لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (100%)
مقدمــــة شكلت ظاهرتي الصحة و المرض محور اهتمام علماء الاجتماع و الأنثربولوجيا عتبارهما العلمان اللذان يهتمان بدراسة الأبعاد الثقافية والرمزية في الحضارات الإنسانية فالظاهر ن تشكلان جانبا مهما في النسق الإنسانية، كما يعبر المرض من جهة أخرى عن البعد الديني للجماعة، ويكشف عن معتقدا ا السحرية، ويمنح الرأس مال الاجتماعي والسلطة والهيمنة لمن يقدر على العلاج، ويعيد ترتيب مواقعها و يوز ع، الدوار فيها ويسهم في تحديد مجالات جديدة للمقدس داخل الجسد وفي ا ال وبين الأشياء التي يستعملها الأفراد. إن المتصفح للتراث السو سيو أنثروبولوجي يجد داخل أعمال مؤسسيها حضورًا متميزًا للظاهرة الصحية من خلال دراسة المعتقدات والتمثلات والسلوكات والاستراتيجيات الصحية ذات الطبيعة العلاجية أو الوقائية وعن طريق ولعل هذا ما يمكن أن نلمسه بشكل واضح داخل أبحاث مارسيل موس حول "الجسد والدين والسحر" وأعمال "مالينوفسكي" malinowski وليفي برويل Lévy-Bruhl إذ يعتبران المرض علامة مميزة على البعد البدائي لعقلية بعض الجماعات، التي لم تستطع بعد دخول سلم الإنسانية. لإضافة إلى إيفانز بريتشارد Evans-Pritchard الذي اهتم بمكانة المعالج وأشكال العلاج داخل ا تمع البدائي، إلى جانب سيجورست sigeriste الذي اهتم بخصائص الطب البدائي وأنواع المعالجين داخل الحضارات الإنسانية، الذي ثرت المدرسة الأنثروبولوجية بحاثه حول "الجسد والموت والسحر" مريكا اللاتينية. المفاهيم النظرية للصحة والمرض: مفهوم الصحـة: هناك اتفاق بين المعاجم و الموسوعات على تعريف الصحة، إذ يعرفها معجم لاروس الكبير grand Larousse Universel (1996 " ا حالة فرد ما تقوم عضويته بوظائفها بشكل عادي". أما المعجم الموسوعي 2001) Hachette). يعرف الصحة ا: "حالة أي كائن حي وبشكل خاص الكائن البشري، تكون وظائف أعضائه في حالة انسجام و انتظام إ ا حالة فسيولوجية جيدة". ساهمت المؤسسات والمنظمات العالمية المعنية بظاهرة الصحة في تقديم مفاهيم لها و تي منظمة الصحة العالمية O. M.S في مقدمة تلك المنظمات، حيث عرفت الصحة ا: "حالة الاكتمال الجسمي والعقلي والاجتماعي، وهي لا تعني مجرد الخلو من المرض أو العاهة". ظل هذا التعريف مستعملا كمرجع لأكثر منخمسين سنة لتضيف المنظمة سنة 2000 فكرة أن الصحة هي مجمل الموارد الاجتماعية والشخصية التي تمكن و ذا تكون الصحة ليست الخلو من المرض فحسب بل اكتمال قواه البدنية والنفسية والاجتماعية معا في اللغة العربية يتخذ المرض مفاهيم متعددة فقد ورد في "المصباح المنير للمقري" كلمة مرض بمعنى تعب، والمرض حالة خارجة عن الطبع ضارة لفعل. أمر، ويخرج المقري في مفهومه للمرض بمفهوم شمولي يتجاوز المر ض العضوي إلى المرض السلوكي2. يعتبر المرض من المفاهيم الأكثر شيوعا واستخداما في الحياة اليومية والأكثر تناولا في أدبيات العلوم الإنسانية ، خاصة في علم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا ولهذا تعددت المفاهيم بحسب الجانب الذي يركز عليه كل دراسة أو علم. 1- المفهوم البيولوجي للمرض: للمرض معاني بيولوجية عديدة منها "أنه فقدان للإحساس لتوازن الجسمي والعقلي العادي " وذلك على حد تعبير " تريك" Patrick و "سكامبلر" Scamblerكما نظر إليه "أوبرى" Aubrey على أنه حالة تكيف الجسم مع الظروف الداخلية والخارجية القاسية وغير العادية. عرفه "سنو" Snow نه يحدث من قصور عضو أو أكثر من أعضاء الجسم عند القيام بوظيفته خير قيام .3 أو أكثر من أعضاء الجسم في أداء وظائفها ومما يذكر أن وجهة النظر الطبية – قديما- كانت ترد كل الأمراض إلى الأسباب الفسيولوجية وكان مبحث أسباب المرض في كليهما يرد كل الأمراض إلى هاتين الطائفتين من الأسباب. غير أن تلك النظرة أصبحت مرفوضة بصفة عامة من قبل علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا المعاصرين نظرا لإهمالها الجانب الاجتماعي حيث نجد أن " رسونز" Parsons يرى مشكلة الصحة تمكن أساسا في اللزوميات الوظيفية للنسق الاجتماعي وأن المرض يعتبر خللا وظيفيا في النسق، فغالبا ما يصبحه عجز في القدرة على الأداء للأدواراستخدم مفهوم المرض بطرق مختلفة حيث أنه يشير في أضيق معانيه إلى افتراض طبي ن هناك عمليات مرضية معينة متضمنة في مجموعة أعراض مرضية متزامنة لها أبعادها العلاجية الخاصة ويطبق مفهوم المرض بصفة أعم ليشير إلى الانحرافات الفيزيقية أو السلوكية التي تمثل مشكلات اجتماعية للأفراد أو ا تمع كله يشير "أكركنشت" Ackerknecht أن لكل ثقافة منظورها وتصورها الخاص ا "للمرض"، إلى أبعد من ذلك فذكر أن المرض وعلاجه على الرغم من أ ما عمليتان بيولوجيتان من الناحية ا ردة إلا أن الموضوعية و ذا المعنى نجد أن للمرض مفهوم ثقافي في المرتبة الأولى ويختلف من مجتمع لآخر ومن ثقافة لأخرى وهي الفكرة التي أكدها العديد من العلماء من أمثال Foster الذي ذهب إلى أن الصحة والمرض ظواهر ثقافية مثل ما هي ظواهر بيولوجية وأننا إذا أرد دراسة الممارسات الطبية الموجودة في نطاق ا تمعات التقليدية لابد أن للمرض مفهوم نسبي ذلك لأنه يختلف من ثقافة لأخرى فلكل ثقافة تفسيرا ا ومعتقدا ا الخاصة ا 3- المفهوم الاجتماعي للمرض: إن فهمنا للصحة والمرض لن يكتمل إلا بعد إدراجهما في السياق الاجتماعي والذي يعد بحق الإطار فإذا كانت مهمة الطبيب مثلا – هي فهم كيفية وقوع المرض ومعالجتها وتعزيز الظروف المعيشية التي تقلل من خطرها على صحة السكان- فان هذه المهام تصبح غير ذات فعالية ما لم نراعي أهمية العوامل الاجتماعية والنفسية للأفراد مثلما نراعي العوامل البيولوجية فالتشريح الاجتماعي للمرض المتعلق لعوامل الاجتماعية المساعدة وسلسلة ردود الفعل الاجتماعي وانتشار الوعي وأسلوب التناول الاجتماعي - دراسة وتشخيصا وعلاجا- ذات أهمية في فهم العوامل المختلفة المساعدة على انتشار الأمراض إذ تساعد الظروف الاجتماعية السيئة كالفقر والبطالة والجهل وانخفاض مستوى المعيشة وسوء التغذية والتمزق الاجتماعي والتلوث وغيرها في الإصابة لأمراض، ذلك أن بعض المشكلات الخطيرة التي قد يتعرض لها ا تمع تعرف ا أمراض، ومثال ذلك أن تسميات المرض تطلق أحيا على بعض نماذجالجماعات أو الأشخاص في ا تمع