الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (5%)

ثم تنتشر بعد ذلك في عواصمها الإقليمية إلى أن تسود في النهاية كل مناطق وأقاليم هذه الدول . بل يستند إلى القول بأن الدول النامية لا يمكن إلا أن تحتذي نموذج المجتمع الغربي العلاقة إذا سببية وذات اتجاه واحد. وفضلا عن ذلك يذهب بعض أصحاب الاتجاه الانتشاري إلى أن التكنولوجيا والثقافة التنظيمية المرتبطتين بالتصنيع تشكلان نسقاً اجتماعياً معيناً. وفضلا عن ذلك كله فهناك مجال كبير للشك في قيمة رءوس الأموال المتجهة من الدول المتقدمة إلى الدول المتخلفة. وفضلا عما سبق فإن كتابات ممثلي الاتجاه الانتشاري تميل إلى التقليل من القيمة الفعلية لرءوس الأموال المتجهة من الدول النامية إلى الدول المتقدمة. لوحظ أن الدول الرأسمالية الاستعمارية - خلال مراحل تطورها - قد نقلت شكلا معيناً من التكنولوجيا إلى عواصم المستعمرات يتلاءم مع أهداف الدول الاستعمارية. كذلك فإن العالم المعاصر يشهد هوة تكنولوجية بين الدول المتقدمة ذاتها فثمة هوة تكنولوجية بين الولايات المتحدة وأوربا الغربية وأن الأخيرة تحاول جاهدة سد هذه الهوة؛ إلا أن أصحاب الاتجاه الانتشاري لا يقرون الفائدة التي ينطوي عليها مفعول المجتمع (الاقتصادي) المزدوج في دراسة مرحلة ما بعد الاستعمار. فتنتظم من أجل تحقيق أهداف إقليمية ومحلية. والحقيقة الهامة في هذا المجال هي أن كل قطاعات الدول النامية قد خضعت المؤثرات وتحولات مارسها الاستعمار ، كذلك فإن أصحاب الاتجاه الانتشاري لا يستطيعون - بحكم قصور اتجاههم أن يقدموا سياسات فعالة تتناول مشكلات التنمية الاقتصادية والتغير الثقافي. وإذاً فالانتشار لا يؤدي إلى تغير في البناء الاجتماعي بقدر ما تؤدي التحولات التي تطرأ على البناء الاجتماعي ذاته إلى إحداث انتشار فعال ؛

النص الأصلي

القضية الأساسية التي ينهض عليها هذا الاتجاه هي أن التنمية يمكن تحقيقها من خلال انتقال العناصر المادية والثقافية السائدة في الدول المتقدمة إلى الدول النامية. وهذا يعني بطبيعة الحال أن على الدول الأخيرة أن تشهد عملية تثقيف إذا ما أرادت تحقيق التنمية. كذلك يفترض هذا الاتجاه أن العناصر الثقافية تنتقل أولا من عواصم الدول المتقدمة إلى عواصم الدول النامية، ثم تنتشر بعد ذلك في عواصمها الإقليمية إلى أن تسود في النهاية كل مناطق وأقاليم هذه الدول . والجديد الذي يميز هذا الاتجاه هو اهتمامه بالعلاقات الاقتصادية والسياسية (التاريخية والمعاصرة ) بين البلدان الغربية وبقية أجزاء العالم. كذلك ظهرت أفكار وتصورات مختلفة تؤكد أهمية هذه العلاقات . من ذلك مثلا ما يذهب إليه البعض من أن التأثير الذي تمارسه الدول الغربية على المجتمعات غير الغربية سوف يؤدي بالأخيرة إلى أن تصبح - بشكل أو بآخر - مماثلة للأولى. ولا يستند ذلك فقط إلى مجرد الافتراض بأن الدول النامية - أو بعضا منها - قد تتجه إلى النموذج الغربي من التنمية، بل يستند إلى القول بأن الدول النامية لا يمكن إلا أن تحتذي نموذج المجتمع الغربي العلاقة إذا سببية وذات اتجاه واحد.


ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى بعض أفكار وتصورات ماركس. فعلى الرغم من أن كتاباته عن المجتمعات غير الغربية ضئيلة ومتناثرة وأبعد عن أن تتخذ إطاراً نظرياً متماسكاً، إلا أنه قد ذهبت - كما سبق أن أشرنا إلى أن التوسع الذي تحققه الرأسمالية الأوربية في مختلف أنحاء العالم، وما تخلقه من نظام اقتصادي عالمي واحد، سوف يحول البلدان المختلفة إلى بلدان أوروبية الطابع . غير أن ماركس - برغم ذلك – قد نظر إلى أوربا في سياق دولي، كما تصور إمكانية الهزات الاجتماعية والسياسية في البلدان غير الأوربية كرد فعل للتأثير الأوربي؛ ذلك التأثير الذي قد يؤدي إلى حدوث ثورات في هذه البلدان .
والملاحظ أن الاتجاه الانتشاري في صورته غير الماركسية لا يميل إلى تأكيد أو إبراز الجوانب الاستعمارية للتوسع الرأسمالي الأوربي. ولكنه يميل – بدلا من ذلك - إلى تأكيد تأثير التكنولوجيا والسلع الاستهلاكية والأفكار والقيم الغربية التي تنتقل إلى الدول النامية من خلال هيئات ووسائل ومنظمات مختلفة (مثل وسائل الاتصال الجماهيرية، والتعليم، والسياحة ... إلخ). والمنطق الكامن وراء هذه القضية يتمثل في قبول الفكرة الزائفة القائلة بأن المجتمعات النامية سوف تمر بنفس العمليات التي مرت بها المجتمعات الصناعية المتقدمة.
وفضلا عن ذلك يذهب بعض أصحاب الاتجاه الانتشاري إلى أن التكنولوجيا والثقافة التنظيمية المرتبطتين بالتصنيع تشكلان نسقاً اجتماعياً معيناً. وبالتالي فإن نقل التكنولوجيا والصناعة إلى الدول النامية سوف يؤدي إلى تغير الثقافة والبناء الاجتماعي لهذه المجتمعات بحيث تشبه في نهاية الأمر النموذج الغربي من المجتمعات. غير أننا لا نجد سوى شواهد ضئيلة تدعم قضية وجود منطق صناعي عالمي، ففي اليابان نجد ثمة اتصالا ملحوظاً يربط ثقافتها المعاصرة بثقافتها التاريخية. وأن إدخال المصانع - في بعض الأحيان - في المناطق الريفية لا يبدو أنه قد يحدث تغيرات ملحوظة في البناء الاجتماعي الذي ظل محافظاً على كيانه لزمن طويل.


إن الظروف التي تعيشها الدول النامية الآن تختلف عن تلك الظروف التي مرت بها المجتمعات الصناعية الغربية خلال القرن التاسع عشر. فبينما كان التصنيع في الغرب مصاحباً لعملية التحضر، نجد التحضر في الدول النامية يحدث بمعدل سريع دون أن يحدث تصنيع مقابل ولقد أسهمت هذه العملية - ولا شك في تشكيل بعض جوانب البناء الاجتماعي للدول النامية .


ويميل بعض أصحاب الاتجاه الانتشاري إلى إبراز المعوقات التي تضعف من قدرة الدول النامية على تمثل التجديدات والمستحدثات الوافدة من الغرب. وغالبا ما تتخذ هذه المعوقات إما شكلا بنائيا أو ثقافياً (أي أنها إما تتعلق بالبناء الاجتماعي السياسي للمجتمع أو بقيمه السائدة). وإذا فالفائدة الحقيقية التي ينطوي عليها هذا الاتجاه هو أنه يسهم في الإسراع بعملية التنمية، لأن التنمية - طبقاً لهذا الاتجاه - تتمثل أساساً في نقل رءوس الأموال والتكنولوجيا، والقيم، والنظم من دول العالم الغربي إلى دول العالم الثالث، وأنه إذا ما أرادت الدول الأخيرة أن تحقق تنميتها فما عليها إلا أن تخلق صوراً آسيوية أو أفريقية أو أمريكا لاتينية من الحضارة الغربية .
والواقع أن عملية الانتشار في مجالات التقاليد والقيم والاختراعات من مجتمع لآخر عملية قديمة قدم التاريخ الإنساني ذاته والمحقق أن كثيراً من القيم التي يطلق عليها الآن القيم الغربية (اليهودية - المسيحية) قد نشأت في ظل أوضاع اجتماعية ثقافية وإيكولوجية مختلفة. ومع ذلك فإن الانتشار - بمعناه الحديث خلال القرن العشرين - يمثل ظاهرة فريدة في نطاقها وطابعها. فنطاق الانتشار أصبح عالميا (مثال ذلك المدرسة، والراديو والتليفزيون، والسيارات إلخ). أما طابعه فقد أصبح - في أغلب جوانبه - طابعاً ثورياً. فإدخال التعليم العلماني - مثلا - في الدول النامية يعني أن هذا التعليم قد أصبح المحدد الأساسي للحراك الاجتماعي، نظراً للحاجة الماسة إلى المديرين والبيروقراطيين والكتبة ... إلخ الذين يتعين عليهم أن يواجهوا المتطلبات الإدارية المختلفة. وهذا يعني - في نفس الوقت - أن طابع وبناء الطبقة الوسطى في كثير من الدول غير الغربية يختلف - من وجوه عديدة - عن طابع وبناء الطبقة الوسطى في الدول الغربية.
وأعتقد أن أخطر جوانب القصور في النظريات التي تذهب إلى أن الانتشار (من الغرب ) يحدث التنمية (في الدول غير الغربية )يكمن في تصورها (أي النظريات ) لعملية الانتشار ذاتها. فالانتشار - طبقا لهذه النظريات - يبدو كأنه عملية اقتصادية - سياسية حيادية. ذلك أن الانتشار يعني هنا سيطرة واستغلال الدول المرسلة (المتقدمة) للدول المستقبلة (المتخلفة). وتميل هذه النظريات أيضاً إلى حجب الدلالات السياسية والإيديولوجية للمساعدات الاقتصادية ؛ والتهوين من شأن عدم تكافؤ العلاقات الاقتصادية بين الدول الغنية والدول الفقيرة؛ وإغفال طبيعة البناء الاجتماعي الذي فرضه الاستعمار على الدول المتخلفة. وفضلا عن ذلك كله فهناك مجال كبير للشك في قيمة رءوس الأموال المتجهة من الدول المتقدمة إلى الدول المتخلفة. فلقد أوضح جاليه أن رءوس الأموال الإمبريالية الخاصة قد أصبحت الآن نتجه إلى البلدان الرأسمالية المتقدمة أكثر من اتجاهها إلى بلدان العالم الثالث... كذلك فإن القطاعات التي تظهر فيها المبادرات الخاصة يتم اختيارها وفقا لما يمكن أن تدره من إيراد مباشر. وقلما تكون أساسية عندما لا يأتي نموها بأي ضرر يمس التقدم الاقتصادي للدول النامية ... والمصانع التي تقام على هذا النحو تشكل جزراً متقدمة وسط محيط متخلف .
ويرتبط ذلك في حقيقة الأمر بالتقييم الدولي للعمل المتسم بالطابع الإمبريالي، وهو تقسيم يقوم على تخصيص الدول المتخلفة لتصدير المنتجات الغذائية والمواد الأولية للبترول إلى الدول المسيطرة؛ وتخصيص الدول المتقدمة لتصنيع هذه المنتجات مما يتيح لها مضاعفة ثرواتها، وتلك نقطة سنعود إلى توضيحها في موضع لاحق.
وفضلا عما سبق فإن كتابات ممثلي الاتجاه الانتشاري تميل إلى التقليل من القيمة


الفعلية لرءوس الأموال المتجهة من الدول النامية إلى الدول المتقدمة. هي أولاً تقلل نم القيمة الفعلية لرؤوس الأموال المتجهة من الدول الأولى إلى الدول الثانية بهدف الاستثمار. وهي ثانيا تتجاهل الحقيقة التي مؤداها؛ أن الجانب الأكبر من رءوس الأموال التي تمتلكها الدول المتقدمة داخل أراضي الدول النامية لم ترسل من الأولى إلى الثانية. كذلك فإن البيانات الإحصائية التي يستعين بها أصحاب الاتجاه الانتشاري لا تبرز حقيقة هامة هي: ان مساهمة الدول النامية في التجارة الدولية تكاد تكون مساهمة ضئيلة، بل وآخذة في الانخفاض التدريجي، وأن التجارة الدولية قد فرضت على الدول النامية قيوداً عديدة، مما أدى إلى رفع قيمة التكاليف الإنتاجية بحيث أصبحت تفوق قيمة استثماراتها الخاصة وما تحصل عليه من الدول المتقدمة من ديون وتسهيلات مالية. . وبالإضافة إلى ذلك فهناك شواهد متزايدة الآن على أن استثمارات الدول المتقدمة في القطاعات الإنتاجية الأساسية في الدول النامية (كإنتاج السكر والمعادن والبترول .... إلخ) لم تؤد بالفعل إلى إحداث تقدم اقتصادي في الدول الأخيرة، بل خلقت مشكلات عديدة حالت دون تحقيق هذا التقدم. كذلك أشار بعض كتاب دول العالم الثالث المعنيين بالتنمية الاقتصادية إلى أن الاستثمارات الأجنبية تؤدي إلى عواقب وخيمة بالنسبة للاقتصاد الوطني فهي تؤثر على المشروعات الصناعية القومية، وتؤدي إلى استنزاف الاقتصاد القومي، وتدعم الاقتصاد الأجنبي وتضعف الاقتصاد الوطني، وتؤثر تأثيراً بالغاً على الحياة الاجتماعية والسياسية، وتعمل على تحالف القلة الحاكمة مع القوى الاحتكارية العالمية، وتسهم في تحقيق السيطرة على القطاعات الاقتصادية التي تحقق أرباحا عالية، وتؤدي إلى عدم تكامل الاقتصاد الوطني، لأن رأس المال الأجنبي لا يستجيب - بطبيعته - لمتطلبات التخطيط .
وهكذا يبدو واضحاً أن المساعدات الخارجية لا تتخذ فقط معنى اقتصادياً خالصاً، فهي تتضمن دلالات سياسية بالغة الأهمية، طالما أنها تكسب الدول المتلقية دور الخاضع في السياسة الخارجية. وإحدى النتائج الهامة المترتبة على ذلك أن تظل المجتمعات التي حققت استقلالها مؤخرا خاضعة على الدوام لنظام سياسي اقتصادي يقوم على ضرب من الاستعمار الداخلي . فالمساعدة تعني أو تتضمن أن الذي يتلقاها هو بحاجة إليها؛ أي أنه فقير. ولا يمكن أن يفهم الفقر فهماً سوسيولوجيا حقيقياً في ضوء مجرد انخفاض الدخل أو الحرمان، بل في ضوء الاستجابة الاجتماعية لانخفاض الدخل.
وإذا ما تناولنا ظاهرة ضآلة الدخل والحرمان تناولا تاريخياً، لاحظنا أنهما كانتا من الظواهر التي ميزت غالبية الجنس البشري في أغلب مراحل تاريخه. غير أن الحرمان في حد ذاته لم يكن مصحوباً - على الدوام - بالصورة السيئة، لأنه لم يكن يتضمن . بالضرورة - رفض الأوضاع القائمة. وإذا فالتفاوت بين الأمم يعد حقيقة أساسية من حقائق المجتمع البشري. غير أن التمييز بين الأمم يعد حقيقة أساسية من حقائق المجتمع البشري. غير أن التمييز بين الأمم الفقيرة (أو البروليتارية كما يصفها البعض) والأمم الغنية بعد خاصية من خصائص النظام الدولي المعاصر.
والملاحظ أن القيم التي يوصي أصحاب الاتجاه الانتشاري الدول المتخلفة يتبنيها هي قيم المجتمع الرأسمالي (أي الحرية الاقتصادية، والنظام السياسي الديموقراطي). بعبارة أخرى فإن أصحاب هذا الاتجاه يطالبون الدول المتخلفة بضرورة تبني الليبرالية بأشكالها المختلفة. فعلى المستوى الاقتصادي يطالبون بضرورة تشجيع المنظمين والتجار الذين يستطيعون - جنباً إلى جنب الدولة - إنجاز المهام الاقتصادية الأساسية. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على المستوى السياسي. أما على المستوى الاجتماعي فهم يطالبون - كما سبق أن أشرنا - بتوسيع نطاق الطبقة الوسطى وإتاحة مزيد من الفرص لتحقيق حراك اجتماعي. وفضلا عما تنطوي عليه وجهة النظر هذه من تزييف، فإنها تتجاهل حقيقة أساسية هي أنه إذا كانت الرأسمالية قد
نجحت في تطوير وتنمية المجتمعات الأوربية، فإن ذلك لا يعني أن نفس النموذج يمكن تكراره أو اتباعه في حالة الدول المتخلفة الآن.
هذا وقد خضعت فكرة استيراد الدول النامية لتكنولوجيا الدول المتقدمة لانتقادات مريرة من بعض الدارسين . فالملاحظ أن الدول الأولى (النامية) لا تحصل من الدول الأخيرة (المتقدمة) إلا على نمط أو مستوى معين من التكنولوجيا ذلك لأن التكنولوجيا التقدمة هي دائما من نصيب الدول المتقدمة. والواقع أن مشكلة التكنولوجيا وانتقالها إلى الدول النامية مرتبطة بالنظام الاقتصادي الاحتكاري الذي تمثله القوى الدولية الكبرى، وأن هذا النظام يمتد ليشمل المستويين القومي والمحلي. ومن الناحية التاريخية؛ لوحظ أن الدول الرأسمالية الاستعمارية - خلال مراحل تطورها - قد نقلت شكلا معيناً من التكنولوجيا إلى عواصم المستعمرات يتلاءم مع أهداف الدول الاستعمارية. كذلك فإن العالم المعاصر يشهد هوة تكنولوجية بين الدول المتقدمة ذاتها فثمة هوة تكنولوجية بين الولايات المتحدة وأوربا الغربية وأن الأخيرة تحاول جاهدة سد هذه الهوة؛ فكيف يمكن للدول النامية سد هذه الهوة وهي خاضعة تماما لنظام احتكاري عالمي قاس.
