لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (7%)
١٤٤ ۲) ومرموقاً : والرمق المعيشة التي يسد بها الرمق والمراد أنه سبحانه صير بعض الناس يرتع في وقال محمود والثاني ما يصلح به حال كل واحد من أهلها فهما شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه لأن من صلحت حاله مع فساد الدنيا واختلال أمورها لن يعدم أن يتعدى إليه فسادها ويقدح فيه اختلالها لأنه منها يستمد ولها يستعد ومن فسدت حاله مع صلاح الدنيا وانتظام أمورها لم يجد لصلاحها لذة ولا لاستقامتها أثراً لأن الإنسان دنيا نفسه فليس يرى الصلاح إلا إذا صلحت له ولا يجد الفساد إلا إذا فسدت عليه لأن نفسه أخص وحاله أمس الدنيا كان إسعادها مكراً وإعراضها غدراً لأنها إذا منحت كدت وأتعبت وإذا استردت استأصلت (۲) وأجحفت (۳) ومع هذا فصلاح الدنيا مصلح لسائر أهلها لوفور أماناتهم وظهور دياناتهم وفسادها مفسد لسائر أهلها لقلة أماناتهم وضعف دياناتهم وقد وجد ذلك في مشاهد الحال تجربة وعرفاً كما يقتضيه دليل الحال تعليلا وكشفاً فلا شيء أنفع من صلاحها كما لا شيء أخر من فسادها لأن ما تقوى به ديانات الناس وتتوفر أماناتهم فلا شيء أحق به نفعاً كما أن ما به تضعف دياناتهم وتذهب أماناتهم فلا شيء أجدر به ضرراً ۱) وأودعت أي صيرت ذادعة وراحة . ۳) وأجحفت : ذهبت بجميعه، ١٤٧ ۱) وهيه أثر الوهاية الشق والضعف يقال: وهي السقاء إذا استرخى رباطه، وقد قال الله تعالى : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً وفي قوله ۲) النصفة : العدالة. وروى عبد الرحمن بن محمد قال: أصدق طلحة ابن عبيد الله أم كلثوم بنت أبي بكر مائة ألف درهم وهو أول من أصدق هذا القدر فمر بالمال على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هذا قالوا : صداق أم كلثوم ابنة أبي بكر فقال : أدخلوه بيت المال فأخبر بذلك طلحة وقيل له : كلمه في ذلك فقال: ما أنا بفاعل لئن كان عمر يرى فيه حقاً لا يرده لكلامي وإن كان لا يرى فيه حقاً ليردنه قال : فلما أصبح عمر أمر بالمال وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور لأنه ليس يقف على حد ولا ينتهي إلى غاية ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير فإن التجاوز فيها جور والتقصير فيها ظلم ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم ومن جار (٤) عليها فهو على غيره أجور. فإن إخلاص الطاعة أجمع (1) المشمل وبذل النصرة أدفع للوهن (۲) وصدق الولاء أنفى لسوء الظن وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء تسلط عليه من كان يدفع عنه واضطر إلى اتقاء من كان يقيه كما قال البحتري : (٤) ونصح الأمة : أي بالاخلاص لهم باستواء السريرة والعلانية . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله وقال بعض الشعراء : ما دمت حيا فدار الناس كلهم فإنما أنت في دار المداراة من يدر داري ومن لم يدر سوف يرى عما قليل نديماً للندامات
النص الأصلي
١٤٣/٣٦٧
باب أدب الدنيا
إعلم أن الله تعالى لنافذ قدرته وبالغ حكمته خلق الخلق بتدبيره وفطرهم بتقديره فكان من لطيف ما دبر وبديع ما قدر أن خلقهم محتاجين وفطرهم عاجزين ليكون بالغنى منفرداً وبالقدرة مختصاً حتى يشعرنا بقدرته أنه خالق ويعلمنا بغناه أنه رازق فنذ عن (۱) بطاعته رغبة ورهبة ونقر بنقصنا عجزاً وحاجة ثم جعل الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه من جنسه والانسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه واستعانته صفة لازمة لطبعه وخلقة قائمة في جوهره ولذلك قال الله سبحانه
(۱) فتذعن : يقال أذعن إذا انقاد، وأذعن إذا أسرع.
١٤٣
وتعالى : وخلق الإنسان ضعيفاً يعني عن الصبر عما هو إليه مفتقر واحتمال ما هو عنه عاجز. ولما كان الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان كان أظهر عجزاً لأن الحاجة إلى الشيء افتقار إليه والمفتقر إلى الشيء عاجز عنه وقال بعض الحكماء المتقدمين : إستغناؤك عن الشيء خير من استغنائك به. وإنما خص الله تعالى الإنسان بكثرة الحاجة وظهور العجز نعمة عليه ولطفاً به ليكون ذل الحاجة ومهانة العجز يمنعانه من طغيان الغنى وبغي القدرة لأن الطغيان مركوز في طبعه إذا استغنى والبغي مسئول عليه إذا قدر وقد أنبأ الله تعالى بذلك عنه فقال : (كلا (۱) إن الإنسان ليطغى ان رآه استغنى ثم ليكون أقوى الأمور شاهداً على نقصه وأوضحها دليلاً على عجزه وأنشدني بعض أهل الأدب لابن الرومي رحمه الله :
أعيرتني بالنقص والنقص شامل ؟ ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل ؟
وأشهد أني ناقص غير أنني إذا قيس بي قوم كثير تقللوا تفاضل هذا الخلق بالفضل والحجا ففي أيما هذين أنت فتفضل ولو منح الله الكمال ابن آدم الخلده والله ما شاء يفعل ولما خلق الله الإنسان ماس الحاجة ظاهر العجز جعل لنيل حاجته أسباباً ولدفع عجزه حيلا دله عليها بالعقل وأرشده إليها بالفطنة. قال الله تعالى : والذي قدر فهدى. قال مجاهد قدر أحوال خلقه فهدى إلى سبيل الخير والشر. وقال ابن مسعود في قوله تعالى : وهديناه النجدين) يعني الطريقين طريق الخير وطريق الشر. ثم لما كان العقل دالا على أسباب ما تدعو إليه الحاجة جعل الله تعالى الإدراك والظفر موقوفاً على ما
قسم وقدر كيلا يعتمدوا في الأرزاق على عقولهم وفي العجز على فطنهم لتدوم له الرغبة والرهبة ويظهر منه الغنى والقدرة وربما عزب (۲) هذا المعنى على من ساء ظنه بخالقه حتى صار سبيلا لضلاله كما قال الشاعر :
(۱) كلا ردع لمن كفر بنعمة الله بطغيانه .