كالمتطرفين دينيا أو سياسيا، وأن المرض في طب السلالات يفهم على انه نتيجة لممارسات اجتماعية معينة تدل على الانحراف و لتالي هذا يؤثر على النظام الاجتماعي عند هذه القبائل ومن ثمة فهناك رد فعل من ا تمع نحو الشخص المريض انطلاقا من رؤية المرض على هذا النحو7. إن افتقاد تعريف محدد وشامل لمفهوم المرض، يثير في بعض الأحيان نوعا من الغموض ومهما يكن من أمر الاختلافات بين الدارسين حول تعريف دقيق للمرض إلا أ م حينما يستخدمون مفهوم المرض فإ م يقصدون الإشارة إلى خصائص بنائية ووظيفية معينة يمكن تجزئتها كما يلي: بيولوجيا: الاختلال في تركيب أو وظائف أعضاء وأجهزة الجسم، ظهور علامات وأعراض مرضية فحوص معملية ومخبريه إيجابية، اضطراب في الأداء الوظيفي واختلال في توازن الجسم مع الشعور لوهن و التعب و الألم. اجتماعيـا: الخروج عن المألوف أو العادي، الانحراف الغير مرغوب فيه العجـز عن الاشتغال في ا تمع والعجز عن الوفاء لالتزامات الاجتماعية المنوطة لفرد. نفسـيا: الشعور لمرض مثل المزاج السيئ والمعنو ت المنخفضة والتعكر والضيق وعدم الارتياح التوتر والقلق والضجر والسعي لطلب المساعدة الطبية ذا يكون قد تم تعريف المرض بيولوجيا وثقافيا واجتماعيا ونفسيا فإذا نظر إلى المرض من خلال هذا المعنى متعدد الأبعاد المقترح للمفهوم، فان التفسير المنطقي للعلاج هو أن نعمل على إعادة التكامل أو التوازن الذي أخل به المرض. ولكي تنجح الأساليب العلاجية فان هذه العملية يجب أن خذ بعين الاعتبار :
- التكامل الوظيفي الفسيولو جي لأعضاء الجسم. - فأي خلل يصيب هذه الجوانب أو أحدها يتسبب في المرض، وإعادة التكيف أو التوازن مما يعني استعادة مفهوم العـوام:
صحتهم، من الأهمية بمكان معرفة كيف يتصور العوام والسيئة، يجب أن لا يقتصر اهتمامنا على المعتقدات بل يجب أن يمتد إلى الممارسات الاجتماعية أي مجمل الاتجاهات والسلوكات التي نلاحظها نتظام في النظام الاجتماعي كالممارسات الوقائية واللجوء إلى العلاج و التعامل مع المرض و العجز. - يرى Grand أنه يمكن أن نستخرج توجهين أو شكلين من أشكال العلاقة مع الصحة فمن جهة هناك "التقليديون" الذين يربطون فهمهم للصحة لعمل على اعتبار أن الجسم عندهم هو وسيلة لكسب العيش والعمل، وهذا النمط من الصحة يمكن اعتباره صحة سلبية La santé négative (أي غياب المرض وسكون الأعضاء) وتنتشر مثل هذه الأفكار بشكل خاص لدى كبار السن وبعض الأصناف من جهة نية نجد المسايرين للعصر Les modernistes وهم الذين يتناولون الصحة من منظور الذين يرون أن الجسم ليس أداة للعمل بل هو وسيلة أو أداة للذة و لذلك يحظى عندهم بكل الاهتمام، الطبقات الاجتماعية الميسورة كالإطارات وأصحاب المستوى التعليمي العالي الذين يتميزون عادة على
يعرف المرض: " نه الحالة التي يحدث فيها خلل أو اضطراب إما في الناحية العضوية أو العقلية أو الاجتماعية للفرد، هنا فان المرض تعبير عن قصور أو عجز في قدرات الإنسان المختلفة سواء الجسمية أو النفسية أو الاجتماعية"12. الثقافة وعلاقتها لصحة والمرض:أكدت الدراسات في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا أن للثقافة دور هام في تحديد الناس لدلالات الصحة والمرض وأساليب التعامل معهما وتدل الكثير من المرجعيات على أنه كلما كانت الثقافة بدائية ومتخلفة كلما كانت أساليب تشخيص المرض وتحديد أسبابه و طرق التعامل معه متخلفة، الأمر الذي ينتج عنه تدني المستوى الصحي لأفراد ا تمع فأساليب الوقاية مرتبطة بثقافة ا تمع من عادات وتقاليد وأعراف وقيم تنتقل من جيل لآخر وتؤثر في سلوك ومواقف واتجاهات الناس في التعامل مع الصحة والمرض، حيث يكون لها انعكاسا ا على الوضع الصحي للفرد والجماعة، وتبرز من خلال الدراسات الأنثروبولوجية للثقافات المختلفة عملية تحديد أسباب المرض وطرق العلاج كمرجعيات للخبرة والتجربة الشعبية بدءا من التداوي لنار إلى السحر والشعوذة إلى التداوي لأعشاب وصولا إلى الطب الأكاديمي المتقدم13. كما يشير "ريس" Risse أن الصحة والمرض مفهومان مرتبطان بموضوعات مثل القيم الثقافية والدينية والبناء الاجتماعي وخاصة في نطاق ا تمعات المحلية والتقليدية وقد ذهب "غلاسير" Glaser إلى أن لكل مجتمع من ا تمعات نظريته الخاصة به وهي بعة من التصورات والأفكار الأساسية التي يكو ا السكان عن الكون والعالم والحياة كما يؤكد الباحث أن اختلاف النظر ت الطبية ختلاف الثقافات والحضارات الإنسانية إلا أن السمة الغالبة على الحضارات الشرقية خاصة الإسلامية والهندية هي ارتباط الممارسات العلاجية فيها لدين14. كما يرى "فوستر" Foster أن الصحة و المرض ظواهر ثقافية مثل ما هي ظواهر بيولوجية وأننا إذا أرد دراسة الممارسات العلاجية الموجودة نطاق ا تمعات التقليدية، لا بد أن ندرسها في إطار الثقافة كما أن الصحة وأساليب التعبير عن الألم لهما مفهوم نسبي يختلف من ثقافة لأخرى فهي التي تحدد للفرد تقييمه و تصوره لحالته أما "رالف لنتون" فيذهب إلى أن المفهوم الثقافي للصحة والمرض مرتبط تمعات التقليدية، أما الأساليب الحديثة فهي تفسره تفسيرا علميا حيث أن ا تمعات التقليدية تتعامل مع المرض كظاهرة إعجازية تعلو على المستوى الطبيعي ويرتبط العلاج لسحر والممارسات السحرية الدينية، وفياختيار أنماط المعالجين حيث يثقون في إمكانيات الطبيب الشعبي و الساحر أكثر من قدرات الطبيب الأكاديمي وذلك لتمسكهم واعتقادهم بفعالية الممارسات العلاجية التقليدية يقـول حسـن غامري: "إن المعتقدات والممارسات الثقافية والاجتماعية تلعب دورا هاما في الجوانب الصحية والاتجاه نحو العلاج وفي تخطيط برامج الرعاية الصحية التي تقدم للجماعات، وأن أية معرفة عن المعايير الثقافية تعزز قدرة المعالجين على فهم مشكلات المريض من خلال موقعهم الثقافي والاجتماعي كما أن أنماط الثقافة لابد وأن تتكامل مع الشبكة المعقدة التي تشمل على المعتقدات والقيم وتشكل جزء من ثقافة ا تمع"15. في نفس السياق يرى "فرانس بواز" أن المرض مرتبط لثقافة بحيث تؤثر على نظرة الجماعة وتصورها له على لدين والانطولوجيا (علم الوجود) لذلك يتفق الناس في ثقافة أو مجتمع معين حول نماذج من الأعراض والعلامات وكذلك مصدرها ومعناها وعلاجها فإن المرض يصبح أمرا شعبيا وية متكررة وانطلاقا من نفس التحليل يرى "لومباردي" أن الصحة والمرض لا يحملان نفس المعنى في كل ا تمعات لأن كل مجتمع يخلق ويضرب لنا مثلا من جنوب إيطاليا أين يعتبر كل شيء يهدد وجود الفرد مرضا16. و ذا فالثقافة توفر إجا ت جاهزة لكثير من مظاهر السلوك الصحي، والأساليب العلاجية والوقائية في الاجتماعية المختلفة. كما نجد أن كل ثقافة من الثقافات تزود أفرادها بنسق من المعرفة لاستعادة الاتساق بين حيث يرى "فريمان" Freeman أن إدراك المريض لمرضه يكون واحدا في نطاق ا تمعات التي تنتمي لنفس النمط الثقافي وذلك على العكس من ا تمعات المنتمية لأنماط ثقافية مختلفة، ويضرب لنا الباحث مثالا على ذلك من خلال دراسته للمستوطنين المكسيكيين في الولا ت المتحدة الأمريكية حيث أكدت نتائج الدراسة أن للسكان مفهوما محددا للمرض وهذا المفهوم مرتبط بنسيج ثقافتهم المحلية، كما أن المرض في نطاق هذه الثقافة يرتبط بمجموعة من المفاهيم الثقافية مثل السحر الأسود والحسد حيث أن هذه المفاهيم تعد من أسباب المرض لديهم ولهذا لا يؤمنون بدور الأطباء الرسميين الغير منتمين لثقافتهم الأصلية نظرا لعدم مقدر م على فهم واستيعاب هذه الظروف والعوامل الثقافية المحيطة بمفهومهم للمرض وأسبابه لذا يلجأهؤلاء السكان للمعالجين الشعبيين بسبب مقدر م لانتمائهم لنفس الثقافة الأصلية، وفي المقابل نجد الأمريكيين ينظرون إليها على أ ا نوع من الخرافات وهكذا نرى أن كل محتوى ثقافي له إدراكه وتصو ره الخاص به عن الصحة يمكن إجمال علاقة الثقافة لصحة والمرض في مجموعة من المعطيات منها:
- تشمل الثقافة مكو ت سلوكية وعادات وتقاليد وقيم وأعراف ذات علاقة لصحة والمرض تنتقل من جيل إلى
- توفر الثقافة إجا ت جاهزة لكثير من مظاهر السلوك الصحي والأساليب العلاجية والوقائية في التعامل مع المرض وحفظ الصحة. - تملي الثقافة طبيعة وكيفية مواجهة متطلبات علاج المرض وتحدد أساليب متعددة منها التخصص المهني
- تعتبر الثقافة إطارا عاما للعلاقات داخل مؤسسات الرعاية الصحية، فكلما كانت الثقافة متقدمة ومتطورة ساعدت على تقدم وتطور هذه المؤسسات. - تلعب الثقافة دورا مهما في نشر الوعي الصحي الوقائي والعلاجي، وعلى سبيل المثال تمنع الثقافة في ليبيا النساء من التدخين لكونه مضر لصحة دون شك، أكد الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجي على الكيفية التي يمكن أن تعمل من خلالها الدراسة الأنثربولوجية للمرض وذلك بتجديد الإشكاليات الأنثربولوجية داخل ا تمع المعاصر. الأمر الذي يراه ممكنًا نظرًا لارتباط المرض بمجموعة من الخصائص الاجتماعية داخل كل ا تمعات الإنسانية ومن ثمَّ فإننا لا يمكن أن نعثر على مجتمع لا يكشف فيه المرض عن أبعاد اجتماعية رغم كونه أكثر الوقائع خصوصية لنسبة للأفراد، وهذا ما يعني الطابع المزدوج للمرض، أو بلغة أقل قوة الطابع المرن للمرض من حيث انتقاله السريع والسلس والدائم بين حقلين رمزيين اثنين؛ حقل الوجود الاجتماعي وما يرتبط به من رموز وطقوس و ويلات وإكراهات، وحقلالوجود الفر دي مع ما يعنيه ذلك من تفاعل وتجسيد وخضوع و ويل للرموز والطقوس والمعتقدات والممنوعات والواجبات.
النص الأصلي
مقدمــــة
شكلت ظاهرتي الصحة و المرض محور اهتمام علماء الاجتماع و الأنثربولوجيا عتبارهما العلمان اللذان
يهتمان بدراسة الأبعاد الثقافية والرمزية في الحضارات الإنسانية فالظاهر ن تشكلان جانبا مهما في النسق
الاجتماعي والثقافي للمجتمع وقد يسهم كل منهما في تقديم نموذ ج مصغر عن جغرافية الرمز داخل الجماعات
الإنسانية، كما يعبر المرض من جهة أخرى عن البعد الديني للجماعة، ويكشف عن معتقدا ا السحرية، ويمنح
الرأس مال الاجتماعي والسلطة والهيمنة لمن يقدر على العلاج، ويعيد ترتيب مواقعها و يوز ع، الدوار فيها ويسهم
في تحديد مجالات جديدة للمقدس داخل الجسد وفي ا ال وبين الأشياء التي يستعملها الأفراد.
إن المتصفح للتراث السو سيو أنثروبولوجي يجد داخل أعمال مؤسسيها حضورًا متميزًا للظاهرة الصحية من خلال
دراسة المعتقدات والتمثلات والسلوكات والاستراتيجيات الصحية ذات الطبيعة العلاجية أو الوقائية وعن طريق
دراسة الجسد وطرق إدراكه وآليات استعماله خاصة داخل ا تمعات البدائية. ولعل هذا ما يمكن أن نلمسه
بشكل واضح داخل أبحاث مارسيل موس حول "الجسد والدين والسحر" وأعمال "مالينوفسكي"
malinowski وليفي برويل Lévy-Bruhl إذ يعتبران المرض علامة مميزة على البعد البدائي لعقلية بعض
الجماعات، التي لم تستطع بعد دخول سلم الإنسانية. لإضافة إلى إيفانز بريتشارد Evans-Pritchard
الذي اهتم بمكانة المعالج وأشكال العلاج داخل ا تمع البدائي، إلى جانب سيجورست sigeriste الذي اهتم
بخصائص الطب البدائي وأنواع المعالجين داخل الحضارات الإنسانية، هذا دون نسيان مارسيل موس Mauss،
الذي ثرت المدرسة الأنثروبولوجية بحاثه حول "الجسد والموت والسحر" مريكا اللاتينية.
المفاهيم النظرية للصحة والمرض:
مفهوم الصحـة:
هناك اتفاق بين المعاجم و الموسوعات على تعريف الصحة، إذ يعرفها معجم لاروس الكبير
Le
(grand Larousse Universel (1996 " ا حالة فرد ما تقوم عضويته بوظائفها بشكل عادي".
أما المعجم الموسوعي 2001) Hachette). يعرف الصحة ا: "حالة أي كائن حي وبشكل خاص الكائن
البشري، تكون وظائف أعضائه في حالة انسجام و انتظام إ ا حالة فسيولوجية جيدة".
ساهمت المؤسسات والمنظمات العالمية المعنية بظاهرة الصحة في تقديم مفاهيم لها و تي منظمة الصحة
العالمية O.M.S في مقدمة تلك المنظمات، حيث عرفت الصحة ا: "حالة الاكتمال الجسمي والعقلي
والاجتماعي، وهي لا تعني مجرد الخلو من المرض أو العاهة". ظل هذا التعريف مستعملا كمرجع لأكثر منخمسين سنة لتضيف المنظمة سنة 2000 فكرة أن الصحة هي مجمل الموارد الاجتماعية والشخصية التي تمكن
الفرد من تحقيق طموحاته و إشباع حاجياته، و ذا تكون الصحة ليست الخلو من المرض فحسب بل اكتمال قواه
.1
البدنية والنفسية والاجتماعية معا
مفاهيم المـرض:
في اللغة العربية يتخذ المرض مفاهيم متعددة فقد ورد في "المصباح المنير للمقري" كلمة مرض بمعنى تعب،
والمرض حالة خارجة عن الطبع ضارة لفعل. والمرض كل ما خرج به الإنسان عن الصحة من علة أو تقصير في
أمر، ويخرج المقري في مفهومه للمرض بمفهوم شمولي يتجاوز المر ض العضوي إلى المرض السلوكي2.
