لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (20%)
والذي يحاول – في صيم إشكالية موضوع بـحثه العام - معالجة قضية "التوليد الدلالي" للمعنى المعجمي للكلمة المفردة/ وذلك في مقابل معنى هذه الكلمة في الجملة، ومعلوم أن المعنى بين الحالين رهين اختلاف وضعه و ما يحيط به من عناصر مشكلة للمعنى، تلك التي تكسبه قيمة دلالية إضافية عما كانت عليه الكلمة داخل حدود المعجم، وممارسي تراكيبها وتعابيرها -في المجال الواقعي للكلام- الاستعمال الاستعاري للغة، بُدُ من إقحام البيان والأساليب المجازية والبلاغية في الكلام، ليخرج معنى الكلمة من دلالتها في أصل وضعها الأول؛ إلى دلالتها في وضع السيّاق العام للجملة:«وأنّ معنى الجملة رهين معاني أجزائها وأنّ معنى الكلّم؛ بما يحيل إليه المعنى الاستعاري أو المجازي، في شكل أولي وذلك في ظل الدّلالة المجازية والتوليد الدلالي العام الذي ينشأ عن "الاستعمال الاستعاري" للكلمة في تراكيب وجمل، فقد باتت قضايا المعنى بين المعجم والدّلالة في الحقبة، وتنبثق من صميم مشاغله المحركة لدواليب البحث في مسألة المعنى بعامة، أيضا قضايا المعنى مفصلاُ، وهو أحد أبرز أعمدة الدراسات اللسانية اولنحوية الغربية، وقد تابع باهتمام المعنى المعجمي والسيمانتيك، بل وحتى خارج مجال الدراسات اللسانية، إلا إذا كان الباحث المقتحم للمجال يتحلى بالصبر والأناة، ولربما يرجع أمر تلك الصعوبة التي تكتنف مجال العمل المعجمي إلى طبيعة المعجم ذاته وطبيعة مادته وكيفية جــمعها وترتيبـــها، كما يعتقدون أنها أسهمت بشكل وافر في جعل الدراسات اللغوية تنطلق انطلاقة علمية واعدة، )
لذلـك جاء هذا الفصل الذي يهدف أساسا إلى النظر في المعنى بين الحقيقي والمجازي، وبذلك تتبع قضايا الدلالة المعجمية العربية: وإن بدا عنوانها يحوم حول البلاغة وأساليب البيان، وطبيعته النظرية العلمية، إن هذه القضية تحتاج إلى وصف يوضح معالمها وإلى تحليل يبين مظاهرها العامة»( ). إلى اللسانيات العرفانية، الذي يصح أن يكون أتحد أقطاب درس الدلالة الكبرى؛ أولا / الاستعارة منبع الدلالة المجازية:
وعليه ينبغي أن ينظر إلى هذا المبحث بالذات بعين الحذر والدقة ، لأن الاستعارةو حدها الكفيلة بنقل المعنى بطرق شتى من وإلى المعنى الحرفي، وطبيعة الدّلالة المجازية
لقد دارت معركة الــرمز، لأن الرمز يرتبط ببالمجاز وبأثره في الدلالة اللغوية والحقيقة أنّ هذا المبحث كان ولا يزال جزءً لا يتجزأ منه، ومن هنا أعطى الكلام قيمته التي بها تتشوق إليه النفوس:«وبذلك اكتسبت اللغة مرونة وتجددا في استخدام الدلالات»( ). فقد عشعش في الفكر اللغوي ولردح طويل من الزمن أن التعبير بالتصريح والمباشرة لا يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها التعبير بالتكنية وبالمجاز، وما ترتب بعدها من صراعات فكرية أدت في النهاية إلى أن انقسام المعنى
على نفسه إلى حقيقي ومجازي، وكل منها يعتمد على الاستعمال . وقد يكون ذلك بالنسبة إلى الكلام البلاغي فهو تمحيص للغة اللبلاغية الراقية. أو بمعنى آخر: هو جهاز يتألف من مجموعة من الأنظمة الصوتية والصرفية والنحوية التيتعمل في خدمة المعجم، )
حيث تشكل الكلمة الأداة التي تعتمدها اللغة في وظيفتها الاتصالية، أو ما يمكن أن نسميه التوليد الدلالي في الجمل لا قال الزمخشري في شرح كلمة: دنو ـ دنا منه وإليه وله، ودخلتُ على الأمير فرحّب بي وأدنَى مجلسي. ومِظلّة دوحة: عظيمة. وفلان يلبس الدّاحَ وهو الوشي والنقش( )؛ ثانيا/ دلالة الألفاظ في معجـم أسا س البلاغة بين المعنى الحقيقي والمجازي
وليس كغاية ترجى لذاته. ومعجم "أساس البلاغة" من المعاجم العلمية الأدبية ذات المنزع البلاغي والغرض التعليمي، ويرتكز إلى الفصاحة في اللسان من غير إخلال ولا فساد في البيان بشكل مباشر وبطريقة مسهبة (كما قال عنه مؤلفه في مقدمة التعريف به) وهو موجه لعامة الجمهور العام من المتعلمين، والحكم، بما حشد بها هذا العالم الفذ معجمه من مختارات من أحسن أشعار العرب، "فكل استعارة إعلان عن نموذج ضمني في الأساليب البديعة بما يرقى إلى أعلى درجات الفصاحة في اللسـان". وفي الفقه، وأضاف قائلا: «منكانت مَطامحُ نظَرِه ، والمُخايرَةِ بين مُتَداوَلات ألفاظهم، » ( ) كما يوضح من خلال مادة معجمه، وكنايات، قد تكون بعيدة كل البعد عن المعنى الحقيقي المقرر في تلك المعجمات اللغوية. وأن الدّلالة هي ما تتضمنه العبارة لا تتقيد بما تفيده الكلمة المفردة، يحتكم إليه أو قاعدة يقاس عليها جودة التعبير وروعة البلاغة؛ كيف لا، وقد أسالت حبر أقلام اللسانين على مر عصور الدراسات اللغوية . حيث يتم منخلالها استبدال كلمة مجازية من بكلمة حقيقية، «وسائل تصبوا إلى جعل المحتمل أكثر جاذبية، فهي صورة توفر لنا فيها المشابهة سببا لإحلال كلمة مجازية مكان كلمة حرفية غائبة أو مغيبة، الذي تحتل فيها المجاورة الموقع الذي تحتله المشابهة في الاستعارة»( ). 1. العلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي في المنطوق الاستعاري إن العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي هي علاقة تكاملية التفافية، لأنه ما يجعل تلك العلاقة ذات طابع دوراني بين المعنيين الحقيقي والمجازي هو حقيقة الدلالة الجوهرية العالقة بالمعنى الأصلي للكلمة، وسيظل المعنى المعجمي للكلمة مدفونا في رمزها، وهذه السمات هي التي تربط صورة كل رمز باللغة، وتضمن بالتالي وحدة الرموز، أي أن المعنى يتحرك حركة التفافية للغوية حول المعنى الثابت، معينة، ثانيا/ نظرية الاستعارة في عرف البلاغة أما «الاستعارة»، والقياس بحيث يعرف منه ماهية ووظيفة الاستعارة ضمن أدوات البيان، قبل أن تهتم بعلم دلالة الكلمة المفردة» ( ) ومن أهم اللسانين المـُحدثين: الذين خاضوا في موضوع الاستعارة بمفهومها الكوني الشمولي ، جورج مايكل، فقد سيطر في الفكر البلاغي التقليدي نظريات كلاسيكية ساد فيها أن المشابهة سببًا لإحلال كلمة مجازية مكان كلمة حرفية غائبة أو مغيبة، فهي صورة توفر لنا فيها المشابهة سببًا لإحلال كلمة مجازية مكان كلمة حرفية غائبة أو مغيبة،
النص الأصلي
يأتي هذا الفصل التمهيدي –وكما يبدو من عنوانه - [المعنى والمبنى بين علم المعجم وعلم الدلالة، والاستعارة،] في سبيل بسط بعض الأفكار التي أرى أنها أساس موضوع هذا البحث؛ والذي يحاول – في صيم إشكالية موضوع بـحثه العام - معالجة قضية "التوليد الدلالي" للمعنى المعجمي للكلمة المفردة/ وذلك في مقابل معنى هذه الكلمة في الجملة، أي اختلاف المعنى الدلالي، بين حال وضع اللفظ مفردا في المعجم/ وبين حال وضعه في تراكيب وصيغ سياقية مختلفة، ومعلوم أن المعنى بين الحالين رهين اختلاف وضعه و ما يحيط به من عناصر مشكلة للمعنى، من سياق والأجزاء المشكلة له في مجملها، تلك التي تكسبه قيمة دلالية إضافية عما كانت عليه الكلمة داخل حدود المعجم، وذلك بوضعها في جمل وتراكيب سياقية متنوعة، حيث لا مفر من استعمال المجاز، والبيان بشتى ألوانه...من الاستعارة، والكناية، وجل ألوان المشابهة...في التعبـير اللغوي، فمعلوم أن استعمال اللغة يفرض على متداولبها، وممارسي تراكيبها وتعابيرها -في المجال الواقعي للكلام- الاستعمال الاستعاري للغة، وما له من علاقة مباشرة بالدّلالة والسيّاق، أين ليس لهؤلاء المستعملين والمتداولين لها، في أي لغة كونية كانت؛ بُدُ من إقحام البيان والأساليب المجازية والبلاغية في الكلام، ليخرج معنى الكلمة من دلالتها في أصل وضعها الأول؛ وفي حال كانت مفردة في المعجم، إلى دلالتها في وضع السيّاق العام للجملة:«وأنّ معنى الجملة رهين معاني أجزائها وأنّ معنى الكلّم؛ متعلّق بمجموع معنى الأجزاء»( ).
ولاغرو ما قلت، إن [المعنى المعجمي للكلمة المفردة] واحدٌ من أهم انشغالات هذا البحث ومحاوره الأساسية، لكن يأتي هذا الانشغال في ضوء المعنى الاستعاري ودلالة السيّاق، أو دلالة الجملة، بما يحيل إليه المعنى الاستعاري أو المجازي، في شكل أولي وذلك في ظل الدّلالة المجازية والتوليد الدلالي العام الذي ينشأ عن "الاستعمال الاستعاري" للكلمة في تراكيب وجمل،ونصوص متلرابطة، ليخرجها من دائرة المعنى المركزي، أو الحقيقي الذي تفرضه خصوصية المعنى المعجمي إلى رحابة أفق الدلالات السياقية الواسعة....
فقد باتت قضايا المعنى بين المعجم والدّلالة في الحقبة، في الحقبة الراهنة، من أهم مشاغل الدرس اللساني برمته، وهي في ذلك وإن بدت معاصره، إلّا أنها قضايا عتيقة ضاربة في القِدم تمتد بجذورها إلى أوليات الدرس اللغوي، وتنبثق من صميم مشاغله المحركة لدواليب البحث في مسألة المعنى بعامة، وفي المعجم بصفة خاصة، وفي ذلك ما يشير أيضا إلى أهمية المعجم والدراسات المعجمية، وتلك مسألة، وإن كانت من االمسائل اللسانية التي تتميز بأهمية بالغة ومناخ لغوي خاص، بيد أنها لم تنل حظها الوافر من العناية والدراسة اللازمة؛ لاسيما في ظل ما يشهده الدّرس اللغوي من تطورات عميقة، وقفزات نوعية عملاقة؛ قد تبدو في بعض الوهلات، خارقة للعادة علما ومنهجًا؛ خاصة ما يطرحه الواقع العلمي من ضرورة تحول صوب الانفتاح على الرقمنة العالمية... فقد باتت رقمنة المعاجم والتوجه قبلة المعجم الإلكتروني، أو ما بات يعرف بالمعجم المحوسب، أو المعجم الرقمي...كما يصطلح البعض على تسميته، مطلبا لا مفر منه، ذلك في ظل ما تشهده الساحة اللسانية من نهضة إلكترونية: « لا شكَّ أن العالم العربي- الآن- يعاني من قُصور في المجال المعجمي إذا ما قُورِن بالنهضة المعجميَّة في البلاد الأوربيَّة التي اعتبرت المعاجم هدفًا قوميًّا فخصَّصوا لتلك الصناعة كافة الإمكانات وذلَّلوا لها كلَّ السبلِ الممكنة». ( )، والحقيقة أن هذا ليس موضوع حديثنا في هذا المقام، لكنني استسقته في معرض الحديث عن تطورات المعجم، وأشرت إليه من باب أن مواكبة التطورات العلمية التي يشهدها دراسات المعجم، والحديث عن المعجم الالكتروني والصناعة المعجمية في ضوء النهضة الإلكترونية ورقمنة المعاجم؛ ضرورة لا مفر منها، حتى وإن كان ذلك ليس من جملة انشغالات هذا البحث الأساسية، ولا حتى الثانوية، بيد أنّ الإشارة إليه لا غنى عنها ضمن الحديث عن خلق سبل رقمية تعمل للتسهيل على متناول المعجم الوصول إلى "معنى المدخل المعجمي" بضغطة زِرٍ واحدة...