ولا شك أن معالجات أصحاب الاتجاه الانتشاري لقضية تنمية الدول المتخلفة تنطوي على تضليل بالغ. إذ أنهم يغفلون تاريخ الدول المتخلفة والمتقدمة على السواء. فالمؤكد أن الاستعمار قد لعب دوراً خطيراً في كبح نشاط المنظمين الوطنيين. وكان للترشيد المتزايد في الغرب تأثير كبير على التجار الغربيين. ففي إنجلترا - مثلا - انقرضت الصناعات الحرفية ليحل محلها النظام الإنتاجي المستند إلى نظام المصنع. والواقع أن هذه العملية التطورية لم تحدث في العالم المتخلف، حيث أحدث الاستعمار أضرارا بالغة لأولئك الذين يعتمدون في عيشهم على إنتاج وتوزيع الصناعات الحرفية المحلية.
ولم تكن مسألة تحطيم نشاط المنظمين الوطنيين مقصورة فقط على إنتاج السلع الحرفية؛ فلقد واجه المنظمون الوطنيون منافسة بالغة القسوة من جانب المستعمرين فيما يتعلق بالصناعات الأساسية، وفضلا عن ذلك نجد العلماء الاجتماعيين الغربيين يتجاهلون الحقيقة التاريخية التي مؤداها ؛ أن الاستعمار قد حطم الجذور الطبيعية التي كان من الممكن أن تسهم في انتعاش الصناعة. ولعل أوضح مثال على ذلك مقارنة التصنيع الناجح الذي حققته اليابان والتخلف الذي عاشته الصين قبل ثورتها. فالماركسيون يميلون إلى التهوين من شأن الاختلافات الهامة في ثقافة وبناء هاتين الدولتين، بينما نجد العلماء الغربيين يتجنبون مناقشة تأثير الاستعمار في هذا المجال. ويبدو ذلك أوضح ما يكون في معالجة ماريون ليفي للعوامل المتناقضة في تحديث كل من الصين واليابان، حيث نجده يؤكد أن المصادر الداخلية للتغير في كلتا الدولتين كانتا مختلفتين، بينما كانت المصادر الخارجية للتغير متماثلة. والواقع أن تحليل ليفي قد خلا من أية إشارة للتدخل الغربي في الصين، فلقد كان بالنسبة له عاملا تافها لا يستحق حتى إشارة قصيرة، ومع ذلك نجد دفاعاً عن الاستعمار الغربي للدول المتخلفة. فلقد ذهب هاري رودين Rudin إلى أن أوربا قد واجهت خلال القرن التاسع عشر قضايا هامة كان حلها متوافراً خارج أوربا ذاتها، أي بعيدا عن حدودها. كذلك يذهب المدافعون عن الاستعمار إلى القول بأن الاستعمار قد أحدث تطورات إيجابية في الدول المتخلفة؛ ذلك لان الحكم الغربي قد اهتم بإقامة الطرق ومد خطوط السكك الحديدية وبناء المرافق، وحفر المناجم ، وتجميل المدن، وإشراك السكان الوطنيين في إدارة المرافق المختلفة .. إلخ. على أن هذا القول ينطوي على تحيز إيديولوجي واضح؛ ذلك أنه يؤكد حقيقة أن تخلف البلاد المتخلفة لا يعود إلى عوامل ذاتية، بقدر ما يعود إلى تفاوت التطور التاريخي الذي يتمثل في تبني بعض دول أوربا الغربية الطريق الرأسمالي قبل الكثير من الدول المتخلفة، وأن الاستعمار كان هو العامل الحاسم الذي عاق الدول المتخلفة عن اتخاذ تطورها التاريخي الذي كان يجب عليها أن تتخذه .
كذلك نجد بعض أصحاب الاتجاه الانتشاري يعتقدون أن القيم التقليدية السائدة في دول العالم الثالث تمثل مصدرا للفساد. وهم - حينئذ - يستخدمون مصطلح الفساد للإشارة إلى مجرد تطبيق القيم والسلوك التقليديين في مواقف وأوضاع غير ملائمة. ويستشهدون على ذلك بسيادة المصلحة الذاتية والحكم على الأشخاص طبقا لنوعيتهم وصلاتهم الشخصية غير أننا نجد التحليلات التي يقدمها هؤلاء العلماء تخلو من أية إشارة للدور الذي لعبه لحكم الاستعماري في تشجيع الفساد في حكومات الدول النامية. ولقد أوضح هنتر التأثير الضار الذي أحدثه الاستعمار بإدخال القانون الغربي في جنوب شرق آسيا، فلقد أدى ذلك إلى حدوث فوضى هائلة في الحياة التقليدية بدت أوضح ما تكن في تحطيم نظم المجتمع التقليدي، والقضاء على روح الإخلاص المرتبطة بهذه النظم، ونمو كل من الجريمة والفساد، وظهور الرشوة، وإفساد القضاة، وخلق طبقة سيئة أو فاسدة من المحامين الوطنيين، مما حرم بقية قطاعات المجتمع من كفاءة هؤلاء المحامين وإسهامهم بما يفيد المجتمع ، والمؤكد أن القرى الاستعمارية الغربية قد حكمت الدول المتخلفة حكماً غير مباشر مستعينة في ذلك بالبناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي كان قائماً وقتئذ. ولقد لعبت هذه القوى الاستعمارية الدور الأكبر في ظهور وتدعيم الطبقة الحاكمة الوطنية الجديدة ثم إفسادها من بعد ذلك حيث ترتبط مصالحها ارتباطاً عضوياً بمصالح القرى الاستعمارية.


يضاف إلى ما سبق أن معالجات أصحاب الاتجاه الانتشاري لقيم ونظم دول العالم الثالث تنطوي على نزعة محافظة أوضح من أن أسهب في توضحها هنا. ففي معالجة سيمور مارتن ليبست للقيم ودورها في التنمية ، نجده يقدم مناقشة ممتازة لوجهة نظر ماكس فيبر، ثم يلخص نتائج دراسات عديدة أجريت عن القيم ودورها في التنمية بهدف تحليل العوامل البنائية التي أدت إلى ظهور واستمرار قيم الخصوصية و العزو في أمريكا اللاتينية. ولقد هب ليبست إلى أن الاحتكار أو الازدراء التقليدي للعمل اليدوي أو الإنتاجي قد أتى من أسبانيا والبرتغال، وأنـه قـد تـدعـم بفضل طبقة كبار ملاك الأرض في أمريكا اللاتينية. ذلك أن النظام التعليمي الخاص بهذه الطبقة لا يزال كما يقول ليبست - يعكس قيم هذه الطبقة، لأن هدفها هو تنمية العقل لا تنمية المهارات العملية.
ومع ذلك فلقد أشار ليبست إلى أن ثمة فروقا أو اختلافات إقليمية فيما يتعلق بالقيم. فكما أن القيم في جنوب الولايات المتحدة قد عاقت التنمية، فإنها قد أدت إلى نفس النتيجة في المناطق الشمالية من البرازيل، وهي مناطق زراعية أساسا. أما الجنوب الذي يعد أكثر تقدما - فإن لديه نسقا قيميا يستند إلى العمومية و الإنجاز، وهو في ذلك يشبه شمال الولايات المتحدة.
ولقد كان ليست على صواب حينما توصل إلى النتيجة التالية: من الواضح أن أسرع الوسائل لإحداث تغييرات أساسية في القيم يتمثل في الثورات الاجتماعية التي تزيل الطبقات السائدة التي تسعى إلى تحقيق أوضاعها وقيمها التقليدية . غير أن هذه العبارة قد تاهت وسط مقاله الطويل. فقضية الثورة لم تثر في أي موضع آخر من مقاله؛ كما أنه قد علق أهمية كبيرة على الدور الذي يمكن أن يلعبه التعليم الجامعي في تدعيم خاصية الإنجاز في بلدان أمريكا اللاتينية، وهو دور لا يستطيع أن يسهم في إحداث النتائج الراديكالية التي ظنها ليبست.
وما يقال عن مقال ليبست يقال أيضاً عن دراسات عديدة في هذا المجال . فلقد أدى فقدان المنظور التاريخي الحقيقي إلى ظهور خلط بين النظم التقليدية والنظم الاستعمارية، وبين البناء الطبقي التقليدي والبناء الطبقي الاستعماري. ويمكننا القول بصفة عامة وبقدر كبير من الإنصاف - أن المحاولات التي تمت في دول العالم الثالث للتغلب على معوقات التنمية الاقتصادية( وهي المعوقات التي تعد نتاجا للاستعمار) قد اختلطت مع محاولات التغلب على معوقات التنمية التي كانت سائدة في بلدان العالم الثالث فيما قبل الاستعمار والتي لها أصل محلي تقليدي. ولعل مفهوم المجتمع (الاقتصاد) المزدوج يعد واحداً من المفاهيم التي اكتنفها غموض وخلط شديدان مما يبرر معالجته هنا بشئ من التفضيل.
يستند مفهوم المجتمع (الاقتصاد) المزدوج إلى حقيقة أساسية هي : أن المجتمع الواحد يخضع لسيطرة نمطين متباينين أشد التباين من الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وعادة ما يتصف النمط الأول بتركز رءوس الأموال والتكنولوجيا الحديثة وارتفاع معدل الإنتاجية، بينما يتصف النمط الثاني بغلبة الطابع التقليدي عليه، لأنه يقوم – أساساً - على النشاط الزراعي والصناعات الصغيرة الحرفية . وعادة ما ينظر أصحاب الاتجاه الانتشاري إلى هذين النمطين من التنظيم( الاجتماعي والاقتصادي) على أنهما مستقلين عن بعضهما البعض كذلك فإنهم يذهبون إلى أن التنمية تحدث حينما يبدأ النمط الاجتماعي الاقتصادي المتقدم في التغلغل والنفاذ في النمط الاجتماعي الاقتصادي التقليدي، الذي يميل - بطبيعة الحال – إلى الانهيار والاختفاء تدريجياً.
وهم يعتقدون بعد ذلك أن القيم الحديثة ستحل محل القيم التقليدية التي ظلت معوقا للتنمية. غير أن وجهات نظرهم هذه تنطوي على تضليل بين. فما يطلق عليه الاقتصاد (أو المجتمع ) التقليدي هو نتيجة التغلغل الرأسمالي في الدول المتخلفة في مراحل تاريخية سابقة. وفضلا عن ذلك فإن نمطي التنظيم الاجتماعي والاقتصادي ليسا منعزلين عن بعضهما البعض، فثمة علاقة تكافلية بينهما. كذلك فإن الدراسة الجادة للتاريخ الاستعماري كفيلة بتفنيد وجهة النظر التفاؤلية القائلة بأن الصلة بين هذين النمطين من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي تؤدي إلى تنمية اقتصادية. ومع أن الازدواجية - في ذاتها - تمثل مرحلة من مراحل تاريخ تفاعل المجتمع الغربي الاستعماري مع الدول النامية، إلا أن أصحاب الاتجاه الانتشاري لا يقرون الفائدة التي ينطوي عليها مفعول المجتمع (الاقتصادي) المزدوج في دراسة مرحلة ما بعد الاستعمار.
وهم في ذلك يذهبون إلى أن انتهاء الاستعمار وهم في ذلك يذهبون إلى أن انتهاء الاستعمار قد خلف وراءه مجتمعا متعددا، وهو مجتمع يتسم بوجود صفوة وطنية تتحكم في الموارد القومية وتخلع عليها فكرة الأمة، وتحافظ على علاقات هذه الأمة بالأمم الأخرى، وأنها على صلة بالتطورات العالمية في المجالات العلمية والاقتصادية والسياسية.. أما القطاعات الأخرى من المجتمع المتعدد، فتنتظم من أجل تحقيق أهداف إقليمية ومحلية. فهي إذاً لا تتحكم في القوتين السياسية والاقتصادية على مستوى قومي. وتوجد الثقافات الجمعية في قلب المجتمع المتعدد ؛ ذلك أن الاختلاف ليس فقط متعلقاً بالجوانب السياسية والاقتصادية والإيديولوجية لقطاعات المجتمع ، بل يمتد ليشمل الثقافة أيضاً.
وهناك وجوه شبه عديدة بين المفهوم السابق عن المجتمع المتعدد ومفهوم فيرنفال و سميث عن المجتمع الجمعي. فالمفهوم الأخير يشير إلى المجتمعات التي تشهد تنوعاً رسمياً في النسق الأساسي للنظم المحورية. وتشمل هذه النظم القرابة والتعليم والدين والملكية والاقتصاد. ولا يوجد في مثل هذا النوع من المجتمعات متصل مكانة أو اتفاق حول القيم والمصالح المشتركة، كما أن هناك سمة أو خاصية تميز هذه المجتمعات هي وجود صفوة ثقافية تسيطر عليها.
والمحقق أن المجتمعات الازدواجية شأنها شأن المجتمعات الجمعية - قد ظهرت إلى حيز الوجود نتيجة للقهر الغربي والهجرات المختلفة. وفي هذا المجال يمكننا أن نشير إلى تحليل نيوفينهويزه لمفهوم المجتمع الجمعي الذي صكه سميث. فلقد وصفت نيوفينهويزه مجتمعات الشرق الأوسط بأنها مجتمعات مركبة؛ أي أنها مجتمعات يمكن أن تتحول لتصبح جمعية، وأنها بفضل هذه الخاصية يمكن أن تصبح أكثر تكاملا بفضل الاتساق بين المكونات المختلفة (كالقبيلة والقرية والمدينة) التي تلتقي عند بؤرة ثقافية معينة.
والملاحظ أن أصحاب الاتجاه الانتشاري يميلون إلى إغفال التأثيرات الاستعمارية التاريخية المختلفة على الدول المتخلفة، والدور الذي لعبته هذه التأثيرات في خلق وإيجاد الازدواجية بأبعادها المتنوعة. فلقد ذهبت الدراسات الانتشارية إلى أن الدول النامية قد طورت قطاعاً حضرياً يتصف بتنظيم اقتصادي - اجتماعي يختلف عن ذلك الذي يسود بقية قطاعات هذه الدول (والمتمثلة في المناطق الريفية). ثم تذهب هذه الدراسات بعد ذلك إلى ضرورة تكامل القطاع الريفي مع النظام الاقتصادي (السياسي). غير أن هذه الدراسات تفتقد النظرة البنائية الشاملة للقطاعين فمن الصعب أن نقيم تصوراً ملائماً عن الفلاحين دون الإشارة إلى علاقاتهم بالمراكز الحضرية، تلك المراكز التي تعيش على الفائض الاقتصادي الذي تحققه المناطق الريفية؛ وبدون تحليل العلاقات الإدارية والسياسية بين القرية والمدينة.
والحقيقة الهامة في هذا المجال هي أن كل قطاعات الدول النامية قد خضعت المؤثرات وتحولات مارسها الاستعمار ، كما خضعت لتغيرات داخلية بعد حصولها على الاستقلال مثل سن قوانين للإصلاح الزراعي، وبناء جيوش وطنية، وإدخال نظم الإدارة المحلية، وتطوير أساليب الاتصال. ومن الحقائق المرتبطة بهذه الحقيقة أن الزراعة في الدول النامية - بوصفها دعامة الاقتصاد القومي - قد بدأت تفقد بعض أهميتها التاريخية نظراً لتقدم التصنيع، والمساعدات الخارجية، واستغلال الشركات الأجنبية للمواد الخام (كالبترول)، واستمرار الهجرة من المناطق الريفية المتخلفة إلى المدن المزدحمة.
وإذا فبغض النظر عن مسألة التكامل الاقتصادي للفلاحين، وتغلغل علاقات السوق في المناطق الريفية، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل التكامل السياسي للفلاحين والأساليب المختلفة التي تم بها هذا التكامل في دول مختلفة كالاتحاد السوفيتي (السابق)
والصين وكوبا ومصر .... إلخ. وفوق ذلك فإني أعتقد أن دراسة الفروق بين الريف والمدينة في الدول النامية يجب أن تتم في ضوء مفاهيم التدرج الاجتماعي (مثل أساليب الحياة، والطبقة، والقوة) لا في ضوء أية نظرية تتناول الازدواجية.
وتوضح الدراسة المتعمقة للاقتصاد التقليدي مدى اتساع هذا المفهوم وتنوعه بتنوع الواقع. ففي أمريكا الجنوبية نجد أن أشد المناطق تخلفا هي التي سيطر (وما يزال) عليها الإقطاع؛ ذلك أن النظام الزراعي في أمريكا اللاتينية أو (مزارع الهاسيندا) قد تضمن بعضا من خصائص نظام المزارع الإقطاعية . فالعمال الكادحون كانوا مرتبطين بالأرض شانهم في ذلك شأن الأقنان. كما أن مالك الأرض - كما يقول لويس فيتال - كان له كل صلاحيات التحكم السياسي والعسكري والقضائي. بيد أن ذلك كان يمثل مشروعات تجارية، كما أن هذه المزارع الإقطاعية لم تكن مستندة إلى اقتصاد عائلي . ولقد كان ذلك ملائما لغزو اقتصاد السوق بلدان أمريكا اللاتينية، ثم تحطيم حضارتها القديمة، وصناعاتها الحرفية وزراعاتها. وبالمثل فإن الدراسة المتأنية قد أوضحت أن النزعة التقليدية في المناطق الهندية المتخلفة في أمريكا اللاتينية لم تكن هي العائق الذي حال دون التنمية، بل إن العائق الحقيقي هو نظام السوق ذاته الذي فرض على هذه المناطق فرضا. وفي ذلك يقول إيرك وولف : كان من مصلحة مشتري منتجات الفلاحين أن يظلوا في حالة تخلف دائم. ذلك أن إعادة تنظيم الجهاز الإنتاجي للفلاحين قد يستوعب رءوس الأموال والقروض التي يمكن إنفاقها - بشكل أفضل - في توسيع نطاق السوق عن طريق شراء وسائل النقل وتشغيل الوسطاء... إلخ. وفضلا عن ذلك فإن ترك الجهاز الإنتاجي كما هو دون تغيير يمكن المشتري من الحد من مخاطرة ربط رأسماله بوسائل إنتاج الفلاحين. ومن شأن هذا الموقف أن يتيح للمستثمر فرصة كبيرة لتوظيف رأسماله، وأن يجبر الفلاح على الإنتاج الزراعي بأساليب تكنولوجية تقليدية.
تماماً كلا من الواقع التاريخي والمعاصر للدول النامية. ذلك لأن البناء الاجتماعي للدول النامية قد تشكل منذ اللحظة التي تكاملت فيها هذه الدول مع النظام العالمي القائم على الاحتكار. كذلك فإن هؤلاء العلماء قد انتهكوا المعايير والمبادئ التي تستند إليها كل من النزعتين البنائية والتاريخية؛ ذلك أنهم قد فشلوا في اتباع المبادئ التي تقوم عليها فكرة الازدواجية، حينما أقروا بوضوح وجود إطارين نظريين عامين يستطيعان تفسير كل اجتماعي واحد، كما فشلوا في اتباع مبادئ النزعة البنائية لأنهم عند تحليلهم للبناء الاجتماعي للدول النامية قد قصروا اهتمامهم على الأجزاء المكونة لهذا البناء مبتعدين بذلك عن أية نظرية شاملة له .


كذلك فإن أصحاب الاتجاه الانتشاري لا يستطيعون - بحكم قصور اتجاههم أن يقدموا سياسات فعالة تتناول مشكلات التنمية الاقتصادية والتغير الثقافي. فالاحتكاك والانتشار اللذان سادا لقرون عديدة مضت بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة الآن لم يؤديا إلى إحداث تنمية اقتصادية في الدول الأخيرة. كذلك فإن أي انتشار من عواصم الدول المتخلفة إلى أقاليمها المختلفة لم يؤد إلى تنمية الأخيرة. وإذاً فالانتشار لا يؤدي إلى تغير في البناء الاجتماعي بقدر ما تؤدي التحولات التي تطرأ على البناء الاجتماعي ذاته إلى إحداث انتشار فعال ؛ أي أنه يتعين تغيير البناء الاجتماعي للدول المتخلفة، إذا ما أريد تحقيق التنمية، وإذا ما أريد للانتشار الإسهام بنصيب في التنمية.
وأعتقد أن الفهم الحقيقي لمشكلات الدول النامية يجب أن يتم في ضوء تحليل التفاعل التاريخي والمعاصر بينها وبين الدول المتقدمة. ولا شك أن أصحاب الاتجاه الانتشاري كانوا على صواب حينما لفتوا الأنظار إلى هذه الحقيقة. غير أن القيمة النظرية والتطبيقية لهذا الاتجاه محدودة للغاية؛ إذ إنه يميل إلى تصوير عملية التنمية على أنها مجرد اكتساب خصائص الغرب (أو الفرنجة) ، وتلك وجه نظر مضللة إلى حد بعيد، لأنها إما تنظر إلى المجتمع المستقبل على أنه يمثل بناءً إيجابياً يخضع لتشكيل المجتمع الغربي ليتخذ صورته، أو أن المجتمع غير الغربي ينطوي على معوقات مختلفة يجب مواجهتها والتغلب عليها قبل أن تحدث عملية التنمية أو التحديث والملاحظ أن أصحاب هذا الاتجاه يسلمون - بداءة – بأن ثمة معوقات معينة تحول دون تحقيق التنمية، وتلك قضية يجب أن تخضع - بدورها - للتحقق الإمبيريقي. فلقد أشار هيرشمان - بحق - إلى أنه ليس من اليسير تحديد عدد معين من معوقات التنمية تتصف بالصدق والثبات، كما أنه ليس من اليسير تصنيف هذه في شكل تدرجي يحدد أهميتها ومكانتها؛ ذلك أن هناك معوقات "مزعومة " للتنمية، ولكنها ليست معوقات بالفعل، أي أنها تعد خصائص بناء اجتماعي متقدم. ويستشهد هيرشمان بمثال الأسرة الممتدة أو المشتركة. فلم يعد من الواضح أن هذا النمط من الأسرة يعوق التنمية الاقتصادية. فإذا كان هذا النمط من الأسرة يعوق الحوافز الفردية، إلا أن هذه الأسرة تلعب دورا في إثارة الفرد نحو بذل جهد أكبر بفضل الالتزام بالمشاركة مع الآخرين. ومثل هذا البناء الأسرى يسمح أيضا للأفراد بتوجيه أو تخصيص مواردهم لا فقط من أجل الاستهلاك، بل أيضاً - وبنفس المقدار - من أجل الاستثمار . يضاف إلى ما سبق أن بعض العناصر التي يظن أنها ضرورية قد تكون غير ضرورية. فاللاشخصية - مثلا - لا تبدو ضرورية أو هامة جدا في إنجاز المهام الاقتصادية في اليابان.
ومما سبق يبدو واضحاً كيف أن ثنائية التقليد - التحديث لا تتمتع بصدق أنطولوجي في العالم المعاصر. فالملاحظ أن مفهوم تقليدي - كما سأوضح في موضع لاحق - لا ينطبق على أغلب الصفوات في الدول النامية. ولعل المعنى الشرعي الوحيد الذي يمكن أن يستخدم به مفهوم تقليدي هو ذلك المعنى الذي يستخدم في حالة عدم وجود الصناعة. غير أن ذلك يختلف عن القول بأن الدول النامية استاتيكية، ومرتبطة بالعرف، وأسيرة الماضي المقدس، أو أنساق معتقدات قديمة. إن من الصعب القول بأن ثمة مجتمعاً معاصراً يمكن أن نصفه بالتقليدية؛ ذلك أن مثل هذا النمط من المجتمعات ينتمي إلى مرحلة ما قبل الصناعة، أو ما قبل الاستعمار، أو ما قبل الرأسمالية. إن التغيرات الاجتماعية - الاقتصادية - السياسية قد أصبحت عالمية في نطاقها، أي أن ثمة تغيرا قد طرأ على السياق الكلي أو الشامل الذي توجد فيه المجتمعات. إن مفهوم التقليدية مفهوم ينطوي على تنوع، وتعدد، ودينامية، وهو يمثل خاصية للثقافات والبناءات الاجتماعية التي تعبر عن فترة ما قبل الصناعة والاستعمار.
والملاحظ أن الذين يذهبون إلى قضية عدم الملاءمة بين الأشكال التقليدية من الحياة والأشكال الصناعية أو الحديثة إنما يميلون إلى تجاهل حقيقة أساسية هي: أن كل المجتمعات القائمة قد خضعت لتغيرات أو تحولات عديدة. ومن ناحية أخرى فإن العلماء الذين يؤمنون بضرورة التحول الشامل الذي تصاحبه تنمية اقتصادية، إنما يقعون في خطأ الحتمية التاريخية، وأنهم يكشفون بذلك عن عدم تقديرهم للسياق التاريخي للتغير البنائي والثقافي، والإمكانيات المتزايدة المتاحة للإنسان من أجل توجيه التغير وتوجيه ذاته.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

يستدعي استشراف ...

يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...

حذر مركز التنبؤ...

حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...

الاجابة علي تسا...

الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...

مقدمة التعريف ب...

مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...

دروس في المال: ...

دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...

درك الإمام أن ط...

درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...

2 - بداية عصر ا...

2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...

بالقرب من مدينة...

بالقرب من مدينة أور الأثرية. كان من المقرر أن يمتد موسم التنقيب لهذا العام من منتصف شهر سبتمبر/أيلول...

This is my Engl...

This is my English timetable. I have three English classes every week. My classes are on Sunday, Tue...

ينتسب المعنيون ...

ينتسب المعنيون الى الأمير معن بن ايوب الملقب بابي ربيعة، وهم عرب يمنيون نزحوا من شمالي بلاد الشام وم...

زار وفد شركة «م...

زار وفد شركة «موف وان» (Move One) العالمية للخدمات اللوجستية، البريطانية الأمريكية، برئاسة السيد جيس...

أخبار التقنية