سياق من الاضطرابات الأمنية في شرق الكونغو، صاحبه فشل مزمن في إيجاد حل دبلوماسي لهذا الصراع، تجدد العنف وعودة الاهتمام الدولي أثار انهيار هذا الاتفاق المخاوف من عودة العنف إلى منطقة البحيرات الكبرى، فإنه يُعد أطول صراع إقليمي مسلح في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ترتبت على عودة حركة "أم 23" إلى حمل السلاح حرب إعلامية شرسة بين نظامي كيغالي وكينشاسا، مصحوبة بتحركات دبلوماسية سعى من خلالها كل طرف إلى حشد الدعم الدولي لروايته وإدانة الآخر في المنابر الدولية ولدى القوى العالمية، وكان من تجليات هذا الحراك الدبلوماسي الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الفرنسي، إلى سحب قواته من شرق الكونغو ووقف دعمه لحركة "أم 23". وكان لافتًا أن الرئيس الفرنسي تحدث إلى نظيره الرواندي بحضور الرئيس الكونغولي، الذي كان حينها يقوم بزيارة إلى فرنسا(4). حاول الرئيس الفرنسي التوسط بين البلدين لحل مشكلة شرقي الكونغو، مستندًا إلى التحسن في علاقات بلاده مع رواندا بعد اعترافه شخصيًّا، بتقصير بلاده في منع إبادة التوتسي عام 1994، لكن هذه الجهود تعثرت بسرعة، وغالبًا فإن ماضي العلاقة بين باريس وكيغالي، ألقى بظلاله على هذه المحاولة الفرنسية التي لم تكن الوحيدة. جهود وساطة حثيثة، رفض الرئيس الرواندي القدوم إلى لواندا للقاء الرئيس، تلقت الوساطة الأنغولية ضربة قاضية بعد رفض حركة "أم 23" الحضور للقاء في لواندا مع ممثلين عن الحكومة الكونغولية. نهاية وساطة بلاده في نزاع شرقي الكونغو(6). فإنها استطاعت إعادة هذا الصراع إلى واجهة الأجندة الدولية من خلال جدولته في اجتماعات مجلس الأمن الدولي، رغم تقارير خبراء الأمم المتحدة التي تتهم رواندا بنشر آلاف من جنودها في شرق الكونغو، وسيطرتها على الأقاليم الثلاثة الرئيسية بشرقي الكونغو، فقد دفع هذا الهجوم الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على وزير الاندماج الإقليمي في الحكومة الرواندية، لدوره في الإشراف على الدعم المفترض الذي تقدمه بلاده لحركة "أم 23"، كما دعت الحكومة الرواندية إلى وقف دعمها للحركة(8). وهو جنرال متقاعد ومقرب من الرئيس كاغامي، بقيادته للقوات الرواندية التي رافقت قوات التمرد بقيادة لوران ديزيري كابيلا في زحفها من شرقي الكونغو إلى العاصمة، استدعت المفوضية الأوروبية السفير الرواندي لديها، وأبلغته إدانتها لهجوم حركة "أم 23"، ودعوتها كل الأطراف إلى وقف القتال، كما استدعت الحكومة الألمانية السفير الرواندي في برلين، وأبلغته إدانتها لـ"انتهاك رواندا القانون الدولي من خلال نشر قواتها في الكونغو الديمقراطية". جذور الصراع: إبادة عرقية وحربان لم يعرف شرق الكونغو الاستقرار منذ استقلال البلاد عن بلجيكا، لتدخل البلاد في حرب أهلية استمرت ثلاث سنوات، بل عبَّرت أيضًا عن النقاش الذي كان دائرًا يومها بين النخب الكونغولية بشأن طبيعة الدولة الكونغولية المأمولة: هل هي دولة مركزية على غرار دول القارة التي كانت مستقلة حينها، بلجيكا؟ ويعزز أصحاب هذا الرأي الأخير موقفهم بشساعة مساحة البلاد، يعود الصراع الدائر حاليًّا في شرقي الكونغو إلى تسعينات القرن الماضي؛ فقد أدت إبادة التوتسي في رواندا (7 أبريل/نيسان- 17 يوليو/تموز 1994) إلى حالة من عدم الاستقرار على جانبي الحدود بين البلدين. نزح الآلاف من التوتسي هربًا من القتل على أيدي ميليشيات نظام الإبادة الذي استولى على السلطة بعد مصرع الرئيس، حيث شارك الرئيس في جولة مفاوضات مع الجبهة الوطنية الرواندية المعارضة، ومع تقدم الجبهة الوطنية الرواندية انطلاقًا من قواعدها في أوغندا المجاورة، نزحت أعداد كبيرة من الهوتو إلى شرقي الكونغو خوفًا من الانتقام، ظلت قيادات وفلول نظام الإبادة الرواندي تعيش متخفية في شرقي الكونغو، وتعززت هذه المخاوف مع دخول الجيش الرواندي الأراضي الكونغولية (يومها كان اسمها زائير، وهو الاسم الذي حملته معظم فترة حكم موبوتو بين1966 و1997)، صحبة قوات التمرد بزعامة لوران ديزيري كابيلا، تحولت إلى كراهية وعداء شديدين لرواندا ونظامها السياسي. تدفع الحكومة الرواندية بأن دخول قواتها إلى الكونغو دافعه درء خطر وجودي كامن يتهدد رواندا بأكملها، لم يدم شهر العسل طويلًا بين كابيلا ونظام كيغالي، طلب المتمرد السابق من رواندا سحب جيشها، وارتكابهم جرائم قتل واضطهاد في حق المدنيين(12). انسحبت القوات الرواندية والأوغندية، وإدانات قوية من دول الجوار. بدأ التدخل الرواندي في الكونغو يدفع المنطقة إلى حالة من الاستقطاب الإقليمي، إثر سيطرة قوات رواندية وأوغندية نُقلت جوًّا، على مطار كيتونا في جنوب غربي الكونغو، كان الهدف من العملية احتلال الواجهة البحرية الصغيرة للبلاد (70 كيلومترًا)، والسيطرة على ميناء ماتادي، رئة البلاد الاقتصادية، ورغم تمكن القوات الرواندية والأوغندية من السيطرة على المطار في الساعات الأولى للهجوم، واضطر القوات المهاجمة إلى الانسحاب جنوبًا باتجاه أنغولا، والاختباء في الأدغال إلى أن جرى إجلاؤها بعد ذلك بأربعة أشهر. قبل عملية كيتونا بيومين، وسيطروا على المواقع الحيوية في مدينتي غوما وبوكافو؛ ردَّت السلطات الكونغولية بدعوة الهوتو في شرقي البلاد إلى التعبئة، وانخرطت وسائل الإعلام الرسمية في تسويق خطاب معادٍ للتوتسي؛ ما أشاع مشاعر معادية لهم بين السكان، ومدن شرقي البلاد. ومن مظاهر التحول في الموقف الرسمي الكونغولي إزاء الصراع في شرقي البلاد، عن تشكيل "الجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا" من طرف قيادات سياسية وقادة عسكريين من فلول نظام الهوتو المسؤول عن إبادة التوتسي في رواندا قبل ذلك بست سنوات. مصرعه على يد أحد حراسه، ولن تعرف الحرب طريقها إلى النهاية إلا بعد وساطات عدة ستتوَّج باتفاق بين الحكومة الكونغولية وحركات التمرد، المؤلَّف من التوتسي والذي تدعمه رواندا، تشكيل حكومة انتقالية في الكونغو، وبالمقابل ستسحب أوغندا قواتها من شرق الكونغو. لن ينعم شرق الكونغو بالسلام، فما كادت حرب الكونغو الثانية تنتهي حتى تفجرت حرب جديدة من نوع آخر، في إحالة على أنها صارت محصورة تقريبًا في هذا الإقليم الغني بالمعادن النفيسة والنادرة. ستولد من رحم هذا الصراع عشرات المجموعات المسلحة، وشارك