أو بتقنية حديثة أخرى؛ قد تكون لـربما... أسهل منها
ذلك، وقد عالج علماء اللغة في العصر الحديث، أيضا قضايا المعنى مفصلاُ، واستفاضوا في الحديث عن كل ما تعلق بها من دلالة ومعجم وسيمانتيك... ومن بينهم نذكر العالم "بلومفيلد"، وهو أحد أبرز أعمدة الدراسات اللسانية اولنحوية الغربية، وقد تابع باهتمام المعنى المعجمي والسيمانتيك، واعتبر أن علم السيمانتيك الذي يقابل المعنى المعجمي، أو الدّلالة المعجمية يقع خارج مجال المجال الواقعي للغة: « أصدر بلومفيلد حكمه قائلا: ((إن دراسة المعنى المعجمي، وبالتالي السيـــــمانتيك تعد خارج الـمجال الواقعي لعلم اللغة ))» ( )، وبالــموازاة مع ذلك، فإن دراسات المعنى لم تبق يوما رهينًا على عتبات المعجم والدراسات المعجمية، ولم تتقيد البتة في مجال لساني محدد، بل وحتى خارج مجال الدراسات اللسانية، حيث أن المعنى استقطب اهتمامات جهات عديدة لسانية وغير لسانية من مفكرين وفلاسفة، وأصوليين، ومتكلمين، وعلماء الدين، وعلماء اجتماع، ونفسانيين...
وتباعا للدّلالة المعجمية، وعلم السيمانتيك، وما والاهما من مفاهيم أو دار في فلكهما من مثل السيمانتيك المعجمي، والمعنى الحقيقي والمعنى الـمركزي، والمعنى المجازي... التي تعد كلها من جملة انشغالات هذا البحث الأساسية وعناصره المحورية، بحيث أنها تعتبر الركن الأساس الذي ينبني عليه فكرة البحث وتدور حول قطر دائرته جملة من الاشكالات المعرفية التي تراود ذهني وتشغلني ضمن مباحث اللسانيات...ولعل الذي يشغلني يدرجة أكثر من هذا البحث هو "مسألة الاستعارة"، لا من حيث كونها محسن لفظي أو أداةٌ للشبيه والتمثيل، والتصوير البياني، أو للتنميق الزخرفي... مثل ما هو شائع ومعروف عنها، ولكن من حيث زاوية علم الدّلالة، ومن حيث كونها وسيلة لتجاوز المعنى المعجمي إلى فسيح مجال المعنى الـمجازي الذي يتنشأ في سياقات الكلام المختلفة والاستعمال الاستعاري... وفي ظل ما تمليه معطيات اللسانيات العرفانية من تغيرات جذرية في الرؤى والمعارف اللسانية، أو في المجمل من زاوية كونها نشاط تعبيري متغلغل في طبيعة اللسان، لا يمكن أن نتخيل لغة ما تحيا من غير استعمال الاستعارة في تعابيرها بضورة عفوية من قبل متكلمي تلك اللغة...
ولقد عولجت مسائل المعنى ضمن أبحاث المعجم، حيث يعد الحقل المعجمي عموما بشقيه العلمي النّظري، والعملي التّطبيقي واحدًا من أهم الحقول اللسانية الصعصية إلى حد ما، فلا يستطيع أيًّا كان ولوج هذا الحقل اللغوي واقتحامه بسهولة، إلا إذا كان الباحث المقتحم للمجال يتحلى بالصبر والأناة، ويتمتع بالدّقة والقدرة على التمحيص والاستقراء والتتبع والتنظيم والتبويب، لأن صناعة المعاجم ليس بالأمر الهين، فلا يقدر عليه إلا من توافرت فيه الشروط، ولا حتى تحليل المعاجم وفتق محتواها لنقدها أو دراستها، وذلك ما يعكس جهود جهابذة اللغة من علماء السلف في صناعة المعاجم وتأليفها، وكذا من عقبهم في دراستها وتحليها، أو حتى بنقدها والتعليق عليها، ولتلك الأسباب اعتبر المجال المعجمي من أهم المجالات اللغوية وأدقها وأكثرها صعوبة، ولربما يرجع أمر تلك الصعوبة التي تكتنف مجال العمل المعجمي إلى طبيعة المعجم ذاته وطبيعة مادته وكيفية جــمعها وترتيبـــها، وهنالك من عدّ صناعة المعاجم فنا من الفنون لما تحتاج إليه هذه الأخيرة من مهارة ودربة:« فإنّ مجال العمل المعجميّ يعدّ من أهم مجالات النشاط اللّغويّ وأصعبها؛ ويقتضي مواصفات خاصّة في روّاده؛ في مقدّمتها الدّقة والأناة والصّبر. ولنا أن ننظر -اليوم- إلى جهود علمائنا القدامى في صناعة المعاجم، وما خلّفوه لنا من تراث معجميّ زاخر لنرى ما عانوه من نَصَبٍ بالغ، وما بذلوه من دقّة متناهية في الجمع والاستيعاب، وفي التّنظيم والتّبويب؛ وما وَفّروه لهذا الأمر المهم من أسباب النّضج والنُّجْح ما كفل له أن يتصدّر قمة نشاطاتهم اللّغوية؛ فصفت لنا بذلك موارد اللّغة وحُفظت أصولها، وما ترمي إليه من صحاح المعاني، ودقائق الدّلالات»( ).
كما أن هذا النشاط اللغوي اقترن بجانب اللسانيات التطبيقية، واعتبر فرعا منها لأن طبيعة المعجم تطبيقية بالضرورة، أو على الأقل لأن الصناعة المعجمية تعتمد جانب تأليف المعجم بوجه تمريسي أكثر منه تنظيري تقعيدي، وقد برز إلى الوجود في شكله التطبيقي، لذلك عُدّت الصناعة المعجمية ضمن فروع اللسانيات التطبيقية، هاته الأخيرة التي مازالت بحاجة إلى مزيد من الاهتمام :«أما اللسانيات التطبيقية (وهي في الواقع دراسة طرق تعليم اللغة)، فلم تحظ بنصيب كبير من الذكر لاعتقادي بعدم جداواها في الإسهام في تعليم اللغة الأنـجليزية أو اللغات الأوروبية الرسـمية».( )....
وعلى خلاف الواقع، فهنالك من يعتقد من الباحثين والدارسين أن اللسانيات التطبيقية لقيت نصيبها الوافر من الاهتمام العلمي، بل وحتى المادي من فبل الجهات العلمية المسؤولة، كما يعتقدون أنها أسهمت بشكل وافر في جعل الدراسات اللغوية تنطلق انطلاقة علمية واعدة، وذلك بالنظر إلى أهمية فروعها ومجالاتها في عالم اللغة وفي مجالات الحياة بعامة، في حين تلقى هذه الأخيرة إجحافا كبيرا؛ شأنها في ذلك شأن العديد من المشروعات الأخرى، ممن يرون أن لا طائل منها؛ وفي هذا الصدد يرى "جـفــري سامسون"، صاحب كتاب مــدارس اللسانيات"التسابق أن والتطور" أنه قد أخطأ من ظن أن اللسانيات التطبيقية لقيت من الاهتمام والرعاية ما يكفي ليجعلها تسهم في مجالها، وتسهم في تطور الدراسات اللغوية؛ فيقول إن: «أما أولئك اللذين يدعون ان اللسانيات التطبيقية أسهمت بالفعل في هذا المجال؛ لا يخدعون أنفسهم فحسب، بل ويـخدعون الآخرين أيضا، وما كان لهذا السبب ضررا يذكر لو لم تكن الأموال التي تنفق على الأعمال القائمة على اللسانيات التطبيقية، شأنها في ذلك شأن العديد من المشروعات الأخرى لا تأتي ممن يرون فيها بعض الفائدة،..».( )....
وللسانيات التطبيقية بما هي فرع من فروع علم اللغة، فهي أيضًا فرع من فروع الحياة العامة، ومعلوم أن تعليم اللغات هو جزء منها وهو خير دليل على مدى أهميتها في الحياة العامة، وقد غدا اليوم واحدا مطلبا من المطالب التعليمية التي تطرح نفسها بقوة بحكم الحاجة إليها، ومن حيث أنها وسيلة في تعاملات الشعوب وفي علاقاتها الضرورية، وتلعب اللسانيات دورا جليلا في تأدية هذه المهمة،و على رغم من ذلك نجد أنها لم تلق حقها من الاهتمام بعد: « إن ا للسانيات دورا مشرفا في تعليم اللغات الغربية التي تفتقر إلى أصول تعليمية، ومع ذلك يفترض، أن يكون هذا الدور محدودا دائما».( )
لذلـك جاء هذا الفصل الذي يهدف أساسا إلى النظر في المعنى بين الحقيقي والمجازي، وبذلك تتبع قضايا الدلالة المعجمية العربية: وإن بدا عنوانها يحوم حول البلاغة وأساليب البيان، بسبب ما للاستعارة من علاقة وطيدة بعلم البلاغة والبيان (أقصد بذلك عنوان الأطروحة: دور الاستعارة في توليد الدلالة في أساس البلاغة للزمخشري)، فهي تحاول أن تعالج أهم قضايا المعجم والدّلالة والتوليد الدّلالبي، من زاويتين اثنتين:
أ. زاوية نظر معجمية تتعلق ببنية المعجم، عموما، وطبيعته النظرية العلمية، والتطبيقية التي تتعلق بالصناعة المعجمية، وفن تدوين المعاجم وتبويبها وترتيبها ...المعجمية العربية التي تعتبرها فنا من فنون اللغة الكبرى:«إن هذه الدراسة تهدف إلى النظر في قضية المعجمية العربية التي تعتبرها فنا من فنون اللغة الكبرى التي اعتنى بها العرب خاصة ووضعوا فيها نظريات كبيرة واستنبطوا لها تطبيقات عدة، إن هذه القضية تحتاج إلى وصف يوضح معالمها وإلى تحليل يبين مظاهرها العامة»( ).
ب. وزاوية دلالية تبحث في الاستعارة وجوانب تعالقها مع المعنى المعجمي: والاستعارة، من رحلتها من عالم التصوير البياني والبلاغة، إلى اللسانيات العرفانية، لأبين أن مجازات المعجم جاءت لتعكس ما للتداول والاستعمال الاستعاري للغة، من أثر على تغير المعنى المعجمي، وما ينجم عنه من توليد للدلالات. واعتبارا بدوره، الذي يصح أن يكون أتحد أقطاب درس الدلالة الكبرى؛ أدعو إلى إعاندة النظر في منهج الاستعارة وعلاقتها بالمعجم:« إن المنهج الذي ندعوا إليه يعتبر ضروريا؛ لأنه يساعدنا على النظر إلى هذه القضية نظرة تختلف عما قبل في المعجمية العربية إلى يومنا هذا، وبالتالي يمكن لنا أن نبني أسسها بحسب الأسباب والظروف والنظريات التي دعت إليها، ذلك أننا نعتبر أن المعجمية العربية كغيرها من الفنون اللغوية، تستدعي إعادة النظر في شأنها لنؤرخ لها ولنضبط خصائصها ومقاصدها القديمة والحديثة»( ).
أولا / الاستعارة منبع الدلالة المجازية:
يشكل الحديث عن "الدلالة المجازية" نقطة الانطلاق التي يرتكز عليها هذا التمحيص في موضوع التوليد الدلالي، ودور الاستعارة فـي ذلك، علما أنه يؤخذ عليه أن يركن كثيرا إلى المعنى المعجمي، سواء كان ذلك من قبل لغويين أو لسانيين أو فلسفيين أو اجتماعين... اومتداولي اللغة بشتى أصنافهم، لأن الدلالة المجازية ما هي إلا انبثاقة عظمى للمعنى ، وهي محاولة لتخطي كل القيود المعجمية ، وعليه ينبغي أن ينظر إلى هذا المبحث بالذات بعين الحذر والدقة ،لأن الأمر يتعلق بطبيعة وجوهر المعنى، كما أنه يحيل إلى وسائل لغوية تعتبر بمثابة دعائم لسانية قارة في صلب النظام اللغوي و هي من جهة أخرى أدوات خلق وإيجاد وتوليد ...والاعتماد في ذلك لابد أن يكون على الطابع الاستاعري للغة ، لأن الاستعارةو حدها الكفيلة بنقل المعنى بطرق شتى من وإلى المعنى الحرفي، يقول "مونرو بريدسلي": إن الاستعارة هي قصيدة مصغرة، ومن هنا فالعلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي أشبه بنسخة مختصرة في داخل جملة واحدة من الدلالات المعقدة المتداخلة التي تسم العمل الأدبي كــكـــــل»( )
إن إشكالية الدلالة المجازية تكمن في إثارة العلاقة بين الدال والمدلول، مما أدى ذلك إلى ما يسمى بالتعدد الدلالي أو الاحتمال والغموض في دلالة الألفاظ، ومن هنا يضطر الـمؤول بصفته قارئا للنص أو متلق له إلى التأويل على أساس جدلية الحقيقة والمجاز، وهي قراءات قد لا يحمل اللفظ المعنى الذي وصلت إليه، وإنما المعنى قائـم في ذهـن القـارئ أو يخلعه المتأمل على العبارة من خلال المعاني الدلالية المستفادة من تلك الأساليب القرآنية.
الرمز، وطبيعة الدّلالة المجازية
لقد دارت معركة الــرمز، وكان أبطالها، الاستعمال والعرف والتداوال، والقيمة الدالية التي يختزنها الرمز في عمق معناه، وليس يجليها إلى مستوى الواقع اللغوي، سوى الاستعمال الاستعمال الاستعاري للغة، لأن الرمز يرتبط ببالمجاز وبأثره في الدلالة اللغوية والحقيقة أنّ هذا المبحث كان ولا يزال جزءً لا يتجزأ منه، والبحث اللغوي في الدراسات العربية انبثق مبناه على النظر في معاني الآيات القرآنية وما يتحصل بذلك من حملها على المجاز أو الحقيقة بناء على تأويل اللفظ أو أخذه على ظاهره وخاصة إذا كانت الآية بنظمها تحتمل المعنيين، ولهذا عرفوا التأويل بأنه:« اللفظ الذي صرف عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لقرينة يقترن بها، ومن هنا أعطى الكلام قيمته التي بها تتشوق إليه النفوس:«وبذلك اكتسبت اللغة مرونة وتجددا في استخدام الدلالات»( ).
فقد عشعش في الفكر اللغوي ولردح طويل من الزمن أن التعبير بالتصريح والمباشرة لا يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها التعبير بالتكنية وبالمجاز، تماما كما أن التأثير في الملتقي لن يأخذ نفس القيمة الإبلاغية، ولذلك لطالما كانت الظاهرة اللغوية من أسباب الخلافات المذهبية والمدارس الفقهية والفرق الإسلامية، سواء أكانت تلك الخلافات في الأصول أم في الفروع، وما ترتب بعدها من صراعات فكرية أدت في النهاية إلى أن انقسام المعنى
على نفسه إلى حقيقي ومجازي، وكل منها يعتمد على الاستعمال .
أما في باقي الدراسات واللغات الحية الأخرى فقد ارتبط كل منها بحدث لغوي معين سواء أكان ديني أو معرفي أو فلسفي، او اجتماعي ... المهم، أن جل لغات العالم الحية تنأى إلى المجاز في التداول وتبتعد عن الحقيقة في أكثر حالات التعبير اللغوي
وقد يتيه التداوال بين المعنى الحقيقي والمجازي فيصاب بالحيرة التي تبقيه واقفا في مفترق الطرق لا يدري ماذا يرجح، وخاصة إذا تكافأت تعلق الأمر بجانب الإثارة الجمالية على مستوى الأسلوب، وقد يكون ذلك بالنسبة إلى الكلام البلاغي فهو تمحيص للغة اللبلاغية الراقية.
وبالطبع فقد بات معلوما ومؤكدا في جل الحقائق اللغوية أن « اللغة جهاز رمزي وعرفي في آن واحد دوره بتآزر الوحدات المكونة له، أو بمعنى آخر: هو جهاز يتألف من مجموعة من الأنظمة الصوتية والصرفية والنحوية التيتعمل في خدمة المعجم، ويقع المعجم كحلقة وصل بين سلسلة الأنظمة (الصوتية والصرفية والنحوية) من ناحية وعلم الدلالة من ناحية أخرى ».( )
أما المعجم فقد نظر إليه عن طريق الكلمة، وذلك بطريقة أعمق عند تحليلالمعنى واعتبر أنه المرحلة التي تعقب قواعد اللغة ويبرز المعجم بجلاء عند محاولة تحليل المعنى الود في تلك القواعد، حيث تشكل الكلمة الأداة التي تعتمدها اللغة في وظيفتها الاتصالية، قبل أي وظيفة بلاغية أخرى، فالمعجم يعمل بشكل آلي مع الوظيفة الإبلاغية فيما تظل الوظيفة البلاغية الجمالية خارج نطاق المعجم:«فالمعجم إذن هو المرحلة التي تلي القواعد عند تحليل المعنى، وبالتالي فإن الكلمة هي الوسيلة التي تتوسل بها اللغة في آداء وظيفتها».( )
ولنأخذ مثالا من اللغة نستشهد به عن فكرة التوليد في المعنى باعتبار التوليد البنائي، أو ما يمكن أن نسميه التوليد الدلالي في الجمل لا قال الزمخشري في شرح كلمة: دنو ـ دنا منه وإليه وله، ودنا دَنْوَةً ، وأدناه. ودخلتُ على الأمير فرحّب بي وأدنَى مجلسي. وأدنت المرأة ثوبها. ودنَّته:يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ؛... واستدناه وداناه، وتدانوا ، وبينهم تقارب وتدان، ودانيت بين الشيئين: قاربت بينهما ، وهو يتدنّى : يدنو قليلاً قليلاً.وأدنَتِ الفرس فهي مُدْنٍ: دنا نتاجها. وهو ابن عمّي دُنْياً ودِنْياً ولَحّاً. وبعيدٌ يَدَّني خيرٌ من قريبٍ يتبعَّدُ.وهم أدانيه، وعشيرته الأدنوْن.« وإذا أكلتم فدنُّوا».
ومن المجاز : دانَى له القيد ساقيه؛ قال ... وفلان في دنيا دانية ناعمةٍ : يأخذ ما يريد من قرب. ( )
دوح ـ قِلْنا تحت ظلال الدوْح وهي الشجر العظام، الواحدة دوْحة. ويقال: سمرة دوحة، ومِظلّة دوحة: عظيمة. وداحت الشجرة. وأراكة دائحة، وأراك دوائح ، وانداح بطنه: انفتخ وتدلّى من سمن أو علّة ، وتدوَّحَ مثله. وفلان يلبس الدّاحَ وهو الوشي والنقش( )؛ قال:
«بكونه يربط المعنى الصريح بعلاقة بالمعنى الضمني تهتم المسأبة الأولى التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار بالمكانة الإدراكية لهذين المعننين، لقد عامل تراث المنطقية الوضعية هذا التمييز بين المعنى الضمني والصريح بوصفه التمييز بين اللغة الإدراكية والغة الانفعالية، ( )
تلك هي المسـألة التي يمكن للاستعارة أن تؤدي فيها وظيفة حالة اختبارية، إذا استطعنا أن نبين أن العلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي للدلالة هي علاقة داخل الدلالة الشاملة للاستعارة على نموذج بذلك أن على نموذج للتعريف دلالي خالص للأدب، سيصح تطبيقه على فئاته الجوهرية الثلاث: الشعر والمقالات والنثر الفني، نستطيع القول، إذا، إن ما تقوله القصيدة يرتبط بما توحي به ، تماما كما ترتبط دلالتها الأولى بدلالتها الثانوية» ( ).
ثانيا/ دلالة الألفاظ في معجـم أسا س البلاغة بين المعنى الحقيقي والمجازي
معجـم أساس البلاغة من المعاجم التراثية الغنية عن التعريف؛ ومعروف عنه أنّه كنز من كنوز التراث العربي، ومصادره العريقة، وهو المعجم المقصود بالدراسة من وراء هــذا البحث - كما يبدو ذلك من خلال العنوان- والحقيقة أن انشغالات البحث الأساسية لا تنحصر في المعجم بعينه كمدونة، حيث أن المعجم المذكور أعلاه سيُتخذ كوسيلة لعرض الباحثة لأفكارها اللسانية واشغالاتها وتساؤلاتها، وليس كغاية ترجى لذاته...، فالمعجم تراثي سياقي، ثقافي اجتماعي... غني بالظواهر اللغوية، والحق يقال إنه مجال خصب للدّراسة، فلا يخلو زمن من أزمان البحث إلا ونجد اللغويين وطلبة العلم يثيرون في متنه وفي محتواه من الانشغالات البحثية اللسانية، والبلاغية والمعجمية ما يتجدد بتجدد الرؤى والنظريات والمذاهب اللسانية.
ولعله من نافلة القول إن المعنى يرتبط معجميا بأكثر من دلالة واحدة، وهذا أمٌر كذلك يتعلق بالاستعارة، ومدى توغلها في كل نشاط كلامي يقوم به اللسان البشري، لأن التعبير عن المراد لا يمكن أن يكون حقيقة بصورة دائمة؛ كما لا يمكن أن يأتي مجازا أبدا، ومعجم "أساس البلاغة" من المعاجم العلمية الأدبية ذات المنزع البلاغي والغرض التعليمي، كما سبق الإشارة، الذي يعتمد الأسلوب البياني والمجازي، ويرتكز إلى الفصاحة في اللسان من غير إخلال ولا فساد في البيان بشكل مباشر وبطريقة مسهبة (كما قال عنه مؤلفه في مقدمة التعريف به) وهو موجه لعامة الجمهور العام من المتعلمين، المتخصصين وغير المتخصصين، حيث اعتمد في شرح مداخل المعجم أسلوبًا مفعمًا بالمجازات والاستعارات والتشبيهات والتعابير البيانية... التي تملح وتحسن( )، لذلك جعلت الطابع العام للمعجم بلاغي وجاءت في شكل شواهد وأمثلة غزيرة متنوعة بين الشعر، والنثر، والأحاديث النبوية، الأمثال، والحكم، ومختارات من أحسن أقوال العرب العاربة، وتعابيرهم الفصيحة، بما حشد بها هذا العالم الفذ معجمه من مختارات من أحسن أشعار العرب، وروائع مجازات لغتهم وأمثالهم الضاربة، وكناياتهم وتعابيرهم المجازيـة- وإن أخذ على منهجه عدم اعتماد منهج موحد، والخلط بين ترتيب بعض الجذور، وكذا الخلط في شرحها بين الثلاثي والرباعي... والحقيقة أن مآخذ المعجم ونقائصه، لا سيما المنهجية منها، حتى وإن لم تحسب عليه، إلا أنها كثيرة وليس المقام هنا لذكرها لأنني خصصت لها جزءا خاصا من هذا البحث، في القسم الثاني منه [الجانب التطبيقي]
وهو من ناحية ثانية معجم لغوي لا يقتصر على عرض أفكار لغوية معجمية معينة، بما يدعمها من استعارات وتشبيهات مجازية فحسب، بل يستهدف في الـمقام الأول تعليم أساليب البلاغة الراقية التي تجعل متداولي هذا المستوى الرفيع للغة، يكنون إلى تحسس الجانب الأدبي والحس الخيالي وذلك لخلق وسائل تعبيرية روعة البيان وسحر المجاز، ويسعى إلى عرض مادة لغوية ترقى إلى مصاف اللغة الشعرية، والأسلوب البياني الرفيع المستوى التعابير المجازية الرائعة، أو الخارقة للعادة، "فكل استعارة إعلان عن نموذج ضمني في الأساليب البديعة بما يرقى إلى أعلى درجات الفصاحة في اللسـان".
ولربما أن واحدًا من الأسباب الملهمة التي دفعت بالمؤلف إلى تصنيف معجمه هو أن الفكرة لها علاقة بالإعجاز القرآني، وما كان يدور في فلكه من مباحث البيان والمحسنات الأسلوبية، كما أن المؤلف ذو باع طويل في الدراسات اللغوية من التأليف المعجمي، وغير المعجمي، وفي اللسانيات واللغويات، وفي الفقه، والحديث، وبرع في التفسير... وقد صرح مؤلفه بالطابع التعليمي للمعجم وبالغاية التي سعى إليها من وراء تأليفه: « لما أنزل الله تعالى كتابه مختصّاً من بين الكتب السماويّة بصفة البلاغة التي تَقَطّعَت عليها أعناقُ العِتَاقِ السُّبَّقِ...» ( ) ...وأضاف قائلا: «منكانت مَطامحُ نظَرِه ، ومَطارِحُ فِكْرِه؛ الجهاتِ التي تُوَصّلُ إلى تبيُّن مراسِم البلغاء، والعُثُورِ على مَناظم الفصحاء؛ والمُخايرَةِ بين مُتَداوَلات ألفاظهم، ومُتَعَاوَرَاتِ أقوالهم، والمُغَايَرَةِ بين ما انْتَقَوْا منها وانْتَخَلُوا...» ( )
كما يوضح من خلال مادة معجمه، ومن خلال ما رصده فيه من مجازات، وكنايات، واستعارات وأمثلة حية من اللغة المستعملة على ألسنة متداوليها؛ أن الفكرة في "معنى الكلمة" إنما تتجلى من خلال "دلالة الجملة أو العبارة"؛ وهو ما ينبغي الإشارة إليه في معرض الربط بين الدراسات اللغوية العربية القديمة وما توصلت إليه نتائج البحث اللغوي في العالم الغربي الحديث وحتى المعاصر، فالفكرة إنما تقرر وظيفة دلالية لسانية للكلمة المفردة داخل المعجم، وتبين أن المعنى لا يمكن أن نحصره بوجه من الوجوه من خلال هذا المعنى المعجمي المألوف والمتعارف عليه للكلمة، أو ما يعرف بالمعنى الحقيقي، فيما يلعب المجاز دورًا حاسما في تغيير دلالات الكلمة أو توسيعها إلى حد إنتاج دلالات جديدة، قد تكون بعيدة كل البعد عن المعنى الحقيقي المقرر في تلك المعجمات اللغوية.
ولئن كان الأمر كذلك، فإنه في العمق يبين مسألة لسانية صميمة ويكشف عن أثر التداول والاستعمال الاستعاري للغة البلاغة في التوليد الدلالي، وهذا ما أراد أن يبينه المؤلف "أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت538ه)" وسعى إلى يقرر من خلاله: أن اللغة وليدة الموقف الكلامي، وأن الدّلالة هي ما تتضمنه العبارة لا تتقيد بما تفيده الكلمة المفردة، والمعنى بين دلالة الكلمة المفردة والجملة المركبة لا تحكمه قيود في علاقة هذا بذاك، ولا تـمليه شروط بعينها تجعل من هذا المعنى بهذه الكيفية منوالا بلاغيا جماليًا، يحتكم إليه أو قاعدة يقاس عليها جودة التعبير وروعة البلاغة؛ أي أن مسألة المعنى والأسلوب قضية استعمال وتداول، كيف لا، وقد أسالت حبر أقلام اللسانين على مر عصور الدراسات اللغوية .
كما أن الدراسات اللسانية الحديثة تسعى إلى جعل المعنى المحتمل من الاستعارة أكثر تأثيرا وانفعالية،
وذلك على اعتبار أن الاستعارة هي أحد الوسائل التصويرية، حيث يتم منخلالها استبدال كلمة مجازية من
بكلمة حقيقية، هذه الأخيرة التي تُغَيب عنوة: ...«وسائل تصبوا إلى جعل المحتمل أكثر جاذبية، والاستعارة هي إحدى هذه الصور البلاغية، فهي صورة توفر لنا فيها المشابهة سببا لإحلال كلمة مجازية مكان كلمة حرفية غائبة أو مغيبة، وهكذا يجب تمييزها عن صور أسلوبية أخرى من مثل الكناية"metonymy"، الذي تحتل فيها المجاورة الموقع الذي تحتله المشابهة في الاستعارة»( ).
العلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي في المنطوق الاستعاري
إن العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي هي علاقة تكاملية التفافية، بحيث أن أحدهما يلتف حول الآخر ويدور حول فلكه الرمزي، فلا يستغني أحدهما عن الآخر؛ أي بمعنى أن كلا منهما يشكل الآخر؛ ويشارك في بــنائه ضمنيا وشكليا، والرابط بين هذا وذاك هو علاقة السمات الدلالية للرمز، والبعد الدلالي عامل رئيس في ذلك، لأنه ما يجعل تلك العلاقة ذات طابع دوراني بين المعنيين الحقيقي والمجازي هو حقيقة الدلالة الجوهرية العالقة بالمعنى الأصلي للكلمة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "الرمز" الكامن في المعنى، فالكل يعلم أن الرمز علامة لغوية دالة بمعنى الكلمة في كلا الوضعين، فمهما اختلفت استعمالاتها سيظل هنالك رابطا رمزيا بين المعنيين الحقيقي والمجازي، وسيظل المعنى المعجمي للكلمة مدفونا في رمزها، تحركه الاستعارة وتثير معناه بـمزيد من التوسع الدلالي:«تقدم لنا العلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي في منطوق استعاري دليلاً مناسبا يتيح لنا أن نحدد على نحو صحيح السمات الدلالية للرمز، وهذه السمات هي التي تربط صورة كل رمز باللغة، وتضمن بالتالي وحدة الرموز، وظهور هذا البعد الدلالي هو نتيجة المقاربة البدل دلالية التي كنا وما زلنا نخلط فيها الطبيعة الدلالية للرموز بسماتها الأخرى التي تقاوم أي نقل للغة».( )
وعليه يمكن القول بإن جوهر العلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي هو أن هنالك معنى مضمرا يظل دفين الكلمة، وتعمل الاستعارة على تحريكه، أو إكسابه دلالات جديدة ضمن ساقات مجازية وتراكيب أسلوبية متنوعة، والرابط بينهما ذو طبيعة تكاملية دورانية، أي أن المعنى يتحرك حركة التفافية للغوية حول المعنى الثابت، فالسياقات الكلامية المختلفة لها علاقة وطيدة بثقافة المجتمع وطرائقه في التعبير عن المراد: «فحتى لو لم تكن اللغة تشكل الفكر بطريق أحادي مباشر، فإن اللغة والثقافة يتبادلان التأثير والتأثر على نحو يجعل اللغة والثقافة متشابهتان، وتؤديان معا إلى تعزيز أنماط فكرية، معينة، لأنه غير صحيح لسبب بسيط وهو أنه لا توجد أي علاقة بين اللغة والثقافة في المستوى المتعلق بآليات العمل الداخلية للغة، أي نحوها وصرفها، فهذه الجوانب تتشكل بجانب الصدفة المحضة عبر تغير تدريجي» ( )
ثانيا/ نظرية الاستعارة في عرف البلاغة
من المعلوم أنّ "نظرية الاستعارة"، قد وصلتنا من البلاغيين القدماء، واكتملت صوررتها في أذهاننا على أساس أنها أداة للمشابهة ووسيلة للتحيسن العبارة، يراد به تقوية المعنى، ونقل كلمة من معنى إلى معنى ونظر إليها نظرة تحسينية محظة، وفي هذا الشأن أسوق تعريفا للاستعارة وضعه عالم البلاغة العربية في القرن الخامس الهجري: عبد القاهر الجرجاني: (المتوفى 471هـ)، حيث يقول فيه: «... أما «الاستعارة»، فهي ضرب من التشبيه، ونمط من التمثيل، والتشبيه قياس، والقياس يجري فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستفتى فيه الأفهام والأذهان، لا الأسماع والآذان» ( )، وبذلك يكون الجرجاني قد أوضح معنى الاستعارة من جهة البلاغة المحضة، وأعطاها هذا المفهوم الدقيق، من جهة التمثيل، والتشبيه قياس، والقياس بحيث يعرف منه ماهية ووظيفة الاستعارة ضمن أدوات البيان، وقد خصها بجانبي الفهم والذهنية، ووضع لها تعريفًا جعلها لا تخرج من خلاله عن دائرة التشبيه والتمثيل والاستبدال... وحصرها ضمن فروع المجاز عموما، ولم يلتفت إلى ما صارت الحديثة تدعوا إليه من مفاهيم لسانية فلسفية وأخرى عرفانية أنطولوجية،... لكن في الواقع، هذه النظرة لم تعد كافية اليوم في ضوء علم الدالة الحديث، وما يطرحه من معطيات علمية، وخصوصا ما تعلق منه بعلم دلالة الجملة، ذلك أن علم الدلالة يهتم بدراسة معنى الجملة والمعنى من خلال سياق الكلمة في الجملة لا من خلال كونها في الوضع المفرد، والاستعارة كذلك: « فالاستعارة تهتم بعلم دلالة الجملة، قبل أن تهتم بعلم دلالة الكلمة المفردة» ( ) ومن أهم اللسانين المـُحدثين: الذين خاضوا في موضوع الاستعارة بمفهومها الكوني الشمولي ، نذكر: مارك جونسون، جورج مايكل، وبول ريكور...، وقد دعم هذا الأخير "بول ريكور"، هذا الاتجاه الفلسفي فيما يتعلق بموضوع الاستعارة من خلال مؤلفاته العديدة ولعل أشهرها هو كتابه الذي المعنون بـ: الاستعارة الحية، وهذا لا يعني أنه المؤلف الوحيد من بين كتبه الذي يعالج : نظرية الاستعارة بمفهومها الحديث؛بل نجد الفكرة مبثوثة بين جميع ورقات مؤلفاته من مثل : "نظرية التأويل، "الـخطاب وفائض الـمعنى"، يرى أن الاستعارة لا تهتم بعلم دلالة الكلمة المفردة بل تجعل من علم دلالة الجملة، همها الأول، وبذلك تدخل الاستعارة علم الدلالة من بابه الواسع؛ بعدما دخلت البيان كذلك وظلت لردح غير يسير من الزمن، فقد سيطر في الفكر البلاغي التقليدي نظريات كلاسيكية ساد فيها أن المشابهة سببًا لإحلال كلمة مجازية مكان كلمة حرفية غائبة أو مغيبة، وهكذا يجب تمييزها عن صور أسلوبية أخرى من مثل الكناية"metonymy"، الذي تحتل فيها المجاورة الموقع الذي تحتله المشابهة في الاستعارة: «عبارة هي إحدى هذه الصور البلاغية، فهي صورة توفر لنا فيها المشابهة سببًا لإحلال كلمة مجازية مكان كلمة حرفية غائبة أو مغيبة، وهكذا يجب تمييزها عن صور أسلوبية أخرى
من مثل الكناية "metonymy"، الذي تحتل فيها المجاورة الموقع الذي تحتله المشابهة في الاستعارة» ( ).
إن البحث في تفسير الاستعارة، وتفكيك التركيب الكلامي إلى أجزائه الأولية يقتضي منا تفكيك أطراف المشابهة؛ لأن الاستعارة في الواقع ما هي إلأ مشابهة بين مستعار ومستعار منه، وذلك إلى مكوناتها الأساسية التي انبنت عليها تركيبيا داخليا وظاهريا، أي من ناحية المبنى والمعنى، وبعد ذلك يقتضي بنا الأمر إلى تفييمها من الجانبين:
أ. ظاهريا: من حيث جنس المستعار والمستعار منه، وكيف تم عقد المشابهة من المادي المحسوس ، مثلا، إلى المعنوي اللامحسوس... أو العكس من ذلك
ب. داخليَا: ثم تفسيرها داخليا من حيث المعنى وما للمجاز من أثر في تغيير المعنى الحرفي أو المعنى المعجمي للكلمة، إلى دلالات جديدة أكثر اتساعا من رقعة المعنى الحقيقي، فالاستعارة كنظام كلامي لا توجد في ذاتها ولكن توجد في تفسيرها مما يستدعي عملية تفكيك للمعنى، وتدميره، وإعادة بنائه: «الاستعارة لا توجد في حد ذاتها، بل إنها كأسلوب من الأساليب الكلامية وطربقة من طرائق التعبير اللغوي لا تكمن في ذاتها ولكنها تكمن في تفسير معنى هذا التشبيه والعلاقة بين المستعار والمستعار منه بما يستدعي تفكيك أطرفها وإعادة بتائه: « فالاستعارة كنظام كلامي لا توجد في ذاتها ولكن توجد في تفسيرها مما يستدعي عملية تفكيك للمعنى، وتدميره، وإعادة بنائه: «الاستعارة لا توجد في حد ذاتها، بل في التأويل ومن خلاله، ويفترض التأويل الاستعاري أصلا، لا التأويل الحرفي الذي يفك نفسه في تناقض دال، وعملية التدمير الذاتي، أو التحويل هذه، هي التي تملي نوعا من تحريف الكلمات وتوسيع معانيها» ( )...
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...
درك الإمام أن ط...درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...
2 - بداية عصر ا...2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...
بالقرب من مدينة...بالقرب من مدينة أور الأثرية. كان من المقرر أن يمتد موسم التنقيب لهذا العام من منتصف شهر سبتمبر/أيلول...
This is my Engl...This is my English timetable. I have three English classes every week. My classes are on Sunday, Tue...
ينتسب المعنيون ...ينتسب المعنيون الى الأمير معن بن ايوب الملقب بابي ربيعة، وهم عرب يمنيون نزحوا من شمالي بلاد الشام وم...
زار وفد شركة «م...زار وفد شركة «موف وان» (Move One) العالمية للخدمات اللوجستية، البريطانية الأمريكية، برئاسة السيد جيس...
ابتدأت السورة ا...ابتدأت السورة الكريمة بالقسم بالسماء ذللك كواكب التي تطلع ليلا لتضيئ سبلهم ساقت الإدارة البراهين عل...
المبحث الثاني: ...المبحث الثاني: الفرق بين التطور الاقتصادي والنمو الاقتصادي النمو الاقتصادي هو الزيادة في الناتج أو ا...
يُعدّ التحدي ال...يُعدّ التحدي الأكبر الذي واجهته خلال النصف الأول من فترة التدريس الميداني هو العمل على تصميم بيئة صف...
نشأة المدرسة ال...نشأة المدرسة التقليدية في علم الآثار الجذور (القرنان 15–18): بدأت باهتمام أوروبا في عصر النهضة بالآث...
1. باب التاسيس ...1. باب التاسيس التشريعي:- الاحتياج التشريعي لتطوير القائم حتميا ، فقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم...