Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

الفصل الخامس: التوجّهات اللغويّة والبلاغيّة من بين مجالات الاتّصال المختلفة، يهتمّ الاتّصال اللغويّ بمعالجة الرسائل المتبادلة في سياق ما، بعد أن يتمّ التمييز بين ما هو اتّصال لغويّ وما هو اتّصال غير لغويّ؛ وسياقه التاريخي والفكري الذي نشأ فيه. لقد تصور أرسطو البلاغة باعتبارها فن الإقناع، وضع نموذج أرسطو للتواصل، الأساس لنظرية الاتصال من خلال التركيز على الخطاب اللفظي كأسلوب أساسي للتأثير. كان الهدف من هذا النهج هو فهم كيف يمكن استخدام اللغة للتأثير على الرأي العام وإثارة العمل الجماعي، مما جعله محوراً أساسياً للنظريات الحديثة في الاتصال التي تتعامل مع أشكال متنوعة من صنع المعنى تتجاوز اللغة اللفظية، فهل بدأ التنظير الاتّصاليّ بالكلام والبلاغة والإقناع؟ أم كانت بدايته بالإشارة والرمز والإيحاء؟ وما قيمة اللغة المنطوقة والمكتوبة في تحقيق التواصل؟ وما دلالة الإشارة والعلامة والرمز في الخطابات الجارية بين البشر؟ تضاهي ما حدث إبّان عصر سقراط؟ وتصريف شؤونه وتسيير حياته عمليّاً، ولفهمه وتفاعله مع وسائل ونظم الاتّصال والإعلام؛ وتتوزّع مادّة هذا الفصل بين الاتّصال الخطابيّ وعلم العلامات؛ موضّحاً في الوقت ذاته حُجَج "السيميائيّين" في القول إنّ الاتّصال فعل متجاوز للغة في أنساقها التقليديّة، وقد تعاملت أدبيّات الاتّصال مع (نظريّة الخطابة) التي أسّس لها أرسطو، وهذا يجعل دراستنا لبدايات الخطابة وتطوّرها وأهمّيّتها دراسة في أصول الفكر الاتّصاليّ. 1. أهمّيّة الخطابة تبدأ أهمّيّة الخطابة من كونها فعلاً اتّصاليّاً دالّاً على تكوّن جماعة إنسانيّة، تحمل من الأفكار المشتركة ما يجعلها قادرة على التلقّي الجماعي لخطاب عام يلقيه أحد أفرادها لتكون بذلك أبسط نماذج ونظم الاتّصال غير الشخصيّ، فما إن تعمّ ظاهرة أو تبرز شخصيّة حتّى يؤتى بها على (أعين الناس) ويقام حدث حولها. وقد حملت جدران الكهوف والمعابد والأهرامات والمدافن والنصب - منذ بضعة آلاف سنة، في نشر ضلالاتهم والتشويش على خصومهم والنيل منهم. وكان الأثر السحريّ لبلاغة الخطباء في الجمهور هو الحافز لزخم من مناهج التدريب والكتابات التنظيريّة والنقديّة حول فنّ الخطابة. في كلّ سياقات التواصل، وتعدّ رسالات الأنبياء بيئات عمليّة لاختبار هذا الافتراض؛ واللغة- في النموذج القرآنيّ- هي أساس التخاطب الذي هو مبتدأ التواصل، "كان أحد الأشياء التي أراد الناس معرفتها حتّى قبل 5000 عام هو كيفيّة حدوث الاتّصال، مع وصول النورمان في القرن الحادي عشر، 3. التأسيس الأرسطيّ (للخطابة) وفي كنف هذا التداخل أخذ كتاب (الخطابة) مكانه، لقد طوّر أرسطو – من خلال ذلك الكتاب وسعيه بشكل علميّ لاستكشاف الطبيعة البشريّة- نموذجًا خطّيّاً في التواصل الشفهيّ أصبح يعرف باسم (نموذج أرسطو للاتّصال). ويعدّ هذا أوّل نموذج للاتّصال تمّ اقتراحه قبل 300 سنة قبل الميلاد؛ ولكي نستكمل الصورة هنا- وقبل توسيع القول عن أرسطو وكتابه في الخطابة- نلقي نظرة سريعة على أهمّ نماذج الخطابة في روما القديمة. بعد أرسطو، كان العملاق التالي للخطابة الكلاسيكيّة رومانيّاً لا إغريقيّاً. يمهّد استعراضنا السابق مدخلاً للنموذج الأوّل للاتّصال، الذي صاغه أرسطو ووثّقه في كتابه الشهير في الخطابة، ومن هؤلاء: ابن سينا في كتاب الشفاء، وغير ذلك ممّا يعرف من المنطق". وفسّره الفارابيّ أبو نصر. فالبحث يجب أن يتّجه إلى كتب البلاغة التي ألّفت في القرنين الرابع والخامس،
لكسر العزلة، ومخاطبة اهتماماتهم الذاتيّة والثنائيّة والجمعية؛ فقد "فتنت أثينا ببلاغة خطبائها، وساهمت الخطب في اتّخاذ قرارات الحرب والترغيب في السلم وتخفيض الأسعار وتحديد الضرائب، فلا عجب إذا رأينا أنّ من لم يكن قديراً على فنون القول يحاول أن يتعلّمها. وكثير من الأفكار التي عرضها أرسطو فيه ما زالت تحمل طابع الجدّة وتتردّد في كلام النقّاد حين يقرّرون أصول النظريّة الأدبيّة، وما كان سائداً في العصر الذي ألّف فيه أرسطو كتابه، والمناسبة، والوضع (المناسبة). والإعداد الجيّد للخطبة ضروريّ؛ كي يتمّ إقناع الجمهور أو التأثير فيه. وكان الاعتقاد السائد حول "البلاغة" أنّها دراسة التواصل والإقناع، فلا يوجد مفهوم للتعليقات وردود الأفعال الصادرة عن الجمهور؛ وتشمل أخلاقيّات المتحدّث العناصرَ المحرّكة لمشاعر الجمهور واستخدام الشعارات والشواهد الرمزيّة المعزّزة للمحتوى. إنّها وسيلة لإقناع الآخرين بالاعتقاد بوجهة نظر معيّنة. في هذا النموذج تعتمد المناشدة الأولى (Ethos) على شخصيّة المتحدّث وتعبر عن مصداقيته، حيث يخدم كل منها أغراضًا مميزة في التأثير على الجمهور. بل تلهمه وتقنعه أيضًا باتخاذ إجراء أو تبني وجهة نظر معينة. وريتشموند، من ناحية ارتكازه على المتكلّم باعتباره العنصر الأكثر أهمّية، منها عدم وجود مفهوم للتغذية المرتدّة (Feedback)؛ أشرنا - فيما سبق- إلى التصوّر السيميائيّ للاتّصال باعتباره فعلا متجاوزا للغة في أنساقها التقليدية، وكيفيّة إفراز الدلالة. هما: الدّالّ والمدلول/ المعنى. أو كلمات على صفحة، والإشهار، يقترن الحديث عن نقل الاتّصال من خلال العلامات في جدليّات الفكر الاتّصالي بكل ّمن دوسوسير، إذ يعدّها مشكلة ليس لأنّها لا تؤثّر في إقناع الجمهور فحسب، متحدّثاً عن تأثيرات الصورة، للدلالة على الموافقة أو المخالفة، المحصور على جملة محدودة من الخصائص، إلى القراءة اللسانيّة للنصوص ومظاهر التعبير الأخرى . بالنسبة إلى النظريّة السيميائيّة فإنّ مشكلات الاتّصال هي سوء فهم أو سوء فهم غير واع للبيانات؛ ممّا يعني أنّ كلّ شخص يتعامل مع التواصل بشكل مختلف، على عكس الخطابة، 4. السيميائيّة في بحوث الاتّصال ففي السيميائيّة والإعلان جاءت دراسة بجامعة ولاية ألينوي؛ إذ تشكّل القاعدة النظريّة من السيميّائية الاجتماعيّة، إلا أنّه - وبشكل غير متوقّع- يتمّ تفسير صور رمزيّة، إلا أنّ تأثيره في إنشاء صورة العلامة التجاريّة-بشكل عامّ- لا يزال غير مستكشف نسبيّاً. إنّ تفسير الاتّصال في شكل مرئيّ معقّدٌ في الطبيعة. وهذا البحث يتناول هذه المسألة من منظور شبه سيميائيّ. إذ اهتمّ بدراسة بطاقات التهنئة باعتبارها سلعة يتمّ منحها عن بعد، وفي القيام بكلّ من هذين النوعين من (تحليل الخطاب) الموضّح في دراسة تجريبيّة إثنوغرافيّة، في سياقين لغويّين وثقافيّين مختلفين، لفحص أربعين علامة مقهى ومطعم عراقيّ وأميركيّ، مقسّمة بالتساوي إلى عشرين علامة لكلّ لغة.

Original text

الفصل الخامس: التوجّهات اللغويّة والبلاغيّة
من بين مجالات الاتّصال المختلفة، يهتمّ الاتّصال اللغويّ بمعالجة الرسائل المتبادلة في سياق ما، بعد أن يتمّ التمييز بين ما هو اتّصال لغويّ وما هو اتّصال غير لغويّ؛ فتدخل الرسائل اللفظيّة والخطيّة والرمزيّة - غالباً- في سياق الاتّصال اللغويّ، وتبرز الخطابة -مثلاً- باعتبارها اتّصالاً لغويّاً منطوقاً، والصحافة باعتبارها اتّصالاً لغويّاً مكتوباً أو خطيّاً، ويتمثّل الاتّصال الرمزيّ في السيميائيّات والعلامات.
وجرياً على ما جاء في أحدث التصنيفات لنظريّات الاتّصال، يركّز الفصل على كلّ من: نظريّة الخطابة، والنظريّة السيميائيّة. وقد قدّم كريغ أحد أهمّ التصنيفات؛ إذ قسّم الاتّصال إلى سبعة (تقاليد)؛ بدأت بالخطابة، وانتهت بالبراغماتيّة أو(التداوليّة) ؛ وهو تصنيف بدأ بمبحث لغويّ خطابيّ، وانتهى بمبحث لغويّ دلاليّ وهو ما يحدث هنا الآن.
إذن، بين الاتّصال الخطابيّ بنبرته الفخيمة وجذوره العميقة في اللغة الإنسانيّة، والتفاعل الرمزيّ بسمته الحداثّي ودلالاته العابرة للغات ممّا يجعله أفضل آليّات البلاغة الجديدة، تندرج مباحث هذا الفصل؛ الذي وضعنا ودون تخطيط مسبق في سياق مقابلة بين نظرية الخطابة أو (البلاغة) والنظرية السيميائية أو (علم العلامات) ولكل منهم منهجيته لمقاربة الاتصال والتواصل، وسياقه التاريخي والفكري الذي نشأ فيه. تعود نظرية البلاغة إلى اليونان القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد، وكان أرسطو المنظر الرئيس فيها. لقد تصور أرسطو البلاغة باعتبارها فن الإقناع، مؤكدًا على قدرة المتحدث على التأثير على الجمهور من خلال عوامل تتعلق بالأخلاق، والمنطق ، والمشاعر. وضع نموذج أرسطو للتواصل، الذي يتألف من المتحدث والرسالة والجمهور، الأساس لنظرية الاتصال من خلال التركيز على الخطاب اللفظي كأسلوب أساسي للتأثير. كان الهدف من هذا النهج هو فهم كيف يمكن استخدام اللغة للتأثير على الرأي العام وإثارة العمل الجماعي، مما جعل البلاغة ضرورية للحياة الاجتماعية والسياسية في ذلك الوقت.
وعلى النقيض من ذلك، ظهر علم العلامات (السيميائية) في القرن العشرين، عبر اعمال فرديناند دي سوسير وتشارلز بيرس، مركزاً على دراسة العلامات والرموز كأنظمة للمعنى. وعلى النقيض من تركيز علم البلاغة على (الإقناع)، فإن علم العلامات يتعمق في كيفية بناء (المعنى) وتفسيره، ليس فقط من خلال اللغة، بل وأيضاً من خلال العلامات غير اللفظية والصور والرموز الثقافية. وقد وفر التمييز الذي وضعه سوسير بين "الدال" (الشكل) و"المدلول" (المفهوم) إطاراً أساسياً لفهم الاتصال باعتباره عملية تفسيرية. ومهد علم العلامات الطريق لتحليل الوسائط المعقدة والنصوص الثقافية، مما جعله محوراً أساسياً للنظريات الحديثة في الاتصال التي تتعامل مع أشكال متنوعة من صنع المعنى تتجاوز اللغة اللفظية، من الوسائط المرئية إلى السلوكيات الاجتماعية.


فهل بدأ التنظير الاتّصاليّ بالكلام والبلاغة والإقناع؟ أم كانت بدايته بالإشارة والرمز والإيحاء؟ وما قيمة اللغة المنطوقة والمكتوبة في تحقيق التواصل؟ وما دلالة الإشارة والعلامة والرمز في الخطابات الجارية بين البشر؟
لقد كانت هذه الأسئلة وغيرها موضوعاً لعمل تلك التقاليد والاتّجاهات والنظريّات والنماذج. ولعلّ واقع الطفرة في تقنيّات الاتّصال يطرح سؤاله حول ما إذا كانت اللغة سابقة للتواصل أم أنّها متطوّرة عنه؟ وهل ستستمر مهارات اللغة والبلاغة والبيان مع التطوّر المطّرد في طرق وأساليب الاتّصال والتواصل ويكون لها تأثيرها القديم ذاته؟ وهل نحن فعلاً أمام موجات جديدة من الجدل الحرّ والسفسطائيّة المطوّرة والواعدة بانقلابات في المعايير القيميّة وأخلاقيّات التواصل، تضاهي ما حدث إبّان عصر سقراط؟
إنّ إنسان العصر الرقميّ ماضٍ في سعيه لمعرفة الإجابات؛ لأهمّيتها المعرفيّة والعمليّة في تعديل رؤيته الكونيّة علميّاً، وتصريف شؤونه وتسيير حياته عمليّاً، ولفهمه وتفاعله مع وسائل ونظم الاتّصال والإعلام؛ ممّا يمنح حركة التنظير الاتّصالي دفعها وتقدّمها.
وتتوزّع مادّة هذا الفصل بين الاتّصال الخطابيّ وعلم العلامات؛ فيركّز في شرحه لأهمّ قواعد الاتّصال اللفظيّ وفنونه على الخطابة وجذورها المنهجيّة، وفقا لما أسّس له الروّاد من: الفلاسفة، وعلماء اللغة والبلاغة، والأدباء، والنقّاد من اليونان القدماء ومترجميهم من المسلمين الأوائل، موضّحاً في الوقت ذاته حُجَج "السيميائيّين" في القول إنّ الاتّصال فعل متجاوز للغة في أنساقها التقليديّة، وإنّ محقّقات الفهم المشترك ومحفّزاته ليست –على الدوام- رسائل لغويّة منطوقة أو مكتوبة. ويتكوّن الفصل من مبحثين: يعالج المبحث الأوّل نظريّة الخطابة والاتّصال اللغويّ باعتبارها الأصل الذي تولد عنه الفكر الاتصالي المعاصر، بينما يحلّل المبحث الثاني السيميائيّة باعتبارها التجلّي الأكثر وضوحاً للبلاغة الجديدة.
أوّلاً: نظريّة الخطابة والاتّصال اللغويّ
من السهل أن نقول -بعيداً عن فرضيّات التطوّر- إنّ الاتّصال اللفظيّ كان سابقاً لكلّ أشكال الاتّصال الأخرى؛ إذ لم يفصل الخالق في إخباره بين خلق الإنسان وتعليمه البيان بأيّة أداة لفظيّة، فقال - تعالى- في سورة الرحمن: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 3-4)؛ إذ تسعى فنون الاتّصال اللفظيّ- غالباً -إلى التأثير في المتلقّي عن طريق الكلام. ويعدّ الحوار والخطابة والجدل والمناظرة صوراً وأشكالاً للاتّصال اللفظيّ المقنّن. والأمثلة أكثر من أن تحصى حول أهمّيّة الخطابة في تراث البشريّة، وجعل الناس يسيرون على خطى قادتهم العظام وكلماتهم الموحية وعباراتهم البليغة ونبراتهم المؤثرّة. وقد تعاملت أدبيّات الاتّصال مع (نظريّة الخطابة) التي أسّس لها أرسطو، معتبرة إيّاها أوّل تنظيرات الاتّصال ظهوراً، ومع نموذجه ذي العناصر الثلاثة في الخطابة؛ باعتباره أوّل محاولة لوضع نموذج للعمليّة الاتّصاليّة؛ وهذا يجعل دراستنا لبدايات الخطابة وتطوّرها وأهمّيّتها دراسة في أصول الفكر الاتّصاليّ.