أغلبهم في حربي الكونغو الأولى والثانية. وسيتم إدماج أعداد من مقاتليها في الجيش الكونغولي(14). التهدئة مع رواندا وأوغندا خدمة لاستقرار نظام حكمه، والتشابك الاجتماعي والعرقي بين السكان المحليين وبين هذين البلدين. توجد في شرق الكونغو مجموعات سكانية رواندية (ناطقة بلغة كينيارواندا)، عزلها ترسيم الحدود على يد القوى الاستعمارية عن عمقها التاريخي شرق بحيرة كيفو. قد أصدر في ستينات القرن الماضي مرسومًا بمنح هذه المجموعات الجنسية الكونغولية، ظلت رواندا تطالب بإعادة ترسيم الحدود بما يضمن عودة هذه المجموعات إلى سلطة الدولة الرواندية. تقوم رؤية كابيلا على طمأنة رواندا إزاء ما تراه خطرًا وجوديًّا كامنًا. في نظر الحكومة الرواندية، سندًا لمتمردي "الجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا" في أي مواجهة عسكرية محتملة، لا ترى لها من هدف إلا استعادة حكم الهوتو لرواندا، كان كابيلا الابن يدرك جيدًا أن التهدئة مع رواندا وأوغندا لها ثمن باهظ، بغضِّ الطرف عن سيطرة الميليشيات الموالية للبلدين على مناجم المعادن النادرة والنفيسة (الكوبالت، كما ضحى كابيلا بسيادة حكومته على جزء مهم من التراب الوطني ثمنًا للتهدئة. رغم فداحة ثمنها على المستوى الاقتصادي، التحول السياسي في الكونغو وعودة الحرب شكَّل فوز فيليكس تشيسيكيدي في انتخابات 2018 تحولًا مهمًّا في التاريخ السياسي للكونغو الديمقراطية ومنطقة البحيرات العظمى، وكان جليًّا أن هذا التحول ستكون له تبعات على هذا البلد المركزي والمنطقة كلها، مع رواندا وأوغندا بشأن شرق الكونغو. رغبة في الحفاظ على التهدئة مع رواندا. فإن تشيسيكيدي لم يكن يخفي رفضه الشديد للواقع الأمني في شرق الكونغو، ولهيمنة رواندا وأوغندا على أقاليمه الثلاثة الغنية، وفي الجهاز الحكومي والإداري بشكل عام. ركز الرئيس الجديد على الجبهة الدبلوماسية من أجل إعادة الملف إلى الواجهة، وإدراجه على أجندة السياسة الدولية، وهو أمر ستكون له تبعات سلبية جدًّا على العلاقة مع رواندا، التي ظلت تحرص على عدم تدويل القضية وتسويتها في الإطار الإقليمي الضيق. عجز تشيسيكيدي عن إسناد تحركه الدبلوماسي بجهد عسكري يمكِّنه من تأهيل الجيش، وجعله قادرًا على تحقيق مكاسب ميدانية يستطيع توظيفها لانتزاع تنازلات من دول الجوار، بما يسمح باستعادة سيطرة الدولة الكونغولية على هذه المنطقة، وبينما كان الانطباع السائد هو أن علاقات البلدين في تحسن، على هجوم لمقاتلي حركة "أم 23" على أطراف المدينة، رافقه انتشار للشرطة الرواندية عند بعض مداخلها، لكن مسار الأحداث أثبت لاحقًا صحة اتهامات الحكومة الكونغولية، كما أن الحركة سرعان ما أعلنت عودتها إلى السلاح بحجة مماطلة سلطات كينشاسا في تنفيذ بنود اتفاق السلام الموقع عام 2012. نسفت هذه التطورات الميدانية المفاجئة جهود التقارب بين البلدين، ليدخل شرق الكونغو دوامة جديدة من العنف، تمكنت حركة "أم 23" من السيطرة على عواصم الأقاليم الثلاثة في شرقي الكونغو، وبدأت تعزز هجومها غربًا باتجاه مدينة كيسنغاني ذات الأهمية الإستراتيجية الكبيرة؛ حين سيطرت قوات التمرد، بزعامة لوران كابيلا، تسندها القوات الرواندية والأوغندية، التي تمر منها كل الطرق الرابطة بين شرق الكونغو والعاصمة، وبلغ هذا الإخفاق حدوده القصوى مع رفض الرئيس الرواندي حضور قمة ثلاثية في لواندا، تدفع الحكومة الرواندية بأن أزمة شرق الكونغو أزمة داخلية، وهو أمر ترفضه الحكومة الكونغولية، ظلت رواندا ترفض اتهامات كينشاسا لها بتأجيج الوضع في شرقي البلاد من خلال الدعم النشط لحركة "أم 23"، ونشر تشكيلات من قواتها في إقليم كيفو يناهز عددها 4 آلاف، تعرضت الوساطة الإفريقية لنكسة ثانية قاتلة مع رفض حركة "أم 23" حضور لقاء مع ممثلين عن الحكومة الكونغولية في لواندا، نجحت الوساطة القطرية-الأميركية في صياغة اتفاق وضع إطارًا سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا يبدو كفيلًا بإنهاء الصراع، فقد نَصَّ على التزام كل من البلدين (الكونغو الديمقراطية ورواندا) باحترام سيادة البلد الآخر، ووقف الأعمال العدائية عبر الحدود سواء بشكل مباشر أو بواسطة مجموعات موالية بل تجاوز ذلك إلى إلزام الطرفين بتفكيك كل المجموعات المسلحة، وأبرزها حركة "أم 23" التي تدعمها رواندا، والجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا المناوئة لنظام الرئيس بول كاغامي. كما نص الاتفاق على آلية للتنسيق الأمني بين البلدين يشرف الوسيطان على مراقبة عملها، وفي ضوء ميزان القوة المختل لصالح رواندا، جاء في الاتفاق أن تفكيك الجبهة الرواندية المعارضة يكون تلقائيًّا وشاملًا. في الحياة المدنية بالجمهورية الكونغو الديمقراطية، أم سيتم إدماج قياداته وعناصره بشكل فردي في الحياة السياسية(22). تركوا تفاصيل الحل للمفاوضات الجارية بين الحركة وبين الحكومة الكونغولية برعاية قطرية. يشمل الاتفاق أيضًا بُعدًا اقتصاديًّا تنمويًّا، ظلَّت قدرة الضامنين والوسطاء على الضغط على أطراف النزاع في البحيرات الكبرى نقطة ضعف مزمنة لاحقت كل الوساطات السابقة، وأدت إلى فشلها ولو بعد حين. ومن هنا تبرز أهمية الدور الأميركي في الوساطة الحالية، لقدرتها على ممارسة ضغوط دبلوماسية وسياسية وحتى اقتصادية على الأطراف. وكان لافتًا خلال مراسم التوقيع تلويح الرئيس، ويُعين السياق الزمني العام للاتفاق في فهم هذا التحفز الأميركي. فالولايات المتحدة تجري مفاوضات مع الحكومة الكونغولية بشأن شراكة إستراتيجية في مجال استغلال المعادن النادرة في شرقي البلاد، وتراهن الحكومة الكونغولية على هذه الشراكة في دفع الولايات المتحدة إلى مزيد من الاهتمام بموضوع الاستقرار والأمن في البحيرات الكبرى. وقدرة الإدارة الكونغولية على ضبط هذا القطاع في ظل الاستثمارات التي ستتدفق على البلاد. مستدلة بمآلات الشراكة الموقعة مع الصين، والتي حملت اسم "المعادن مقابل البنية التحتية". ويرى هؤلاء أن تلك الشراكة أدت إلى استشراء الرشوة والفساد في الإدارة؛ حاول الرئيس تشيسيكيدي طمأنة الكونغوليين بتأكيده، حرصه على منع استنزاف موارد الكونغو دون عائد مفيد لتنمية البلاد واستقرارها. بمقدار اهتمامها بالموارد المعدنية الهائلة وذات القيمة الاقتصادية والإستراتيجية الكبيرة.


Original text

بعث اتفاق واشنطن الموقع بين حكومتي رواندا والكونغو الديمقراطية، في 27 يونيو/حزيران الماضي، الأمل في إمكانية إنهاء الصراع في منطقة البحيرات الكبرى. ويعود هذا الأمل إلى مستوى الاهتمام الدولي الذي عكسه حضور الرئيس الأميركي ووزير خارجيته مراسم توقيع الاتفاق بين وزيرة خارجية الكونغو الديمقراطية ونظيرها الرواندي في البيت الأبيض. فقد تحول الصراع في البحيرات الكبرى إلى حرب منسية تكاد لا تجد لها ذكرًا في المحافل العالمية، ولا تحظى بأي اهتمام على الأجندة الدولية.


وجاء هذا الاتفاق ثمرة وساطة قطرية-أميركية بدأت رسميًّا بقمة ثلاثية في الدوحة بين رئيسي الكونغو الديمقراطية ورواندا، وأمير دولة قطر، في 18 مارس/آذار 2025(1).


وتمكن الوسطاء من دفع طرفي النزاع إلى قبول تناول موضوعين جوهريين في الصراع أخفقت الوساطات السابقة في إيجاد حل لهما؛ وهما ملف المجموعات المسلحة، وملف الثروات المعدنية التي تشكل، وفق كثير من المتابعين، وقود هذا الصراع المستمر منذ ثلاثة عقود.


وجاءت الوساطة القطرية-الأميركية في ضوء تطورات ميدانية متسارعة، أبرزها سيطرة حركة "أم23 " على حواضر الأقاليم الثلاثة لشرقي الكونغو؛ بونيا وغوما وبوكافو، وعجز الوساطة الإفريقية عن جمع رئيسي البلدين، أو عقد لقاء بين حركة "أم23 " والحكومة الكونغولية(2).


والواقع أن المعطيات الميدانية التي جاءت في خضمها هذه الوساطة الدولية، تتنزل في سياق من الاضطرابات الأمنية في شرق الكونغو، صاحبه فشل مزمن في إيجاد حل دبلوماسي لهذا الصراع، خاصة بعد عودة حركة "أم23 " إلى حمل السلاح في أواخر 2021، بعد نحو 8 سنوات من السلام الهش(3).


تجدد العنف وعودة الاهتمام الدولي
في أواخر عام 2021، تجددت المعارك بين الجيش الكونغولي ومقاتلي حركة "أم 23" بعد ثماني سنوات من الهدوء أتاحها الاتفاق المعروف بـ"الاتفاق الإطار للسلام والأمن والتعاون في الكونغو"، الموقع في24 فبراير/شباط2013 ، بأديس أبابا. أثار انهيار هذا الاتفاق المخاوف من عودة العنف إلى منطقة البحيرات الكبرى، مع تجدد الصراع في شرقي الكونغو، الذي، وإن كان صراعًا منسيًّا، فإنه يُعد أطول صراع إقليمي مسلح في العالم منذ الحرب العالمية الثانية.


ترتبت على عودة حركة "أم 23" إلى حمل السلاح حرب إعلامية شرسة بين نظامي كيغالي وكينشاسا، مصحوبة بتحركات دبلوماسية سعى من خلالها كل طرف إلى حشد الدعم الدولي لروايته وإدانة الآخر في المنابر الدولية ولدى القوى العالمية، خاصة الغربية. وكان من تجليات هذا الحراك الدبلوماسي الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مع الرئيس الرواندي، بول كاغامي، في30 أبريل/نيسان 2024، ودعاه خلاله صراحة، ولأول مرة، إلى سحب قواته من شرق الكونغو ووقف دعمه لحركة "أم 23". وكان لافتًا أن الرئيس الفرنسي تحدث إلى نظيره الرواندي بحضور الرئيس الكونغولي، الذي كان حينها يقوم بزيارة إلى فرنسا(4).


حاول الرئيس الفرنسي التوسط بين البلدين لحل مشكلة شرقي الكونغو، مستندًا إلى التحسن في علاقات بلاده مع رواندا بعد اعترافه شخصيًّا، بشكل رسمي، في أبريل/نيسان 2021، بتقصير بلاده في منع إبادة التوتسي عام 1994، دون أن يقدم اعتذارًا صريحًا(5).


لكن هذه الجهود تعثرت بسرعة، وغالبًا فإن ماضي العلاقة بين باريس وكيغالي، وموقف باريس خلال إبادة التوتسي، صيف 1994، ألقى بظلاله على هذه المحاولة الفرنسية التي لم تكن الوحيدة.


فقد قاد الرئيس الأنغولي، جواو لورنزو، منذ 2023، جهود وساطة حثيثة، لكنها أخفقت في تحقيق اختراق حاسم على طريق التسوية، رغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في يوليو/تموز 2023، لم يعرف أبدًا طريقه إلى التنفيذ.


وعانت هذه الوساطة نكسات متتالية؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، رفض الرئيس الرواندي القدوم إلى لواندا للقاء الرئيس، لورنزو، والرئيس الكونغولي، تشيسيكيدي، معللًا ذلك برفض هذا الأخير الدخول في مفاوضات مباشرة مع حركة "أم 23". وفي شهر مارس/آذار 2025، تلقت الوساطة الأنغولية ضربة قاضية بعد رفض حركة "أم 23" الحضور للقاء في لواندا مع ممثلين عن الحكومة الكونغولية. وفي ضوء هذه الإخفاقات المتتالية، أعلن الرئيس الأنغولي، في يونيو/حزيران 2025، نهاية وساطة بلاده في نزاع شرقي الكونغو(6).


ورغم فشل هذه الوساطات، خاصة الفرنسية، في إيجاد حل لهذا الصراع المعقد والمزمن، فإنها استطاعت إعادة هذا الصراع إلى واجهة الأجندة الدولية من خلال جدولته في اجتماعات مجلس الأمن الدولي، وصدور بيانات بشأنه ظلت مبهمة وتتحاشى تشخيص الواقع ووضع الأطراف المعنية أمام مسؤولياتها، رغم تقارير خبراء الأمم المتحدة التي تتهم رواندا بنشر آلاف من جنودها في شرق الكونغو، وتقديم الدعم اللوجستي والعملياتي لحركة "أم 23"(7).


ولن يعرف الموقف الدولي أي تحول يُذكر قبل هجوم حركة "أم 23" الكاسح، وسيطرتها على الأقاليم الثلاثة الرئيسية بشرقي الكونغو، في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2025. فقد دفع هذا الهجوم الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على وزير الاندماج الإقليمي في الحكومة الرواندية، جيمس كاباريبي، لدوره في الإشراف على الدعم المفترض الذي تقدمه بلاده لحركة "أم 23"، كما دعت الحكومة الرواندية إلى وقف دعمها للحركة(8).


واشتُهر كاباريبي، وهو جنرال متقاعد ومقرب من الرئيس كاغامي، بقيادته للقوات الرواندية التي رافقت قوات التمرد بقيادة لوران ديزيري كابيلا في زحفها من شرقي الكونغو إلى العاصمة، كينشاسا، والسيطرة عليها، ربيع 1997، وإسقاط نظام الرئيس الراحل، موبوتو سيسيسكو.


وبالتزامن مع العقوبات الأميركية، استدعت المفوضية الأوروبية السفير الرواندي لديها، وأبلغته إدانتها لهجوم حركة "أم 23"، ودعوتها كل الأطراف إلى وقف القتال، كما استدعت الحكومة الألمانية السفير الرواندي في برلين، وأبلغته إدانتها لـ"انتهاك رواندا القانون الدولي من خلال نشر قواتها في الكونغو الديمقراطية".


جذور الصراع: إبادة عرقية وحربان
لم يعرف شرق الكونغو الاستقرار منذ استقلال البلاد عن بلجيكا، في 30 يونيو/حزيران عام 1960. فبعد أقل من أسبوعين من ذلك التاريخ، أعلن إقليم كاتانغا الغني بالثروات الانفصال، لتدخل البلاد في حرب أهلية استمرت ثلاث سنوات، وانتهت باستسلام قائد الحركة الانفصالية، موييس تشومبي، ونهاية دولة كاتانغا، في يناير/كانون الثاني 1963(9).


لم تكن قضية كاتانغا تجليًا للحرب الباردة وصراع النفوذ بين المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة فقط، بل عبَّرت أيضًا عن النقاش الذي كان دائرًا يومها بين النخب الكونغولية بشأن طبيعة الدولة الكونغولية المأمولة: هل هي دولة مركزية على غرار دول القارة التي كانت مستقلة حينها، أم كيان فيدرالي شبيه ببنية القوة الاستعمارية السابقة، بلجيكا؟ ويعزز أصحاب هذا الرأي الأخير موقفهم بشساعة مساحة البلاد، ووعورة تضاريسها، ووزنها الديمغرافي، وتعددها الثقافي والعرقي.


لكن الصراع الدائر حاليًّا في شرقي الكونغو مختلف جذريًّا عن الصراع الذي شهده إقليم كاتانغا، رغم القرب الجغرافي للأقاليم الثلاثة التي تشكِّل مسرحه (إيتوري، وشمال كيفو، وجنوب كيفو) من إقليم كاتانغا.


يعود الصراع الدائر حاليًّا في شرقي الكونغو إلى تسعينات القرن الماضي؛ فقد أدت إبادة التوتسي في رواندا (7 أبريل/نيسان- 17 يوليو/تموز 1994) إلى حالة من عدم الاستقرار على جانبي الحدود بين البلدين. فخلال المجازر، نزح الآلاف من التوتسي هربًا من القتل على أيدي ميليشيات نظام الإبادة الذي استولى على السلطة بعد مصرع الرئيس، جيفينال هابياريمانا، في عملية إسقاط طائرته بصاروخين لدى هبوطها في مطار كيغالي، في6 أبريل/نيسان 1994، قادمة من أروشا؛ حيث شارك الرئيس في جولة مفاوضات مع الجبهة الوطنية الرواندية المعارضة، وُصفت بالحاسمة، وتناولت ترتيبات تقاسم السلطة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية(10).


ومع تقدم الجبهة الوطنية الرواندية انطلاقًا من قواعدها في أوغندا المجاورة، نزحت أعداد كبيرة من الهوتو إلى شرقي الكونغو خوفًا من الانتقام، وتسلل بين موجات النازحين آلاف من العسكريين وأفراد الميليشيات التي شاركت في الإبادة، وكلهم من الهوتو(11).


ظلت قيادات وفلول نظام الإبادة الرواندي تعيش متخفية في شرقي الكونغو، تطاردها أشباح المتابعات القضائية الدولية، والخوف من أن يتم تسليمها للسلطات الجديدة في كيغالي. وتعززت هذه المخاوف مع دخول الجيش الرواندي الأراضي الكونغولية (يومها كان اسمها زائير، وهو الاسم الذي حملته معظم فترة حكم موبوتو بين1966 و1997)، صحبة قوات التمرد بزعامة لوران ديزيري كابيلا، وتمكنها من السيطرة على العاصمة كينشاسا، في17 مايو/أيار 1997، وإسقاط نظام الرئيس موبوتو سيسيسكو، وتنصيب زعيم قوى التمرد (تحالف القوى الديمقراطية لتحرير الكونغو)، لوران ديزيري كابيلا، رئيسًا للبلاد، في مشهد عاشه الكونغوليون بمرارة بالغة، تحولت إلى كراهية وعداء شديدين لرواندا ونظامها السياسي.


وفي الجهة المقابلة، تدفع الحكومة الرواندية بأن دخول قواتها إلى الكونغو دافعه درء خطر وجودي كامن يتهدد رواندا بأكملها، ويمكن أن يؤدي إلى إبادة جديدة للتوتسي قد لا تكون أقل سوءًا من إبادة ربيع 1994.


لم يدم شهر العسل طويلًا بين كابيلا ونظام كيغالي، فقبل نهاية عام 1997، طلب المتمرد السابق من رواندا سحب جيشها، متذرعًا بارتكاب أفراده تجاوزات مهينة في حق العسكريين الكونغوليين، وارتكابهم جرائم قتل واضطهاد في حق المدنيين(12).


انسحبت القوات الرواندية والأوغندية، تدفعها ضغوط شديدة من القوى الغربية، وإدانات قوية من دول الجوار. بدأ التدخل الرواندي في الكونغو يدفع المنطقة إلى حالة من الاستقطاب الإقليمي، سرعان ما تحولت إلى صراع مسلح هو الأوسع في تاريخ القارة، سُمي حرب الكونغو الثانية. انخرطت في هذا الصراع تسع دول (الكونغو الديمقراطية، ورواندا، وبوروندي، وأوغندا، وزيمبابوي، وناميبيا، وأنغولا، وليبيا، وتشاد)، وسُمي "الحرب العالمية الإفريقية" أو "الحرب الإفريقية المنسية" تعبيرًا عن الاستياء من عدم اهتمام المجموعة الدولية بهذا الصراع الإفريقي، رغم اتساع نطاقه الجغرافي وتبعاته المباشرة على عشرات الملايين من الناس.


تفجر هذا الصراع، في 4 أغسطس/آب 1998، إثر سيطرة قوات رواندية وأوغندية نُقلت جوًّا، وفي سرية تامة، على مطار كيتونا في جنوب غربي الكونغو، وقريبًا من الحدود مع أنغولا(13). كان الهدف من العملية احتلال الواجهة البحرية الصغيرة للبلاد (70 كيلومترًا)، والسيطرة على ميناء ماتادي، رئة البلاد الاقتصادية، والتقدم إلى العاصمة، كينشاسا، وإسقاط نظام الرئيس كابيلا، وتنصيب حكومة حليفة.


ورغم تمكن القوات الرواندية والأوغندية من السيطرة على المطار في الساعات الأولى للهجوم، فإن تدخل الجيشين، الأنغولي والزيمبابوي، ولاحقًا الناميبي، قلب موازين القوة، واضطر القوات المهاجمة إلى الانسحاب جنوبًا باتجاه أنغولا، والاختباء في الأدغال إلى أن جرى إجلاؤها بعد ذلك بأربعة أشهر.


قبل عملية كيتونا بيومين، كان مئات العسكريين التوتسي الكونغوليين قد أعلنوا انشقاقهم عن الجيش النظامي، وسيطروا على المواقع الحيوية في مدينتي غوما وبوكافو؛ حاضرتي إقليم كيفو. ردَّت السلطات الكونغولية بدعوة الهوتو في شرقي البلاد إلى التعبئة، وانخرطت وسائل الإعلام الرسمية في تسويق خطاب معادٍ للتوتسي؛ ما أشاع مشاعر معادية لهم بين السكان، وأدى إلى تعرض بعضهم للاعتداء في شوارع العاصمة، كينشاسا، ومدن شرقي البلاد. ومن مظاهر التحول في الموقف الرسمي الكونغولي إزاء الصراع في شرقي البلاد، الذي ظل إلى هذه المرحلة موضوعًا ثانويًّا، الإعلان، في مايو/أيار 2000، عن تشكيل "الجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا" من طرف قيادات سياسية وقادة عسكريين من فلول نظام الهوتو المسؤول عن إبادة التوتسي في رواندا قبل ذلك بست سنوات.


في أتون حرب الكونغو الثانية، سيلقى الرئيس الكونغولي، لوران ديزيري كابيلا، مصرعه على يد أحد حراسه، في يناير/كانون الثاني 2001، ولن تعرف الحرب طريقها إلى النهاية إلا بعد وساطات عدة ستتوَّج باتفاق بين الحكومة الكونغولية وحركات التمرد، خاصة "التجمع الكونغولي من أجل الديمقراطية"، المؤلَّف من التوتسي والذي تدعمه رواندا، و"حركة تحرير الكونغو" التي تدعمها أوغندا. سيتم بموجب الاتفاق، الموقع في 31 ديسمبر/كانون الأول 2002، تشكيل حكومة انتقالية في الكونغو، وبالمقابل ستسحب أوغندا قواتها من شرق الكونغو.


لن ينعم شرق الكونغو بالسلام، فما كادت حرب الكونغو الثانية تنتهي حتى تفجرت حرب جديدة من نوع آخر، عُرفت بـ"حرب كيفو"، في إحالة على أنها صارت محصورة تقريبًا في هذا الإقليم الغني بالمعادن النفيسة والنادرة. ستولد من رحم هذا الصراع عشرات المجموعات المسلحة، أبرزها حركة "أم 23"، التي تأسست في عام 2012، وينتمي مؤسسوها لآفاق سياسية مختلفة، تجمعها معارضة نظام كينشاسا، وشارك أغلبهم في حربي الكونغو الأولى والثانية. لكن الحركة الناشئة ستُهزم، في عام 2013، وتقبل وضع السلاح، وسيتم إدماج أعداد من مقاتليها في الجيش الكونغولي(14).


اختار جوزيف كابيلا، منذ وصوله إلى السلطة، عام 2001، إثر اغتيال والده، التهدئة مع رواندا وأوغندا خدمة لاستقرار نظام حكمه، منطلقًا من حقيقة اختلال ميزان القوة العسكرية للبلدين الجارين، وقوة نفوذهما في شرقي الكونغو نظرًا لطبيعة البنية الديمغرافية للمنطقة، والتشابك الاجتماعي والعرقي بين السكان المحليين وبين هذين البلدين. توجد في شرق الكونغو مجموعات سكانية رواندية (ناطقة بلغة كينيارواندا)، عزلها ترسيم الحدود على يد القوى الاستعمارية عن عمقها التاريخي شرق بحيرة كيفو. وفي محاولة لاستيعاب هذه المجموعات، كان الرئيس الراحل، موبوتو سيسيسكو، قد أصدر في ستينات القرن الماضي مرسومًا بمنح هذه المجموعات الجنسية الكونغولية، لكنه عاد وألغاه في عام 1981، نظرًا لاحتجاج بعض هذه المجموعات ورفضها التجنيس، وتمسكها بأصولها الرواندية(15).


وفي ضوء ذلك، ظلت رواندا تطالب بإعادة ترسيم الحدود بما يضمن عودة هذه المجموعات إلى سلطة الدولة الرواندية.


تقوم رؤية كابيلا على طمأنة رواندا إزاء ما تراه خطرًا وجوديًّا كامنًا. فشرق الكونغو توجد به مجموعات مهمة من الهوتو قد تشكِّل، في نظر الحكومة الرواندية، سندًا لمتمردي "الجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا" في أي مواجهة عسكرية محتملة، لا ترى لها من هدف إلا استعادة حكم الهوتو لرواندا، التي يشكلون أكثر من 80% من سكانها، وارتكاب إبادة جديدة ضد التوتسي، قد تكون أشد فظاعة من إبادة عام 1994 التي قُتل فيها أكثر من ثمانمئة ألف شخص خلال ثلاثة أشهر(16).


كان كابيلا الابن يدرك جيدًا أن التهدئة مع رواندا وأوغندا لها ثمن باهظ، وكان مستعدًّا لدفعه، بغضِّ الطرف عن سيطرة الميليشيات الموالية للبلدين على مناجم المعادن النادرة والنفيسة (الكوبالت، الكولتان، الذهب، النحاس، الألماس، القصدير..) في أقاليم الشرق الثلاثة. كما ضحى كابيلا بسيادة حكومته على جزء مهم من التراب الوطني ثمنًا للتهدئة. وكان الرجل مقتنعًا بجدوى هذه التضحيات التي أثبتت الأيام نجاعتها في ضمان استقرار الكونغو، أو على الأصح استقرار نظامه السياسي، رغم فداحة ثمنها على المستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، والدبلوماسي. ورغم ذلك، فإن سياسة التهدئة وغض الطرف ضمنت لكابيلا استقرار نظام حكمه الذي دام نحو عقدين.


التحول السياسي في الكونغو وعودة الحرب
شكَّل فوز فيليكس تشيسيكيدي في انتخابات 2018 تحولًا مهمًّا في التاريخ السياسي للكونغو الديمقراطية ومنطقة البحيرات العظمى، نظرًا للوزن السياسي والاقتصادي الكبير لهذه الدولة الأكبر جغرافيًّا وديمغرافيًّا، والأغنى بالثروات المعدنية في المنطقة. وكان جليًّا أن هذا التحول ستكون له تبعات على هذا البلد المركزي والمنطقة كلها، نظرًا لطبيعة التوازنات الإستراتيجية والأمنية التي أرساها الرئيس المنصرف، جوزيف كابيلا، مع رواندا وأوغندا بشأن شرق الكونغو.


أظهر الرئيس الجديد، منذ البداية، رغبة في الحفاظ على التهدئة مع رواندا. وتعبيرًا عن ذلك، زار كيغالي، في مارس/آذار 2019، ووقف عند النصب التذكاري لضحايا إبادة التوتسي، وهي خطوة لم يسبقه إليها أي من أسلافه، وأثارت انتقادات شديدة حتى داخل معسكره السياسي(17).


ورغم ذلك، فإن تشيسيكيدي لم يكن يخفي رفضه الشديد للواقع الأمني في شرق الكونغو، ولهيمنة رواندا وأوغندا على أقاليمه الثلاثة الغنية، لكنه كان مكبلًا بضعف جيشه وتفشي الفساد فيه، وفي الجهاز الحكومي والإداري بشكل عام.


ركز الرئيس الجديد على الجبهة الدبلوماسية من أجل إعادة الملف إلى الواجهة، وإدراجه على أجندة السياسة الدولية، وهو أمر ستكون له تبعات سلبية جدًّا على العلاقة مع رواندا، التي ظلت تحرص على عدم تدويل القضية وتسويتها في الإطار الإقليمي الضيق.


عجز تشيسيكيدي عن إسناد تحركه الدبلوماسي بجهد عسكري يمكِّنه من تأهيل الجيش، وجعله قادرًا على تحقيق مكاسب ميدانية يستطيع توظيفها لانتزاع تنازلات من دول الجوار، بما يسمح باستعادة سيطرة الدولة الكونغولية على هذه المنطقة، والتحكم في ثرواتها المعدنية الهائلة.


وبينما كان الانطباع السائد هو أن علاقات البلدين في تحسن، خاصة بعد توقيع الرئيسين، تشيسيكيدي وكاغامي، في يونيو/حزيران 2021، على ثلاث اتفاقيات تجارية بمدينة غوما ذات الرمزية الكبيرة، استيقظ سكان شمال كيفو، صبيحة 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، على هجوم لمقاتلي حركة "أم 23" على أطراف المدينة، رافقه انتشار للشرطة الرواندية عند بعض مداخلها، وبأراضي منطقة ريتشورو الواقعة إلى الشمال. نفت الحركة بداية أن تكون العناصر المهاجمة تنتمي إليها، لكن مسار الأحداث أثبت لاحقًا صحة اتهامات الحكومة الكونغولية، كما أن الحركة سرعان ما أعلنت عودتها إلى السلاح بحجة مماطلة سلطات كينشاسا في تنفيذ بنود اتفاق السلام الموقع عام 2012.


نسفت هذه التطورات الميدانية المفاجئة جهود التقارب بين البلدين، ليدخل شرق الكونغو دوامة جديدة من العنف، ما فتئت تتطور حتى بلغت خلال السنوات الثلاث اللاحقة مرحلة كادت تهدد الاستقرار السياسي في البلاد بأسرها.


فخلال الشهرين الأولين من عام 2025، تمكنت حركة "أم 23" من السيطرة على عواصم الأقاليم الثلاثة في شرقي الكونغو، وبدأت تعزز هجومها غربًا باتجاه مدينة كيسنغاني ذات الأهمية الإستراتيجية الكبيرة؛ ما أثار مخاوف من تكرار سيناريو 1997، حين سيطرت قوات التمرد، بزعامة لوران كابيلا، تسندها القوات الرواندية والأوغندية، على المدينة، التي تمر منها كل الطرق الرابطة بين شرق الكونغو والعاصمة، كينشاسا، وما تبع ذلك من انشقاقات في الجيش الكونغولي عجَّلت بسقوط نظام موبوتو(18).


ظلت الوساطة الإفريقية عاجزة عن وقف القتال في شرق الكونغو، وبلغ هذا الإخفاق حدوده القصوى مع رفض الرئيس الرواندي حضور قمة ثلاثية في لواندا، كانت مقررة في 15 ديسمبر/كانون الأول 2024، بينه ونظيره الكونغولي، بإشراف من الرئيس الأنغولي، جواو لورنزو، وسيط الاتحاد الإفريقي. تدفع الحكومة الرواندية بأن أزمة شرق الكونغو أزمة داخلية، وأن على حكومة تشيسيكيدي البحث عن الحل مع حركة "أم 23" من خلال مفاوضات مباشرة معها، وهو أمر ترفضه الحكومة الكونغولية، وتؤكد أن الحركة ليست إلا وكيلًا يتصرف باسم حكام(19).


ظلت رواندا ترفض اتهامات كينشاسا لها بتأجيج الوضع في شرقي البلاد من خلال الدعم النشط لحركة "أم 23"، ونشر تشكيلات من قواتها في إقليم كيفو يناهز عددها 4 آلاف، وهي اتهامات عزَّزها تقرير لخبراء الأمم المتحدة صدر عام 2024(20).


تعرضت الوساطة الإفريقية لنكسة ثانية قاتلة مع رفض حركة "أم 23" حضور لقاء مع ممثلين عن الحكومة الكونغولية في لواندا، في 18 مارس/آذار 2025، معلِّلة قرارها بعقوبات أوروبية ضد بعض قياداتها، صدرت قبل ذلك بيوم واحد(21).


نجاح غير مسبوق ورهانات صعبة
نجحت الوساطة القطرية-الأميركية في صياغة اتفاق وضع إطارًا سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا يبدو كفيلًا بإنهاء الصراع، فقد نَصَّ على التزام كل من البلدين (الكونغو الديمقراطية ورواندا) باحترام سيادة البلد الآخر، ووقف الأعمال العدائية عبر الحدود سواء بشكل مباشر أو بواسطة مجموعات موالية بل تجاوز ذلك إلى إلزام الطرفين بتفكيك كل المجموعات المسلحة، وأبرزها حركة "أم 23" التي تدعمها رواندا، والجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا المناوئة لنظام الرئيس بول كاغامي. كما نص الاتفاق على آلية للتنسيق الأمني بين البلدين يشرف الوسيطان على مراقبة عملها، كما تضمن آلية لرقابة تنفيذ الاتفاق تضم قطر والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي.


وفي ضوء ميزان القوة المختل لصالح رواندا، جاء في الاتفاق أن تفكيك الجبهة الرواندية المعارضة يكون تلقائيًّا وشاملًا. وبالمقابل، يتم تفكيك حركة "أم 23" تدريجيًّا عبر إدماج عناصرها العسكرية في الجيش الكونغولي، بينما سيتم دمج قيادات وأنصار "تحالف نهر الكونغو"، الذراع السياسية للحركة، في الحياة المدنية بالجمهورية الكونغو الديمقراطية، دون التفصيل بشأن ما إذا كان هذا الإطار السياسي سيتحول إلى حزب يشارك في الحكم، أم سيتم إدماج قياداته وعناصره بشكل فردي في الحياة السياسية(22).


ويبدو أن الوسطاء، ومعهم أطراف النزاع، تركوا تفاصيل الحل للمفاوضات الجارية بين الحركة وبين الحكومة الكونغولية برعاية قطرية. يشمل الاتفاق أيضًا بُعدًا اقتصاديًّا تنمويًّا، من معالمه البارزة إنشاء "إطار للتكامل الاقتصادي الإقليمي" هدفه تعزيز التجارة عبر الحدود، بما يخلق نشاطًا اقتصاديًّا يُحسِّن أوضاع السكان، ويحررهم من سلطة المجموعات المسلحة المهيمنة على الموارد المعدنية في المنطقة.


ظلَّت قدرة الضامنين والوسطاء على الضغط على أطراف النزاع في البحيرات الكبرى نقطة ضعف مزمنة لاحقت كل الوساطات السابقة، وكلها تقريبًا إفريقية، وأدت إلى فشلها ولو بعد حين. ومن هنا تبرز أهمية الدور الأميركي في الوساطة الحالية، لقدرتها على ممارسة ضغوط دبلوماسية وسياسية وحتى اقتصادية على الأطراف. وكان لافتًا خلال مراسم التوقيع تلويح الرئيس، دونالد ترامب، بفرض عقوبات على أي طرف لا يلتزم بالاتفاق، رغم غياب أي نص بهذا الشأن في متن الاتفاق نفسه.


ويُعين السياق الزمني العام للاتفاق في فهم هذا التحفز الأميركي. فالولايات المتحدة تجري مفاوضات مع الحكومة الكونغولية بشأن شراكة إستراتيجية في مجال استغلال المعادن النادرة في شرقي البلاد، وتراهن الحكومة الكونغولية على هذه الشراكة في دفع الولايات المتحدة إلى مزيد من الاهتمام بموضوع الاستقرار والأمن في البحيرات الكبرى.


ورغم واقعية هذا الطرح، فإن أعضاء في الكونغرس الأميركي أبدوا توجسهم بشأن مستوى الشفافية في هذه الشراكة، وقدرة الإدارة الكونغولية على ضبط هذا القطاع في ظل الاستثمارات التي ستتدفق على البلاد. وراسل هؤلاء النواب مسعد بولس، مبعوث الرئيس ترامب إلى إفريقيا، بهذا الشأن، وطالبوا بجلسة مساءلة رسمية لإلقاء الضوء على الموضوع(23).


وفي الكونغو كذلك، برزت أصوات تحذر من هذه الشراكة، مستدلة بمآلات الشراكة الموقعة مع الصين، عام 2008، والتي حملت اسم "المعادن مقابل البنية التحتية". ويرى هؤلاء أن تلك الشراكة أدت إلى استشراء الرشوة والفساد في الإدارة؛ ما أدى إلى تعثر مشاريع البنية التحتية الصينية، وأن الكونغو خرجت منها خاسرة(24).


حاول الرئيس تشيسيكيدي طمأنة الكونغوليين بتأكيده، خلال جلسة عمل للجنة عُيِّنت لمتابعة تنفيذ الاتفاق المنتظر، حرصه على منع استنزاف موارد الكونغو دون عائد مفيد لتنمية البلاد واستقرارها.


ويبقى المحدد الحاسم في نجاح هذا الاتفاق هو مدى التزام الإدارة الأميركية بإلزام الأطراف بتنفيذه، وحرصها على ضمان السلام والاستقرار بشرق الكونغو، بمقدار اهتمامها بالموارد المعدنية الهائلة وذات القيمة الاقتصادية والإستراتيجية الكبيرة.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

حذرت مؤسسة "عرا...

حذرت مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية، اليوم الجمعة، من تداعيات خفض قيمة الدينا...

وتتناول الاسترا...

وتتناول الاستراتيجية كافة أسس نظام الصحّة النفسية بهدف تحسين صحّة الأفراد النفسية بشكل عام والوقاية ...

As a core compo...

As a core component of the combustor, the gas turbine swirler’s thermomechanical behavior directly i...

لاستراتيجية الو...

لاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية 2024-2030 ملخّّص تنفيذي يمكننا القيام بالكثير ولكلّّ منا دوره في ...

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...