يعتبر المرض من المفاهيم الأكثر شيوعا واستخداما في الحياة اليومية والأكثر تناولا في أدبيات العلوم
الإنسانية ، خاصة في علم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا ولهذا تعددت المفاهيم بحسب الجانب الذي يركز عليه
كل دراسة أو علم.
1- المفهوم البيولوجي للمرض:
للمرض معاني بيولوجية عديدة منها "أنه فقدان للإحساس لتوازن الجسمي والعقلي العادي " وذلك على حد
تعبير " تريك" Patrick و "سكامبلر" Scamblerكما نظر إليه "أوبرى" Aubrey على أنه حالة تكيف
الجسم مع الظروف الداخلية والخارجية القاسية وغير العادية.
عرفه "سنو" Snow نه يحدث من قصور عضو أو أكثر من أعضاء الجسم عند القيام بوظيفته خير قيام
.3
أو أكثر من أعضاء الجسم في أداء وظائفها
ومما يذكر أن وجهة النظر الطبية – قديما- كانت ترد كل الأمراض إلى الأسباب الفسيولوجية وكان مبحث
أسباب المرض في كليهما يرد كل الأمراض إلى هاتين الطائفتين من الأسباب. غير أن تلك النظرة أصبحت
مرفوضة بصفة عامة من قبل علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا المعاصرين نظرا لإهمالها الجانب الاجتماعي حيث نجد
أن " رسونز" Parsons يرى مشكلة الصحة تمكن أساسا في اللزوميات الوظيفية للنسق الاجتماعي وأن المرض
.4
يعتبر خللا وظيفيا في النسق، فغالبا ما يصبحه عجز في القدرة على الأداء للأدواراستخدم مفهوم المرض بطرق مختلفة حيث أنه يشير في أضيق معانيه إلى افتراض طبي ن هناك عمليات
مرضية معينة متضمنة في مجموعة أعراض مرضية متزامنة لها أبعادها العلاجية الخاصة ويطبق مفهوم المرض بصفة
.5
أعم ليشير إلى الانحرافات الفيزيقية أو السلوكية التي تمثل مشكلات اجتماعية للأفراد أو ا تمع كله
2-المفهوم الثقافي للمرض:
يشير "أكركنشت" Ackerknecht أن لكل ثقافة منظورها وتصورها الخاص ا "للمرض"، بل وذهب
إلى أبعد من ذلك فذكر أن المرض وعلاجه على الرغم من أ ما عمليتان بيولوجيتان من الناحية ا ردة إلا أن
بعض الحقائق المرتبطة ما تعتمد على تحديدات ا تمعات والحقائق الاجتماعية أكثر من اعتمادها على الحقائق
الموضوعية و ذا المعنى نجد أن للمرض مفهوم ثقافي في المرتبة الأولى ويختلف من مجتمع لآخر ومن ثقافة لأخرى
وهي الفكرة التي أكدها العديد من العلماء من أمثال Foster الذي ذهب إلى أن الصحة والمرض ظواهر ثقافية
مثل ما هي ظواهر بيولوجية وأننا إذا أرد دراسة الممارسات الطبية الموجودة في نطاق ا تمعات التقليدية لابد أن
.6
تدرسها في إطار الثقافة
للمرض مفهوم نسبي ذلك لأنه يختلف من ثقافة لأخرى فلكل ثقافة تفسيرا ا ومعتقدا ا الخاصة ا
3- المفهوم الاجتماعي للمرض:
إن فهمنا للصحة والمرض لن يكتمل إلا بعد إدراجهما في السياق الاجتماعي والذي يعد بحق الإطار
الأشمل الذي تندرج تحته الصحة والمرض فيضفي عليها الصبغة الاجتماعية. فإذا كانت مهمة الطبيب مثلا – هي
فهم كيفية وقوع المرض ومعالجتها وتعزيز الظروف المعيشية التي تقلل من خطرها على صحة السكان- فان هذه
المهام تصبح غير ذات فعالية ما لم نراعي أهمية العوامل الاجتماعية والنفسية للأفراد مثلما نراعي العوامل البيولوجية
فالتشريح الاجتماعي للمرض المتعلق لعوامل الاجتماعية المساعدة وسلسلة ردود الفعل الاجتماعي وانتشار
الوعي وأسلوب التناول الاجتماعي - دراسة وتشخيصا وعلاجا- ذات أهمية في فهم العوامل المختلفة المساعدة
على انتشار الأمراض إذ تساعد الظروف الاجتماعية السيئة كالفقر والبطالة والجهل وانخفاض مستوى المعيشة
وسوء التغذية والتمزق الاجتماعي والتلوث وغيرها في الإصابة لأمراض، ذلك أن بعض المشكلات الخطيرة التي
قد يتعرض لها ا تمع تعرف ا أمراض، ومثال ذلك أن تسميات المرض تطلق أحيا على بعض نماذجالجماعات أو الأشخاص في ا تمع كالمتطرفين دينيا أو سياسيا، وأن المرض في طب السلالات يفهم على انه
نتيجة لممارسات اجتماعية معينة تدل على الانحراف و لتالي هذا يؤثر على النظام الاجتماعي عند هذه القبائل
ومن ثمة فهناك رد فعل من ا تمع نحو الشخص المريض انطلاقا من رؤية المرض على هذا النحو7.
إن افتقاد تعريف محدد وشامل لمفهوم المرض، يثير في بعض الأحيان نوعا من الغموض ومهما يكن من
أمر الاختلافات بين الدارسين حول تعريف دقيق للمرض إلا أ م حينما يستخدمون مفهوم المرض فإ م يقصدون
الإشارة إلى خصائص بنائية ووظيفية معينة يمكن تجزئتها كما يلي:
بيولوجيا: الاختلال في تركيب أو وظائف أعضاء وأجهزة الجسم، ظهور علامات وأعراض مرضية فحوص معملية
ومخبريه إيجابية، اضطراب في الأداء الوظيفي واختلال في توازن الجسم مع الشعور لوهن و التعب و الألم.
اجتماعيـا: الخروج عن المألوف أو العادي، الانحراف الغير مرغوب فيه العجـز عن الاشتغال في ا تمع والعجز عن
الوفاء لالتزامات الاجتماعية المنوطة لفرد.
نفسـيا: الشعور لمرض مثل المزاج السيئ والمعنو ت المنخفضة والتعكر والضيق وعدم الارتياح التوتر والقلق
.8
والضجر والسعي لطلب المساعدة الطبية
ذا يكون قد تم تعريف المرض بيولوجيا وثقافيا واجتماعيا ونفسيا فإذا نظر إلى المرض من خلال هذا المعنى
متعدد الأبعاد المقترح للمفهوم، فان التفسير المنطقي للعلاج هو أن نعمل على إعادة التكامل أو التوازن الذي
أخل به المرض.
ولكي تنجح الأساليب العلاجية فان هذه العملية يجب أن خذ بعين الاعتبار :
- التكامل الوظيفي الفسيولو جي لأعضاء الجسم.
- الشخصية وطبيعة مشكلات التكيف التي تواجه المريض في مختلف نواحي حياته.
- فأي خلل يصيب هذه الجوانب أو أحدها يتسبب في المرض، وإعادة التكيف أو التوازن مما يعني استعادة
مفهوم العـوام:
صحتهم، وماذا يعنون حينما يتكلمون الصحة الجيدة
من الأهمية بمكان معرفة كيف يتصور العوام
والسيئة، يجب أن لا يقتصر اهتمامنا على المعتقدات بل يجب أن يمتد إلى الممارسات الاجتماعية
Les pratiques Sociales، أي مجمل الاتجاهات والسلوكات التي نلاحظها نتظام في النظام
الاجتماعي كالممارسات الوقائية واللجوء إلى العلاج و التعامل مع المرض و العجز.
يرى Grand أنه يمكن أن نستخرج توجهين أو شكلين من أشكال العلاقة مع الصحة فمن جهة
هناك "التقليديون" الذين يربطون فهمهم للصحة لعمل على اعتبار أن الجسم عندهم هو وسيلة لكسب
العيش والعمل، وهذا النمط من الصحة يمكن اعتباره صحة سلبية La santé négative (أي غياب
المرض وسكون الأعضاء) وتنتشر مثل هذه الأفكار بشكل خاص لدى كبار السن وبعض الأصناف
الاجتماعية كالفلاحين والتجار والمهنيين الذين يتميزون على المستوى العلمي بضعف مجهودهم الوقائي
واللجوء المتأخر للنظام العلاجي وكذلك التركيز على فكرة الصبر والتحمل10.
من جهة نية نجد المسايرين للعصر Les modernistes وهم الذين يتناولون الصحة من منظور
الذين يرون أن الجسم ليس أداة للعمل بل هو وسيلة أو أداة للذة و لذلك يحظى عندهم بكل الاهتمام،
هذا النمط من الصحة يمكن اعتباره صحة إيجابية La santé positive. وتنتشر هذه االأفكار لدى
الطبقات الاجتماعية الميسورة كالإطارات وأصحاب المستوى التعليمي العالي الذين يتميزون عادة على
المستوى الممارسة تجاهات إيجابية نحو الوقاية واللجوء المبكر للنظام الصحي العلاجي11.
يعرف المرض: " نه الحالة التي يحدث فيها خلل أو اضطراب إما في الناحية العضوية أو العقلية أو
الاجتماعية للفرد، ومن شأنه إعاقة قدرة الفرد على مواجهة أقل الحاجات اللازمة لأداء وظيفة مناسبة، ومن
هنا فان المرض تعبير عن قصور أو عجز في قدرات الإنسان المختلفة سواء الجسمية أو النفسية أو
الاجتماعية"12.
الثقافة وعلاقتها لصحة والمرض:أكدت الدراسات في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا أن للثقافة دور هام في تحديد الناس لدلالات الصحة
والمرض وأساليب التعامل معهما وتدل الكثير من المرجعيات على أنه كلما كانت الثقافة بدائية ومتخلفة كلما
كانت أساليب تشخيص المرض وتحديد أسبابه و طرق التعامل معه متخلفة، الأمر الذي ينتج عنه تدني المستوى
الصحي لأفراد ا تمع فأساليب الوقاية مرتبطة بثقافة ا تمع من عادات وتقاليد وأعراف وقيم تنتقل من جيل
لآخر وتؤثر في سلوك ومواقف واتجاهات الناس في التعامل مع الصحة والمرض، حيث يكون لها انعكاسا ا على
الوضع الصحي للفرد والجماعة، وتبرز من خلال الدراسات الأنثروبولوجية للثقافات المختلفة عملية تحديد أسباب
المرض وطرق العلاج كمرجعيات للخبرة والتجربة الشعبية بدءا من التداوي لنار إلى السحر والشعوذة إلى
التداوي لأعشاب وصولا إلى الطب الأكاديمي المتقدم13.
كما يشير "ريس" Risse أن الصحة والمرض مفهومان مرتبطان بموضوعات مثل القيم الثقافية والدينية
والبناء الاجتماعي وخاصة في نطاق ا تمعات المحلية والتقليدية وقد ذهب "غلاسير" Glaser إلى أن لكل
مجتمع من ا تمعات نظريته الخاصة به وهي بعة من التصورات والأفكار الأساسية التي يكو ا السكان عن
الكون والعالم والحياة كما يؤكد الباحث أن اختلاف النظر ت الطبية ختلاف الثقافات والحضارات الإنسانية إلا
أن السمة الغالبة على الحضارات الشرقية خاصة الإسلامية والهندية هي ارتباط الممارسات العلاجية فيها
لدين14.
كما يرى "فوستر" Foster أن الصحة و المرض ظواهر ثقافية مثل ما هي ظواهر بيولوجية وأننا إذا أرد
دراسة الممارسات العلاجية الموجودة نطاق ا تمعات التقليدية، لا بد أن ندرسها في إطار الثقافة كما أن الصحة
وأساليب التعبير عن الألم لهما مفهوم نسبي يختلف من ثقافة لأخرى فهي التي تحدد للفرد تقييمه و تصوره لحالته
المرضية وردود أفعاله وأساليب علاجه، أما "رالف لنتون" فيذهب إلى أن المفهوم الثقافي للصحة والمرض مرتبط
تمعات التقليدية، أما الأساليب الحديثة فهي تفسره تفسيرا علميا حيث أن ا تمعات التقليدية تتعامل مع
المرض كظاهرة إعجازية تعلو على المستوى الطبيعي ويرتبط العلاج لسحر والممارسات السحرية الدينية، وفياختيار أنماط المعالجين حيث يثقون في إمكانيات الطبيب الشعبي و الساحر أكثر من قدرات الطبيب الأكاديمي
وذلك لتمسكهم واعتقادهم بفعالية الممارسات العلاجية التقليدية يقـول حسـن غامري: "إن المعتقدات
والممارسات الثقافية والاجتماعية تلعب دورا هاما في الجوانب الصحية والاتجاه نحو العلاج وفي تخطيط برامج
الرعاية الصحية التي تقدم للجماعات، وأن أية معرفة عن المعايير الثقافية تعزز قدرة المعالجين على فهم مشكلات
المريض من خلال موقعهم الثقافي والاجتماعي كما أن أنماط الثقافة لابد وأن تتكامل مع الشبكة المعقدة التي
تشمل على المعتقدات والقيم وتشكل جزء من ثقافة ا تمع"15.
في نفس السياق يرى "فرانس بواز" أن المرض مرتبط لثقافة بحيث تؤثر على نظرة الجماعة وتصورها له على
ضوء معتقدا ا عن الكون والحياة وهي موجودة في بعض الحضارات التي ترتبط نظرة أفرادها للصحة والمرض
لدين والانطولوجيا (علم الوجود) لذلك يتفق الناس في ثقافة أو مجتمع معين حول نماذج من الأعراض
والعلامات وكذلك مصدرها ومعناها وعلاجها فإن المرض يصبح أمرا شعبيا وية متكررة وانطلاقا من نفس
التحليل يرى "لومباردي" أن الصحة والمرض لا يحملان نفس المعنى في كل ا تمعات لأن كل مجتمع يخلق
مرضاه، ويضرب لنا مثلا من جنوب إيطاليا أين يعتبر كل شيء يهدد وجود الفرد مرضا16.