  1. أهمّيّة الخطابة
    تبدأ أهمّيّة الخطابة من كونها فعلاً اتّصاليّاً دالّاً على تكوّن جماعة إنسانيّة، تحمل من الأفكار المشتركة ما يجعلها قادرة على التلقّي الجماعي لخطاب عام يلقيه أحد أفرادها لتكون بذلك أبسط نماذج ونظم الاتّصال غير الشخصيّ، ولتشكّل نقطة التقاء بين بدايات الاجتماع الإنسانيّ وتاريخ الاتّصال.
    وقد علمنا في استعراضنا السابق أنّ السعي إلى حشد الجماهير واستثارتهم للاستحواذ على إعجابهم والتأثير فيهم رغبة ورهبة ظاهرة منتشرة في مجتمعات القرون السابقة؛ فما إن تعمّ ظاهرة أو تبرز شخصيّة حتّى يؤتى بها على (أعين الناس) ويقام حدث حولها.
    وتوثّق الأسفار الأولى تجارب من هذا النوع من الحشود الخطابيّة، مرّ بها أنبياء وفلاسفة وسياسيّون أبطال شرفاء ومجرمون خونة؛ إما لاستجوابهم أو الحكم عليهم. وقد حملت جدران الكهوف والمعابد والأهرامات والمدافن والنصب - منذ بضعة آلاف سنة، في وادي النيل وما بين النهرين والهند والصين- توثيقات لخطباء عُرِفوا بالبلاغة، ومعلّمين تميّزوا بالقدرة على التأثير، وعاش من بعدهم كما عاش من بينهم أنبياء وظّفوا تلك المعارف والمهارات في نشر دعواتهم؛ لتغيير معتقدات الناس، وأشقياء استخدموا قوّة الخطاب؛ في نشر ضلالاتهم والتشويش على خصومهم والنيل منهم.
    وكما كانت الخطابة وقوّة الحجّة هي الأداة العظمى للتأثير، فقد كانت هي المقدّمات الأولى لتشكّل المعارف الأساسيّة في البلاغة والإقناع والاتّصال. من هنا نشأت "الخطابة" باعتبارها مظهرا تواصليّا وظاهرة اتّصالية لفتت انتباه علماء وفلاسفة القرون الفائتة؛ فاجتهدوا في استكشافها وإتقانها؛ ومن ثمّ وضع المنظورات لتطويرها وصياغة النماذج لاستيعابها فهماً وتفسيراً، وكان الأثر السحريّ لبلاغة الخطباء في الجمهور هو الحافز لزخم من مناهج التدريب والكتابات التنظيريّة والنقديّة حول فنّ الخطابة.
    قد تدهشنا المفارقة بين عراقة التراث المتعلّق بالخطابة لدى مختلف الأمم والشعوب، وتأخّر ظهور علوم البلاغة والخطابة إلى ما قبل أربعة قرون من ميلاد المسيح؛ عندما بدأ الإغريق في تقنين علم الخطابة.
    ومع تقدير قيمة الرسائل (غير اللفظيّة) من: الإشارات والعلامات، والإيحاءات، في كلّ سياقات التواصل، إلا أنّ تمام التواصل لا يتحقّق إلا ضمن صيغة من التخاطب بين طرفين؛ ما يجعل فقدان القدرة على النطق والإبانة عائقاً رئيسيّاً وسبباً جوهريّا لفشل التواصل.
    وتعدّ رسالات الأنبياء بيئات عمليّة لاختبار هذا الافتراض؛ فبعد أن يقرّر (القرآن الكريم) أهمّية الملكة البيانيّة والمهارة اللغويّة في تلك الرسالات، يجزم أنّ الله لم يرسل نبيّاً إلا بلسان قومه؛ لضرورة ذلك في البيان والتعليم، بل إنّه يوثّق اعتذار نبيّ الله موسى عن عيب في النطق جعله يطلب من الله أن يُشرِك أخاه هارون في الدعوة؛ لاستيفاء شروط الفصاحة وتمام البيان. وكان من خصائص دعوة نبيّنا - صلّى الله عليه وسلّم- تميّزه بفصاحة اللسان، وقوّة البيان، ونصاعة الحجّة، على كونه أمّيّاً لا يقرأ ولا يكتب. واللغة- في النموذج القرآنيّ- هي أساس التخاطب الذي هو مبتدأ التواصل، ولا يكاد دارس المحتوى التواصليّ في القرآن يغفل ذلك المثل الذي يضربه – تعالى – لرجلين: أحدهما أبكم تصفه الآيات بأنّه لا يقدر على شيء، وتقارنه بمن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم.

  2. من تاريخ الخطابة
    "كان أحد الأشياء التي أراد الناس معرفتها حتّى قبل 5000 عام هو كيفيّة حدوث الاتّصال، وكيف يمكنهم جعل اتّصالاتهم الخاصّة أكثر فعاليّة". وكانت الخطابة منذ القدم أداةً لتحريك الجماهير، وتشجيعها لتنخرط طائعة في الحركات الكبرى، ولم يكن - لوقت طويل- قد تبلور علم يتعلّق بهذا الدور الخطير للخطابة، وإن كانت المعرفة المتعلّقة بالبلاغة والمحتوى اللغويّ للخطابة قد واصلت تطوّرها.
    ويبدو أنّ الأحداث التي مرّت بها جزيرة صقلية سنة 466ق.م قد لعبت دوراً حاسماً في نشأة الخطابة؛ بوصفها فنّا يلقّن وقاعدة تبحث. وعلى ذكر جزيرة صقلية يمكن تتبع تطور هذا الفن فيها باعتبارها بؤرة حافظت على أهميتها في هذا الفن على مر القرون، فمن صقلية القديمة إلى القرون الوسطى، تطور فن الخطابة من أداة قانونية وسياسية إلى وسيلة دينية وثقافية تحت تأثير القوى المختلفة التي حكمت الجزيرة. ماراً بعدة مراحل تاريخية، ابتداءً من العهد القديم (العصر الكلاسيكي) في القرن الخامس قبل الميلاد، كانت صقلية تحت حكم دكتاتوري سيطر على معظم المدن الكبرى مثل سيراكيوز. بعد سقوط هذا النمط في الحكم، وظهور نظم أكثر شورية وديموقراطية، أصبحت الحاجة ملحة لتسوية النزاعات السياسية والقانونية، خاصة تلك المتعلقة بالممتلكات والأراضي. هذه الظروف خلقت بيئة مثالية لتطوير فن الخطابة، حيث بدأ المواطنون في الاعتماد على مهارات الإقناع أمام المحاكم العامة. وهنا ظهر (كوركس)، الذي عاش في صقلية في تلك الفترة، يُعتبر أول من وضع أسسًا لقواعد الخطابة. كما كان للتلميذ الشهير (تيزيوس) دور في تطوير هذا الفن. كان الهدف من الخطابة في تلك الفترة هو التأثير في قرارات المحاكم وحشد الدعم الشعبي في التجمعات العامة. ثم انتقلت هذه الأفكار إلى اليونان، حيث قام (أرسطو) لاحقًا بتنظيم الخطابة كعلم.
    في الفترة الرومانية (القرن الثالث قبل الميلاد - القرن الخامس الميلادي) مع سيطرة الرومان على صقلية، تأثرت الجزيرة بالثقافة الرومانية، وخاصة بفن الخطابة الذي كان يُعد من أهم الأدوات السياسية والقانونية في روما. وأصبحت الخطابة في هذه الحقبة أكثر تنظيماً وتعقيدًا مع استخدام أساليب بلاغية أكثر تطورًا. وكان الخطباء يعتمدون على أسس منطقية ولغوية متقدمة لتوجيه الرسائل والتأثير في المستمعين.
    في القرون الوسطى (القرن الخامس - القرن الخامس عشر) ومع سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس الميلادي، دخلت صقلية في فترة من الاضطرابات، مع الغزو القوطي ثم الإسلامي والنورماني. خلال هذه الفترة، تراجعت فنون الخطابة بسبب التغيرات السياسية والاجتماعية الكبرى، وأصبحت تحت تأثيرات ثقافية متعددة، من الإغريقية إلى العربية.
    في العهد الإسلامي (827-1091 م)، شهدت صقلية تطورًا ثقافيًا وفكريًا، حيث تم دمج العلوم والفنون الإسلامية مع التقاليد الرومانية والإغريقية. واتخذت الخطابة في هذا العصر طابعًا دينيًا وسياسيًا، حيث كان الخطباء المسلمون يلعبون دورًا في نشر الدعوة الإسلامية وقيادة المجتمع عبر الخطب الدينية والسياسية.
    مع وصول النورمان في القرن الحادي عشر، أعيد إحياء بعض عناصر الثقافة الرومانية والإغريقية، حيث اهتم النورمان بتطوير البنية السياسية والاجتماعية، مما أعاد أهمية الخطابة في المحافل العامة والدينية.
    المرحلة الرابعة في القرون الوسطى المتأخرة (القرن الثاني عشر - القرن الخامس عشر) ومع استقرار الحكم النورماني والأنجوي، بدأت صقلية تتأثر بتأثيرات أوروبية أوسع، خاصة من إيطاليا. وأخذت الخطابة في هذه الفترة طابعًا مسيحيًا قويًا، خاصة مع انتشار الكنيسة الكاثوليكية. الخطباء الدينيون أصبحوا قادة روحيين وسياسيين، وكانت الخطب تُستخدم لنشر العقيدة المسيحية ومناقشة القضايا الفلسفية والاجتماعية. وقد أعيد إحياء دراسة الخطابة الكلاسيكية في الجامعات والمدارس التي تأسست في صقلية خلال هذه الفترة، حيث تم تدريس أعمال أرسطو وشيشرون ضمن مناهج الفلسفة والبلاغة.وعرف (كوركس Corax) لدى العرب باسم (غراب الخطيب) كما جاء في تاريخ الحكماء للقفطيّ .
    كانت انطلاقة فنّ الخطابة وعل نحو أدق تاريخيّاً في مدرسة ممّا قبل سقراط عرف فلاسفتها بـ(السفسطائيّين)، وأصبحت لاحقاً واحدة من الفنون العقليّة الثلاثة، إلى جانب: المنطق، والنحو، في الثقافة الغربيّة.
    وقد شهد التاريخ القديم والوسيط ازدهار علوم النحو والجدل والخطابة؛ إذ كيَّفت علوم النحو نفسها مع تصحيح اللغة وتعديلها وتفعيل استخدامها خلال دراسة النماذج الأدبيّة ونقدها، وكيَّف الجدل نفسه مع اختبار واكتشاف المعرفة الجديدة عبر عمليّة من السؤال والجواب، وكيَّفت الخطابة نفسها مع الإقناع في المحيط العامّ والسياسيّ، كالجمعيات التشريعيّة، والمحاكم القضائية.

  3. التأسيس الأرسطيّ (للخطابة)
    تومئ الخطابة - في المجتمعات المفتوحة والديمقراطيّة- إلى التباهي بحريّة التعبير، وحريّة التجمّع، وحقّ الاقتراع السياسيّ لبعض طوائف السكّان. وفي كنف هذا التداخل أخذ كتاب (الخطابة) مكانه، ومع تشكّل الملامح الأولى لعلم الاتّصال، بدأ بعض باحثي الإعلام يكتشفون البعد الآخر للكتاب.
    لقد طوّر أرسطو – من خلال ذلك الكتاب وسعيه بشكل علميّ لاستكشاف الطبيعة البشريّة- نموذجًا خطّيّاً في التواصل الشفهيّ أصبح يعرف باسم (نموذج أرسطو للاتّصال). ويعدّ هذا أوّل نموذج للاتّصال تمّ اقتراحه قبل 300 سنة قبل الميلاد؛ وهو الأكثر قبولًا على نطاق واسع بين نماذج الاتّصال." وهذا الوضع يجعل فكر أرسطو حلقة وصل بين الاتّجاه المثاليّ لفكر أستاذيه: سقراط، وأفلاطون، والمسار العمليّ لتجربة تلميذه الإسكندر المقدونيّ الذي اشتهر بتأسيسه للإمبراطوريّة الرومانيّة. وقد نال أرسطو لقب (المعلّم الأوّل)؛ لما تركه من آثار مكتوبة، كان أشهرها كتابه في المنطق، المعروف بـــ(الأورغانون) وكتابه في الخطابة الذي عرف لدى العرب بـ (الريطورية Rhetoric) ولعلّنا هنا نذكر أنّ من أهمّ أعمال المعلّم الثاني (ابن سينا) ترجمته لكتاب (الخطابة) لأرسطو.
    لقد تأثّرت الرؤية العلميّة الحديثة حول الاتّصال تأثّراً ظاهراً بعملي أرسطو في المنطق والخطابة؛ فقدّم إجابتهما على سؤالي المعرفة والإمكان، فانتفى الشكّ في حدوث الاتّصال تماماً كما أثيرت بإزاء إمكانيّة المعرفة.
    بدأ أرسطو بالتعريف بالمنطق؛ باعتباره ملكة عقليّة مشتركة بين أبناء النوع الإنسانيّ؛ وهو ما وضع الأساس لإمكان الاتّصال الفاعل ومنح المعرفة العقليّة موقعها المحوريّ اللازم لتكتسب الحياة حكمتها، وما يترتّب على ذلك من تحرير للإنسان من الارتهان للحتميّات الطبيعيّة والميتافيزيقيّة.
    ومع عمق الملاحظات التي أبداها أرسطو، فإنّه قد كرّس من وقته للفلسفة والتعليم أكثر ممّا كرّس لنظريّات العلوم الأخرى. وينطوي هذا الأمر على مغزى؛ إذ يبقى أرسطو واحداً من عمالقة الفلسفة. ولكن علينا أن نعترف أنّه ترك ملاحظات ضئيلة في تلك العلوم "على الرغم ممّا ينطوي عليه ذلك من مخاطرة توجيه إهانة للمناهج الجامعيّة المتحمّسة، عن الحضارة الغربيّة"
    ولكي نستكمل الصورة هنا- وقبل توسيع القول عن أرسطو وكتابه في الخطابة- نلقي نظرة سريعة على أهمّ نماذج الخطابة في روما القديمة.
    بعد أرسطو، كان العملاق التالي للخطابة الكلاسيكيّة رومانيّاً لا إغريقيّاً. فمن هو من بين خطباء روما القديمة؟ إنّه شيشرون الذي وسّع منظور الخطابة إلى أبعد ممّا ارتآه أرسطو، محتجًّا بأنّ معلّم الخطابة الكفؤ كان عليه أن يحصّل علمًا واسعًا، إلى درجة أنّ دراسة الخطابة كانت حقًّا دراسة ما يمكن أن يطلق عليه اليوم الفنون الحرّة.
    ومع (شيشرون) كان هناك عملاق آخر للخطابة الرومانيّة هو (فابياس كوينتليانس) ، المشهور بـ (كوينتليان)، الذي كان لعمله عظيم الأثر في التعليم العالي خلال العصور الوسطى وعصر النهضة؛ فقد غطّى التعليم التمهيديّ المطلوب للدراسة السليمة للخطابة؛ من حيث: طبيعة الخطابة، وأهدافها، ومنظورها، وفنّ الخطابة (بما فيه إيجاد وهيكلة مادّة الحجج)، والأسلوب، ودور الذاكرة، والإلقاء في الخطابة المؤثرة.

  4. نظريّة أرسطو في الخطابة
    يمهّد استعراضنا السابق مدخلاً للنموذج الأوّل للاتّصال، الذي صاغه أرسطو ووثّقه في كتابه الشهير في الخطابة، الذي وصل إلينا بعد ترجمته للعربيّة في القرن الثالث الهجريّ؛ ولعلّ السرّ في عدم رواج الاهتمام به - بوصفه تأصيلا لعلم مستقلّ يتعلّق بالخطابة سابقاً والاتّصال لاحقاً- هو أنّ بعض الفلاسفة المسلمبن تعاملوا معه باعتباره جزءاً من علم المنطق، ومن هؤلاء: ابن سينا في كتاب الشفاء، وابن خلدون في المقدّمة. ويرى محمّد أبو زهرة أنّ أولئك الفلاسفة "لم يبعدوا كثيراً عن الصواب؛ إذ إنّ كتاب الخطابة لأرسطو ترى فيه المنطق واضحاً تماماً؛ ترى الكلام عن الحدّ والدليل وكيف يتكوّن القياس الخطابيّ، ثمّ ترى فيه الكلام عن التصديق الذي يكتفى به في الخطابة، وغير ذلك ممّا يعرف من المنطق". ويعرّفنا ابن النديم في (الفهرست) بكتاب أرسطو (الخطابة) قائلاً: رأيت بخطّ أحمد بن الطيّب هذا الكتاب نحو مائة ورقة بنقل قديم "وقد أتى ابن سينا في كتاب الشفاء بلبّ كتاب الخطابة لأرسطو مع تصرّف غير ضارّ" الكلام على (الرطريقا) ومعناه الخطاب... وقيل إنّ إسحق نقله إلى العربيّة ونقله إبراهيم بن عبد الله، وفسّره الفارابيّ أبو نصر.
    ويشير عبد الرحمن بدوي إلى الترجمة العربيّة بقوله: إنّها" تتيح لنا أن نبحث في مدى أثر هذا الكتاب- أعني (الخطابة) لأرسطوطاليس- في نشأة علم البلاغة العربيّة؛ وهو أمر ما كان يمكن القيام به قبل نشر هذا الكتاب؛ ولهذا خطره في تأريخ علم كان له مركز الصدارة بين علوم العربيّة في القرنين الرابع والخامس، حتّى استقرّت قواعده في القرن السادس؛ ومن ثمّ تحجّر في قوالب تقليديّة. وإذن، فالبحث يجب أن يتّجه إلى كتب البلاغة التي ألّفت في القرنين الرابع والخامس، وإلى الإشارات والملاحظات التي قد نجدها في كتب الأدب واللغة في القرن الثالث. وهنا مجال واسع جدّاً للبحث الفيلولوجيّ والبلاغيّ معاً".

    ويأتي الاهتمام بأثر أرسطو؛ من أهمّيّة الخطابة نفسها؛ باعتبارها الصورة الأوّليّة للاتّصال الإعلاميّ؛ فهي تعتمد على مخاطبة الجمهور العام برسائل هادفة للتأثير في آرائه ومواقفه واتجّاهاته. فالمعلوم أنّ الإنسان يميل بفطرته لمحادثة الآخرين والحوار معهم؛ لكسر العزلة، وإشباع رغبته في التواصل المباشر مع المحيطين به، ومخاطبة اهتماماتهم الذاتيّة والثنائيّة والجمعية؛ فيميل للخطابة عندما تكون لديه رغبة في تعميم رسائله على نطاقات أوسع من الجماهير". فهل جاء أثر أرسطو في الخطابة ردّ فعل لأوضاع تاريخيّة وثقافيّة تتعلّق بالمجتمع الأثينيّ خاصّة واليونانيّ عامّة؟ وهل كان للسفسطائيّين وطريقتهم في الجدل والمناظرة دور، أو هل مثّلوا تحدّياً وحافزاً لأرسطو لوضع قواعد للخطابة؟
    لقد وصف المجتمع الأثينيّ في عهد أرسطو بأنّه مجتمع قويت فيه الرغبة في القول، واشتدّت في الخطباء داعية الحديث، وافتتنوا بالبلاغة دون سواها. كان طبيعيّاً أن تتطوّر فنون القول وتزدهر الخطابة؛ فقد "فتنت أثينا ببلاغة خطبائها، وساهمت الخطب في اتّخاذ قرارات الحرب والترغيب في السلم وتخفيض الأسعار وتحديد الضرائب، وولجت الخطابة في كلّ الشؤون العامّة، وأصبح للخطباء نفوذ عظيم وحضور بارز ومهمّ. وإذا كان التسابق البيانيّ وصل إلى هذا الحدّ، فلا عجب إذا رأينا أنّ من لم يكن قديراً على فنون القول يحاول أن يتعلّمها.
    وترجع أهمّية الكتاب؛ لما عنته الخطابة في تعريف أرسطو لها، بوصفها: فعلاً اتّصالياً شاملاً، وفنّاً مؤثّراً في بنية الحياة الاجتماعيّة في البلاد اليونانيّة؛ وهو المعنى الذي تمدّد ليشابه في دلالته المعنى المعاصر للاتّصال ومقدّمة للصناعة الإعلامية. بهذا ساهم الكتاب في تطوّر الفكر الإنسانيّ وترشيد الظاهرة التواصليةّ في صورتها العلميّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة.
    وقد اعتُبِر "تأثير كتاب الخطابة لأرسطو في التراث النقديّ والبلاغيّ موضوعاً وشاغلاً للباحثين؛ لقيمة هذا الكتاب؛ فهو ما زال - على تطاول زمن تأليفه- ملهماً للتفكير في اللغة والنقد والاتّصال، وكثير من الأفكار التي عرضها أرسطو فيه ما زالت تحمل طابع الجدّة وتتردّد في كلام النقّاد حين يقرّرون أصول النظريّة الأدبيّة، ولا تزال أفكاره تتناول بالدرس وتؤلّف فيها الكتب." وقد كان الجدل حول كتاب أرسطو (الخطابة) يدور بين المدارس العربيّة منذ أواخر القرن الثالث، وكان ذا أهمّية كبيرة في الدراسات العربيّة الحديثة.
    ولعلّ المقارنة بين الواقع الاتّصالي الماثل، وما كان سائداً في العصر الذي ألّف فيه أرسطو كتابه، تتجلّى مع استعراض آراء من نقلوا كتاب الخطابة: ترجمة، وشرحاً، واختصاراً، واستقراءً لمحتوى كتاب الخطابة، ومقاربته بالمقولات والنماذج النظريّة للفكر الاتّصالي المعاصر؛ وهو المقصود من هذا العمل الذي يقف على تعريف أرسطو للخطابة وأهمّ عناصر نموذجه للاتّصال، وأهمّ الانتقادات الموجّهة لذلك النموذج.
    تعريف أرسطو للاتّصال الخطابيّ:
    تعامل أرسطو مع الخطابة باعتبارها فنّ استخدام اللغة بشكل فعّال أو مقنع، وقد عرّفها في كتابه بقوله: (الخطابة /الريطورية) هي "قوّة تتكلّف الإقناع الممكن في كلّ واحد من الأمور المفردة. وهذا ليس عمل شيء من الفنون الأخرى؛ لأنّ تلك الفنون إنّما تكون كلّ واحدة منها معلّمة ومقنعة في الأمور التي تحتها؛ فالطبّ يعلّم ويقنع في أنواع الصحّة والمرض؛ والهندسة في الأشكال التي تحدث في الأجسام؛ والحساب في ضروب الأعداد، وكذلك سائر الصناعات والعلوم الأخرى" .
    ويتكوّن نموذج أرسطو- في التواصل- من خمسة عناصر أساسيّة، هي: المتحدّث، والخطاب، والمناسبة، والجمهور، والتأثير.
    يعدّ نموذج أرسطو للاتّصال نموذجاً متمحوراً حول المتكلّمين ؛ إذ إنّ للمتكّلم دوراً مهمّاً؛ هو إلقاء خطاب للجمهور، بينما للجمهور دور سلبيّ، يتأثّر بالخطاب. هذا يجعل عمليّة الاتّصال ذات اتّجاه واحد، من المتكلّم إلى المتلقّي. ويجب على المتحدّث تنظيم الخطاب مسبقًا، وفقًا للجمهور المستهدف، والوضع (المناسبة).
    والإعداد الجيّد للخطبة ضروريّ؛ كي يتمّ إقناع الجمهور أو التأثير فيه. وكان الاعتقاد السائد حول "البلاغة" أنّها دراسة التواصل والإقناع، وكان ضروريّاً للحصول على التأثيرات المرغوبة أو عمل دعاية أن يتمّ توجيه رسالة أو خطاب مختلف للجماهير في المواقف المختلفة. لقد تمّ استخدام نموذج الخطابة بشكل كبير؛ لتطوير مهارات التحدّث أمام الجمهور وعمل دعاية في ذلك الوقت؛ لذا فهو أقلّ تركيزًا على التواصل الشخصيّ أو بين الاشخاص.
    حتّى لو كان النموذج موجّهًا للمتكلّمين ويركّز على تفاعل الجمهور في التواصل، فلا يوجد مفهوم للتعليقات وردود الأفعال الصادرة عن الجمهور؛ على سبيل المثال، عندما يلقي (متحدّث) سياسيّ خطابًا للحصول على الأصوات من (جمهور) الناخبين وقت (مناسبة) الانتخاب؛ يصوّت النّاخبون إذا تأثّروا بالأشياء التي يقولها السياسيّ في خطابه فقط؛ لذلك يجب أن يكون المحتوى مثيراً للإعجاب؛ للتأثير في الجماهير، ويجب على المتحدّث تصميم الرسالة بعناية فائقة. يجب أن يكون الخطاب واضحًا، كما يجب أن يكون للمتحدّث اتّصال غير شفهيّ جيّد مع الجمهور، مثل الاتّصال بالعين. هذا المثال هو حالة كلاسيكيّة، من نموذج أرسطو للاتّصالات التي تصوّر جميع العناصر في النموذج.