(۲) عزب: خفی .
١٤٤
سبحان من أنزل الأيام منزلها وصير الناس مرفوضاً (۱) ومرموقا (۲) فعاقل فطن أعيت مذاهبه وجاهل خرق (۳) تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الألباب حائرة وصير العاقل التحرير (2) زنديقا (٥) ولو حسن ظن العاقل في صحة نظره لعلم من علل المصالح ما صار به صديقاً لا زنديقاً لأن من علل المصالح ما هو ظاهر ومنها ما هو غامض ومنها ما هو مغيب حكمة استأثر الله بها. ولذلك قال النبي ﷺ: حسن الظن بالله من عبادة الله ثم إن الله تعالى جعل أسباب حاجاته وحيل عجزه في الدنيا التي جعلها دار تكليف وعمل كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء فلزم لذلك أن يصرف الإنسان إلى دنياه حظاً من عنايته لأنه لا غنى له عن التزود منها لآخرته ولا له بد من سد الخلة فيها عند حاجته. وليس في هذا القول نقض لما ذكرنا قبل من ترك فضولها وزجر النفس عن الرغبة فيها بل الراغب فيها ملوم وطالب فضولها مذموم والرغبة إنما تختص بما جاوز قدر الحاجة والفضول إنما ينطلق على ما زاد على قدر الكفاية. وقد قال الله تعالى لنبيه : فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب. قال أهل التأويل : فإذا فرغت من أمور الدنيا فانصب في عبادة ربك وليس هذا القول منه ترغيباً لنبيه فيها ولكن ندبه إلى أخذ البلغة منها. وعلى هذا المعنى قال : ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «نعم المطية الدنيا فارتحلوها (٦) تبلغكم الآخرة وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب كرم الله
(۱) مرفوضاً : يقال : رفض الإبل إذا تركها تتبدد في مرعاها .
(۲) ومرموقاً : والرمق المعيشة التي يسد بها الرمق والمراد أنه سبحانه صير بعض الناس يرتع في
أنواع النعم، وبعضهم يسد رمقه بما تيسر من أنواع.
(۳) خرق متناه في الحماقة
(٤) التحرير العالم المتقن من نحر الامور علما أتقنها .
(٥) زنديقاً كافراً نافياً للصانع والشعر لابن الراوندي وأراد به نفسه فعليه ما يستحق.
(1) فارتحلوها : يقال : ارتحل البعير بمعنى رحله أي ارحلوها وسرجوها، والمراد لازمه أي اركبوا
عليها وسوقوها نحو طاعة الله .
وجهه فقال رضي الله عنه : الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها. وحكى مقائل : أن إبراهيم (1) الخليل على نبينا وعلية الصلاة والسلام قال : يارب حتى متى أتردد في طلب الدنيا فقيل له: امسك عن هذا فليس طلب المعاش من طلب الدنيا. وقال سفيان الثوري رحمة الله عليه مكتوب في التوراة إذا كان في البيت برفتعبد وإذا لم يكن فاطلب يابن آدم حرّك يدك يسبب لك رزقك. وقال بعض الحكماء : ليس من الرغبة في الدنيا اكتساب ما يصون العرض فيها. وقال بعض الأدباء : ليس من الحرص اجتلاب ما يقوت البدن. وقال محمود
الوراق :
لا تتبع الدنيا وأيامها ذماً وإن دارت بك الدائره من شرف الدنيا ومن فضلها أن بها تستدرك الآخره
فإذا قد لزم بما بيناه النظر في أمور الدنيا فواجب سبر أحوالها والكشف عن جهة انتظامها واختلالها لنعلم أسباب صلاحها وفسادها ومواد عمرانها وخرابها لتنتفي عن أهلها شبه الحيرة وتنجلي لهم أسباب الخيرة
فيقصدوا الأمور من أبوابها ويعتمدوا صلاح قواعدها وأسبابها
وأعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين: أولهما ما ينتظم به أمور جملتها. والثاني ما يصلح به حال كل واحد من أهلها فهما شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه لأن من صلحت حاله مع فساد الدنيا واختلال أمورها لن يعدم أن يتعدى إليه فسادها ويقدح فيه اختلالها لأنه منها يستمد ولها يستعد ومن فسدت حاله مع صلاح الدنيا وانتظام أمورها لم يجد لصلاحها لذة ولا لاستقامتها أثراً لأن الإنسان دنيا نفسه فليس يرى الصلاح إلا إذا صلحت له ولا يجد الفساد إلا إذا فسدت عليه لأن نفسه أخص وحاله أمس
(1) إبراهيم عليه السلام: كان في البئر وهاجر من أرض العراق إلى أرض الشام وبلغ عمره ١٧٥ سنة، ودفن في الأرض المقدسة، وقبره معروف بقرية حبرون) وهي التي تسمى ببلدة الخليل، وهو أول من ضيف الضيف، وأطعم المساكين عليه السلام.