و ذا فالثقافة توفر إجا ت جاهزة لكثير من مظاهر السلوك الصحي، والأساليب العلاجية والوقائية في
التعامل مع المرض وحفظ الصحة، كما تؤثر بشكل إيجابي في نشر الوعي الصحي الوقائي والعلاجي في الأوساط
الاجتماعية المختلفة. كما نجد أن كل ثقافة من الثقافات تزود أفرادها بنسق من المعرفة لاستعادة الاتساق بين
الإنسان ورغباته في الشفـاء ومن ثم تتباين الممـارسات وتختلف من ثقافة لأخـرى من أجل استعـادة التـوازن الفيزيقي
والسيكولوجي للإنسان، حيث يرى "فريمان" Freeman أن إدراك المريض لمرضه يكون واحدا في نطاق
ا تمعات التي تنتمي لنفس النمط الثقافي وذلك على العكس من ا تمعات المنتمية لأنماط ثقافية مختلفة،
ويضرب لنا الباحث مثالا على ذلك من خلال دراسته للمستوطنين المكسيكيين في الولا ت المتحدة الأمريكية
حيث أكدت نتائج الدراسة أن للسكان مفهوما محددا للمرض وهذا المفهوم مرتبط بنسيج ثقافتهم المحلية، كما أن
المرض في نطاق هذه الثقافة يرتبط بمجموعة من المفاهيم الثقافية مثل السحر الأسود والحسد حيث أن هذه
المفاهيم تعد من أسباب المرض لديهم ولهذا لا يؤمنون بدور الأطباء الرسميين الغير منتمين لثقافتهم الأصلية نظرا
لعدم مقدر م على فهم واستيعاب هذه الظروف والعوامل الثقافية المحيطة بمفهومهم للمرض وأسبابه لذا يلجأهؤلاء السكان للمعالجين الشعبيين بسبب مقدر م لانتمائهم لنفس الثقافة الأصلية، وفي المقابل نجد الأمريكيين
ينظرون إليها على أ ا نوع من الخرافات وهكذا نرى أن كل محتوى ثقافي له إدراكه وتصو ره الخاص به عن الصحة
والمرض ويختلف عن محتو ت ثقافة أخرى17.
يمكن إجمال علاقة الثقافة لصحة والمرض في مجموعة من المعطيات منها:
- تشمل الثقافة مكو ت سلوكية وعادات وتقاليد وقيم وأعراف ذات علاقة لصحة والمرض تنتقل من جيل إلى
جيل وتؤثر في سلوك ومواقف واتجاهات الناس حول الصحة والمرض. - توفر الثقافة إجا ت جاهزة لكثير من مظاهر السلوك الصحي والأساليب العلاجية والوقائية في التعامل مع
المرض وحفظ الصحة. - تملي الثقافة طبيعة وكيفية مواجهة متطلبات علاج المرض وتحدد أساليب متعددة منها التخصص المهني
والضماني أو التأميني ذي الطبيعة الاجتماعية. - تعتبر الثقافة إطارا عاما للعلاقات داخل مؤسسات الرعاية الصحية، فكلما كانت الثقافة متقدمة ومتطورة
ساعدت على تقدم وتطور هذه المؤسسات. - تلعب الثقافة دورا مهما في نشر الوعي الصحي الوقائي والعلاجي، وعلى سبيل المثال تمنع الثقافة في ليبيا
.18
النساء من التدخين لكونه مضر لصحة دون شك، ولأنه أيضا ينظر إليه نه انحرافا عن أخلاقيات ا تمع
من أنثروبولوجيا الطب إلى أنثروبولوجيا المرض
أكد الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجي على الكيفية التي يمكن أن تعمل من خلالها الدراسة
الأنثربولوجية للمرض وذلك بتجديد الإشكاليات الأنثربولوجية داخل ا تمع المعاصر. الأمر الذي يراه ممكنًا نظرًا
لارتباط المرض بمجموعة من الخصائص الاجتماعية داخل كل ا تمعات الإنسانية ومن ثمَّ فإننا لا يمكن أن نعثر
على مجتمع لا يكشف فيه المرض عن أبعاد اجتماعية رغم كونه أكثر الوقائع خصوصية لنسبة للأفراد، وهذا ما
يعني الطابع المزدوج للمرض، أو بلغة أقل قوة الطابع المرن للمرض من حيث انتقاله السريع والسلس والدائم بين
حقلين رمزيين اثنين؛ حقل الوجود الاجتماعي وما يرتبط به من رموز وطقوس و ويلات وإكراهات، وحقلالوجود الفر دي مع ما يعنيه ذلك من تفاعل وتجسيد وخضوع و ويل للرموز والطقوس والمعتقدات والممنوعات
والواجبات... إلخ.
تتجه الأنثروبولوجيا المعاصرة نحو بناء مقاربة جديدة للمرض، تقوم أساسًا على دراسة الدور الذي يلعبه
ويل المرض والحزن داخل الحياة الاجتماعية وموقعه في الصراعات الاجتماعية التي تتلو الخلل البيولوجي
Désordre biologique، من حيث ارتباطه بمواقع القوة والهيمنة والمشروعية والشرعية داخل النظام
الاجتماعي الذي يظهر داخله.
تبدو أولى معالم المقاربة الأنثربولوجية وموقعها داخل دائرة العلوم الإنسانية المعاصرة، حيث لم تعد تتخذ
كوظيفة لها تصنيف الشعوب والثقافات البدائية والمقارنة بينها، كما أ ا لم تبقى سجينة لتصور عتيق يعتبر أن
"تحليل السلوك الاجتماعي في مختلف أشكاله المؤسساتية مثل الأسرة والأنساق القرابية والتنظيم السياسي
وأنماط الفعل الشرعي والعبادات الدينية والعلاقات الموجودة بين مختلف هذه المؤسسات"[6] هو الغاية
الأولى من وجود الأنثربولوجيا. إذ الأمر يفترض إعادة تعريف للأنتربولوجيا وموضوعها[8]، ويصبح ذلك ممكنا
من خلال الاستعاضة عن المفاهيم التطورية مثل "ا تمع المتوحش، ا تمع البدائي، العقلية السحرية،... إلخ"،
خرى جديدة مثل مفهوم الآخر autre أو الغيرية altérité، وإعادة تعريف مفاهيم أخرى مركزية داخل
التحليل الأنتربولوجي مثل الثقافة، الدين، الإيديولوجيا السلطة،... وهي جلها مفاهيم يستعملها الأنثروبولوجي
لحظة دراسته للمرض.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أدى اهتمام الأنثروبولوجيا لظاهرة المرضية إلى إعادة الاعتبار لمفهوم التأويل
الذي سبق أن استعمله مالينوفسكي B. Malinowski "ديناميات التطور الثقافي" حين اعتبر لحظة حديثه
عن موقع الأنثربولوجيا داخل ا تمع المعاصر أن "واجب الأنثر و بولوجي هو التأويل الصحيح والمخلص للبدائي
9]"indigène]، أي التأويل الذي يقدمه الأفراد للجسد والمؤسسات الاجتماعية التي تحتضنه، والرموز التي
تقدمه، والطقوس التي تحميه، وأشكال الصراع أو التضامن التي ينتجها. أو التأويل الذي يحمله البدائي عن
الظواهر الثقافية والاجتماعية عموما، حتى يسهل على الأنثر و بولوجي معرفة الحاجات الحقيقية لهذه ا تمعات.
ومن العناصر الثقافية التي تدخل في تفسير أسباب المرض وتبرر للأفراد أساليب علاجهم يمكن إجمالها فيما يلي:
المعتقدات الاجتماعيالمعتقدات هي كل ما تركته وخلفته المورو ت الثقافية من أفكار وعادات ومعتقدات، استمرت مع استمرار ا تمع
و التي شكلت نمط حياة الأفراد وذلك في صورة اعتناق تلك المعتقدات والحرص على ممارسة طقوسها19.
أكد العالم الأنثروبولوجي "كليفورد جيرتز" في تفسيره لمفهوم المعتقدات أ ا جزء من الثقافة التقليدية وعليه
فهي جزء من التراث الثقافي. وعلى الرغم من أن اهتمامه قد انصب على ما أطلق عليه الاعتقاد في الأرواح
وكيف أن عالم الأرواح يعد من أكثر ما تحتويه المعتقدات، ففي دراسته تمع "Java " ندونيسيا بين كيف أن
الموروث الثقافي يلعب دورا هاما فيما يتعلق التراث الثقافي الخاص لطب الشعبي من خلال اللجوء إلى المعالجين
الروحانيين والمطببين وذلك عند المرور زمة صحية بدنية أم نفسية ويلعب الاعتقاد في هؤلاء الأشخاص
وممار سا م دورا إيحائيا في عملية الاستجابة والشفاء، ويمكن الاستدلال على معنى المعتقدات من خلال التفسيرات
التي أوردها "جيرتز" إن المعتقدات تعد من الأمور الفردية إذ تعتمد على الرؤية الذاتية للشخص فيما يدور حوله
ويقوم من وجهة نظره الخاصة بتفسير تلك الأمور المرتبطة في عموميتها بحياته ونظرا لاعتماد المعتقدات على الرؤية
الشخصية فلا يمكن إخضاعها للتفسير أو المشاهدة الجماعية20.
تعد المعتقدات الشعبية من أهم ما تحتوي عليه الثقافة التقليدية، وعليه فقد نشأ الارتباط فيما بين الثقافة
والمعتقدات من خلال ما خلفته الثقافة من إرث يحرص أعضاء ا تمع على تطبيق قواعده و طقوسه فتصبح
تلك المعتقدات الشعبية في كثير من الأحيان أسلو أو طريقة في الحياة21.
يرتبط تفسير الصحة والمرض لدى كثير من ا تمعات سباب أو كائنات ميتافيزيقية أو ميثولوجية تملأ الخيال
الشعبي لخوف والرهبة منها، وهي مخلوقات مخيفة تجعل الناس يشعرون ن صحتهم بل وحيا م مستهدفة و هم
غير مسؤولين عن ذلك.
"الجــن" وهم كائنات خفية تعيش في محيط الإنسان ،تعيش وتموت مثل الإنسان الذين قد يعزى لهم الألم أو
المرض من ذلك (المرض العقلي والشلل والتشنجات ونو ت الصرع والآلام الروماتيزمية والجنون) كما تسبب
أمراض أخرى (كالكوليرا والجذري وحتى الموت) ويقسمون إلى أصناف أربعة جن الأرض وجن الماء وجن النار
وجن الريح، ولذلك عندما يسكن الشخص منزل جديد يجب أن يقدم حليب لسكر وحناء في الغرفة الرئيسية
للبيت في الليلة الأولى من السكن لطمأنتهم والعيش معهم بسلام، ويحدد "كريم نعموني" أربعة أنواع من المرضأو الأذى يتسبب فيه الجن كأن يتعرض الشخص للضرب أي (مضروب) أو المس بمعنى أن يقيم أو يسكن الجن
داخل جسم الإنسان المريض فيصبح (مسكون) أو أن يكون ملكا للجن فيصبح (مملوك) أو أن يلبسه أي
يلازمه الجن دائما فيصبح (ملبوس)، وفي هذه الحالة لا يجب أخذ المريض للطبيب لأن الجن عنيف ويمكن له قتل
الشخص المملوك22.
هناك اعتقاد في كائن خفي آخر يطلق عليه اسم "أم الصبيان"، أو "التابعة" وهي كائن يصيب المواليد
الجدد لمرض أو يقتلهم يقول إدموند دوتيه :"إن المعتقد الشعبي يقول أن نبي الله سليمان سألها من تكون
فأجابت ا أم الصبيان تسيطر على أبناء آدم وحواء أدخل المنازل...أربط رحم النساء فأصيبهن لعقم أفني
الأطفال دون أن يعرفني أحد"، يرى الباحث أن لها عدة أسماء "الشهاقة"، "أم الليل" "الفرخة"، فالطقس كما
يرى دوتيه يميل إلى شخصنة الشيطان أو الجن ذاته ليحمل فيما بعد كافة المصائب فالتابعة تتسبب في تعثر الحظ
وكثرة المصائب والفشل المتكرر ويعتقد أ ا من عمل السحرة والبعض الآخر ينسبها إلى الجن والتابعة تصيب المرء
في صحته وممتلكاته وخصوبته وتحكم على الشباب لعزوبية وتعثر الحظ وكثرة المصائب و الفشل المتكرر23.
كما يعتقد الناس في "العين أو الحسد"، يقول القسطلاني:(( عندما ينظر المعيان بحسد إلى رجل أو شيء
فإنه يلحق به ضررا وكأن عينه تنزل على ما ترى مادة لا نراها كالسم الذي يخرج من فم الأفعى))24. فالاعتقاد
الشعبي في المغرب العربي يتوافق مع هذا الرأي إذ يسمى الشخص معيان والضحية المتعين، كما يعتقد البعض من
الناس أن العين الضارة ليست كعضو وإنما تعبير عن رغبة داخلية سيئة كالغيرة والحسد ثر في الشخص السوي أو
الذي يدعى أمام الغير أنه بصحة جيدة والعين تصيب كما يرى "فان جينيب" كل من يمر بطقس من طقوس
العبور أو المرور (ولادة - ختان- زواج) والناس يخشون العين بشدة وتتمظهر العين في حركة أو كلمة أو سلوك
تجاه الآخر ولإزالة التهديد المتواصل للإصابة لعين لذلك يحتمي ا تمع بتجنب أو ميش الشخص عتباره
مصدر ألميعتقد الناس كذلك في شيء فوق طبيعي وهو "المكتوب"، حيث يشير عادة في أذهان الناس إلى شيء لا
يمكن التحكم فيه شيء يوجه حيا م أو قوة لا يمكن الإفلات من قبضتها فالإنسان مهما بلغت درجة حذره لا
يمكنه إلا أن يكون خاضعا قابلا صابرا على ما يصيبه لذلك يعتقد الغالبية من الناس أن المرض ظاهرة عادية لا
مفر منها واستقباله عتباره قضاء وقدر من الله، فالمرض جاء نتيجة ارتكاب الشخص لذنوب أو خرق محرمات،
والفكرة التي ترى أن الله يعاقب المذنبين منتشرة بقوة لدى الناس ولذلك نجد أن المرض تج عن اختلال العلاقة
بين الإنسان و الله، و في الحديث النبوي الشريف: "إذا أذنب المؤمن و لم يكن هناك وسيلة لتطهيره سلط الله
عليه المعا ة والمصائب"26.
كما يعتقد الناس فيما يسمى بـ "دعـوة الشر"، وهي دعاء إلى الله قصد تسليط العقوبة على شخص ما،
قد يكون مصدرها الوالدين أو أي شخص آخر فهي مصدر آخر للألم لذلك فهي مهابة جدا في ا تمع الجزائري
ذلك أ ا قد يستمر ثيرها طول العمر وقد تلحق لذرية، أي الأبناء والأحفاد، وقد تصيب المرء في صحته وغير
ذلك، ومن الدعوات المعروفة (الله يعطيك لعمى، الله يجيبلك ضربة، الله لا تربحك...) ويلاحظ أن في كل تلك
الدعوات يتم الاستعانة لتنفيذ العقاب27.
مما يعتقد الناس أنه سبب في آلامهم وأمراضهم "السحـر"، يقول عنه "إيفانز بريتشارد": "هو الاستخدام
المقصود للسحر الشرير لإلحاق الأضرار لآخرين، وتتضمن هذه الممارسة استخدام مواد
و طقوس و كلمات
لتحقيق أهداف معينة"28.
يرتكز السحرة عموما على مبدأ استعمال ما هو نجس أو مكروه ومخالفة المألوف من السلوكات اليومية للناس،
ويستعملون في طقوسهم عناصر حيوانية كالبوم والضفدع والغراب والحر ء والأفعى وعناصر نباتية كنبات الدفلة
والحناء والبخور والجاوي واللبان وغيرها إضافة إلى بعض المعادن والصخور كالكبريت والشب والحجرة الزرقاء
والكحل إضافة إلى العناصر البشرية كالكفن المعد للميت، الماء الذي يغسل به، تراب القبر، دم المقتول غدرا أو
في حادث، الكسكسى المفتول بيد الميت ويهدف الساحر من وراء استخدام ما له علاقة لموت إلى نقل صفات
الميت إلى الشخص الحي بحيث تطغى عليه صفات السكون والبرودة والتهميش فيصبح خاضعا مستكينا وبذلك
قد يكون للمرض عموما معنى ديني لذلك يلجأ الناس إلى التفسير لقوى الإلهية وهي من المسلمات الدائمة لدىامة الناس، وقد يكون له معنى سحري ذلك أن المحيط الاجتماعي مليء لأرواح والكائنات غير المرئية وكثيرا ما
يفسر الألم أو المرض على أنه نتيجة الغيرة أو أهداف دنيئة دبرها الآخرون مثل العين أو السحر. وفي كلا الحالتين
فالمرض ينجم عن عناصر خارجية29.
إن كثيرا من معتقدات الشعوب تقوم على الإيمان بوجود "أرواح شريرة خفية" تملأ بوجودها العالم وأن لها
قوى خارقة و ثيرات غامضة على الحياة الاجتماعية، ولهذا فقد أبدعت لها تلك ا تمعات معتقدات دينية
وطقوس قصد الاحتماء منها ودفع ضررها ومن الحالات المرضية التي قد تسببها الأرواح الشريرة الضعف العقلي
والجنون والصرع والهوس والكآبة، وتستخدم تلك ا تمعات طرق للخلاص منها عن طريق تسليط كل أشكال
العقاب المادي على الجسد كالكي وغرز الإبر وقلع الأسنان وغلق الآذان وربط اللسان والبطن والضرب المبرح
وا هود الجسمي العنيف حتى يعرق الجسم عرقا شديدا، وحمل الطلاسم والتمائم والحيوا ت داخل جيوب
ملابسهم اعتقادا منهم أن لكل ذلك قوى ثيرية على الأرواح الشريرة التي دد صحتهم و حيا م واستعمالها
يريح الفرد والجماعة من تلك القوى الشريرة، و ذا يمكن أن يكون للمرض لدى بعض ا تمعات معنى ديني، مما
يفسر لجوء الناس إلى التفسير لإرادة الإلهية وهي من المسلمات الدائمة لدى عامة الناس، وقد يكون له معنى
سحري، ذلك أن المحيط الاجتماعي مليء لأرواح والكائنات غير المرئية وكثيرا ما يفسر الألم أو المرض على أنه
نتيجة الغيرة أو أهداف دنيئة دبرها الآخرون مثل العين أو السحر وفي كلا الحالتين فالمرض ينجم عن عناصر
خارجية فعلية أو رمزية وربما هذا ما يؤيد النظرية الوظيفية "لمالينوفسكي" التي ترى في سر استمرار هذا النوع من
التفسيرات الاجتماعية هو قيامها بوظيفة تنفع الجماعة30.
وعليه يمكن القول أن الأنماط التفسيرية للمرض قد نشأت من تلاحم المعتقدات الثقافية العامة والخصوصية أو
الفردية.
الممارسات العلاجية:
يحتل مفهوم العلاج داخل التفكير الأنثربولوجي في المرض مكانة مهمة، حيث أن فهم المرض كظاهرة
رمزية واجتماعية، لا يقوم إلا على فهم استراتيجيات وآليات العلاج التي يختارها الأفراد والجماعات أو التي تفرضعليهم في تدبير وتشخيص هذا العجز أو الخلل. إن الأمر المهم في هذا الجانب، أي جانب تشخيص المرض
وعلاجه، يتجسد في مفهوم النجاعة أو الفعالية Eficacité بما هي نجاعة طبية واجتماعية في نفس الوقت.
يتجه فوستر foster إلى التمييز بين شكلين من الأنساق الطبية، تشخيصية Personalistic وطبيعية
Naturalistic، فأما الأول فيظهر المرض داخلها كفعل محرر أو محدد لفاعل بشري أو غير إنساني "روح،
جد، الله" أما الطبيعي فيعتبر أن المرض نتيجة لتأثير قوى أو عناصر طبيعية مثل البرودة، السخونة، الرطوبة، ويحتل
داخله مفهوم التوازن بين الجواهر والأمزجة والقيم دورًا محددًا في التعريف لصحة والتعرف على المرض.
إن آليات تشخيص المرض وتقنياته تتدخل وبشكل أساسي داخل دورها في تحديد طبيعة العلاج الذي يجب أن
يكون "فعالاً وإيجابيًا، قادرًا على دفع المعتدي وطرد الشرِّ والمسؤول عن الشرِّ إلى الخارج"
فإذا كانت الثقافة بعادها المختلفة تكرس التقليدي وتشجيع الاحتكام إلى ممارسات الأوائل تماشيا مع
المثل القائل: "اسأل ا رب ولا تسأل الطبيـب"، هذا الطرح يعطي الأولوية إلى الشيخ المعالج "العشاب"
"الطالب" و"الساحر" وكل المشتغلين في الحقل الطبي الشعبي حق معالجة المرض لكي أو بكتابة الحجاب أو
تباع نظام طبيعي أو ديني أو سحري يصفها المعالج، إ ا الصور الأولى التي يستقيها الفرد من وسطه الاجتماعي،
ابتداء من أسرته التي قد تكون المحفز الأول لشحن الفرد لمعتقدات الشعبية للتعامل مع قضا الصحة والمرض.
هذا ما تعكسه الكثير من الدراسات والأبحاث التي تناولت الصحة في سياق التنظيم الاجتماعي السائد والقيم
التي تبطنه والنسيج العلائقي الذي يحكمه. وهذا بطبيعة الحال لربط المعتقدات الاجتماعية عن الصحة والمرض
ببناء العلاقات الاجتماعية في أي جماعة أو مجتمع محلي والمعتقدات السائدة في هذه المواجهات له ضوابطه. كل
هذه العوامل تطرح وبصورة جدية النقاش الدائر حول الإنسان الحائر بين العلم والخرافة، إ ا في الواقع ظاهرة غربية
متوارثة في العقول من قديم الزمان. ومن طبيعة الناس أ ا تبلغ في تعظيم الخوارق وتؤكد صحتها بل تذهب إلى
وصف معجزات الوسطاء الروحانيين إلى حد التقديس ومن أجل هذا لجأ الناس منذ القدم إلى "السحرة"
و"الكهان" و"العرافين" و"الشيوخ" وأحاطوهم الة كبيرة من الوقار والثقة والاعتزاز ووصفهم. بما قد لا يكون
فيهم إ ا المفارقة الغربية التي يعيشها الإنسان في تعامله مع الصحة والمرض مفارقة التقليد في مقابل الحداثة
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...
درك الإمام أن ط...درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...
2 - بداية عصر ا...2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...
بالقرب من مدينة...بالقرب من مدينة أور الأثرية. كان من المقرر أن يمتد موسم التنقيب لهذا العام من منتصف شهر سبتمبر/أيلول...
This is my Engl...This is my English timetable. I have three English classes every week. My classes are on Sunday, Tue...
ينتسب المعنيون ...ينتسب المعنيون الى الأمير معن بن ايوب الملقب بابي ربيعة، وهم عرب يمنيون نزحوا من شمالي بلاد الشام وم...
زار وفد شركة «م...زار وفد شركة «موف وان» (Move One) العالمية للخدمات اللوجستية، البريطانية الأمريكية، برئاسة السيد جيس...
ابتدأت السورة ا...ابتدأت السورة الكريمة بالقسم بالسماء ذللك كواكب التي تطلع ليلا لتضيئ سبلهم ساقت الإدارة البراهين عل...
المبحث الثاني: ...المبحث الثاني: الفرق بين التطور الاقتصادي والنمو الاقتصادي النمو الاقتصادي هو الزيادة في الناتج أو ا...
يُعدّ التحدي ال...يُعدّ التحدي الأكبر الذي واجهته خلال النصف الأول من فترة التدريس الميداني هو العمل على تصميم بيئة صف...
نشأة المدرسة ال...نشأة المدرسة التقليدية في علم الآثار الجذور (القرنان 15–18): بدأت باهتمام أوروبا في عصر النهضة بالآث...
1. باب التاسيس ...1. باب التاسيس التشريعي:- الاحتياج التشريعي لتطوير القائم حتميا ، فقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم...