Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

عموا أن من أظهر خصائص الأديب حرصه على أن يصل بين نفسه وبين الناس، فأثارشيءمنهذافينفسهخاطًرامنالخواطر، أو حث عقله على الروية والتفكير، الرأي، أوتلكالعاطفةأوذلكالخاطرفيدفٍترمنالدفاترأوعلىقطعٍةمنالقرطاس. وإنما يحس للناس، وهو لا يشعر لنفسه وإنما يشعر للناس، وهو لا يفكر لنفسه وإنما يفكر للناس. وهو بعبار ٍة واضحة لا يعيش لنفسه وإنما يعيش للناس، ويضللها أقبح التضليل، معتدلالرأيفينفسهفهو شقي تعس محزون، يحب أن يعلن إلى الناس ما يجد من شقاء وتعس وحزن، وأحبهاقليًلاأوكثًيرا، فهويُسجلمايحسومايشعر وما يفكر ليحفظه من الضياع، وليستطيع العودة إليه من ح ٍين إلى حين كلما خطر له أنيستعرضحياتهالماضية، والذاكرةقصيرةضعيفة، فِلَملايسجلخواطرهوعواطفهوآراءهالتي يتكون منها تاريخه الفردي الخاص؛ أديب ويعللها بهذه الألوان من الت َّ ِع َّلات، لايستطيعأنيعيشإلاإذاكتب، يكتبلأنهمحتاج إلى الكتابة كما يأكل ويشرب ويدخن لأنه محتاج إلى الطعام والشراب والتدخين، وهو حين يكتب قلما يفكر فيما يَحسن أن يكتب، وما ينبغي ألا يعرفه القرطاس أو يجري به القلم، كما أنه حين يأكل ويشرب قلما يفكر فيما يلائم صحته وطبيعته ومزاجه من ألوان الطعام والشراب وأصناف التبغ، إنما هي حاجة تضطره إلى الحركة، فيتحرك وتدفعه إلى العمل فيعمل، وأكبرالظنأنهصحيح، فيجبأنيكونصاحبيالذي أريدأنأتحدثإليكعنهأديبًا، أو بعبار ٍة أدق في الصورة الأدبية التي يظهر فيها ما أحس وما شعر وما قرأ وما رأى وماسمع. وكانيجدمشقةشديدةفيإخفاءتفكيرههذاعلىالناس، فكث ًيراماكانيقول لأصحابه إذا رأى شيئًا أسخطه أو أرضاه: ما أخلق هذا الشيء أن ينشئ صورة أدبية ممتعة للسخط أو للرضاء! وكان يقضي نهاره في السعي والعمل والحديث حتى إذا انقضى النهار، وتقدم الليل وفرغ من أهله ومن الناس وخلا إلى نفسه، فإذا القلم قد سقط من يده، فقدكانيكتبنائًماكماكانيكتبيقًظا، ينمق هذه ويدبج تلك، كما كان يفعل حين كانت تجتمع له قواهالعاملةكلها، وكث ًيراماكانيحدثأصدقاءهبأطراٍفغريبةقيمةمنهذهالفصول والمقالاتالتيكانتتمليهاعليهأحلامهفيجدونفيهالذةومتاًعا. وكث ًيراماكانيقرأعليهمفصوًلامنالنثرومقطوعاتمنالشعرأملتهاعليهيقظته، أديب ثم يمتنع عليهم ويلح في الامتناع؛ فهوكانيخافالمطبعة ويُ ْكبرها ويحيطها بشيءٍ من التقديس غريب، وكان يتحدث بأن ما يقدم إلى المطبعة من الآثار المكتوبة أشبه شيءٍ بما كان يقدمه الوثنيون القدماء إلى آلهتهم من الضحية والقربان، وبما يتقدم به الآن المؤمنون المترفون إلى إلههم من الصلاة والدعاء، فمن الحق أن تُصطفى الضحية وأن يُتخير القربان، الدعاءصورةللقلبوالعقلجميًعا. وأنه لم أو يسطر عليه صورة قلبه وعقله. فما زالت الآماد بينهوبينالمطبعةبعيدة، فليكتب إذن لنفسه لا للمطبعة، فإذا ضاق بنفسه وبما تملي فليظهر أصدقاءه على شيءٍمنهولُيرِضهذهالحاجةالقويةالتينحسهاجميًعاإلىأننشركالناسفيمانجد منح ٍّسأوشعور. أوحينيسألهأصدقاؤهعماأحدثبعدهم، وكانحياؤهيمنعهمن إظهار عقله وقلبه، وكانتحاجتهمشديدةإلىأنيروانفسهكما كانقبيحالشكلنابيالصورةتقتحمهالعينولاتكادتثبتفيه، وكانإلىالِقصر أقربمنهإلىالطول. فزادت بعض أطرافه حيث كان يجب أن تنقص، ونقصت حيث كان يَحسن أن تزيد، منبطح غال في الانبطاح، بل لم يكن جاوز الثلاثين، كانعلىِقصرهمقوسالظهرإذاقام، منحنيًا إذا جلس، إنماكانمنحرف أديب وقلماكانتعيناهالصغيرتانتستقرانبينجفونه الضيقة. ولكنهمعذلكلميكنيخلو من نبرات حلوة تجري عليه إذا قرأ شيئًا فيه تأث ُّ ٌر وانفعال، وكث ًيراماحملذلكالناس عامة، علىأنيضيقوابهويجتنبوهإذالقوهفيقهوٍةأوناٍدأوملعٍب مسلًكاإلىنفسي، ومنزًلامنقلبي؛ كانيزورنيفأنصرفإليهعنكلشيءوأقضيمعه الساعات، فإذاتركنيخيلإلي َّأنيلمأقِضمعهإلااللحظاتالقصار. وكنتإذاأعياني الدرس واحتجت إلى الرياضة أو الراحة آثرت زيارته والتحدث إليه والاستماع له على كل فقد عرفته في القاهرة قبل أن يذهب إلى باريس، ثم أدركته في باريس بعد أن سبقني إليها، عرفتهمصادفًةوكرهتهكرًهاشديًداحينلقيتهلأولمرة، حريًصاعليهامشغوًفابهامعتزًماألاأضيعحرًفاممايقولالمحاضرون، فإنيلمصغذاتليلةإلىالأستاذوإذابصوٍتمنورائي ينطلقبالحديثهادئًا، وأضيقبهذاالصوتويضيقبهصاحباياللذان يكتنفاني. فنلتفت إلى صاحب الصوت نطلب إليه الصمت فلا يسكت إلا ريثما يستأنف الحديث، حتى إذا انتهت المحاضرة وخرجنا من غرفة الدرس رأيناه قد وقف لنا ينتظرنا، أديب وقال في صو ٍت ما نشك أن الأستاذ قد سمعه: »وماذا تريدون أن تسمعوا؟ ولكنكم معذورون، فكل شيء عندكم قيم، واجتهدنا بعد ذلك في أن نجتنب مكانه من غرفة المحاضرات وأن نختار لأنفسنا مجلًسابعيًدامنهأقصىغايةالبعد، تركناهولكنهلميتركنا، فلم نكن نخرج من محاضرة حتى يعرض لنا ويأخذ بجبتي أو قفطاني وهو يسألني: »أأعجبتك المحاضرة؟« فإن قلت: »نعم« قال: »وماذا أعجبك منها؟ وهل فهمتها على وجهها؟« وكان يقول لي: »هون عليك من هذا الحرص على المحاضرات ولا تتهالك عليها هذا التهالك، فهي أقل غناء مما تظن، « فلما ألح علي َّ في ذلك سألته: وإذا كنت ترى هذا الرأي فما اختلافك إلى الجامعة؟ وما استماعك للمحاضرات؟ وما تهويشك علينا بصوتك العالي وحديثك الذي لا ينقطع؟ فضحك وقال: الجامعة شيء جديد أحب أن أراه، وقد سئمت القهوة، ولو لم يكن في الجامعة إلا أنت وأصحابك هؤلاء الذين تتفتح عقولهم للعلم الحديث فيتلقون ما يسمعون في كلف ونهم مصدرهما الجهل العميق، لكان هذا كافيًا لأن أختلف إلى الجامعة وأستمع للمحاضرات، ثم سألني ذات يوم: أين تقيم؟ أجبته: أقيم في حي كذا، قال: ومع من تقيم؟ قلت: مع جماعة من الأهل والأصدقاء كلهم يطلب العلم في الأزهر أو في المدارس المدنية، فأنا لا أحب مجالس الطلبة، ومن أن نلتقي في نظام وإطراد، دون أن تجد في ذلك وقدهممتأنأردعليهمعتذًرا، فلم أكن أستطيع أن أسهر ولا أتعرف إلى أحد دون إذن من أخي، وكان علي َّ أن أغدو مع الفجر إلى درس الأصول، وأسرتي في الريف. وجلس 11 أديب

Original text

عموا أن من أظهر خصائص الأديب حرصه على أن يصل بين نفسه وبين الناس، فهو لا
يحسشيئًاإلاأذاعهولايشعربشيءٍإلاأعلنه،وهوإذانظرفيكتاٍبأوخرجللتروض،أو تحدثإلىالناس،فأثارشيءمنهذافينفسهخاطًرامنالخواطر،أوبعثفيقلبهعاطفة من العواطف، أو حث عقله على الروية والتفكير، لم يسترح ولم يطمئن حتى يقيد هذا
الرأي،أوتلكالعاطفةأوذلكالخاطرفيدفٍترمنالدفاترأوعلىقطعٍةمنالقرطاس. ذلك لأنه مري ٌض بهذه العلة التي يسمونها الأدب، فهو لا يحس لنفسه، وإنما يحس للناس، وهو لا يشعر لنفسه وإنما يشعر للناس، وهو لا يفكر لنفسه وإنما يفكر للناس. وهو بعبار ٍة واضحة لا يعيش لنفسه وإنما يعيش للناس، وهو حين يأتي من الأمر هذا كله يخادع نفسه أشد الخداع، ويضللها أقبح التضليل، فيزعم أنه مؤثر لا يريد أن يستمتع وحده بنعمة الإحساس والشعور والتفكير، وإنما يريد أن يشرك الناس في هذا الخير الذي أنتجتهطبيعتهالدقيقةالخصبةالغنية،فإذاكانمتواضًعا،معتدلالرأيفينفسهفهو شقي تعس محزون، يحب أن يعلن إلى الناس ما يجد من شقاء وتعس وحزن، لعلهم يرثونلهأويرأفونبهأويشفقونعليه.وربمالميَرفينفسهإيثاًرا،ولميحسأنه شقي،وإنماآثرنفسهبالخير،وأحبهاقليًلاأوكثًيرا،فهويُسجلمايحسومايشعر وما يفكر ليحفظه من الضياع، وليستطيع العودة إليه من ح ٍين إلى حين كلما خطر له أنيستعرضحياتهالماضية،وكث ًيراماتعرضلهالفرصالتيتحملهعلىأنيستعرض حياتهالماضية،والذاكرةقصيرةضعيفة،فِلَملايسجلخواطرهوعواطفهوآراءهالتي يتكون منها تاريخه الفردي الخاص؛ ليعود إليه كلما دعاه إلى ذلك جد الحياة أو هزلها؟
أديب
وما أكثر ما يدعو جد الحياة وهزلها إلى أن يستعرض الإنسان حياته الماضية وما اختلف عليه فيها من الأحداث.
يخدع الأديب نفسه هذه الضروب من الخداع، ويعللها بهذه الألوان من الت َّ ِع َّلات، وحقيقُةالأمرأنهيكتبلأنهأديب،لايستطيعأنيعيشإلاإذاكتب،يكتبلأنهمحتاج إلى الكتابة كما يأكل ويشرب ويدخن لأنه محتاج إلى الطعام والشراب والتدخين، وهو حين يكتب قلما يفكر فيما يَحسن أن يكتب، وما ينبغي ألا يعرفه القرطاس أو يجري به القلم، كما أنه حين يأكل ويشرب قلما يفكر فيما يلائم صحته وطبيعته ومزاجه من ألوان الطعام والشراب وأصناف التبغ، إنما هي حاجة تضطره إلى الحركة، فيتحرك وتدفعه إلى العمل فيعمل، فأما عواقب هذه الحركة ونتائج هذا العمل فأشياء قد يتاح الوقت للتفكير فيهافييوٍممنالأيامحينتصبحأمًرامقضيٍّالامنصرفعنهولاسبيلإلىالتخلصمنه. إذاكانهذاكلهصحيًحا،وأكبرالظنأنهصحيح،فيجبأنيكونصاحبيالذي أريدأنأتحدثإليكعنهأديبًا،فلستأعرفمنالناسالذينلقيتهموتحدثتإليهمرجًلا أْضنَتْهعلةالأدب،واستأثرتبقلبهولُب ِّهونفسهكصاحبيهذا؛كانلايحسنشيئًا،ولا يشعر بشيء، ولا يقرأ شيئًا، ولا يرى شيئًا، ولا يسمع شيئًا إلا فكر في الصورة الكلامية، أو بعبار ٍة أدق في الصورة الأدبية التي يظهر فيها ما أحس وما شعر وما قرأ وما رأى وماسمع.وكانيجدمشقةشديدةفيإخفاءتفكيرههذاعلىالناس،فكث ًيراماكانيقول لأصحابه إذا رأى شيئًا أسخطه أو أرضاه: ما أخلق هذا الشيء أن ينشئ صورة أدبية ممتعة للسخط أو للرضاء! وكان يقضي نهاره في السعي والعمل والحديث حتى إذا انقضى النهار، وتقدم الليل وفرغ من أهله ومن الناس وخلا إلى نفسه، أسرع إلى قلمه وقرطاسه وأخذ يكتب ويكتب ويكتب حتى يبلغ منه الإعياء وتضطرب يده على القرطاس بما لا يعلم ولا يفهم، وتختلط الحروف أمام عينيه الزائغتين، ويأخذه دوار، فإذا القلم قد سقط من يده، وإذا هو مضطر إلى أن يأوي إلى مضجعه ليستريح. ولم يكن نومه بأهدأ من يقظته،فقدكانيكتبنائًماكماكانيكتبيقًظا،وماكانتأحلامهفيالليلإلافصوًلا ومقالات، وخطبًا ومحاضرات؛ ينمق هذه ويدبج تلك، كما كان يفعل حين كانت تجتمع له قواهالعاملةكلها،وكث ًيراماكانيحدثأصدقاءهبأطراٍفغريبةقيمةمنهذهالفصول
والمقالاتالتيكانتتمليهاعليهأحلامهفيجدونفيهالذةومتاًعا. وكث ًيراماكانيقرأعليهمفصوًلامنالنثرومقطوعاتمنالشعرأملتهاعليهيقظته،
وسجلتها يده حين كان يخلو إلى نفسه بعد أن يكون قد ملأ عينيه وأذنيه وحسه وشعوره وقلبه وعقله بما يحيط به من الأشياء وبما يحسه من الناس ومن الحياة.
8
أديب
وكانأصدقاؤهإذاسمعوامنههواجسالأحلامأوخواطراليقظةأل ُّحواعليهفيأن
يذيع ذلك وينشره، فيبتسم ثم يهزأ، ثم يمتنع عليهم ويلح في الامتناع؛ لأنه كان يؤمن بأن مايكتبهلميصلبعدإلىأنيكونخليًقابأنيُقدمإلىالمطبعة،فهوكانيخافالمطبعة ويُ ْكبرها ويحيطها بشيءٍ من التقديس غريب، وكان يتحدث بأن ما يقدم إلى المطبعة من الآثار المكتوبة أشبه شيءٍ بما كان يقدمه الوثنيون القدماء إلى آلهتهم من الضحية والقربان، وبما يتقدم به الآن المؤمنون المترفون إلى إلههم من الصلاة والدعاء، فمن الحق أن تُصطفى الضحية وأن يُتخير القربان، وأن تكون الصلاة قطعة من النفس وأن يكون
الدعاءصورةللقلبوالعقلجميًعا. وكان صاحبنا يرى أن ليس فيما كتب ضحية تُصطفى ولا قربان يُختار، وأنه لم
يوفق إلى أن يودع القرطاس من نفسه، أو يسطر عليه صورة قلبه وعقله. فما زالت الآماد بينهوبينالمطبعةبعيدة،ومازالتالأستاروال ُّسُجفدونهمسدلة.
فليكتب إذن لنفسه لا للمطبعة، فإذا ضاق بنفسه وبما تملي فليظهر أصدقاءه على شيءٍمنهولُيرِضهذهالحاجةالقويةالتينحسهاجميًعاإلىأننشركالناسفيمانجد منح ٍّسأوشعور.والحقأنصاحبيلميكنيقدمعلىهذاإلاكارًهامضطٍّراحينلا يجدبٍّدامنالإقدام،أوحينيسألهأصدقاؤهعماأحدثبعدهم،وكانحياؤهيمنعهمن إظهار عقله وقلبه، كما يمنعه من عرض جسمه عاريًا على الناس. ولكن أصدقاءه لم يكونوافيحاجٍةإلىأنيرواشخصهعاريًا،وكانتحاجتهمشديدةإلىأنيروانفسهكما
هي؛لأنهاكانتجميلةخلابةتروعهمحينًا،وتثيرفينفوسهمالحبوالمودةدائًما. كانقبيحالشكلنابيالصورةتقتحمهالعينولاتكادتثبتفيه،وكانإلىالِقصر أقربمنهإلىالطول.وكانعلىِقصرهعريًضاضخمالأطرافمرتبكهاكأنماُس ِّوَيعلى عجل، فزادت بعض أطرافه حيث كان يجب أن تنقص، ونقصت حيث كان يَحسن أن تزيد،وكانوجههجهًماغليًظايخيلإلىمنرآهأنفيخديهورًمافاحًشا،وكانلهعلى ذلك أنف دقيق مسرف في الدقة، منبطح غال في الانبطاح، قد اتصل بجبهة دقيقة ضيقة
لا يكاد يبين عنها شعره الغزير الجعد الفاحم. لم تكن قد تقدمت به السن، بل لم يكن جاوز الثلاثين، ولكن علامات الكبر كانت
باديةعلىوجههوق ِّدهلايخدععنهاأحد.كانعلىِقصرهمقوسالظهرإذاقام،منحنيًا إذا جلس، ولعل إدمانه على الكتابة والقراءة، وإسرافه في الانحناء على الكتاب أو القرطاس همااللذانشوهاق َّدههذاالتشويه،وقلماكانوجههيستقيمأمامه،إنماكانمنحرف
9
أديب
العنقدائًماإلىاليمينأوإلىالشمال،وقلماكانتعيناهالصغيرتانتستقرانبينجفونه الضيقة.إنماكانتامضطربتيندائًمالاتكادانتستقرانعلىشيءحتىتدعاهمصعدتين في السماء، أو تنحرفا عنه إلى ما يليه من إحدى نواحيه.
ولميكنصوتهعذبًاولامقبوًلا،وإنماكانغليًظافٍّجا،ولكنهمعذلكلميكنيخلو من نبرات حلوة تجري عليه إذا قرأ شيئًا فيه تأث ُّ ٌر وانفعال، وكان له ضحك غليظ مخيف يسمع من بعيد، بل كان كل ما يصدر عن صوته غلي ًظا مخي ًفا يسمع من بعيد، ولم يكن للنجوىمعهسبيل،وكث ًيراماضايقهذلكحينكانفيباريس،وكث ًيراماحملذلكالناس عامة،وأصدقاءهخاصة،علىأنيضيقوابهويجتنبوهإذالقوهفيقهوٍةأوناٍدأوملعٍب
من ملاعب التمثيل. وهو على رغم هذا كله كان أحب الناس إلي َّ، وأكرمهم علي َّ، وآثرهم عندي، وأحسنهم
مسلًكاإلىنفسي،ومنزًلامنقلبي؛كانيزورنيفأنصرفإليهعنكلشيءوأقضيمعه الساعات،فإذاتركنيخيلإلي َّأنيلمأقِضمعهإلااللحظاتالقصار.وكنتإذاأعياني الدرس واحتجت إلى الرياضة أو الراحة آثرت زيارته والتحدث إليه والاستماع له على كل
ما كانت تقدم إلي َّ القاهرة أو باريس من أنواع الرياضة والراحة.
٢
فقد عرفته في القاهرة قبل أن يذهب إلى باريس، ثم أدركته في باريس بعد أن سبقني إليها،عرفتهمصادفًةوكرهتهكرًهاشديًداحينلقيتهلأولمرة،كنافيالجامعةالمصرية القديمة في الأسبوع الأول لافتتاحها، وكنت أختلف إلى ما كان يلقى فيها من المحاضرات، حريًصاعليهامشغوًفابهامعتزًماألاأضيعحرًفاممايقولالمحاضرون،وكانمجلسي لهذادائًماقريبًامنالأستاذ،فإنيلمصغذاتليلةإلىالأستاذوإذابصوٍتمنورائي ينطلقبالحديثهادئًا،ولكنهعلىهدوئهيغمرأذنيجميًعا،ويكاديخفيعلي َّصوت الأستاذفأج ُّدفيالتخلصمنهفلاأفلح،وأضيقبهذاالصوتويضيقبهصاحباياللذان
يكتنفاني. فنلتفت إلى صاحب الصوت نطلب إليه الصمت فلا يسكت إلا ريثما يستأنف الحديث،
ونراجعه مرة أخرى فلا يحفل بنا، فنشكوه إلى الأستاذ فيضطره الأستاذ إلى الصمت، حتى إذا انتهت المحاضرة وخرجنا من غرفة الدرس رأيناه قد وقف لنا ينتظرنا، فيعرض لنا في غلظة، فإذا زعمنا له أن من حقنا أن نسمع الأستاذ، وأن ليس له أن يصرفنا عنه، قهقه
10
أديب
قهقهة مخيفة، وقال في صو ٍت ما نشك أن الأستاذ قد سمعه: »وماذا تريدون أن تسمعوا؟ ولكنكم معذورون، جئتم من الأزهر، فكل شيء عندكم قيم، وكل شيء عندكم جديد.«
واجتهدنا بعد ذلك في أن نجتنب مكانه من غرفة المحاضرات وأن نختار لأنفسنا مجلًسابعيًدامنهأقصىغايةالبعد،تركناهولكنهلميتركنا،وكأنماعمائمناكانتتغريه بنا وتحرضه علينا، فلم نكن نخرج من محاضرة حتى يعرض لنا ويأخذ بجبتي أو قفطاني وهو يسألني: »أأعجبتك المحاضرة؟« فإن قلت: »نعم« قال: »وماذا أعجبك منها؟ وهل فهمتها على وجهها؟« وكان يقول لي: »هون عليك من هذا الحرص على المحاضرات
ولا تتهالك عليها هذا التهالك، فهي أقل غناء مما تظن، وخير لك أن تقرأ من أن تسمع.« فلما ألح علي َّ في ذلك سألته: وإذا كنت ترى هذا الرأي فما اختلافك إلى الجامعة؟ وما استماعك للمحاضرات؟ وما تهويشك علينا بصوتك العالي وحديثك الذي لا ينقطع؟ فضحك وقال: الجامعة شيء جديد أحب أن أراه، وقد سئمت القهوة، ولو لم يكن في الجامعة إلا أنت وأصحابك هؤلاء الذين تتفتح عقولهم للعلم الحديث فيتلقون ما يسمعون في كلف ونهم مصدرهما الجهل العميق، لكان هذا كافيًا لأن أختلف إلى الجامعة وأستمع للمحاضرات، ثم سألني ذات يوم: أين تقيم؟ أجبته: أقيم في حي كذا، قال: ومع من تقيم؟ قلت: مع جماعة من الأهل والأصدقاء كلهم يطلب العلم في الأزهر أو في المدارس المدنية، قال: إن منزلك بعيد وليست بيئتك بالتي تحب، فأنا لا أحب مجالس الطلبة، وأنا مع ذلك حريٌصعلىأنأجلسمعكوأتحدثإليكفأطيلالحديث،بلأناحريصعلىأنأقرأ معك بعض الكتب، فلا بد إذًا من أن نلتقي، ومن أن نلتقي في نظام وإطراد، فليكن ذلك عندي، ولك علي َّ أن أردك إلى أهلك وأصدقائك قبل أن يتقدم الليل، دون أن تجد في ذلك
مشقة أو تحتمل فيه عناء. وكان يقول هذا بصوته الغليظ العريض في لهجة الحازم الواثق بأن أمره سيطاع،
وقدهممتأنأردعليهمعتذًرا،وماكانأكثرالمعاذير. فلم أكن أستطيع أن أسهر ولا أتعرف إلى أحد دون إذن من أخي، وكان علي َّ أن أغدو
مع الفجر إلى درس الأصول، ولم يكن بد من أن أستعد لهذا الدرس وغيره من دروس الأزهر، وأن أعوض هذا الوقت الذي أضيعه كل مساء في الجامعة على كر ٍه من أخي في القاهرة، وأسرتي في الريف.
هممت أن أعتذر، ولكنه لم يمهلني ولم يتح لي أن أقول حر ًفا، وإنما استوقف عربة ودفعنيفيهادفًعا،وأمرخادميالأسودالصغيرأنيجلسإلىجانبالسائق،وجلس
11
أديب
هو إلى جانبي وقال للسائق بصوته الغليظ العريض: إلى القلعة، وكنت أسكن في أقصى الجمالية، فلما أخذت أقدر بعد الأمد بين داره وداري، وهممت أن أتكلم، وضع يده على
كتفي وقال: ألم أقل إني سأردك إلى حيث تقيم؟


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

باريس - لقد أضح...

باريس - لقد أضحى اسمها على جميع الشفاه منذ أن قام الرئيس إيمانويل ماكرون بزيارة مفاجئة للمعهد الاستش...

مقدمة: تبدأ ال...

مقدمة: تبدأ الوظائف التي تتيح للإنسان الحركة وممارسة النشاط البدني من تفاعلات دقيقة داخل الخلايا؛ ف...

# الترجمة الكام...

# الترجمة الكاملة للبحث: نظام التكاليف على أساس الأنشطة (ABC) عنوان البحث: نظام التكاليف على أساس ا...

لبُزُق (أو الغل...

لبُزُق (أو الغلما) هي آلة موسيقية وترية خشبية تشبه العود ذات عنق طويل وجسم أصغر من العود. وكانت تسمى...

تطوير لوحة مؤشر...

تطوير لوحة مؤشرات تشمل إجمالي العقود والكميات المتعاقد عليها، ونسب التعاقد بحسب الجهات والدول، إضافة...

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

مقدمة يُعتبر ا...

مقدمة يُعتبر القانون الدولي العام الهيكل القواعدي والنظمي الذي يحكم العلاقات بين ذوات الشخصية الدول...

ב. דיסגרפיה (Dy...

ב. דיסגרפיה (Dysgraphia) דיסגרפיה היא הפרעה שבה עיבוד חזותי-מוטורי וארגון שפתי משפיעים על ההבעה בכתב...

0:22 okay today...

0:22 okay today we're going to talk about 0:24 carb cycling 0:25 what it is how it works why it work...

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

يستدعي استشراف ...

يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...

حذر مركز التنبؤ...

حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...

Tech news