١٤٦
فصار نظره إلى ما يخصه مصروفاً وفكره على ما يمسه موقوفاً. وأعلم أن الدنيا لم تكن قط لجميع أهلها مسعده ولا عن كافة دويها معرضه لأن إعراضها عن جميعهم عطب وإسعادها لكافتهم فساد لائتلافهم بالاختلاف والتباين واتفاقهم بالمساعدة والتعاون فإذا تساوى حينئذ جميعهم لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلاً وبهم من الحاجة والعجز ما وصفنا فيذهبوا ضيعة ويهلكوا عجزا وأما إذا تباينوا واختلفوا صاروا مؤتلفين بالمعونة متواصلين بالحاجة لأن ذا الحاجة وصول والمحتاج إليه موصول. وقد قال الله تعالى : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) قال الحسن مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير ولذلك خلقهم يعني للإختلاف بالغنى والفقر. وقال الله تعالى : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق غير أن الدنيا إذا صلحت كان إسعادها موفوراً وإعراضها ميسوراً لأنها إذا منحت هنأت وأودعت (۱) وإذا استردت رفقت وأبقت وإذا فسدت
الدنيا كان إسعادها مكراً وإعراضها غدراً لأنها إذا منحت كدت وأتعبت وإذا استردت استأصلت (۲) وأجحفت (۳) ومع هذا فصلاح الدنيا مصلح لسائر أهلها لوفور أماناتهم وظهور دياناتهم وفسادها مفسد لسائر أهلها لقلة أماناتهم وضعف دياناتهم وقد وجد ذلك في مشاهد الحال تجربة وعرفاً كما يقتضيه دليل الحال تعليلا وكشفاً فلا شيء أنفع من صلاحها كما لا شيء أخر من فسادها لأن ما تقوى به ديانات الناس وتتوفر أماناتهم فلا شيء أحق به نفعاً كما أن ما به تضعف دياناتهم وتذهب أماناتهم فلا شيء أجدر به ضرراً
وأنشدت لأبي بكر بن دريد :
الناس مثل زمانهم قد الحذاء (٤) على مثاله
(۱) وأودعت أي صيرت ذادعة وراحة .
(۲) استأصلت قلعت من أصله . ..
(۳) وأجحفت : ذهبت بجميعه، كأنها كنست.
(٤) قد الحذاء على مثاله : أي يشتبه الناس مع زمانهم كمشابهة أحد النعلين للآخر، والعرب تقول في الشيئين يشتبهان : هما حذو النعل بالنعل، لأن كل واحدة من النعلين تقطع على
قالب أختها .
١٤٧
ورجال دهرك مثل دهـ رك في تقلبه وحاله
وكذا إذا فسد الزمان جرى الفساد على رجاله وإذ قد بلغ بنا القول إلى ذلك فسنبدأ بذكر ما تصلح به الدنيا ثم
نتلوه بوصف ما يصلح به حال الإنسان فيها .
. اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة وأمورها ملتئمة ستة أشياء هي قواعدها وان تفرعت وهي : دين متبع وسلطان قاهر وعدل
شامل وأمن وخصب دار وأمل فسيح .
(فأما القاعدة الأولى) وهي الدين المتبع فلأنه يصرف النفوس عن
شهواتها ويعطف القلوب عن إرادتها حتى يصير قاهراً للسرائر زاجراً للضمائر رقيباً على النفوس في خلواتها نصوحاً لها في ملماتها وهذه الأمور لا يوصل بغير الدين إليها ولا يصلح الناس إلا عليها فكأن الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها وأجدى الأمور نفعاً في انتظامها وسلامتها ولذلك لم يخل الله تعالى خلقه من فطرهم عقلاء من تكليف شرع واعتقاد دين ينقادون لحكمه فلا تختلف بهم الآراء ويستسلمون لأمره فلا تتصرف بهم الأهواء وإنما اختلف العلماء رضي الله عنهم في العقل والشرع هل جاءاً مجيئاً واحداً أم سبق العقل ثم تعقبه الشرع فقالت طائفة : جاء العقل والشرع معاً مجيئاً واحداً لم يسبق أحدهما صاحبه. وقالت طائفة أخرى : بل سبق العقل ثم تعقبه الشرع لأنه بكمال العقل يستدل على صحة الشرع. وقد قال الله تعالى : أيحسب الانسان أن يترك سدى (١)) وذلك لا يوجد منه إلا عند كمال عقله فثبت أن الدين من أقوى القواعد في صلاح الدنيا وهو الفرد الأوحد في صلاح الآخرة وما كان به صلاح الدنيا والآخرة فحقيق بالعاقل أن يكون به متمسكاً وعليه محافظاً. وقال بعض الحكماء : الأدب أدبان أدب
شريعة وأدب سياسة فأدب الشريعة ما أدى الفرض وأدب السياسة ما عمر الأرض وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان لأن
(۱) سدى: أي مهملا : لا يؤمر بشيء ولا ينهى عن شيء..
من ترك الفرض فقد ظلم نفسه ومن خرب الأرض فقد ظلم غيره. وقال
سعيد بن حميد :
ما صحة أبداً بنافعة حتى يصح الدين والخلق (وأما القاعدة الثانية فهي سلطان قاهر تتألف برهبته الأهواء المختلفة وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة وتنكف بسطوته الأيدي المتغالبة وتنقمع من خوفه النفوس المتعادية لأن في طباع الناس من حب المبالغة على ما آثروه والقهر لمن عاندوه ما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي ورادع ملي (١). وقد
أفصح المتنبي بذلك حيث يقول :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى والظلم من شيم النفوس فإن تجد حتى يراق على جوانبه الدم ذا عفة فلعلة لا يظلم
وهذه العلة المانعة من الظلم لا تخلو من أحد أربعة أشياء: إما عقل زاجر أو دين حاجر أو سلطان رادع أو عز صاد فإذا تأملتها لم تجد خامساً يقترن بها ورهبة السلطان أبلغها لأن العقل والدين ربما كانا مضعوفين أو بداعي الهوى مغلوبين فتكون رهبة السلطان أشد زجراً وأقوى ردعاً وقد روي عن النبي أنه قال: «إن السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل يزع مظلوم وروي عنه أنه قال : إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما بالقرآن . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله حراساً في السماء وحراسا في الأرض فحراسه في السماء الملائكة وحراسه في الأرض الذين يقبضون أرزاقهم ويذبون عن الناس. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «الإمام الجائر خير من الفتنة وكل لا خير فيه وفي بعض الشر خيار». وقال عبد الله بن مسعود السلطان يفسد وما يصلح الله به أكثر فإن عدل فله الأجر وعليكم الشكر وإن جار فعليه الوزر وعليك الصبر. وقال أبو هريرة رضي الله عنه : سبت العجم بين يدي رسول الله ﷺ فنهى عن ذلك وقال : لا تسبوها فإنها عمرت بلاد الله تعالى فعاش فيها عباد الله تعالى. وقال بعض البلغاء : السلطان في نفسه إمام متبوع وفي سيرته دين مشروع فإن ظلم لم يعدل أحد
(۱) ملى أي زاجر قادر على منعهم.
في حكم وإن عدل لم يجسر أحد على ظلم. وقال بعض الأدباء : إن أقرب الدعوات من الإجابة دعوة السلطان الصالح وأولى الحسنات بالأجر والثواب أمره ونهيه في وجوه المصالح فهذه آثار السلطان في أحوال الدنيا وما ينتظم به أمورها. ثم لما في السلطان من حراسة الدين والذب عنه ودفع الأهواء منه وحراسة التبديل فيه وزجر من شذ عنه بارتداد أو بغى فيه بعناد أو سعى فيه بفساد وهذه أمور إن لم تنحسم عن الدين بسلطان قوي ورعاية وافية أسرع فيه تبديل ذوي الأهواء وتحريف ذوي الآراء فليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه وطمست أعلامه وكان لكل زعيم فيه بدعة ولك عصر في وهيه (1) أثر كما أن السلطان إن لم يكن على دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهله الطاعة فيه فرضاً والناصر عليه حتماً لم يكن للسلطان لبث ولا لأيامه صفو وكان سلطان قهر ومفسد دهر ومن هذين الوجهين وجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت زعيم الأمة ليكون الدين محروساً بسلطانه والسلطان جارياً على سنن الدين وأحكامه. وقد قال عبد الله بن المعتز:
الملك بالدين يبقى والدين بالملك يقوى واختلف الناس هل وجب ذلك بالعقل أو بالشرع فقالت طائفة : وجب
بالعقل لأنه معلوم من حال العقلاء على اختلافهم الفزع إلى زعيم مندوب للنظر في مصالحهم. وذهب آخرون إلى وجوبه بالشرع لأن المقصود بالإمام القيام بأمور شرعية كإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وقد كان يجوز الإستغناء عنها بأن لا يرد التعبد بها فبأن يجوز الإستغناء عما لا يراد لها أولى. وعلى هذا اختلفوا في وجوب بعثة الأنبياء فمن قال بوجوب ذلك بالعقل قال بوجوب بعثة الأنبياء ومن قال بوجوب ذلك بالشرع منع وجوب بعثة الأنبياء لأنه لما كان المقصود ببعثتهم تعريف المصالح الشرعية وكان يجوز من المكلفين أن لا تكون هذه الأمور مصلحة لهم لم يجب بعثة الأنبياء إليهم. فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز
(۱) وهيه أثر الوهاية الشق والضعف يقال: وهي السقاء إذا استرخى رباطه، ووهي الحائط إذا ضعف وهم بالسقوط والأثر بفتحيتن ما بقي من رسم الشيء.
إجماعاً. فأما في بلدان شتى وأمصار متباعدة فقد ذهبت طائفة شاذة إلى جواز ذلك لأن الإمام مندوب للمصالح وإذا كان اثنان في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه ولأنه لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة. وذهب الجمهور إلى أن إقامة إمامين في عصر واحد لا يجوز شرعاً لما روي عن النبي ﷺ أنه قال : إذا بويع أميران فولوا أحدهما وروي فاقتلوا الأخير منهما. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا وليتم أبا بكر تجدوه قوياً في دين الله عز وجل ضعيفاً في بدنه وإذا وليتم عمر تجدوه قوياً في دين الله عز وجل قوياً في بدنه وإن وليتم علياً تجدوه هادياً مهدياً، فبين بظاهر هذا الكلام أن إقامة جميعهم في عصر واحد لا يصح ولو صح لأشار إليه ولنبه عليه والذي يلزم سلطان الأمة من أمورها سبعة أشياء : أحدها حفظ الدين من تبديل فيه والحث على العمل به من غير إهمال له والثاني حراسة (۱) البيضة والذب عن الأمة من عدو في الدين أو باغي نفس أو مال والثالث عمارة البلدان باعتماد مصالحها وتهذيب سبلها ومسالكها. والرابع تقدير ما يتولاه من الأموال بسنن الدين من غير تحريف في أخذها وإعطائها. والخامس معاناة المظالم والأحكام بالتسوية بين أهلها واعتماد النصفة (۲) في فصلها والسادس إقامة الحدود على مستحقها من غير تجاوز فيها ولا تقصير عنها. والسابع اختيار خلفائه في الأمور أن يكونوا من أهل الكفاية فيها والأمانة عليها. فإذا فعل من أفضى إليه سلطان الأمة ما ذكرناه من هذه الأشياء السبعة كان مؤدياً حق الله تعالى فيهم مستوجباً طاعتهم ومناصحتهم مستحقاً صدق ميلهم ومحبتهم وإن قصر عنها ولم يقم بحقها وواجبها كان بها مؤاخذاً وعليها معاقباً ثم هو من الرعية على استبطان معصية ومقت يتربصون الفرص لإظهارها ويتوقعون الدوائر لإعلانها . وقد قال الله تعالى : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً وفي قوله
(1) حراسة البيضة: أي حماية حوزة الاسلام وساحة الأمة.
(۲) النصفة : العدالة.
تعالى : عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم تأويلان: أحدهما أن العذاب الذي هو من فوقهم أمراء السوء والذي من تحت أرجلهم عبيد السوء وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما والثاني أن العذاب الذي هو من فوقهم الرجم والذي من تحت أرجلهم الخسف وهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير وفي قوله تعالى : أويلبسكم شيعا تأويلان: أحدهما أنه الأهواء المختلفة وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما والثاني أنه الفتن والإختلاط وهذا قول مجاهد. وروي عن النبي أنه قال: «ما من أمير على عشيرة إلا وهو يجيء يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه (١)) . وروي عن النبي أنه قال : خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وشر أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، وهذا صحيح لأنه إذا كان ذا خير أحبهم وأحبوه وإذا كان ذا شر أبغضهم وأبغضوه. وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن (۲) أبي وقاص رضي الله عنه إن الله تعالى إذا أحب عبداً حبيبه إلى خلقه فاعرف منزلتك من الله تعالى بمنزلتك من الناس وأعلم أن ما لك عند الله مثل ما لله عندك فكان هذا موضحاً لمعنى ما ذكرنا. وأصل هذا أن خشية الله تبعث على طاعته في خلقه وطاعته في خلقه تبعث على محبته فلذلك كانت محبتهم دليلا على خيره وخشيته وبغضهم دليلاً على شره وقلة مراقبته. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبعض خلفائه : أوصيك أن تخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله . وقال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه: إني أخاف
( 1) يوبقه يهلكه.
(۲) سعد بن أبي وقاص: القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد السنة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب أمر الخلافة إليهم ، أسلم وهو ابن أربع عشرة سنة ، وشهد يدرا وما بعدها من المشاهد ، وكان حجاب الدعوة ، وهو أول من رمى في سبيل الله . وأول من أراق دماً في سبيل الله، وكان يقال له: فارس الإسلام روى له عن رسول الله ۲۷۰ حديثاً وهم الذي فتح مدائن السرى في زمن عمر، وولاء عمر العراق، وهو الذي بنى الكوفة. ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتى. ومن بقصره بالعقيق على عشرة أميال من السنة سنة ٥٧ وهو ابن يضع وسبعين سنة، وحمل إلى المدينة على أرقاب الرجال، وصلى عليه مروان بن الحكم والي المدينة، ودفن بالبقيع، وهو آخر العشرة موتا
الله فيما تقلدت فقال له : لست أخاف عليك أن تخاف الله وإنما أخاف
عليك أن لا تخاف الله وهذا واضح لأن الخائف من الله تعالى مأمون الحيف كالذي روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لأبي مريم السلولي وكان هو الذي قتل أخاه زيد بن الخطاب : والله إني لا أحبك حتى تحب الأرض الدم قال : أفيمنعني ذلك حقاً؟ قال: لا قال : فلا ضير إنما يأسي (۱) على الحب النساء. وروى عبد الرحمن بن محمد قال: أصدق طلحة ابن عبيد الله أم كلثوم بنت أبي بكر مائة ألف درهم وهو أول من أصدق هذا القدر فمر بالمال على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هذا قالوا : صداق أم كلثوم ابنة أبي بكر فقال : أدخلوه بيت المال فأخبر بذلك طلحة وقيل له : كلمه في ذلك فقال: ما أنا بفاعل لئن كان عمر يرى فيه حقاً لا يرده لكلامي وإن كان لا يرى فيه حقاً ليردنه قال : فلما أصبح عمر أمر بالمال
فدفع إلى أم كلثوم .
وحكي أن الرشيد حبس أبا العتاهية فكتب على حائط الحبس : أما والله إن الظلم لوم وما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين تمضي وعند الله تجتمع الخصوم ستعلم في المعاد إذا التقينا غداً عند المليك من الظلوم
فأخبر الرشيد بدلك فبكى بكاء شديداً ودعا أبا العتاهية فاستحله ووهب
له ألف دينار وأطلقه .
(وأما القاعدة الثالثة فهي عدل شامل يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة وتعمر به البلاد وتنمو به الأموال ويكثر معه النسل ويأمن به السلطان فقد قال المَزْرُبان (۲) لعمر حين رآه وقد نام متبذلاً : عدلت فأمنت فنمت. وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور لأنه ليس يقف على حد ولا ينتهي إلى غاية ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى
(۱) تأس: تحزن وتندم . (۲) المرزبان: بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي: هو رئيس المجوس، وهو اسم مركب معناه الحافظ، أي حافظ الحدود، ورئيس الثغور، فاستعمله العرب في مطلق رئيس المجوس.
يستكمل. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال : بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد وقال ثلاث منجيات وثلاث مهلكات : فأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضا وخشية الله في السر والعلانية والقصد (۱) في الغنى والفقر. وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه. وحكي أن الإسكندر قال لحكماء الهند وقد رأى قلة الشرائع بها : لم صارت سنن بلادكم قليلة ؟ قالوا : لإعطائنا الحق من أنفسنا ولعدل ملوكنا فينا فقال لهم : أيما أفضل العدل أم الشجاعة؟ قالوا : إذا استعمل العدل أغنى عن
الشجاعة. وقال بعض الحكماء : بالعدل والإنصاف تكون مدة الإئتلاف. وقال بعض البلغاء : إن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق ونصبه للحق فلا تخالفه في ميزانه ولا تعارضه في سلطانه واستعن على العدل بخلتين : قلة الطمع (۲) وكثرة الورع (۳). فإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به ولا صلاح فيها إلا معه وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه ثم بعدله في غيره. فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير فإن التجاوز فيها جور والتقصير فيها ظلم ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم ومن جار (٤) عليها فهو على غيره أجور. وقد قال بعض الحكماء : من توانى في نفسه ضاع. وأما عدله مع غيره فقد ينقسم حال الإنسان مع غيره على ثلاثة أقسام : فالقسم الأول عدل الإنسان فيمن دونه كالسلطان في رعيته والرئيس مع صحابته فعدله فيهم يكون بأربعة أشياء؛ باتباع الميسور وحذف المعسور وترك التسلط بالقوة وابتغاء الحق في السيرة فإن اتباع
(۱) والقصد : أي التوسط في الانفاق في حال الغنى وحال الفقر، فلا تعتبر جداً لفقره، ولا يبذر لغناء. (۲) الطمع : يقال : طمع في الشيء إذا حرص عليه، والحرص يبعث على انكار ما عليه من الديون والحقوق، وعلى المطل والخديعة والغبن بل على النصب والنهب وغير ذلك، وفي
الطمع من المفاسد ما لا يخفى. (۳) الورع هو اجتناب الشبهات خوفاً من الوقوع في المحرمات. (٤) جار عليها الجور هو التجاوز والإفراط.
الميسور أدوم وحذف المعسور أسلم وترك التسلط أعطف على المحبة وابتغاء الحق أبعث على النصرة. وهذه أمور إن لم تسلم للزعيم المدبر كان الفساد بنظره أكثر والاختلاف بتدبيره أظهر روي عن النبي ﷺ أنه قال : أشد الناس عذاباً يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمه. وقال بعض الحكماء : الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم. وقال بعض الأدباء : ليس للجائر جار ولا تعمر له دار. وقال بعض البلغاء : أقرب الأشياء صرعة الظلوم وأنفذ السهام دعوة المظلوم. وقال بعض حكماء الملوك : العجب من ملك استفسد رعيته وهو يعلم أن عزه بطاعتهم. وقال اردشیر بن بابك : إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن طاعته . وعوتب أنوشروان على ترك عقاب المذنبين فقال : هم المرضى ونحن الأطباء فإذا لم نداوهم بالعفو فمن لهم. والقسم الثاني عدل الإنسان مع فوقه كالرعية مع سلطانها والصحابة مع رئيسها فقد يكون بثلاثة أشياء بإخلاص : الطاعة وبذل النصرة وصدق الولاء. فإن إخلاص الطاعة أجمع (1) المشمل وبذل النصرة أدفع للوهن (۲) وصدق الولاء أنفى لسوء الظن وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء تسلط عليه من كان يدفع عنه واضطر إلى اتقاء من كان يقيه كما قال البحتري :
متى احوجت ذا كرم تخطى إليك ببعض أخلاق اللئام وفي استمرار هذا حل نظام جامع وفساد صلاح شامل. وقال
أبرويز (۳) : أطع من فوقك يطعك من دونك. وقال بعض الحكماء : الظلم مسلبة النعم والبغي مجلبة النقم. وقال بعض الحكماء : إن الله تعالى لا يرضى عن خلقه إلا بتأدية حقه وحقه شكر النعمة ونصح (4) الأمة وحسن
( (۳) أبرويز كان من حكماء الملوك، قيل له: ما شهوة ساعة؟ قال: الجماع، قيل: ما شهوة يوم؟ قال: دخول الحمام، قيل : فما شهوة جمعة ؟ قال: غسل الثياب قيل : فما شهوة شهر ؟ قال :
- أجمع للشمل : أي الازدحام يقال: دخل في شمل الجماعة أي غمارها. (۲) للوهن : أي للضعف في الرأي والعمل والأمل.
تجديد الثياب، قيل : فما شهوة سنة؟ قال: تزوج الأبكار، قيل: فيما شهوة الأبد؟ قال: أما
في الدنيا فمشاهدة الاخوان ، وأما في الآخرة فنعيم الجنة . (٤) ونصح الأمة : أي بالاخلاص لهم باستواء السريرة والعلانية .
الصنيعة ولزوم الشريعة والقسم الثالث عدل الإنسان مع أكفائه ويكون ثلاثة أشياء : بترك الإستطالة ومجانبة الإدلال وكف الأذى لأن ترك الإستطالة آلف ومجانبة الادلال أعطف وكف الأذى أنصف وهذه أمور إن لم تخلص في الأكفاء أسرع فيهم تقاطع الأعداء ففسدوا وأفسدوا. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله
: ألا أنبئكم بشرار الناس؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : من نزل وحده ومنع رفده (۱) وجلد عبده. ثم قال : أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا : بلی یا رسول الله قال : من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ثم قال : ألا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : من يبغض الناس ويبغضونه . وروي أن عيسى بن مريم عليهما السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل لا تتكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ولا تكافئوا ظالماً فيبطل فضلكم يا بني إسرائيل الأمور ثلاثة أمر تبین رشده فاتبعوه وأمر تبين غيه فاجتنبوه وأمر اختلفتم فيه فردوه إلى الله تعالى وهذا الحديث جامع لآداب العدل في الأحوال كلها. وقال بعض الحكماء : كل عقل لا يدارى به الکل فليس بعقل تام. وقال بعض الشعراء :
ما دمت حيا فدار الناس كلهم فإنما أنت في دار المداراة من يدر داري ومن لم يدر سوف يرى عما قليل نديماً للندامات
وقد يتعلق بهذه الطبقات أمور خاصة يكون عدلهم فيها بالتوسط في حالتي التقصير والسرف لأن العدل مأخوذ من الاعتدال فما جاوز الاعتدال فهو خروج عن العدل. وقد قالت الحكماء : الفضائل هيئات متوسطة بين حالتين ناقصتين وأفعال الخير تتوسط بين رذيلتين فالحكمة) واسطة بين الشر والجهالة (والشجاعة) واسطة بين التقحم والجبن (والعفة) واسطة بين الشره (۲) وضعف الشهوة والسكينة) واسطة بين السخط وضعف الغضب
( ۱) رفده: عطاءه وصلته، وهو بكسر الراء .
(۲) الشره: هو الحرص الشديد على الطعام، وهو بفتح الشين والراء.
والغيرة) واسطة بين الحسد وسوء العادة (والظرف) (۱) واسطة بين الخلاعة والفدامة (۲) (والتواضع) واسطة بين الكبر ودناءة النفس (والسخاء) واسطة بين التبذير والتقتير (والحلم) واسطة بين إفراط الغضب وعدمه (والمودة) واسطة بين الخلابة (۳) وحسن الخلق والحياء) واسطة بين القحة (٤) والحصر (٥) والوقار) واسطة بين الهزء والسخافة. وإذا كان ما خرج عن الاعتدال إلى ما ليس باعتدال خروجاً عن العدل إلى ما ليس بعدل كان ما خرج عن الأولى إلى ما ليس بأولى خروجاً عن العدل إلى ما ليس بعدل. وقد قال بعض البلغاء : السلطان السوء يخيف البريء ويصطنع الدنيء والبلد السوء يجمع السفل (٦) ويورث العلل والولد السوء يشين السلف ويهدم الشرف والجار السوء يفشي السر ويهتك الستر فجعل هذه الأشياء بخروجها عن الأولى إلى ما ليس بأولى خروجاً عن العدل إلى ما ليس بعدل. ولست تجد فساداً إلا وسبب نتيجته الخروج فيه عن حال العدل إلى ما ليس بعدل من حالتي الزيادة والنقصان فإذن لا شيء أنفع من العدل كما أنه لا شيء أخر مما ليس بعدل .
(وأما القاعدة الرابعة فهي أمن عام تطمئن إليه النفوس وتتيسر فيه الهمم ويسكن فيه البريء ويأنس به الضعيف فليس لخائف راحة ولا لحاذر طمأنينة. وقد قال بعض الحكماء : الأمن أهنا عيش والعدل أقوى جيش لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم ويحجزهم عن تصرفهم ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم (۷) وانتظام جملتهم ولئن كان الأمن من نتائج العدل والجور من نتائج ما ليس بعدل فقد يكون الجور تارة بمقاصد
(1) والظرف : الكياسة، وحسن التصرف. (۲) القدامة : الشراسة والأذى وفي طبعة السقا (القدامة). والقدامة كما في المختار العي والثقل. (۳) الخلابة : يقال : خلبه إذا خدعه .
(٤) القحة : قلة الحياء .
(٥) الحصر: العي. (٦) السفل : جمع سفلة بالكسر يقال : هو من سفلة الناس أي من أسافلهم وغوغائهم، أي أراذلهم .
(۷) أودهم : بفتحتين، أي استقامة اعوجاجهم.
الأدميين الخارجة عن العدل وتارة يكون بأسباب حادثة عن غير مقاصد الأدميين فلا تكون خارجة عن حال العدل فمن أجل ذلك لم يكن ما سبق من حال العدل مقنعاً عن أن يكون الأمن في انتظام الدنيا قاعدة كالعدل فإذا كان ذلك كذلك فلأمن المطلق ما عم والخوف قد يتنوع تارة ويعم فتنوّعه بأن يكون تارة على النفس وتارة على الأهل وتارة على المال وعمومه أن يستوعب جميع الأحوال ولك واحد من أنواعه حظ من الوهن (۱) ونصيب من الحزن وقد يختلف باختلاف أسبابه ويتفاضل بتباين جهاته ويكون بحسب اختلاف الرغبة فيما خيف عليه فمن أجل ذلك لم يجز أن يتصف حال كل واحد من أنواعه بمقدار من الوهن ونصيب من الحزن لا سيما والخائف على الشيء مختص الهم به منصرف الفكر عن غيره فهو يظن أن لا خوف له إلا إياه فيغفل عن قدر النعمة بالأمن فيما سواه فصار كالمريض الذي هو
بمرضه متشاغل وعما سواه غافل ولعل ما صرف عنه أعظم مما ابتلي به : على أنها تعفو الكلوم (۲) وإنما يوكل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
(وحكى) أن رجلاً قال - وأعرابي حاضر - ما أشد وجع الضرس! فقال الأعرابي : كل داء أشد داء كذلك من عمه الأمن كمن استولت عليه العافية فهو لا يعرف قدر النعمة بأمنه حتى يخاف كما لا يعرف المعافى قدر النعمة بعافيته حتى يصاب. وقال بعض الحكماء : إنما يعرف قدر النعمة بمقاساة
ضدها فأخذ ذلك أبو تمام الطائي فقال :
والحادثات وإن أصابك بؤسها فهو الذي أنباك كيف نعيمكا فالأولى بالعاقل أن يتذكر عند مرضه وخوفه قدر النعمة فيما سوى ذلك من عافيته وأمنه وما انصرف عنه مما هو أشد من مرضه وخوفه فيستبدل بالشكوى شكراً وبالجزع صبراً فيكون فرحاً مسروراً. حكي أن يعقوب قال
ليوسف عليهما السلام حين لقيه أي شيء كان خبرك بعدي؟ قال: لا
(1) الوهن : بفتحتين الضعف في العمل. (۲) تعفو الكلوم والكلوم جمع كلم، وهو الجرح والمراد يذهب أثرها بالبرء. أي أن العادة نسيان المصائب البعيدة العهد، وإن كانت عظيمة .
تسأل عما فعله بي إخوتي سلني عما صنعه بي ربي. وقال الشاعر : لا تنس في الصحة أيام السقم فإن عقبى تارك الحزم ندم (وأما القاعدة الخامسة فهي خصب دار تتسع النفوس به في الأحوال
ويشترك فيه ذو الإكثار والإقلال فيقل في الناس الحسد وينتفي عنهم تباغض العدم وتتسع النفوس في التوسع وتكثر المواساة والتواصل وذلك من أقوى الدواعي لصلاح الدنيا وانتظام أحوالها ولأن الخصب يؤول إلى الغنى والغنى يورث الأمانة والسخاء. وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري : لا تستقضين إلا ذا حسب أو مال فإن ذا الحسب يخاف العواقب وذا المال لا يرغب في مال غيره. وقال بعض السلف: إني وجدت خير الدنيا والآخرة في التقى والغنى وشر الدنيا والآخرة في الفجور والفقر. وقال بعض الشعراء :
ولم أر بعد الدين خيراً من الغنى ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر وبحسب الغنى يكون إقلال البخيل وإعطاؤه وإكثار الجواد وسخاؤه كما قال دعبل (۱) :
لئن كنت لا تولي ندى دون إمرة وأي إناء لم يفض عند ملئه فلست بمول نائلاً آخر الدهر وأي بخيل لم ينل ساعة الوفر
وإذا كان الخصب يحدث من أسباب الصلاح ما وصفت كان الجدب يحدث من أسباب الفساد ما ضادها وكما أن صلاح الخصب عام فكذلك فساد الجدب عام وما عم به الصلاح إن وجد عم به الفساد إن فقد فأحرى أن يكون من قواعد الصلاح ودواعي الاستقامة والخصب يكون من وجهين خصب في المكاسب وخصب في المواد. فأما خصب المكاسب فقد يتفرع من خصب المواد وهو من نتائج الأمن المقترن بها. وأما خصب
(۱) دعبل على وزن زبرج بن علي وزير ابن سليمان الخزاعي ، كان كوفياً أقام ببغداد، وشاعراً مجيداً إلا أنه كان خبيث اللسان مائلاً إلى الهجو، وشيعياً متعصباً ، ومهيجاً للفتن
والشرور، توفي ٢٤٦ وقد ناهز المائة .
المواد فقد يتفرع عن أسباب إلهية وهو من نتائج العدل المقترن بها . (وأما القاعدة السادسة فهي أمل فسيح يبعث على إقتناء ما يقصر العمر عن استيعابه ويبعث على اقتناء ما ليس يؤمل في دركه بحياة أربابه ولولا أن الثاني يرتفق (۱) بما أنشأه الأول حتى يصير به مستغنياً لافتقر أهل كل عصر إلى إنشاء ما يحتاجون إليه من منازل السكنى وأراضي الحرث وفي ذلك من الإعواز (۲) وتعذر الإمكان ما لا خفاء به فلذلك ما أرفق الله تعالى خلقه من اتساع الآمال حتى عمر به الدنيا فتم صلاحها وصارت تنتقل بعمرانها إلى قرن بعد قرن فيتم الثاني ما أبقاه الأول من عمارتها ويرم الثالث ما أحدثه الثاني من شعثها (۳) لتكون أحوالها على الأعصار ملتئمة وأمورها على ممر الدهور منتظمة ولو قصرت الأمال ما تجاوز الواحد حاجة يومه ولا تعدى ضرورة وقته ولكانت تنتقل إلى من بعده خراباً لا يجد فيها بلغة (٤) ولا يدرك منها حاجة ثم تنتقل إلى من بعد بأسوأ من ذلك حالاً حتى لا ينمى بها نبت ولا يمكن فيها لبث. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال : الأمل رحمة من الله لأمتي ولولاه ما غرس غارس شجراً ولا أرضعت أم ولداً». وقال الشاعر :
وللنفوس وإن كانت على وجل من المنية آمال تقويها فالصبر يبسطها والدهر يقبضها والنفس تنشرها والموت يطويها وأما حال الأمل في أمر الآخرة فهو من أقوى الأسباب في الغفلة عنها وقلة الإستعداد لها وقد أفصح لبيد (٥) بن ربيعة مع أعرابيته بما تبين به حال
الأمل في الأمرين فقال :
(1) يرتفق : ينتفع ... (۲) الإعواز: الإشكال.
(۳) شعتها ما تفرق وانتشر.
(٤) بلغة على وزن غرفة، هو ما يتبلغ به ويتكفف به من العيش. (0) لبيد بن ربيعة الصحابي، وكان شريفاً في الجاهلية والاسلام قيل: لم يقل شعراً بعد
الإسلام إلا قوله :
الحمد لله الذي لم يأتني أجلي حتى اكتسبت من الاسلام سربالا -
وأكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزري بالأمل غير أن لا تكذبنها في التقى وأخزها بالبر الله الأجل وفرق ما بين الأمال والأماني أن الأمال ما تقيدت بأسباب والأماني ما
تجردت عنها .
فهذه القواعد الست التي تصلح بها أحوال الدنيا وتنتظم أمور جملتها فإن كملت فيها كمل صلاحها. وبعيد أن يكون أمر الدنيا تاماً كاملاً وأن يكون صلاحها عاماً شاملاً لأنها موضوعة على التغير والفناء منشأة على
التصرم والانقضاء. وسمع بعض الحكماء رجلاً يقول : قلب الله الدنيا قال :
فإذن تستوي لأنها مقلوبة. وقال بعض الشعراء :
ومن عادة الأيام أن خطوبها إذا سر منها جانب ساء جانب وما أعرف الأيام إلا دميمة ولا الدهر إلا وهو للثار طالب وبحسب ما أختل من قواعدها يكون اختلالها وفسادها .
(فصل) وأما ما يصلح به حال الإنسان فيها فثلاثة أشياء وهي قواعد
أمره ونظام حاله وهي : نفس مطيعة إلى رشدها منتهية عن غيها. وألفة جامعة تنعطف القلوب عليها ويندفع المكروه بها. ومادة كافية تسكن نفس
الإنسان إليها ويستقيم أوده بها .
فأما القاعدة الأولى التي هي نفس مطيعة فلأنها إذا أطاعته ملكها
وإذا عصته ملكته ولم يملكها ومن لم يملك نفسه فهو بأن لا يملك غيرها
أحرى ومن عصته نفسه كان بمعصية غيرها أولى. وقال بعض الحكماء : لا
ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره ونفسه ممتنعة عليه وقد قال الشاعر :
أتطمع أن يطيعك قلب سعدى وتزعم أن قلبك قد عصاكا؟ وطاعة نفسه تكون من وجهين: أحدهما نصح والثاني انقياد فأما
ولما طلب المغيرة إليه أن يقول الشعر قال : أبدلني الله بذلك سورة البقرة وآل عمران، فكتب المغيرة بذلك إلى عمر، فزاد في عطائه خمسمائة دينار.
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
إلى ضلعي الثابت وأمان أيامي.. أخي وأخواتي أنتم النعمة الكبرى التي أمتن لله عليها، والدعم الذي لا يخف...
أعلنت القوات ال...أعلنت القوات المسلحة، اليوم الأحد، تنفيذ 756 عملية استهداف نوعية ودقيقة ضد مواقع وعناصر وقدرات عسكري...
دخل تركي ناظره ...دخل تركي ناظره فهد : خذه للتوقيف لين نخلص تحقيق ، ولف ع سلطان وبـ ابتسامه ساخره : إذا طلعت من هنا فك...
تهدف الندوة إلى...تهدف الندوة إلى تحويل "صدمة الحرب" إلى "فرصة استراتيجية" لإعادة بناء مفهوم الأمن الخليجي. فبعد أن أث...
تخيل أنك تعيش ف...تخيل أنك تعيش في العالم القديم، قبل أكثر من ألفي عام، وتسمع أن جيشًا غريبًا قادم من بعيد، يقوده قائد...
يمثل الذكاء الا...يمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة متقدمة في مسار التحول الرقمي، لأنه لا يقتصر على رقمنة الإجراءات، بل يسمح...
ا ليتك صدقتني ....ا ليتك صدقتني .. يا طارق صالح المستشار محمد المسوري ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦م في ديسمبر ٢٠٢٤م في الرياض كان...
أكدت عدد من منظ...أكدت عدد من منظمات المجتمع المدني، أن التصعيد المتواصل والانتهاكات الجسيمة لمليشيا الحوثي، أدى إلى ت...
يتناول النص سير...يتناول النص سيرة وجهود العالمة المغربية مارسيليا ألفرنسيس (التي أُشير إليها في بعض المواضع باسم سارة...
أكد مدير عام مك...أكد مدير عام مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في العاصمة عدن، المستشار أرسلان أحمد السقاف، أن توح...
مسك فهد ببرود ا...مسك فهد ببرود الملف للي فيه قضيه سلطان وفتحته وبدأ يقرأ بصوت عالي : سلطان بن سعود بن فهد متهم بحياز ...
[ إِنَّهُمْ يَر...[ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ] لايك قبل م تقرين 🤍 { Part : 2 } امر فهد تركي...