  5. عناصر التواصل الجيّد لدى أرسطو:
    ذكر أرسطو أنّ هناك ثلاثة عناصر ضروريّة لتحقيق التواصل الجيّد، وتترابط هذه العناصر مع بعضها بعضاً، وتعزّز عناصر الاتّصال الأخرى؛ وهي أهمّ عناصر نموذج (أساليب الإقناع) لأرسطو. وتشمل أخلاقيّات المتحدّث العناصرَ المحرّكة لمشاعر الجمهور واستخدام الشعارات والشواهد الرمزيّة المعزّزة للمحتوى. إنّها وسيلة لإقناع الآخرين بالاعتقاد بوجهة نظر معيّنة. وغالباً ما يتمّ استخدامها- حاليّاً- في النشر والإعلان الموجّه للتأثير في الجمهور.
    ولشرح كيف تحدث الخطابة تأثيرها، فقد استخدم أرسطو ثلاثة مصطلحات، معتبراً أنّ من بين أنماط الإقناع التي توفّرها الكلمة المنطوقة هناك ثلاثة أنواع من المناشدات تُسمى مجتمعة أحيانًا بالمثلث البلاغي. إنها أساسية للتحليل البلاغي الأرسطي، على الرغم من عدم اشتراط اجتماعها كلها بالضرورة لتأكيد بلاغة خطبة ما. وللحقيقة فإن شرح المفاهيم الثلاثة هو من أصعب مكونات نموذج أرسطو؛ في هذا النموذج تعتمد المناشدة الأولى (Ethos) على شخصيّة المتحدّث وتعبر عن مصداقيته، أما الثانية (Pathos) فقد تشير إلى وضع الجمهور ومدى تعاطفه مع ما يوله الخطيب، أما المناشدة الثالثة (Logos) فتشير إلى الجانب المنطقي من المحادثة، وما تتضمنه كلمات الخطاب من إثباتات ظاهرة. يتحقّق الإقناع من خلال شخصيّة المتحدّث عندما يتمّ التحدّث بالكلام؛ بحيث يجعلنا نعتقد أنّه ذو مصداقيّة."وتعمل Ethos عبر نداءات الأخلاقيّات باعتبارها وسيلة لإقناع الجمهور من خلال سلطة أو مصداقية القائم بالإقناع؛ سواء كان شخصيّة بارزة أو خبيراً في هذا المجال، أو شخصاً مشهوراً. ويعتمد الـ ((Pathos) على قوّة العاطفة؛ من خلال إنشاء استجابة عاطفيّة للنداء العاطفيّ أوعبر قصّة مقنعة. أمّا (الشعارات Logos) فهي تمثّل نداء المنطق، ووسيلة الإقناع المنطقيّ للجمهور، باستخدام الحقائق والأرقام. إذن فإن "الأخلاق والمشاعر والمنطق ضرورية للتواصل المقنع، حيث يخدم كل منها أغراضًا مميزة في التأثير على الجمهور. غالبًا ما يمزج المتصلون الفعالون هذه الاستراتيجيات لإنشاء حجج مقنعة تتردد صداها فكريًا وعاطفيًا. إن فهم هذه التقنيات وإتقانها من شأنه أن يعزز قدرة المرء على الإقناع ونقل الأفكار بفعالية في سياقات مختلفة، من صناعة الأفلام إلى الكتابة والإعلان. ومن خلال الاستفادة من الأخلاق والعواطف والمنطق بشكل مناسب، يستطيع القائمون على الاتصال صياغة رسائل لا تقتصر على إعلام الجمهور فحسب، بل تلهمه وتقنعه أيضًا باتخاذ إجراء أو تبني وجهة نظر معينة."
    الخطابة الجديدة ونقد النموذج الأرسطيّ:
    مع ما تقرّر من ريادة النّموذج الأرسطيّ، لم يسلم النموذج من النقد المشكّك في إمكانيّة استخدامه في غير الخطابة العامّة؛ فقد مضت الخطابة الجديدة خطوات في نقد نموذج أرسطو، مع التسليم به بوصفه أوّل اجتهاد منظّم أنشأ بالفعل نموذجاً خطيّاً في الاتّصال، ولكنّه- مع ذلك- ركّز على التحدّث أمام الجمهور أكثر من تركيزه على التواصل بين الأشخاص.
    وفي الوقت الذي أكّد فيه مؤلّفون، مثل (ناروا 2003) أنّ نموذج أرسطو هو "نموذج الاتّصال الأوّل" . وتمّ تقييم عمله (الخطابة) باعتباره "الأكثر نفوذاً خلال 2300 سنة منذ تأليفه" (ستون، سينجليتاري، وريتشموند، 2003، ص2). لكنّ هؤلاء المؤلّفين عادوا وانتقدوه؛ من ناحية ارتكازه على المتكلّم باعتباره العنصر الأكثر أهمّية، ونموذجًا موجّهًا للسماع؛ فتصبح مهمّة المتحدّث هي إلقاء الخطبة للجمهور، ولا يبقى للجمهور سوى دور سلبي. هذا إلى جانب انتقادات فنّيّة أخرى توجّه لهذا النموذج، منها عدم وجود مفهوم للتغذية المرتدّة (Feedback)؛ ممّا يجعله نموذجاً أحادي الاتّجاه، يبدأ من المتكلّم وينتهي إلى جمهور المستمعين للخطبة. وكذلك افتقاره إلى مفاهيم تتعلّق بمصير عملية الاتّصال حالة فشلها، مثل مفاهيم التشويش والحواجز؛ ومن ثمّ حكم بعض النقّاد بأنّه لا يمكن استخدام هذا النموذج إلا في الخطابة العامّة.


ثانياً. السيميائيّة والبلاغة الجديدة:
أشرنا - فيما سبق- إلى التصوّر السيميائيّ للاتّصال باعتباره فعلا متجاوزا للغة في أنساقها التقليدية، وأنّ محقّقات الفهم المشترك ومحفّزاته ليست –على الدوام- رسائل لغويّة منطوقة أو مكتوبة. وتهتمّ السيميائيّة - ابتداء- بالمعنى من خلال دراسة العلامات والرموز اللغويّة منها وغير اللغويّة، ولعلّ من البلاغة تصدير حديثنا عن السيميائيّة بالمثل الصينيّ الذي يقول: "صورةٌ خيرٌ من ألف كلمة"؛ فالصورة هي من أقوى العلامات تعبيراً وأكثرها حضوراً في واقعنا، الثابتة منها والمتحركة، المحاكية للواقع والمجرّدة له؛ وهي دليل على أنّ البلاغة والإمعان في التأثير ليسا محصورين في فنون القول. وإلى جانب الصورة هناك الرموز والعلامات والإيماءات والأكواد التي تضافرت لتشكّل لغات جديدة تشارك لغتنا المنطوقة الوجود؛ فكما شهدنا استخدام رموز مورس في نظام التلغراف، نشاهد اليوم تقديم نشرات الأخبار بلغة الصمّ، والكتابة بنظام بيرل للمكفوفين. والسيميائيّة -بهذا المعنى- تشكّل تحدّياً حقيقيّاً للتصوّر التقليديّ للتواصل المتمثّل في النموذج الخطابيّ.



  1. ما السيميائيّة؟
    تعرِّف كتب المناهج السيميولوجيا؛ باعتبارها منهجاً نقديّاً يتمّ توظيفه؛ لمقاربة جميع الخطابات ورصد كل الأنشطة البشريّة، بالتفكيك والتركيب والتحليل والتأويل؛ بغية البحث عن آليّات إنتاج المعنى، وكيفيّة إفراز الدلالة. ويهدف المنهج السيميولوجي إلى استكشاف الأبنية الدلاليّة التي تتضمّنها الخطابات والأنشطة البشريّة بنيّة ودلالة مقصديّة، والبحث عن الأنظمة التواصليّة: تقعيداً، وتجريداً، وتوظيفاً.
    والسيميائيّة – ببساطة- هي دراسة العلامات، وتقوم على التمييز منهجيّاً بين مفهومي: العلامات والرموز. وتهتمّ بما تطلق عليه ثالوث المعنى: الذي يقول: إنّ المعنى ينشأ من علاقة بين ثلاثة أشياء، هي: الكائن (المرجع)، الشخص (المترجم)، الإشارة.
    ويوجد تعريفان مترابطان لما يعنيه مفهوم السميائيّة، هما:

  2. دراسة العلامات والرموز بوصفها عناصر للسلوك التواصليّ. وهذا يشمل تحليل أنظمة الاتّصال، كاللغة، والإيماءات، والملابس.

  3. نظريّة عامّة للعلامات والرموز، وتنقسم عادة إلى فروع البراغماتيّة/ التداوليّة، والدلالات، والنحويّة.

  4. السيميائيّة واللغة
    يذهب فرديناند دوسوسير- في حديثه حول طبيعة تلك العلامات وأصلها- إلى أنّ كلّ العلامات اللغويّة اعتباطيّة أو تحكّميّة، ولا توجد - بالضرورة- صلة بين الشيء والاسم، أو بين الدّالّ والمدلول، أو بين اللغة والواقع. وتقبع العلامة - وفقًا للنبرة اللغويّة السوسيريّة- بين جزأين رئيسيّين، هما: الدّالّ والمدلول/ المعنى. ويشير الدّالّ هذا إلى أيّ شيء مادّيّ، سواءً أكان كائنًا، أو كلمات على صفحة، أو صورة. والمدلول أو المعنى: هو المفهوم الذي يشير إليه الدّالّ. وسيكون هذا هو المعنى الذي يرسمه مستقبِل الإشارة.
    ومن حقول السيميائيّة: علامات الحيوانات، وعلامات الشَّمّ، وعلامات الاتّصال باللمس، ومفاتيح المذاق، والاتّصال البصريّ، وأنماط الأصوات، والتشخيص الطبّيّ، وأوضاع الجسد، واللغات الصوريّة والمكتوبة، والإعلان، والإشهار، والسينما، والقصّة المصوّرة، والملصقات، وقراءة اللوحات التشكيليّة .

  5. أهم روّاد السيميائيّة
    يقترن الحديث عن نقل الاتّصال من خلال العلامات في جدليّات الفكر الاتّصالي بكل ّمن دوسوسير، ورولان بارت اللذين يبدوان أكثر شهرة في اللغة والفلسفة من شهرتهما في كتب الإعلام والاتّصال، التي احتفت بالسيميائيّة؛ تمشيّاً مع الاهتمام العامّ، وتزايد الحاجة للنماذج المرتبطة باللغة والدلالة؛ لارتباطها بالمحتوى، أو لأنّها تشير لمستويات أعمق من عمليّة الاتّصال، وتظهر- عادة- مصحوبة بمفاهيم الخطاب البصريّ، ولغة الصورة، وما بعد البلاغة، والبلاغة الجديدة، والبيان الجديد.
    ويؤرّخ منظّرو السيميائيّة الحديثة لها بالفيلسوف الإنجليزيّ (جون لوك) الذي كتب في القرن السابع عشر؛ محاولاً شرح التواصل بعبارات تبيّن أنّه مهتمّ بنقص الكلمات باعتبارها أكثر قضايا التواصل إشكاليّة؛ إذ يعدّها مشكلة ليس لأنّها لا تؤثّر في إقناع الجمهور فحسب، بل لأنّها قد تؤدّي إلى سوء فهم. واعتبر لوك أنّ التواصل يتطلّب إرفاق أفكار واضحة للكلمات.
    ويناقش (رولان بارت) العلامات غير اللغويّة أو ما يسميّه بالرسائل الفوتوغرافيّة، متحدّثاً عن تأثيرات الصورة، وكيف يعتمد على شرحها، كما أنّه يمسّ مشكلة أخرى تتعلّق بانقطاع التواصل. وفي كتابه المسمّى (أساطير 1957) أوضح بارت كيف أنّنا نتواصل مع الآخرين من خلال اللغة والثياب والإيماءات البدنيّة، مثل: هزّ الرأس؛ للدلالة على الموافقة أو المخالفة، أو الإشارة بالإصبع على سبيل الإنذار. فنحن نعيش في مجتمع تسوده شفرات رمزيّة (اللون الأسود مثلاً رمز الحداد، والعلم رمز الوطن،...إلخ). وفي فنّ المسرح، يقوم العمل المسرحيّ –أساساً- على بناء شبكة منمّقة من العلاقات، يدرك الممثّلون والمتفرّجون على السواء معناها، ومن ثم تكتمل دائرة الاتّصال، ويتحقّق التواصل بين الممثّل والمشاهد.
    إنّ العلامات- في نظر بارت- صناعيّة وليست طبيعيّة. وهو في هذا متأثّر بنظريّات عالم اللغة السويسريّ (فرديناند دو سوسير)؛ إنّنا نسمي ما نجلس عليه (كرسيّاً)، ولكن ليس هناك ما كان يحتّم ذلك؛ فقد كان يمكن أن نسمّيه (شجرة) وأن نسمّي الشجرة (كرسيّاً)؛ والدليل على ذلك أنّ الكرسيّ له أسماء مختلفة في مختلف اللغات. كذلك، بيّن بارت في كتابه (نظام الموضة 1967) كيف أنّ الطريقة التي نختار بها ثيابنا لنظهر أمام الآخرين محكومة بمواضعات العصر، وبصورتنا كما نتمثّلها داخل أنفسنا ونسقطها على العالم الخارجيّ. ومن المعروف، أنّ بارت أعلن موت المؤلّف؛ فليس المؤلّف هو من يمنح عمله معناه، بل القارئ هو الذي يفعل ذلك، والمؤلّف لا يستخدم اللغة وإنمّا اللغة هي التي تستخدمه. إنّنا لا نتكلّم اللغة، بل اللغة هي التي تتكلّمنا. هكذا اقترن (موت المؤلّف) بولادة القارئ وسيادة اللغة.
    والفكرة -هنا- أنّ اللغة هي نظام من العلامات الموجودة (خارج الفرد). ويتمّ تعريف العلامة كإدراج يتكوّن من: (حقيقة العلامة (Signifier)، وما تعنيه (Signified).
    وعليه اتّجه الفكر السيميائيّ إلى تأسيس (ديمقراطيّة التفاهم)؛ بحجّة أنّ كلّ الاتّصالات تتمّ من خلال العلامات.
    والنظريّة السميائيّة– عموماً- غنيّة بالتنوّع في المناهج والمفاهيم. ويقسّم الباحث المغربيّ حنون مبارك الاتّجاهات السيميوطيقيّة إلى: سيميولوجيّة التواصل، سيميولوجيّة الدلالة، سيميولوجيّة دوسوسير، سيميوطيقا بيرس، رمزيّة كاسيرر Cassirer))، سيميوطيقا الثقافة.
    وتهتمّ سيميائيّة التواصل بدراسة طرق التواصل؛ أي دراسة الوسائل المستخدمة للتأثير والتواصل مع الغير، والمعترف بها من قبل الشخص المستقبل؛ أي أن تفرض وجود قصد التواصل من قبل المتكلّم، يكون معترفاً به من طرف متلقّي الرسالة؛ فمن منظور السيميائيّة ما اللغة إلا نظام تواصل، يتضمّن قدراً كبيراً من الانسجام، سمح للدراسة اللسانيّة بالاهتمام بالنموذج الذي رسمه جاكوبسون: (البثّ- الرسالة- المتلقّي- سَنَن الرسالة- مرجعيّتها)؛ وذلك بتمكينها من تجاوز التطبيق اللسانيّ، المحصور على جملة محدودة من الخصائص، التي تشتمل على الظاهرة اللغويّة، إلى القراءة اللسانيّة للنصوص ومظاهر التعبير الأخرى .
    والتواصل من المنظور السيميائيّ هو العمليّة التي تستخدم العلامات (بما في ذلك اللغة وغيرها من الرموز غير الشفهيّة) التي تساعد على التواصل، في فجوة ذاتيّة؛ لأنّ طريقة الفهم تختلف من فرد إلى آخر. بالنسبة إلى النظريّة السيميائيّة فإنّ مشكلات الاتّصال هي سوء فهم أو سوء فهم غير واع للبيانات؛ بسبب الاختلاف في فهم استخدام الرموز. تقول نظريّة ما بعد البنيويّة: إنّ العلامات لها معنى غير مستقرّ.
    تهتم النظريّة السيميائيّة - في دراستها للاتّصال- بالعلامات والرموز؛ إذ تعرّف الرموز بأنّها علامات أكثر تعقيداً، لها العديد من المعاني والدلالات، بما في ذلك المعاني الشخصيّة للغاية، ممّا يعني أنّ كلّ شخص يتعامل مع التواصل بشكل مختلف، ولكن في كثير من الأحيان، نجد مجموعات وثقافات تتجمّع عندما يتمكّنون من تطوير رموزهم ومعانيهم الخاصّة بالأشياء التي يواجهونها.
    على عكس الخطابة، تهتمّ السيميائيّة بأنظمة الإشارات والعلامات المستخدمة في الاتّصال. ويتحدّث السيميولوجيّون أكثر عن الفهم بدلَ الإقناع كمسألة رئيسيّة في التواصل، ويعالجونها من خلال محاولة شرح بنية اللغة وأنظمة الإشارة الأخرى.

  6. السيميائيّة في بحوث الاتّصال
    أسّست كثير من البحوث والدراسات رؤيتها النظريّة على مقولات النموذج السيميائيّ بصيغه المختلفة؛ فشكّلت القاعدةُ النظريّة للسيميائيّة الاجتماعيّة الأساسَ النظريّ للعديد من الدراسات الاتّصاليّة في مختلف بلاد العالم التي درست التواصل المرئيّ في السياقات المحلّيّة والعالميّة، والعابرة للثقافات، عبر الإعلانات والعلامات التجاريّة وكروت المعايدة، مؤكّدة أنّ التحدّي في التواصل البصريّ هو تحدّ عابر للحدود الثقافيّة؛ ممّا يعزّز الاعتراف بالاختلافات الثقافيّة والاعتماد على التوافق الثقافيّ؛ لتوليد معنى مشترك، وتجنّب الصدامات الثقافيّة الناتجة عن سوء التفسير.
    ففي السيميائيّة والإعلان جاءت دراسة بجامعة ولاية ألينوي؛ لتعالج مفهوم (السيميائيّة الاجتماعيّة) في أمثلة مختارة من تسويق العلامات التجاريّة التجريبيّة ؛ إذ تشكّل القاعدة النظريّة من السيميّائية الاجتماعيّة، التي تدعمها نظرية Van Leeuwen في تأطير الأساس النظريّ لهذه الدراسة، مع تحليل دراسات الحالة لمختلف أنواع العلامات التجاريّة التجريبيّة. وتتمّ دراسة تحليل البيئة التي تجري فيها تجربة العلامة التجاريّة، إلى جانب استجابات المستهلكين وردود أفعالهم على تجربة العلامة التجاريّة الشاملة.
    والهدف من هذا البحث، هو تحديد كيف يمكن استخدام التفاعل بين الدلالات السيمائيّة الاجتماعيّة لتفسير الاتّجاه الحالي لتجارب العلامة التجاريّة للمستخدم؛ من حيث التسويق التجريبيّ التفاعليّ. وقد استخدمت بعض الدراسات المدخل السيميائيّ في تفسير الإشارات البصريّة على اللوحات الإعلانيّة في المناطق الحضريّة وشبه الحضرية، ودراسة التواصل المرئيّ عبر الثقافات؛ فاهتمّت دراسة أمريكيّة بتفسير صور العلامات التجاريّة الغربيّة في الصين، وأشار البحث إلى أنّ المعاني المقصودة والمتصوّرة لصورة العلامة التجاريّة، من النّادر أن تتطابق عندما يكون هناك فرق كبير بين الثقافات التي تمّ فيها ترميز الصورة وفكّ تشفيرها. بينما في حالات قليلة، يفسّر السكّان المحلّيون العلامة التجاريّة الغربيّة بالطريقة التي يقصدها بها المتواصل الغربيّ. وفي أسوأ الحالات تتمّ إساءة فهم الرسائل بشدّة، ويتم رفضها تمامًا من القرّاء؛ بسبب عدم التوافق الثقافيّ.
    إلا أنّه - وبشكل غير متوقّع- يتمّ تفسير صور رمزيّة، ذات طابع ثقافيّ، بسهولة أكبر وبطريقة إيجابيّة وقريبة من المقصود معنى ممّا هو بالنسبة للصور الأيقونيّة. تميل الأخيرة إلى أن تفسّر -على وجه الحصر تقريباً- في السياق الثقافيّ للقارئ (وليس المؤلّف)؛ وبالتالي قد يكون التفسير عرضة لسوء الفهم أو حتّى الرفض. تستنتج الأطروحة أنّ التحدّي في التواصل بصريّا عبر الحدود الثقافيّة هو الاعتراف بالاختلافات الثقافيّة، والاعتماد على التوافق الثقافيّ؛ لتوليد معنى مشترك، وتجنّب الصدامات الثقافيّة التي يسبّبها التفسير السلبيّ.
    وفي اتّجاه تحليل التواصل المرئيّ لهويّة العلامة التجاريّة- بالنسبة للأزياء هذه المرّة- جاء بحث ويندوز كعلامة تجاريّة سيميائيّة/ عرض النافذة (من خلال مفهوم عروض النوافذ). غالباً ما يتمّ تصنيف شاشات العرض على أنّها جانب من جوانب مفهوم الترويج المرئيّ الذي يجب اعتباره جزءاً مهمّاً من الاتّصالات التسويقيّة. وعلى الرغم من أنّ مفهوم عرض النوافذ ليس جديداً، إلا أنّ تأثيره في إنشاء صورة العلامة التجاريّة-بشكل عامّ- لا يزال غير مستكشف نسبيّاً. إنّ تفسير الاتّصال في شكل مرئيّ معقّدٌ في الطبيعة. وهذا البحث يتناول هذه المسألة من منظور شبه سيميائيّ. لقد تمّ اختيار المنهج السيميائيّ؛ نظراً لقدرته على استكشاف معانٍ أعمق وراء الأشياء المرئيّة.
    ومن الأبحاث الطريفة التي وظّفت المدخل السيميائيّ، بحث بعنوان "حبّ مكتوب: فحص اجتماعيّ سيميائيّ لبطاقات المعايدة" ؛ إذ اهتمّ بدراسة بطاقات التهنئة باعتبارها سلعة يتمّ منحها عن بعد، وتتمّ فيها عمليّات الإنتاج والاستهلاك والاستخدام في إطار العلاقات الشخصيّة. بالتزامن مع هذا الاستكشاف، يتطابق الجزء الثاني مع (المنعطف اللغويّ) الذي اتخّذ العديد من التخصّصات في اتجّاهات إنتاجيّة على مدار القرن العشرين. وفي القيام بكلّ من هذين النوعين من (تحليل الخطاب) الموضّح في دراسة تجريبيّة إثنوغرافيّة، سعت الرسالة- التي هي عبارة عن أثر ثقافيّ يجسّد العاطفة- إلى المساهمة في الحوارات التي تتعلّق بالتقدّم إلى الأمام، فيما يتعلّق بتنظير العلاقات بين الممارسات الاجتماعيّة الثقافية، واللغة والخطاب.
    وتطبيقاً على البيئات العربيّة، جاء البحث- الموسوم بـ (السيميائيّة عبر الثقافات: تحليل لافتات المحلّات التجاريّة في السياقات الأمريكيّة والعراقيّة)- باحثاً في الموارد النصيّة والبصريّة لعلامات الدعاية على واجهات المحلّات، في سياقين لغويّين وثقافيّين مختلفين، هما: الإنجليزيّة الأمريكيّة، والعربيّة العراقيّة، من منظور علم السيميائيّة. تمّ استخدام نموذج سيميولوجيّ متعدّد التحليلات؛ لفحص أربعين علامة مقهى ومطعم عراقيّ وأميركيّ، مقسّمة بالتساوي إلى عشرين علامة لكلّ لغة. وكشف التحليل أنّ الموارد اللفظيّة والبصريّة تعمل بشكل متوازٍ في خطاب الدعاية، في المحفلين الخاصّين بالمناظر اللغويّة موضوع البحث. وهذا يعني أنّ خطاب علامات الدعاية لمتجر المشهدين اللغويّين يميل عمومًا إلى استخدام نفس الموارد النصيّة والمرئيّة. علاوة على ذلك، فإنّ لافتات الدعاية الأمريكيّة والعراقيّة مليئة بالممارسات، والافتراضات الاجتماعيّة والثقافيّة للمجتمعات الأمريكيّة والعراقيّة.
    هذه- باختصار- نماذج لاستخدام المنهج السيميائيّ في البحث العلميّ والدراسات الميدانيّة، التي تنطلق من قناعة بإمكانيّات المنهج السيميائيّ في الكشف عمّا وراء الأشياء المرئيّة من المعاني.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

" أن التطور الس...

" أن التطور السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي فعرض على نظام التعليم في المملكة العربية السعودية تبن...

Vaikka olen ark...

Vaikka olen arka viestijä, pidän itseäni empaattisena ihmisenä. Kuuntelen mielelläni muita ja yritän...

كشفت مصادر استخ...

كشفت مصادر استخباراتية عن مقتل خبيرين يُشتبه بارتباطهما بالحرس الثوري الإيراني، عقب استهداف مركبة كا...

### 5. Backgrou...

### 5. Background and Literature Review Energy drinks (EDs) are beverages marketed to increase ener...

مصرف الإنماء هو...

مصرف الإنماء هو مصرف سعودي يمارس الأعمال المصرفية ويقع مقره الرئيسي في مدينة الرياض، حيث بدأ عمله في...

انا اسمي فاطمة ...

انا اسمي فاطمة بنت محمد وعمري 15وانا بعد اكب اخش دكتوره وامي وابي يبوني اخش محاميه وعندي خمسه اخوان ...

yaca,un joven a...

yaca,un joven alfarero acababa de sacar su ultima creacion del horno:una magnifica urna funeraria de...

هذا الدليل يتعل...

هذا الدليل يتعلق بحالة الكون وما فيه بعد إيجاده؛ من دقة الخلق، وإتقان الصنع، وإحكام النظام، وبراعة ا...

Despite the str...

Despite the strong renewable energy potential, Tunisia faces several challenges that could slow prog...

إن الغاية الجوه...

إن الغاية الجوهرية من ترشحي للإشراف على المركز الرياضي بثانوية المجد، لا تقتصر على تحقيق إنجازات رقم...

أحبطت القوات ال...

أحبطت القوات المسلحة اليمنية، اليوم الخميس، هجوماً شنته مليشيات الحوثي التابعة لإيران على مواقع عسكر...

. المشاركة المج...

. المشاركة المجتمعية: دليل على الحاجة والمشاركة المستمرة البناء على العمل المجتمعي السابق ويرتكز هذا...

Tech news